• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    نفحات الجمعة وفضل المبكرين (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    هل لكل نبي أو رسول كتاب؟
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    وجود والديك على ظهر الدنيا فرصة لدخول الجنة
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {إن في خلق السماوات ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    ثمار الإيمان بالقضاء والقدر (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    طرق تصحيح العقود المشتملة على مخالفات شرعية: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    تأملات في سورة الفيل
    إيمان الخولي
  •  
    (الرهن) نموذج تطبيقي لشمول الشريعة الإسلامية ...
    د. محمد بن علي بن جميل المطري
  •  
    اسم الله: المتكبر (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    انفراد الله بالرزق
    محمد بن قحطان سندي
  •  
    باب في الخطب
    د. خالد النجار
  •  
    خطبة: ( إن ربك لبالمرصاد )
    الشيخ عبدالخالق حنش
  •  
    اسم الله العلي
    خليل الحربي
  •  
    التيمم: أحكام فقهية ومعان تربوية (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    الوقف الإسلامي بين الماضي والحاضر (1)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تخريج حديث: إذا قلس أحدكم فليتوضأ (1)
    الشيخ محمد طه شعبان
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

اسم الله: المتكبر (خطبة)

اسم الله: المتكبر (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/10/2026 ميلادي - 24/4/1448 هجري

الزيارات: 75

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

اسْمُ اللَّهِ ﴿ الْمُتَكَبِّرُ ﴾


إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.


أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ!


فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا بِدِينِ الإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَإِنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].


عِبَادَ اللهِ: (نَفَحَاتٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلْيَا) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، نَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ، لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَقُدْرَتِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَتَسْلِيمِ الأَمْرِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَلِنَأْخُذَ مِنْهَا شُمُوسًا تُوقِدُ لَنَا دُرُوبَ الحَيَاةِ، وَنَتَنَشَّقُ مِنْ عِبَرِهَا عِطْرًا يُحْيِي النُّفُوسَ وَالْقُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ.


﴿ اسْمُ اللَّهِ: الْمُتَكَبِّرُ ﴾: عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.


عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: وَمَا أَدْرَاكَ مَا اسْمُ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرُ؟!

ثَانِيًا: نَفَحَاتٌ فِي اسْمِ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرٍ.

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَثَرُ اسْمِ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرِ فِي حَيَاتِنَا.


أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: اسْمِ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرِ، وَخَاصَّةً وَإِنَّ مَعْرِفَةَ أَسْمَاءِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا تَتَضَمَّنُهُ مِنْ مَعَانٍ جَلِيلَةٍ، وَأَسْرَارٍ بَدِيعَةٍ، لَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُعِينُ عَلَى زِيَادَةِ إِيمَانِ الْعَبْدِ، وَتَقْوِيَةِ يَقِينِهِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ عِلْمًا بِأَسْمَاءِ رَبِّهِ وَصِفَاتِهِ، ازْدَادَ لَهُ حُبًّا، وَمِنْهُ خَوْفًا، وَبِهِ رَجَاءً، وَعَلَيْهِ تَوَكُّلًا، وَإِلَيْهِ إِنَابَةً، وَكَانَ أَعْظَمَ عِبَادَةً لِلَّهِ وَأَكْمَلَ اسْتِقَامَةً عَلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ. وَخَاصَّةً وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَزِيدُ الْقَلْبَ إِيمَانًا، أَنْ يَعْرِفَ الْعَبْدُ رَبَّهُ بِاسْمِهِ الْمُتَكَبِّرِ، الَّذِي لَا يَلِيقُ الْكِبْرِيَاءُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يَصْلُحُ الْعُلُوُّ وَالْعَظَمَةُ سِوَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَصِفَاتُ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ-: صِفَاتُ كَمَالٍ وَجَلَالٍ؛ فَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ يَتَكَبَّرُ وَيَتَعَالَى وَيَتَقَدَّسُ وَيَتَنَزَّهُ عَنِ الِاتِّصَافِ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ، وَالنَّقْصِ وَالْجَهْلِ، وَالضَّعْفِ وَالنَّوْمِ؛ وَغَيْرِهَا مِمَّا اتَّصَفَ بِهِ الْخَلْقُ؛ وَلِذَا؛ فَأَنْتَ -يَا عَبْدَ اللَّهِ!- إِذَا اسْتَحْضَرْتَ صِفَاتِ اللَّهِ فَاعْلَمْ أَنَّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ وَجَلَالٍ، وَانْفِ التَّشْبِيهَ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ صِفَاتِهِ -سُبْحَانَهُ:

فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ وَالْأَوْصَافِ
وَالْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ بِالْبُرْهَانِ
لَا شَيْءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ
سُبْحَانَهُ عَنْ إِفْكِ ذِي الْبُهْتَانِ

أَوَّلًا: وَمَا أَدْرَاكَ مَا اسْمُ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرُ؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ مَعْرِفَةَ أَسْمَاءِ اللهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَزِيدُ مِنْ تَعْظِيمِ الرَّبِّ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، لِيَزْدَادَ إِيمَانهُمْ، وَيَثْبُتُ تَوْحِيدُهُمْ، وَمِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الثَّابِتَةُ: "المتكبر"، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى. قَالَ الله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: 23]. وقَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، هَذِهِ الْآيَةَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67] قَالَ: «يَقُولُ اللهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُتَعَالِي، يُمَجِّدُ نَفْسَهُ». قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ، يُرَدِّدُهَا حَتَّى رَجَفَ بِهِ الْمِنْبَرُ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيَخِرُّ بِهِ؛ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. فَهٰذَا الِاسْمُ الْعَظِيمُ الَّذِي يَزْرَعُ فِي النَّفْسِ الِارْتِيَاحَ وَالسَّكِينَةَ وَالْخُضُوعَ لِلَّهِ تَعَالَى، عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْفَظَهُ، وَأَنْ يَتَدَبَّرَهُ، وَأَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَاهُ. فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الْمُتَكَبِّرُ، عَلِمَ أَنَّ كُلَّ كِبْرٍ فِي الْخَلْقِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ كُلَّ عُلُوٍّ لِغَيْرِ اللَّهِ مَذْمُومٌ، فَيَكُونُ ذٰلِكَ دَاعِيًا لَهُ إِلَى تَحْقِيرِ النَّفْسِ عِنْدَ الْغُرُورِ، وَإِلَى تَزْكِيَتِهَا بِالتَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ.

 

وَقَدْ ثَبَتَ وُصْفُ الْكِبْرِيَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَمَالِ جَلَالِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الجاثية: 36-37]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آَنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آَنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَهٰذِهِ النُّصُوصُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ صِفَةٌ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ، فَمَنْ تَكَبَّرَ مِنَ الْخَلْقِ نَازَعَ رَبَّهُ فِي صِفَةٍ مِنْ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَكَفَى بِذٰلِكَ خُطُورَةً وَإِثْمًا.وَالمُتَكَبِّرُ هوَ العَظِيمُ المُتَعَالِي القَاهِرُ لِعُتَاةِ خَلْقِهِ، إذا نَازَعُوهُ العَظَمَةَ قَصَمَهُم، المُتَكَبِّرُ هوَ الذي تَكَبَّرَ عَن كُلِّ سُوءٍ، وتَكَبَّرَ عَن ظُلْمِ عِبَادِهِ، وتَكَبَّرَ عَن قَبُولِ الشِّرْكِ في العِبَادَةِ، المُتَكَبِّرُ هوَ ذُو الكِبْرِيَاءِ، وهوَ أَغْنَى الأَغْنِيَاء عَن الشُّرَكَاءِ. روى الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَن الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلَاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».صِفَةُ الكِبْرِيَاءِ للهِ تعالى مَدْحٌ وكَمَالٌ، وفي صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ ذَمٌّ ونَقْصٌ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ وتعالى المُتَفَرِّدُ بالعَظَمَةِ والكِبْرِيَاءِ، وهذهِ الصِّفَةُ لا تَكُونُ إلا للهِ تعالى، ولا تَلِيقُ هذهِ الصِّفَةُ بِأَحَدٍ من الخَلْقِ، وإِنَّمَا صِفَةُ العَبدِ وسِمَتُهُ الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، قَالَ تعالى: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوَىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ وقَالَ تعالى مُخْبِرَاً عَن سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾. وقَالَ تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾.فَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وَتَكَبَّرَ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَتَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ، وَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ هُوَ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلَى عُتَاةِ خَلْقِهِ إِذَا نَازَعُوهُ الْعَظَمَةَ؛ فَهُوَ الْمُتَكَبِّرُ، الْمُتَكَبِّرُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، الْمُتَعَظِّمُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ وَالذَّمِّ. وَأَصْلُ الْكِبْرِيَاءِ: الِامْتِنَاعُ، وَرَبُّنَا الْمُتَكَبِّرُ مُمْتَنِعٌ عَنِ النَّقْصِ وَالسُّوءِ وَالْعَيْبِ، وَالتَّاءُ فِي اسْمِهِ ﴿ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ لَيْسَتْ تَاءَ التَّعَاطِي وَالتَّكَلُّفِ؛ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَتَعَظَّمُ وَلَيْسَ بِعَظِيمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ: تَاءُ التَّفَرُّدِ وَالِاخْتِصَاصِ. وَالتَّكَبُّرُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِهِ -سُبْحَانَهُ-؛ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ الْمَلِكُ وَمَا سِوَاهُ مَمْلُوكٌ، وَهُوَ وَحْدَهُ الرَّبُّ وَمَا سِوَاهُ مَرْبُوبٌ، وَهُوَ الْخَالِقُ وَحْدَهُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَهُوَ وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ وَالْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، الْكِبْرِيَاءُ: هِيَ الْعَظَمَةُ وَالْجَلَالُ، وَالْمُتَكَبِّرُ: هُوَ الْمُتَعَاظِمُ الْمُتَعَالِي عَنْ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ الْخَطَّابِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «الْمُتَكَبِّرُ: الْمُتَعَالِي عَنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ، وَيُقَالُ: هُوَ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلَى عُتَاةِ خَلْقِهِ إِذَا نَازَعُوهُ الْعَظَمَةَ فَيَقْصِمُهُمْ». وَقَالَ قَتَادَةُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ»، وَقِيلَ: «الْمُتَكَبِّرُ هُوَ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ». فَالْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُتَنَزِّهُ فِي ذَاتِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، وَعَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَالْمُتَنَزِّهُ فِي أَفْعَالِهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَشَرٍّ وَظُلْمٍ. فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُتَكَبِّرُ الْمُتَعَالِي الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَلَا يُدَانِيهِ مَخْلُوقٌ، فَكُلُّ مَا سِوَاهُ دُونَ جَلَالِهِ صَغِيرٌ حَقِيرٌ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُتَكَبِّرُ عَلَى عُتَاةِ خَلْقِهِ وَجَبَابِرَتِهِمْ إِذَا نَازَعُوهُ الْعَظَمَةَ فَيَقْصِمُهُمْ وَيُذِلُّهُمْ، فَلَا يَقُومُ لِكِبْرِيَائِهِ أَحَدٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾. وَقَدْ قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ: هُوَ «الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْمَجْدِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَجَلُّ وَأَعْلَى، وَلَهُ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ».

 

وَالْكَبِيرُ: هُوَ الَّذِي لَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ بَيْنَ عِبَادِهِ الْأَخْيَارِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا لَهُ سُبْحَانَهُ حَقَّ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الجاثية: 37]. فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي تَكَبَّرَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ ظُلْمٍ لِلْعِبَادِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»؛ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُتَكَبِّرُ الَّذِي تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ، فَلَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ وَلَا يَعْتَرِيهِ سُوءٌ، بَلْ هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ذَاتًا وَقَدْرًا وَعِزًّا وَجَلَالًا، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الْعَظِيمُ الْمُتَعَالِي، لَا يُدَانِيهِ شَيْءٌ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِي عُلُوِّهِ وَكِبْرِيَائِهِ أَحَدٌ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلَى عُتَاةِ خَلْقِهِ إِذَا تَجَبَّرُوا أَوْ بَغَوْا أَوْ نَازَعُوهُ الْعَظَمَةَ، فَيُذِلُّهُمْ وَيَقْصِمُهُمْ بِقُدْرَتِهِ.

 

فَسُبْحَانَ مَنْ تَفَرَّدَ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ، وَأَذَلَّ كُلَّ مُتَكَبِّرٍ عَلَى الْحَقِّ، وَجَعَلَ التَّوَاضُعَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى رِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ.


ثَانِيًا: نَفَحَاتٌ فِي اسْمِ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرٍ.

أَيُّهَا السَّادَةُ:إن صِفَةُ الكِبْرِيَاءِ للهِ تعالى مَدْحٌ وكَمَالٌ؛ لأنه المستحق لها، فهي صفة الخالق وليست صفة المخلوق، وإذا اتصف بها المخلوق فهي ذَمٌّ ونَقْصٌ وعيب، ومَآلُ المُتَكَبِّرِ من النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ نَارُ جَهَنَّمَ، فمَن عَرَفَ اسْمَ اللهِ تعالى المُتَكَبِّرَ، فَإِنَّهُ لا يَجْتَرِئُ على الاتصاف بهذهِ الصِّفَةِ، وبهذا الاسْمِ المُبَارَكِ، بَل يَسْعَى لِنَفْيِ الكِبْرِ عَن نَفْسِهِ، ويَسْعَى لِخَلْعِ أَوْصَافِ الرُّبُوبِيَّةِ عَن نَفْسِهِ، فلا يَتَعَالَى، ولا يَتَكَبَّرُ، ولا يَتَمَظْهَرُ، ولا يَتَبَخْتَرُ، بَل يَتَوَاضَعُ، لأن صِفَةُ العَبدِ وسِمَتُهُ الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ لله عز وجل، لأن الكبر في العباد ينافي حقيقة العبودية، وأول ذنب عُصي الله به هو: ذنب إبليس حين أبى واستكبر وامتنع عن امتثال أمر الله له بالسجود لآدم، قال تعالى: ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34] فالكبر إذًا ينافي حقيقة العبودية والاستسلام لرب العالمين، قال سبحانه: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]. وَمَقَامُ الْمَخْلُوقِ: مَقَامُ عُبُودِيَّةٍ وَخُضُوعٍ، وَذُلٍّ وَانْكِسَارٍ لِلْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ لِذَلِكَ نَزَّهَ اللَّهُ -تَعَالَى- أَنْبِيَاءَهُ وَعِبَادَهُ الصَّالِحِينَ عَنِ الْكِبْرِ، وَكَانُوا يَسْتَعِيذُونَ مِنَ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ؛ ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ [مَرْيَمَ: 14]، ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مَرْيَمَ: 32]، ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ [غَافِرٍ: 27]، وَمَنِ اتَّصَفَ بِهَا فَسَدَتْ نَفْسُهُ، وَزَالَ عَنْهَا صَلَاحُهَا، وَطُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ بِالرَّانِ؛ ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غَافِرٍ: 35]، وَلِذَا؛ كَانَ إِبْلِيسُ إِمَامَ الْمُتَكَبِّرِينَ؛ ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [ص: 74]. وَهِيَ صِفَاتُ الْمُلُوكِ الطُّغَاةِ؛ كَفِرْعَوْنَ وَمَنْ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنَ الطُّغَاةِ؛ ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ [الْقَصَصِ: 39]، وَمَنْ زَادَ مَالُهُ وَكَثُرَ عِيَالُهُ، وَبَارَزَ اللَّهَ بِهِمَا؛ تَسَلَّلَ الْكِبْرُ إِلَى قَلْبِهِ، فَمَنَعَهُ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ؛ كَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ؛ ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: 11 – 26]. وَالْكِبْرُ: سَبَبُ هَلَاكِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِةَ بِالْحَقِّ؛ ﴿ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ ﴾ [غَافِرٍ: 15]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 88]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 76]. وَمَآلُ الْمُتَكَبِّرِينَ: جَهَنَّمُ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ -نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا-؛ ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غَافِرٍ: 60]، ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ [الزُّمَرِ: 60]. وَلَا يَتَسَلَّلُ الْكِبْرُ إِلَّا إِلَى الْقَلْبِ الْمَرِيضِ؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [غَافِرٍ: 56]. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْءٌ مِنَ الْكِبَرِ قَطُّ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ بِقَدْرِ مَا دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ قَلَّ أَوْ كَثُرَ". وَقَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "مَا تَكَبَّرَ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ ذِلَّةٍ يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ"؛ فَإِذَا تَسَلَّلَ أَصْبَحَ مُنَازِعًا، صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ"، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً! قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ"(أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ)، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلِ الْحَقَّ وَازْدَرَى النَّاسَ يَكُنْ مُتَكَبِّرًا، وَمَآلُهُ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ"(أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). وَجَاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ: طِينَةِ الْخَبَالِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ)؛ -أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا-. حُكِيَ: "أَنَّ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ نَظَرَ إِلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ يَسْحَبُهَا، وَيَمْشِي الْخُيَلَاءَ؛ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ! مَا هَذِهِ الْمِشْيَةُ الَّتِي يَبْغَضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ فَقَالَ: بَلْ أَعْرِفُكَ، أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَحَشْوُكَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ بَوْلٌ وَعَذِرَةٌ".

 

لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِيمَا فِي بُطُونِهِمُ
مَا اسْتَشْعَرَ الْكِبْرَ شُبَّانٌ وَلَا شِيبُ

لقد عَلَّمَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ أَنْ نَدْعُوَ اللهَ تعالى بِصِفَةِ اللهِ تعالى التي تَضَمَّنَتِ اسْمَ المُتَكَبِّرِ.


روى الإمام مسلم عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامَاً أَقُولُهُ. قَالَ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرَاً، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرَاً، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ». قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي، فَمَا لِي؟ قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي». وروى الديلمي عَن البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَسْأَلُكَ باللهِ وَرَسُولِهِ إلا خَصَصْتَنِي بِأَعْظَمِ ما خَصَّكَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ واخْتَصَّهُ به جِبْرِيلُ وَأَرْسَلَهُ به الرَّحْمَنُ. فَضَحِكَ ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا بَرَاءُ، إذا أَرَدْتَ أَنْ تَدْعُوَ اللهَ عزَّ وجلَّ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، فَاقْرَأْ من أَوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ إلى آخِرِ سِتِّ آياتٍ مِنهَا إلى: ﴿ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. وآخِرَ سُورَةِ الحَشْرِ، يَعْنِي أَرْبَعَ آيَاتٍ، ثمَّ ارْفَعْ يَدَيْكَ فَقُلْ: يَا مَن هوَ هكذا أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هذهِ الأَسْمَاءِ أنْ تٌصَلِّيَ على مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ، وأنْ تَفْعَلَ بِي كذا وكذا مِمَّا تُرِيدُ، فَوَالذي لا إِلَهَ غَيْرُهُ لَتُقْبَلَنَّ بِحَاجَتِكَ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى. وهذا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ يَسْتَجِيرُ باللهِ تعالى من كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ، قَالَ تعالى مُخْبِرَاً عَن دُعَائِهِ عَلَيهِ السَّلامُ: ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.


ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَثَرُ اسْمِ اللَّهِ الْمُتَكَبِّرِ فِي حَيَاتِنَا.

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ التَّكَبُّرَ وَالِاسْتِكْبَارَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَصُدُّ الْعَبْدَ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ، وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْقِيَادِ لِوَحْيِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الصافات: 35]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ [الجاثية: 31]. أَيْ: رَدُّوا الْحَقَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ تَكَبُّرًا وَاسْتِعْلَاءً، وَزَهْدًا فِي الْهُدَى، حَتَّى صَارَ الِاسْتِكْبَارُ حَاجِزًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ. وَيَقُودُهُمُ الِاسْتِكْبَارُ إِلَى اسْتِصْغَارِ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ نُوحٍ: ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾ [الشعراء: 111]. فَانْظُرْ كَيْفَ حَجَبَهُمُ الْكِبْرُ عَنِ الْحَقِّ، حَتَّى رَدُّوهُ بِالنَّظَرِ إِلَى أَحْوَالِ الْأَتْبَاعِ لَا إِلَى صِدْقِ الرِّسَالَةِ. وَإِنَّ مَنْ رَفَضَ الِانْقِيَادَ لِلْحَقِّ وَتَكَبَّرَ عَنْهُ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِعُقُوبَةٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْ أَشَدِّهَا الطَّبْعُ عَلَى الْقَلْبِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ ذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35]. وَالْكِبْرُ كَانَ سَبَبًا فِي هَلَاكِ إِبْلِيسَ -لَعَنَهُ اللَّهُ-، إِذْ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ عَنْ السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34]. فَمَنْ تَكَبَّرَ فَقَدْ شَابَهَ إِبْلِيسَ فِي خُلُقِهِ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ فِي الرَّدِّ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْحَقِّ، وَهٰذَا مِنْ أَخْطَرِ مَا يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ فِي دِينِهِ وَآخِرَتِهِ. وَلِذٰلِكَ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِلْمُتَكَبِّرِينَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ…»؛ "رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم". فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ الْكِبْرَ سَبَبَ هَلَاكٍ وَخِزْيٍ، وَجَعَلَ التَّوَاضُعَ سَبِيلَ نَجَاةٍ وَرِفْعَةٍ، وَالْعِزَّ كُلَّهُ فِي الِانْقِيَادِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

وَمِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ بِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ ﴿ الْمُتَكَبِّرُ – الْكَبِيرُ ﴾: أَنْ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالتَّوَاضُعُ لَيْسَ ذُلًّا وَلَا هَوَانًا، بَلْ هُوَ خُضُوعٌ لِلْحَقِّ، وَلِينٌ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ وَلَا انْكِسَارٍ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ أَنَّ صِفَةَ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ هَيِّنًا لَيِّنًا، يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، بَعِيدًا عَنِ الْبَطَرِ وَالْكِبْرِ وَالْعُلُوِّ.


وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: « إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»؛ "رَوَاهُ مُسْلِمٌ". فَلَا يَكُونُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ حَظٌّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ، فَإِنَّ الْكِبْرِيَاءَ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83]. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ»؛ "مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ".

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ بِاسْمِهِ الْمُتَكَبِّرِ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، اسْتَقَرَّ فِي قَلْبِهِ يَقِينٌ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، وَلَا يَبْخَسُ أَحَدًا حَقَّهُ، بَلْ هُوَ الْعَدْلُ الْحَكِيمُ الَّذِي لَا يَضِيعُ عِنْدَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ. فَيَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ أَنَّ كُلَّ مَا يُصِيبُهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ جَزَاءٍ فَهُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، لَا بِعَمَلِهِ وَحْدَهُ، فَيَسْكُنُ قَلْبُهُ وَيَطْمَئِنُّ، وَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ﴾ [طه: 112]. وَمِنَ الْآثَارِ الْإِيمَانِيَّةِ لِاسْمِهِ سُبْحَانَهُ ﴿ الْمُتَكَبِّرِ ﴾: أَنَّهُ يُوَرِّثُ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ ثِقَةً عَظِيمَةً بِاللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتِزَازًا بِهِ سُبْحَانَهُ، وَسُكُونًا إِلَى جَنَابِهِ؛ إِذْ هُوَ صَاحِبُ الْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ. وَالنَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ الضَّعِيفَةُ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى مَنْ تَلْجَأُ إِلَيْهِ، وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَسْعَدَ لِلْقَلْبِ وَلَا أَكْمَلَ لَهُ مِنْ أَنْ يَلُوذَ بِالْمُتَكَبِّرِ الْمُتَعَالِي سُبْحَانَهُ، فَيَجِدَ فِي ذٰلِكَ اللُّجُوءِ الرَّاحَةَ وَالْأَمَانَ وَالِاطْمِئْنَانَ.

 

فَإِذَا تَعَلَّقَ الْعَبْدُ بِرَبِّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِي، أَصْبَحَ عَزِيزًا بِعِزَّتِهِ، قَوِيًّا بِقُوَّتِهِ، لَا يَخْضَعُ لِمَخْلُوقٍ، وَلَا يَنْكَسِرُ أَمَامَ بَاطِلٍ. وَقَدِ اسْتَجَارَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَبِّهِ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، فَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْه: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: 27]. وَمِنْ مَظَاهِرِ هٰذِهِ الْعِزَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ مَا وَقَعَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ، حِينَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: «أُعْلُ هُبَلْ»، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تُجِيبُونَهُ؟» قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ» "رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ". فَكَلِمَاتٌ قَلِيلَةٌ، وَلَكِنَّهَا تَحْمِلُ يَقِينًا عَظِيمًا، وَثِقَةً رَاسِخَةً بِعُلُوِّ اللَّهِ وَجَلَالِهِ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُرَبِّي فِي الْقَلْبِ مَعْنَى الْعِزَّةِ أَنْ يَعِيشَ الْمُؤْمِنُ مَعَ «اللَّهُ أَكْبَرُ»، فَتَصْغُرُ فِي نَفْسِهِ الدُّنْيَا، وَيَكْبُرُ فِي قَلْبِهِ رَبُّهُ، فَلَا يُعَظِّمُ شَيْئًا عَظَّمَهُ اللَّهُ، وَلَا يُهَوِّنُ شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّهُ عَظِيمًا.

 

وَمِنَ الْآثَارِ الْإِيمَانِيَّةِ: أَنَّ هٰذَا الِاسْمَ يُورِثُ بُغْضَ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَنَزَّهَ عَنِ الظُّلْمِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا».


فَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ رَبَّهُ الْمُتَكَبِّرَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، اسْتَحْيَا أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ الظُّلْمَ إِنَّمَا يَنْبُعُ مِنَ الْكِبْرِ وَالْعُلُوِّ عَلَى الْخَلْقِ. وَمِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

 

وَهَلْ أَبَى الْكَافِرُونَ الْحَقَّ إِلَّا اسْتِكْبَارًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴾ [نوح: 7]. فَالسَّعَادَةُ كُلُّ السَّعَادَةِ فِي الِانْقِيَادِ لِلَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِي، وَالْخُضُوعِ لِجَلَالِهِ، وَالتَّأَدُّبِ مَعَ عَظَمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْكِبْرُ: مَرَضٌ عُضَالٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ إِبْلِيسَ، وَقَدِ ابْتُلِيَ بِهِ فِي هَذَا الزَّمِنِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ! سَوَاءٌ فِي الْمَعِيشَةِ أَوِ الْعَشِيرَةِ أَوِ الذَّهَبِ أَوِ الْمَالِ؛ حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ! وَمَنِ اعْتَرَاهُ هَذَا؛ فَقَدِ اعْتَرَاهُ الْكِبْرُ؛ فَلْيَنْظُرْ فِي بَاطِنِهِ نَظَرَ الْعُقُلَاءِ، وَلَا يَنْظُرْ إِلَى ظَاهِرِهِ نَظَرَ الْبَهَائِمِ! وَلْيَتَذَكَّرْ أَصْلَ وُجُودِهِ، وَمِنْ أَيْنَ خَرَجَ؟ وَنِهَايَتُهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.. جِيفَةٌ مُنْتِنَةٌ! وَعَلَيْهِ بِالتَّوَاضُعِ وَمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَضِعَافِ النَّاسِ، وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَمُشَاهَدَةِ الْمُحْتَضَرِينَ وَأَهْلِ الْبَلَاءِ، وَالنَّظَرِ فِي سِيَرِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَأَخْبَارِهِمْ؛ كَيْفَ كَانُوا؟ وَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ صَارُوا؟

كَأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ بِأَخْبَارِ مَنْ مَضَى
وَلَمْ تَرَ فِي الْبَاقِينَ مَا يَصْنَعُ الدَّهْرُ
فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ دِيَارُهُمْ
مَحَاهَا مَجَالُ الرِّيحِ بَعْدَكَ وَالْقَبْرُ


فَسُبْحَانَ مَنْ تَفَرَّدَ بِالْكِبْرِيَاءِ، وَجَعَلَ التَّوَاضُعَ سَبِيلَ أَوْلِيَائِهِ، وَالْكِبْرَ سَبَبَ هَلَاكِ أَعْدَائِهِ.


اللَّهُمَّ! إِنَّا نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْمُتَكَبِّرِ: أَنْ تَرْحَمَ ضَعْفَنَا، وَتَسْتُرَ عَيْبَنَا، وَتَغْفِرَ ذَنْبَنَا.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • اسم الله (الرحمن) و(الرحيم) (خطبة)
  • اسم الله: السلام (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • رقية المريض بقول: باسم الله أَرقيك، وقول: باسم الله يبريك(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرح أسماء الله الحسنى أو (إعلام اللبيبة الحسنا بمعاني أسماء الله الحسنى) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • اسم الله (العلي) واسم الله (العظيم)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حكم قول: باسم الشعب، باسم العروبة، باسم الوطن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المشتقات (اسم الفاعل - اسم المفعول - الصفة المشبهة - اسم التفضيل)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • معنى اسم الجواد من أسماء الله الحسنى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اسم الله .. أعذب الأسماء ( تغريدات )(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الدرة الحسنا في نظم تسعة وتسعين اسما من أسماء الله الحسنى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فقه اسم الله الحليم (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 23/4/1448هـ - الساعة: 12:24
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب