• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: غزوة الخندق: آيات وهدايات
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    هل تفسير الرؤى علم يدرس؟!
    ياسين نزال
  •  
    دين واحد ورسالات متعددة
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    رسالات القرآن للقلوب
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    فضل الصديقية
    إبراهيم الدميجي
  •  
    الخلال النبوية (31) {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ...
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    أصل الداء وسبيل الشفاء: أزمة الأمة بين الانحراف ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (خطبة)
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    حديث: يا رسول الله، إن ابني هذا كان في بطني له ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    تفسير قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    فماذا بعد الحق إلا الضلال: خطاب عقلاني للرد على ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    الكتاب والسنة لا يفترقان
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    هلك المتنطعون (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    هل أحببت الله حقا؟
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    باب في فضل هذه الأمة
    د. خالد النجار
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / رجالات الإسلام
علامة باركود

أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)

أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 30/7/2026 ميلادي - 16/2/1448 هجري

الزيارات: 4676

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ

 

الحَمدُ للهِ مَلَأَ بِنُورِ الإِيمانِ قُلُوبَ أَهلِ السَّعَادَةِ، فَأقبَلَتْ عَلَى طَاعةِ رَبِّهَا مُنقَادَةً، فَحَقَّقُوا حُسنَ الـمُعتَقَدِ وَحُسْنَ العَمَلِ وَحُسْنَ الرِّضَا وَحُسْنَ العِبَادَة، أَحمَدُهُ- سُبحَانَهُ- وَأَشْكُرُهُ وَقَدْ أَذِنَ لِمَنْ شَكَرَهُ بالزِّيَادَةِ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهَ وَحدَهُ لَا شَريكَ لَهُ شَهَادَةً تُبَلِّغُ صَاحِبَهَا الحُسنَى وَزِيَادَةً، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبَيَّنَا مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الـمَخصُوصُ بِعُمُومِ الرِّسَالَةِ، وَكَمَالِ السِّيَادَةِ، صَلَّى الله ُوَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آَلِهِ وَأَصحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

عِبَادَ اللهِ، ((أَئِمَّةُ الهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، ((أُبَيّ بْن كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))، عُنْوَان خُطْبَتِنَا.

 

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: أُبَيٌّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ!

ثَانِيًا: وَمَضَاتٌ فِي حَيَاةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!

 

أَيُّهَا السَّادَةُ، بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وخَاصَّةً مَعَ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى، تِلْكَ السِّلْسِلَةُ الْكَرِيمَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي نُقَدِّمُهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِلْعِبْرَةِ وَالْعِظَةِ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَلِتَقْدِيمِ الْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ الطَّيِّبَةِ لِتَرْبِيَةِ الْأَجْيَالِ عَلَيْهَا مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَا سِيَّمَا بَعْدَ فَتْرَةِ التَّغْرِيبِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي مَسَخَتِ الْهُوِيَّةَ، وَشَوَّهَتِ الْفِكْرَ وَالتَّارِيخَ، وَزَعْزَعَتِ الِانْتِمَاءَ.

 

إِنَّ التَّارِيخَ لَمْ يَشْهَدْ رِجَالًا اشْتَدَّ بِاللَّهِ عَزْمُهُمْ، وَصَدَقَتْ لِلَّهِ نَوَايَاهُمْ، فِي غَايَاتٍ شَرِيفَةٍ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِصْلَاحِ، نَذَرُوا لَهَا حَيَاتَهُمْ، صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فِي جَسَارَةٍ وَتَضْحِيَةٍ.

 

نَعَمْ! وخَاصَّةً إِنَّ التَّارِيخَ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ كَمَا شَهِدَهُ مِنْ صَحْبِ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ أَجْمَعِينَ- فِي حُبِّهِمْ وَتَضْحِيَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ وَزُهْدِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

أَوَّلًا: أُبَيٌّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ!

أَيُّهَا السَّادَةُ، الْيَوْمَ نَحْنُ مَعَ رَجُلٍ عَظِيمٍ، جَلِيلِ الْقَدْرِ، رَفِيعِ الْمَنْزِلَةِ، عَالِمٍ بالقُرآنِ، فَقِيهٍ في الدِّينِ، إنَّهُ سَيِّدُ القُرَّاءِ أُبَيُّ بنُ كَعْبِ بنِ قَيْسِ الأَنْصَارِيُّ- رضي اللهُ عَنه- وَالْحَدِيثُ عَنِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ سَيِّدِنَا أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الأَنْصَارِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَالْكَثِيرُ مِنَّا لَا يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا، وَمِثْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَنْبَغِي أَلَّا يُجْهَلَ، وَذِكْرُهُ أَلَّا يُنْسَى؛ فَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، لَهُ كُنْيَتَانِ: أَبُو الْمُنْذِرِ؛ وَكَنَّاهُ بِهَا النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَبُو الطُّفَيْلِ؛ كَنَّاهُ بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِابْنِهِ الطُّفَيْلِ.

 

وَأُمُّهُ: صُهَيْلَةُ بِنْتُ النَّجَّارِ، وَهِيَ عَمَّةُ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

 

أَمَّا عَنْ إِسْلَامِهِ: فَكَانَ أُبَيٌّ مِمَّنْ أَسْلَمَ مُبَكِّرًا، وَقَدْ شَهِدَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةَ، وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ آخَى رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ.

 

وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَثَرٌ فِي تَرْبِيَةِ الصَّحَابِيِّ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَرَجَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا أُبَيُّ». وَهُوَ يُصَلِّي، فَالْتَفَتَ أُبَيٌّ وَلَمْ يُجِبْهُ، وَصَلَّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: «أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ: ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]؟». قَالَ: بَلَى، وَلَا أَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: «تُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يُنْزَلْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا؟». قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟». قَالَ: فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُعْطِيتُهُ»). جَاءَ في صِفَتِهِ الْخَلْقِيَّةِ: أنَّهُ كَانَ رَجُلًا دَحْدَاحًا؛ أيْ: لَيْسَ بِالطَّوِيْلِ، وَلا بِالقَصِيْرِ، أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. شَهِدَ العَقَبَةَ، وَبَدْرًا، وَأُحُدًا، وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-، لَم يَتخلَّفْ عَن غَزوةٍ غَزَاهَا ولا عَنْ مَوْقِعَةٍ حَضَرَهَا.

 

جَمَعَ القُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم-، وَعَرَضَه عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَحَفِظَ عَنْهُ عِلْمًا مُبَارَكًا، وَكَانَ رَأْسًا فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وكَانَ مِنَ القِلَّةِ التي تَعرِفُ الكِتَابةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يَكْتُبُ فِي الْإِسْلَامِ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-؛ يقولُ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: "جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُم مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ".

 

عُرِفَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ بالتَّقوَى والوَرَعِ والغَيرَةِ علَى الدِّينِ وشِدَّةِ الخَوفِ مِنَ اللهِ تعَالَى والزُّهدِ في الدُّنيَا، وكَانَ يَبكِي إذَا ذَكَرَ اللهَ، ويَهتَزُّ كَيانُهُ حِينَ يُرتِّلُ آيَاتِ القُرآنِ أَو يَسمَعُهَا، وكَانَ إذَا تَلا أَو سَمِعَ قَولَه تعَالَى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 65]، يَغشَاهُ الْهَمُّ والأَسَى. أَثنَى عَليهِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في قَراءَتِهِ وعِلمِهِ؛ فقَد رَوَى الإمامُ التِّرمذِيُّ مِن حَديثِ أَنَسٍ- رضيَ اللهُ عَنه-، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: "أَقْرَأُ أُمَّتِي أُبَيٌّ". وأمرَ الصَّحابةَ رضوانُ اللهُ عليهِم أَن يَستقرِئُوا القرآنَ مِن أَربعَةٍ، مِنهُم أُبَيُّ بنُ كَعبٍ. وإِنْ تَعجَبُوا- يَا عِبادَ اللهِ- فعَجَبٌ مِمَّا رَواهُ البخارِيُّ ومُسلمٌ مِن حَديثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأُبَيٍّ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ القُرْآنَ"، قَالَ أُبَيٌّ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "اللَّهُ سَمَّاكَ لِي"، فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي. قِيلَ لأُبِيٍّ: فَرِحْتَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَهُوَ تَعَالَى يَقُوْلُ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ [يونس: 58].

 

كَانَ- رَضيَ اللهُ عنه- رَأْسًا في العِلمِ والعَمَلِ، عَالِمًا بأَسبَابِ النُّزولِ والنَّاسخِ والمنسُوخِ، وأَحدَ فُقهاءِ الصَّحابةِ وقُرَّائِهِم، ومِن أَكثرِ الصَّحابةِ تَفسِيرًا لكتابِ اللهِ تعَالى، فقَد خَصَّهُ الرُّسولُ- صلى الله عليه وسلم- بالدُّعاءِ، حِينَ سَألَهُ ذَاتَ يَومٍ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: "أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟" قَالَ: قُلْتُ: ﴿ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: "وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ" وفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِأُبَيٍّ، وَدَلِيل عَلَى كَثْرَة عِلْمه.

 

وهَا هُوَ رَسولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ-، يُقبِلُ عَلَى أُبيِّ بنِ كَعبٍ -رضي اللهُ عنهُ-، ويُخْبِرُهُ بأمرٍ عظيمٍ، خَاصٍّ بِأُبيٍّ - رضي الله عنهُ-، رَوَى مُسلمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ- رضي اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ- لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [البينة: 1]، وهُنَا، يَطرُقُ هذا الخَبرَ مَسمَعَ أُبيٍّ- رضي الله عنهُ-، اللهُ أَمَر نبيَّهُ أنْ يقرَأَ عليَّ القُرآنَ ومُباشَرَةً، يَتَكلَّمُ القَلبُ قبلَ اللِّسَان، فَيَقولُ أُبَيٌّ- رضي اللهُ عنهُ-: وَسَمَّانِي لَكَ؟! هَلْ ذَكَرَنيْ باسمِي؟! هَلْ قَالَ اللهُ- سُبحانَهُ-: أُبَيٌّ؟! قَالَ رَسولُ اللهِ- صلى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ-: نَعَمْ، قَالَ أنسٌ- رضي اللهُ عنهُ-: فَجَعَلَ أُبيٌّ يَبْكِي.

 

وإنَّ من أَعظَمِ الشَّرَفِ الذِي يُنالُ في الدُّنيَا أَنْ يَذكُرَ اللهُ العَبْدَ باسمِهِ لِرَسولِهِ- صلى اللهُ عليه وَسَلَّمْ-، ويَأْمُرَ اللهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَقْرَأَ القُرآنَ عليهِ، قالَ النوويُّ- رحمهُ اللهُ-: "وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ شَارَكَهُ فِي هَذَا"، فَبِماذَا نالَ أُبيٌّ- رضي اللهُ عنهُ- هذه المنزلَةَ العَلَّية؟! لَقَدْ كَانَ أُبَيٌّ- رضي اللهُ عنهُ- إِمامًا مُبَرَّزًا في قِراءَةِ القُرآنِ الكريمِ، يَعْمُرُ ليلَهُ وَنَهارَهُ بكِتابِ اللهِ- تعالَى- تَعَلُّمًا وَتَعلِيمًا، وأَيُّ شَهادةٍ أَعظَمُ في ذَلكَ مِن شهَادَةِ رَسولِ اللهِ- صلى الله عليهِ وسلَّم- لهُ أنَّهُ أقرَأُ هذهِ الأُمَة؟؛ رَوى الترمذيُّ وغيرهُ وصححهُ الألبانيُّ عن أنسِ بن مالكٍ- رضي اللهُ عنهُ- أنَّ رسولَ اللهِ- صلى اللهُ عليه وسلَّمَ- قال: "أَرحَمُ أُمَّتي بأُمَّتي أبو بَكرٍ، وأشدُّهُم في دِينِ اللَّهُ عمرُ، وأَصدَقُهُم حَياءً عُثمانُ، وأقضاهُم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأقرؤُهم لِكتابِ اللَّهِ أبيُّ بنُ كعبٍ". إِنَّهُ القُرآنُ، الذِي اشتَغَلَ بِهِ أُبيٌّ فِي حَيَاتِهِ، وَجَعَلَهُ نِبرَاسَهُ، حَتى بَلَغَ بِهِ ما بَلَغَ، قَالَ رَجلٌ لِأُبَيِّ بنِ كَعبٍ: أَوصِنِي، قَالَ: "اتَّخِذْ كِتَابَ اللهِ إِمَامًا، وَارْضَ بِهِ قَاضِيًا وَحَكَمًا؛ فَإِنَّهُ الذِي استَخْلَفَ فِيكُمْ رَسُولُكُمْ، شَفِيعٌ مُطَاعٌ، وَشَاهِدٌ لَا يُتَّهَمْ، فِيهِ ذِكرُكُم، وَذِكْرُ مَنْ قَبلَكُم، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَخَبَرُكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُم".

 

أَيُّها الحبيبُ، أتَأمَّلْتَ الفَرْحَةَ العَظيمةَ التي طَغَتْ عَلى أُبيٍّ- رضي اللهُ عنهُ- لَمَّا ذَكَرَهُ اللهُ، حَتَّى بَكَى؟ هَلْ فَكَّرْتَ يَومًا أَنَّ يَذكُرَكَ اللهُ -تَعالَى-؟ اسْمَعْ مَعِي هَذِهِ الآيَةَ العَظيمَةَ، يَقولُ اللهُ -تَعالَى-: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]، اللهُ أكْبَرُ، اللهُ العَظِيمُ الكَبيرُ يَذكُرُ العبدَ الحَقيرَ الصَغيرَ، روى البخاريُّ ومُسْلمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ-: "يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً"؛ أَيُّ فَضلٍ هَذَا؟! تَذكُرُ اللهَ فِي نَفسِكَ فَيذكُرُكَ الله العَظيمَ بعُلُوِّه وجَلالِه، فِي نَفسِهِ، وتَذكُرُ اللهَ فِي مَلأٍ منَ البَشرِ، فيذْكُرُكَ اللهُ فِي مَلأٍ خيرٍ مِنهُم؟! كَمْ مِنَ الأَوقَاتِ تَذْهَبُ مِنَ أعمَارِنَا هَدرًا؟! وَكمْ مِنَ المَجالِسِ أفنَينَاها فِي قِيلَ وَقالَ، وحَرَمْنَا أنْفُسَنا مِن هذَا الخَيرِ العَظيمِ؟!، روى مُسلمٌ في صحيحِه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رضي اللهُ عنهُما-: أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ-عَزَّ وَجَلَّ- إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"، اللهُ بِعِزَّتِهِ ومُلْكِهِ يَذكُرُكَ بِاسمِكَ فيمَنْ عِندَهُ منَ الملائِكَة.

فَقَدْ أَخبَر المُختارُ يومًا لِصحبِه
بأنَّ كثيرَ الذِّكرِ في السَّبق مُفرِدُ
ووَصَّى مُعَاذًا يَستعينُ إِلَهَهُ
عَلَى ذِكرِهِ وَالشُّكْرُ بِالحُسنِ يُعبَدُ
وأخبَرَ أنَّ الذِّكرَ غَرْسٌ لِأَهْلِهِ
بِجَنَّاتِ عَدْنٍ وَالمَسَاكِنُ تُمْهَدُ
وَأَخْبَرَ أَنَّ اللهَ يَذْكُرُ عَبْدَهُ
ومَعْهُ عَلَى كُلِّ الأُمُورِ يُسَدِّدُ
وَلَكنَّنَا مِنْ جَهْلِنَا قَلَّ ذِكْرُنَا
كَمَا قَلَّ مِنَّا لِلإلَهِ التَّعَبُّدُ

 

ثَانِيًا: وَمَضَاتٌ فِي حَيَاةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

أَيُّهَا السَّادَةُ، لقَد كَانَ أُبيُّ بنُ كَعبٍ حَريصًا كُلَّ الحِرصِ على أَن يَجمَعَ الحَسنَاتِ، زَاهِدًا كُلَّ الزُّهدِ في الدُّنيَا، فلا يُهِمّهُ فَقرهَا ولا مَرضهَا، الْمُهِمُّ أَن يتَقَرَّبَ إلى اللهِ ولَو علَى حَسَابِ رَاحَتِهِ وصِحَّتِهِ؛ جاء عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي ثَمَانِي لَيَالٍ، وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَخْتِمُهُ فِي سَبْعٍ". ومِن زُهدِهِ- رضي اللهُ عنه- مَا جَاءَ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ- رضي اللهُ عنه-، قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، مَا جَزَاءُ الحُمَّى؟ قَالَ: "تُجْرِي الحَسَنَاتِ عَلَى صَاحِبِهَا"، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُمّى لا تَمْنَعُنِي خُرُوْجًا فِي سَبِيْلِكَ. فَلَمْ يُمْسِ أُبَيٌّ قَطُّ إِلَّا وَبِهِ الحُمَّى؛ أخرجه الطبرانيُّ.

 

جَاءَ رَجُلٌ يَطلُبُ حَاجَةً إِلَى عُمَرَ- رضي الله عنه-، وَإِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ أَبْيَضُ الثِّيَابِ وَالشَّعْرِ، فَقَالَ: "إِنَّ الدُّنْيَا فِيْهَا بَلاغُنَا وَزَادُنَا إِلَى الآخِرَةِ، وَفِيْهَا أَعْمَالُنَا الَّتِي نُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ". فقال الرجل: مَنْ هَذَا يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ؟ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ المُسْلِمِيْنَ؛ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ. وعَنْ أَبِي العَالِيَةِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: أَوْصِنِي. قَالَ: اتَّخِذْ كِتَابَ اللهِ إِمَامًا، وَارْضَ بِهِ قَاضِيًا وَحَكَمًا، فَإِنَّهُ الَّذِي اسْتَخْلَفَ فِيْكُم رَسُوْلُكُم، شَفِيْعٌ مُطَاعٌ، وَشَاهِدٌ لا يُتَّهَمُ، فِيْهِ ذِكْرُكُم وَذِكْرُ مَنْ قَبْلَكُم، وَحَكَمُ مَا بَيْنَكُم، وَخَبَرُكُم، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُم.

 

وَكَانَ- رَضي اللهُ عنه- مُتَّبِعًا مُقتَدِيًا مُقتَفِيًا أَثرَ الكِتابِ والسُّنةِ؛ يَقُولُ عَبدُالرحمنِ بنُ أَبْزَى: لَمَّا وَقَعَ النَّاسُ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَبَا الْمُنْذِرِ، مَا الْمَخْرَجُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: "كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ، مَا اسْتَبَانَ لَكُمْ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ، فَكُلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ"؛ رواهُ الحَاكِمُ في المُستدركِ. وَكانَ- رضي اللهُ عنه- شَدِيدَ الحُبِّ للنَّبيِّ- صلى الله عليه وسلم- ولَا أَدَلَّ علَى ذَلكَ مِمَّا رَوَاهُ التِّرمذيُّ أَنَّ أُبيَّ بنَ كَعبٍ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "مَا شِئْتَ". قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: "مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قال: قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: "إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ"، وَكمَا كَانَ أُبيُّ بنُ كَعبٍ يُحبُّ النَّبيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ النَّبيُّ- صلى الله عليه وسلم- يُحِبُّهُ؛ ومِن حُبِّهِ لَه صلى الله عليه وسلم أنَّه لَمَّا أُصِيبَ يَومَ الأَحزابِ في ذِراعِهِ كَوَاهُ رَسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- بِيدِهِ؛ رَواهُ مسلمٌ. ولَمْ تَكُنِ العِبَادةُ والمُعاملَةُ معَ اللهِ لِتَذْهَبَ هَباءً، فهَا هُو أُبيُّ بنُ كَعْبٍ صَاحِبُ الدَّعوةِ المستجَابةِ؛ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ عُمَرُ رضي اللهُ عنه: اخْرُجُوا بِنَا إِلَى أَرْضِ قَوْمِنَا. فَكُنْتُ فِي مُؤَخَّرِ النَّاسِ مَعَ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، فَهَاجَتْ سَحَابَة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنَّا أَذَاهَا. قَالَ: فَلَحِقْنَاهُمْ، وَقَدِ ابْتَلَّتْ رِحَالُهُم. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَصَابَكُمُ الَّذِي أَصَابَنَا؟ قُلْتُ: إِنَّ أَبَا المُنْذِرِ قَالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنَّا أَذَاهَا. قَالَ: فَهَلَّا دَعَوْتُمْ لَنَا مَعَكُمْ.

 

عِبادَ اللهِ.. كَانَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ إِمامَ المسلمينَ في رَمضَانَ علَى عَهدِ عُمرَ بنِ الخطابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعينَ، يَؤُمُّ القَومَ ويُصلِّي بهِم عِشرينَ رَكعةً، وفي سُنَن البَيْهَقِي عن: (مُوسَى بْن عُلَىٍّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ، فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفَرَائِضِ فَلْيَأَتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفِقْهِ فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْمَالِ فَلْيَأْتِنِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَنِي لَهُ خَازِنًا وَقَاسِمًا).

 

وَقَدْ كَانَ لِلصَّحَابِيِّ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَثَرُهُ فِي الْآخَرِينَ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ (زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا).

 

وَمِنْ مَآثِرِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَلَامِحِ شَخْصِيَّتِهِ: أَنَّهُ فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ، فَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: اخْتَصَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، فَحَكَّمَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَأَتَيَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ. فَقَضَى عَلَى عُمَرَ بِالْيَمِينِ فَحَلَفَ، ثُمَّ وَهَبَهَا لَهُ مُعَاذٌ. فَرَضِيَ اللهُ عَنِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَنَا مِمَّنْ يَقْتَفُونَ أثَرَهُ وَيَسِيرُونَ عَلَى نَهْجِهِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي جَنَّتِهِ مَعَ الْحَبيبِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم.. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْماؤُهُ، وَلَا إلَهَ غَيْرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم.. أَمَّا بَعْدُ:

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ، ظَلَّ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- مُعلِّمًا للنَّاسِ، قَارِئًا فيهِم، فَقيهًا بَينَهُم، حتَّى جَاءَ أَجَلُهُ ولا مَفَرَّ مِنَ الأَجَلِ، فضَجَّتِ المدينَةُ حُزْنًا عَليهِ، يَقُولُ عُتَيُّ بنُ ضَمْرَةَ: رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِيْنَةِ يَمُوْجُوْنَ فِي سِكَكِهِم. فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَؤُلاءِ؟ فقَالوا: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ اليَوْمَ سَيِّدُ المُسْلِمِيْنَ؛ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ.

 

وَاخْتُلِفَ فِي تَارِيخِ وَفَاتِهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: مَاتَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ سَنَةَ عِشْرِينَ، أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَرَأَيْتُ آلَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، وَهُوَ أَثْبَتُ الْأَقْوَالِ.

 

هَذِهِ هِيَ حَياةُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وتِلكَ لَمَحاتٌ مِن حَياتِهِ، كانَ مِثَالًا وقُدوَةً في الصِّدقِ والمَحبَّةِ للهِ ولِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، قُدْوةً صَالِحةً نَافِعةً في العِبَادَةِ والتَّقوَى.. إنَّهُ العَالِمُ العَابِدُ الزَّاهِدُ، والمحُبُّ الصَّادِقُ، والمُطِيعُ العَابِدُ.. غَايَتُهُ وهَدَفُهُ رِضَا اللهِ تعَالَى ولَو كَانَ علَى حِسَابِ نَفْسِهِ.. أُمنِيَتُهُ الفَوزُ برِضوَانِ اللهِ ولَوُ في ذَلكَ هَضْمُ لِرَاحَتِهِ.. قَدْ قَسَمَ يَومَهُ ولَيلَتَهُ بَينَ صَلاةٍ وذِكرٍ وتَعلِيمٍ لكِتابِ اللهِ وجِهادٍ معَ رَسُولِ اللهِ وفي سبيلِ اللهِ. فأينَ نَحنُ مِنْ هَذِه المَواقفِ.. أينَ مَن يتركونَ الصَّلاةَ عَن هذَا الصِّدقِ؟ أينَ مَن يَهجُرُونَ كِتَابَ اللهِ عَن هذَا الصِّدقِ؟! وَهَكَذَا هُوَ الْعَيْشُ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ الْيَوْمَ فِي مُوَاجَهَةِ أَعْدَائِهَا، وَتَحْقِيقِ آمَالِهَا، وَاسْتِعَادَةِ كَرَامَتِهَا وَعِزَّتِهَا، لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَهِيَ تُوَاجِهُ الصَّهَايِنَةَ وَحُلَفَاءَهُمْ، تَسْتَمِدُّ الْحَقَّ وَالْقُوَّةَ وَالْبَصِيرَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَهَذَا هُوَ أَثَرُ كِتَابِ اللَّهِ وَهِدَايَتِهِ: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 16]، كِتَابُ اللَّهِ فِي شَرَفِ الْأُمَّةِ وَعِزِّهَا وَمَجْدِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاء: 10].

 

أَلَا فَلْنَتَّخِذْهُ نِبْرَاسًا لِحَيَاتِنَا، وَمَنْهَجًا لِحُكْمِنَا، وَمِشْعَلًا يُنِيرُ طَرِيقَنَا، وَهَادِيًا لِمُسْتَقْبَلِنَا.

 

فَرَضِيَ اللهُ عَنِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَنَا مِمَّنْ يَقْتَفُونَ أثَرَهُ وَيَسِيرُونَ عَلَى نَهْجِهِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي جَنَّتِهِ مَعَ الْحَبيبِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم.. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • صفات المؤمنين في القرآن الكريم (خطبة)
  • دأب الصالحين: قيام الليل (خطبة)
  • ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • مخطوطة جزء فيه من حديث أبي العباس السراج(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مناقب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عمر الفاروق رضي الله عنه (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: هدايات من قصة جوع أبي هريرة رضي الله عنه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نماذج من سير الأتقياء والعلماء والصالحين (12) أسرة الزبير بن العوام رضي الله عنهم (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 7/3/1448هـ - الساعة: 12:0
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب