• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الحوض
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    تعظيم الأشهر الحرم ووقفات مع شهر ذي القعدة (خطبة)
    د. لحسن العيماري
  •  
    وتعاونوا على البر والتقوى (خطبة)
    مجاهد أحمد قايد دومه
  •  
    الحديث: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    من مائدة الصحابة: جويرية بنت الحارث رضي الله عنها
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} (خطبة)
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    فضائل عرفة والنحر والتشريق (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    يوم عرفة يوم من أيام الله (2) (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    أصول الإعجاز الغيبي (النبوءات)
    غازي أحمد محمد
  •  
    تحريم تتبع متشابه القرآن الكريم
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    العمل الصالح: أهميته وثمراته، خاصة أيام العشر ...
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    عشر ذي الحجة ولا حج بلا تصريح (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    الذكر والدعاء في العشر من ذي الحجة
    محمد أبو عطية
  •  
    خير الناس أحسنهم قضاء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    يوم عرفة يوم يغفر فيه الزلات وتسكب العبرات (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    فلتغتنم الثواب والأجر بالأعمال الصالحة في هذه ...
    الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / خواطر إيمانية ودعوية
علامة باركود

المسلم قد يستضعف لكنه لا يهون على الله ما دام مؤمنا قائما بالحق

المسلم قد يستضعف لكنه لا يهون على الله ما دام مؤمنا قائما بالحق
د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 23/5/2026 ميلادي - 6/12/1447 هجري

الزيارات: 42

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

المسلمُ قد يُستضعف،

لكنَّه لا يهونُ على الله ما دام مؤمنًا قائمًا بالحق

قراءةٌ شرعيةٌ في الفرق بين البلاء والهوان، والاستضعاف والضعف

 

وصف المقال:

مقالةٌ شرعيةٌ تعالج وهمًا معاصرًا يربط بين استضعاف المسلمين وهوانهم على الله، وتبين - في ضوء الكتاب والسنة وسير الأنبياء - أن الكرامة الحقيقية مناطها الإيمان والثبات، لا مظاهر القوة الدنيوية.

 

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، العزيز الحكيم، الذي جعل العزة له ولرسوله وللمؤمنين، وابتلى عباده ليظهر صدقهم، ويميز ثابتهم من المضطرب، وصادقهم من المدعي، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، إمام الصابرين، وقدوة الثابتين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن من أخطر ما يتسرَّب إلى بعض النفوس في أزمنة المحن أن يظنَّ المسلم أن ما يراه من ضعف المسلمين، أو استضعافهم، أو ما ينزل بهم من أذًى وتضييق، دليلٌ على هوانهم على الله، كما يظن في المقابل أن ما عند غيرهم من قوةٍ أو سلطانٍ أو سعةٍ دنيوية دليلُ كرامةٍ ورضًا، وهذا من أكبر الأغلاط في فهم سنن الله، ومن أبين الخلل في قراءة الوحي والواقع جميعًا.

 

فليس البلاء مساويًا للهوان، وليس التمكين الدنيوي مساويًا للكرامة، وليس ميزان الله كميزان الناس؛ بل الكرامة الحقيقية مناطها الإيمان والتقوى والثبات، والهوان الحقيقي إنما يكون بالإعراض عن الله، والبُعْد عن أمره، وفساد القلب، لا بمجرد ما ينزل بالعبد من شدةٍ أو نقصٍ أو أذًى.

 

ومن هنا جاءت الحاجة إلى تحرير هذا المعنى تحريرًا واضحًا؛ حتى لا تُقاس الحقائق الربانية بمظاهر الدنيا، ولا يُفتن المسلم بزخرف القوة الظاهرة، ولا ينهزم من الداخل حين يُستضعف من الخارج.

 

الابتلاء سنةٌ ربانية، لا حادثةٌ شاذةٌ:

من أعظم ما يثبت المسلم عند المحن أن يعلم أن الابتلاء ليس أمرًا عارضًا، ولا مفاجأةً خارجةً عن مقتضى الإيمان، بل هو سنةٌ ربانيةٌ ماضية في أهل الحق.

 

قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157].

 

وقال سبحانه: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 186].

 

فالبلاء إذن ليس علامةً على سقوط العناية الإلهية، ولا دليلًا على بطلان الطريق؛ وإنما هو جزءٌ من سنن الله في التربية والتمحيص، ووسيلةٌ لتمييز الصفوف، وتزكية النفوس، ورفع الدرجات.

 

وقد جاء في السنة ما يؤكد هذا الأصل، ففي الحديث عن سعد بن أبي وقاص قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلى الرَّجلُ على حسْبِ دينِه، فإن كانَ في دينهِ صُلْبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتليَ على حسْبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي على الأرضِ ما عليْهِ خطيئةٌ»؛ أخرجه الترمذي (2398)، وابن ماجه (4023)، والدارمي (2825) واللفظ لهم، وفيه بيانٌ جليل على أن شرف المنزلة عند الله لا يعني السلامة من الامتحان، بل قد يكون الامتحان تابعًا لعلو المقام. وفي الحديث الآخر: «عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له»؛ أخرجه مسلم (2999)، فالمؤمن لا يُقرأ بلاؤه كما يُقرأ بلاء غيره؛ لأن علاقته بالمحنة علاقة عبوديةٍ وصبرٍ واحتساب، لا مجرد علاقة ألمٍ وانكسار.

 

ليس كل بلاءٍ كرامة، لكن البلاء ليس دليلَ هوان:

وهنا لا بد من قيدٍ مهم؛ دفعًا للإجمال، ومنعًا لسوء الفهم. فليس كلُّ بلاءٍ يقع بالعبد دليلَ رفعةٍ واصطفاءٍ، كما أن ليس كلُّ سعةٍ تقع له أو لغيره دليلَ استدراجٍ وإهانة؛ بل البلاء قد يكون رفعًا للدرجات، وقد يكون تكفيرًا للسيئات، وقد يكون تمحيصًا يميز الله به الصادق من المدعي، وقد يكون تنبيهًا ورحمة يرد الله به العبد إلى بابه، وقد يكون - إذا اقترن بالإعراض والإصرار - عقوبةً على الذنب.

 

ومن ثم فإن الحكم على البلاء لا يكون بمجرد صورته الظاهرة، بل بما يحتفُّ به من القرائن، وبما يورثه في العبد من رجوعٍ أو بُعد، ومن صلاحٍ أو فساد؛ لكن المقصود هنا أصلٌ محدد، وهو أن مجرد وقوع البلاء بالمؤمن الصادق القائم بالحق لا يجوز أن يُجعل دليلًا على هوانه على الله.

 

أما الهوان الحقيقي، فليس في فقرٍ ولا مرضٍ ولا استضعافٍ خارجي؛ وإنما في أن يهون العبد على الله بمعصيته، وإعراضه، وفساد باطنه، حتى يُحرم لذة الهداية، أو يُترك لنفسه، أو يُطبع على قلبه. فهذا هو الهوان الذي ينبغي أن يخشاه العبد حقًّا.

 

الاستضعاف شيء، والضعف شيءٌ آخر:

ومن أدق ما ينبغي تقريره في هذا الباب: أن الاستضعاف لا يساوي الضعف.

 

فالاستضعاف قد يُفرض على المؤمن من الخارج؛ بأن يُحاصَر، أو يُؤذى، أو يُهجَّر، أو تُسلَّط عليه قوى الباطل، أو تُحجب عنه أسباب التمكين. وهذا قد وقع للأنبياء، ووقع للصحابة، ووقع للصالحين في كل عصر.

 

أما الضعف، فهو أن تنهزم النفس من الداخل، وأن تستسلم لهيبة الباطل، وأن تفقد ثقتها بالله، وأن تنظر إلى نفسها وإلى دينها بعين الاحتقار، وأن تذوب هويتها تحت ضغط الواقع أو سطوة القوة الغالبة.

 

ولهذا قد يكون المؤمن مستضعفًا، لكنه عزيزٌ بالله، ثابتٌ على الحق، راسخ المبدأ، قوي الحجة، حاضر القلب. وقد يكون غيره واسع السلطان، ظاهر القوة، لكنه مهزومٌ من الداخل، فارغٌ من اليقين، منقطع الصلة بالحق.

 

ومن هنا كانت العزة الإيمانية من أعظم ما يحتاج إليه المسلم في هذا الزمن؛ لأنها تحفظ القلب من الهزيمة النفسية، وتمنعه من قراءة الواقع بميزان القوة المادية وحدها. والعزة الإيمانية ليست صخبًا ولا دعوى؛ وإنما هي امتلاء القلب بتعظيم الله، والثقة بوعده، واليقين بأن قيمة المؤمن الحقيقية مستمدةٌ من إيمانه، لا من تصنيف الناس له، ولا من موضعه في سُلَّم القوة الدنيوية.

 

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: أكمل ردٍّ على هذا الوهم:

إذا أراد المرء أن يرى بطلان الربط بين البلاء والهوان، فحسبه أن يتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

فقد كُذِّب، وسُخر منه، ورُمي بالكهانة والجنون والشعر، ووُضع سلا الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد، وأُوذي في بدنه ونفسه وأصحابه، وعاش شظف العيش، وربط الحجر والحجرين على بطنه من الجوع، ونام على الحصير حتى أثَّر في جنبه، ومات وما شبع آلُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم من خبز البُرِّ ثلاثة أيام تباعًا.

 

فهل كان شيءٌ من ذلك دليلًا على هوانه على ربه؟ حاشاه صلى الله عليه وسلم. بل كان ذلك من تمام اصطفائه، وظهور كمال عبوديته، وإقامة الحجة على الخلق، وتعليم الأمة أن الكرامة ليست في زينة العيش، ولا في خلوِّ الطريق من الأذى؛ وإنما في الثبات على الحق، وحسن الصلة بالله، والصبر على تبعات الدعوة.

 

ولذلك كانت سيرته صلى الله عليه وسلم أصلًا عظيمًا في هذا الباب؛ فمن تأملها علم أن البلاء قد يجتمع مع أكمل المنازل، وأن الضيق الظاهر لا ينافي رفعة القدر عند الله.

 

في سير الأنبياء: المقياس الرباني غير المقياس البشري:

وهذا المعنى يتأكد بالنظر في سير الأنبياء عليهم السلام.

 

فإبراهيم الخليل عليه السلام واجه قومًا جمعوا له بين السخرية، والتكذيب، والبطش، ثم انتهى أمرهم إلى محاولة إحراقه. فكان البلاء شديدًا، لكن العاقبة كانت آيةً من آيات الكرامة الإلهية، حين جعل الله النار بردًا وسلامًا عليه. ولم يكن موضع الشرف في قصته أنه نجا فحسب؛ بل إنه ثبت على التوحيد حين تواطأ عليه الخلق.

 

وشعيب عليه السلام قال له قومه: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ﴾ [هود: 91]. فهذه شهادةٌ صريحةٌ على أن الناس قد يخطئون في قراءة أهل الحق، فيرونهم ضعفاء بموازين العصبية والرهط والقوة الاجتماعية، مع أنهم عند الله على غير ذلك.

 

ويوسف عليه السلام اجتمعت عليه أنواعٌ متتابعةٌ من البلاء: كيد الإخوة، وظلمة الجب، وذل الرق، والسجن ظلمًا. ومع ذلك لم تتغير حقيقة منزلته عند الله، ولم يسقط مقامه، بل خرج من هذه المحن أصلب يقينًا، وأوضح توحيدًا، ثم جاءت العاقبة بتمكينٍ بعد طول امتحان. فهل كانت المحن التي نزلت به عنوانَ هوان؟ أم كانت طريقًا إلى تمام الكرامة والاصطفاء؟

 

وموسى عليه السلام واجه طغيان فرعون، وسخريته، واحتقاره له، حتى قال فرعون: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴾ [الزخرف: 52]. وهذا هو منطق الطغاة في كل زمان: يقيسون الكرامة بالذهب والجاه والقوة الظاهرة، ويظنون أن من قلَّت أسبابه الظاهرة فقد هان. فجاء القرآن يبطل هذا المقياس من أصله.

 

ولوط عليه السلام واجه مجتمعًا انقلبت فيه الموازين، حتى صار أهل الفساد يستثقلون أهل الطهر، وصار أهل الاستقامة غرباء في وسط الانحراف العام. ومع ذلك لم يبدِّل لوطٌ عليه السلام، ولم يسمِّ الفاحشة بغير اسمها، ولم يسكت عن المنكر بحجة ضعف الواقع أو سطوة المجتمع.

 

فهذه النماذج كلها تشهد بأن الحق قد يُستضعف ظاهرًا، لكنه لا يفقد كرامته عند الله، وأن غربة أهله لا تدل على بطلانه، ولا على هوانهم عند ربهم.

 

الصحابة رضي الله عنهم: وراثة الثبات:

ثم جاءت سيرة الصحابة رضي الله عنهم لتؤكد هذا المعنى تأكيدًا عمليًّا بديعًا. فقد ذاقوا الفقر، والهجرة، والتعذيب، والإقصاء، وفقد الأحِبَّة، ومفارقة الأوطان، ولم يكن شيءٌ من ذلك سببًا في ضعف إيمانهم، بل زادهم تمسكًا بدين الله، وصدقًا في الطلب، وثباتًا على الطريق.

 

ومن أوضح النماذج في ذلك مصعب بن عمير رضي الله عنه؛ فقد كان من أنعم فتيان مكة عيشًا، ثم ترك النعيم كله لله، وخرج من ترف الدنيا إلى خشونة الطريق، حتى استشهد يوم أُحُد، ولم يوجد له من الكفن ما يستر جسده كله. فهل يُقرأ مصعب من خلال ما فقده من متاع الدنيا، أم من خلال ما ثبت عليه من الدين، وما بلغه من المنزلة والسبق والصدق؟

 

إن هذا النموذج وحده كافٍ ليفهم المسلم أن معيار القيمة ليس ما يملكه الإنسان، بل ما يثبت عليه، وأن من هان عليه زخرف الدنيا لله، لم يهن على الله أبدًا.

 

السعة الدنيوية قد تكون إمهالًا أو استدراجًا:

ومن الجهة الأخرى، لا يجوز أن يُغتر بما عند أهل الباطل من زخرف الدنيا وأسباب القوة؛ فإن السعة ليست دائمًا علامة رضا، كما أن الشدة ليست دائمًا علامة سخط.

 

قال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [آل عمران: 178].

 

وقال سبحانه: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44].

 

فكم من توسعةٍ ظاهرها نعمة، وحقيقتها إملاء. وكم من تمكينٍ دنيويٍّ هو في حقيقته استدراج. ومن الخطأ أن يُقرأ هذا كله قراءةً سطحيةً تجعل الغلبة المادية وحدها معيارًا للرضا والفضل.

 

ويؤكد هذا المعنى تأكيدًا بالغًا ما قرره القرآن في سورة الفجر، حين أبطل مقياس الإنسان القاصر في فهم الإكرام والإهانة، فقال سبحانه: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾ [الفجر: 15 - 17].

 

فهذه الآيات من أصرح ما يكون في نقض الوهم الذي يربط بين السعة والإكرام، وبين التضييق والإهانة؛ إذ ردَّ الله على المقياسين معًا بقوله: ﴿ كَلَّا ﴾؛ أي: ليس الأمر كما يظن الإنسان. فليس كل من وُسِّع عليه مكرمًا، ولا كل من ضُيِّق عليه مهانًا؛ وإنما العبرة بحال العبد مع ربِّه، وبما يورثه الابتلاء من استقامةٍ أو انحرافٍ.

 

إن الدنيا عند الله لا تزن الوزن الذي يجعل سعتها دليل كرامة، ولو شاء الله لبسطها للكفار بسطًا أعظم، كما دل عليه القرآن. لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الدنيا موضع ابتلاء، لا محل حكمٍ نهائي على منازل الناس عند الله.

 

بين ميزان الناس وميزان الوحي:

يفهم الناس كثيرًا من الوقائع بميزانٍ ماديٍّ عاجل، بينما يزنها الوحي بميزانٍ أعمق وأبصر. فميزان الناس يجعل الكرامة في المال والسلطان والشهرة، أما ميزان الوحي فيجعلها في الإيمان، والتقوى، والصدق، والثبات. وميزان الناس يقرأ البلاء على أنه سقوط أو فشل، أما ميزان الوحي فيقرؤه على أنه تمحيص أو رفعة أو تنبيه. وميزان الناس يجعل القوة في الغلبة الظاهرة والسيطرة المادية، أما ميزان الوحي فيجعلها في قوة الحجة، وثبات القلب، والاعتماد على الله. وميزان الناس يرى السعة نجاحًا ورضًا على كل حال، أما ميزان الوحي فيقرر أنها قد تكون نعمة، وقد تكون استدراجًا. وميزان الناس يربط الهوان بالفقر أو القهر الخارجي، أما ميزان الوحي فيربطه بالمعصية، والإعراض، وفساد القلب.

 

وهذا الفرق بين الميزانين هو الذي يفسر كثيرًا من الاضطراب الذي يعتري النفوس في هذا العصر؛ لأن كثيرًا من الناس قد تشرَّبوا ميزان الدنيا، حتى صاروا يقرؤون به نصوص الوحي، بدل أن يقرؤوا به الدنيا.

 

الكرامة الإيمانية لا تعني ترك الأسباب:

ومن المهم جدًّا التنبيه إلى أن تقرير هذه المعاني لا يراد به الدعوة إلى السلبية، ولا الرضا بالعجز، ولا تعليق كل تقصير على شماعة القدر، ولا الاكتفاء بالخطب الوجدانية دون عمل.

 

فالإسلام الذي علَّم المؤمن أن العزة لله جميعًا، هو نفسه الذي قال:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 60].

 

فلا تعارض بين فقه القدَر وفقه الاستطاعة، ولا بين اليقين بوعد الله والأخذ بالأسباب، ولا بين الصبر على البلاء والعمل لتغيير الحال؛ بل الإيمان الصحيح هو الذي يدفع صاحبه إلى البناء، والإعداد، والإصلاح، والتعلُّم، والتربية، وبذل الوسع، من غير تعلُّقٍ مرَضيٍّ بنتائج عاجلة، ومن غير انهزامٍ إذا تأخَّر بعض الثمر.

 

ومع هذا كله، فالمؤمن لا يطلب البلاء، ولا يتمنَّى المحنة، ولا يتعرَّض لها من غير موجب شرعي، بل يسأل الله العافية والثبات، ويأخذ بأسباب السلامة ما استطاع. وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العَدوِّ، وسَلوا اللهَ العافيةَ، فإذا لَقيتُموهم فاصبِروا، واعلَموا أنَّ الجَنَّةَ تَحتَ ظِلالِ السُّيوفِ»، ثُمَّ قال: «اللهُمَّ مُنزِلَ الكِتابِ، ومُجريَ السَّحابِ، وهازِمَ الأحزابِ، اهزِمْهم وانصُرْنا عليهم»؛ أخرجه البخاري (2965)، ومسلم (1742)، وأبو داود (2631)، والحاكم (2413) جميعهم باختلاف يسير. ففي هذا الحديث كمال التوازن الشرعي: لا طلبَ للبلاء، ولا فرارَ من مقتضى الثبات إذا نزل البلاء.

 

إن يقين المسلم بكرامته عند الله لا ينبغي أن يصرفه عن العمل، بل ينبغي أن يكون وقودًا له؛ لأنه يعمل وهو يعلم أن قيمته لا تستمد من تصفيق الناس، ولا من سرعة النتائج، وإنما من صدقه مع الله، وبذله لما يقدر عليه، وثباته على الحق.

 

كيف يحفظ المسلم قلبه من الهزيمة؟

إذا استقر هذا المعنى نظريًّا، بقي الجانب العملي، وهو الأهم. ومن أعظم ما يعين المسلم على حفظ قلبه من الهزيمة النفسية:

أولًا: إعادة بناء الميزان من الوحي، فلا يقرأ الكرامة والهوان والقوة والضعف بميزان الحضارة المادية وحدها.

 

ثانيًا: تعظيم شعائر الله؛ فإن من عظَّم أمر الله في قلبه عظُم قدره عند نفسه، وصغرت عنده مقاييس الناس الزائلة.

 

ثالثًا: كثرة الدعاء وسؤال العافية والثبات؛ فالثبات رزق، والعزة رزق، ولا غنى للعبد عن ربه طرفة عين.

 

رابعًا: صحبة الصادقين؛ لأن القلب يضعف إذا انفرد، ويقوى إذا أحاط نفسه بمن يذكِّره بالله ويثبته على الحق.

 

خامسًا: استخراج إجابات الواقع من الوحي؛ فلا يكفي أن يحفظ المسلم النصوص، بل لا بد أن يتعلم كيف يرد بها على أسئلة عصره وشبهاته.

 

سادسًا: تقليل التعرُّض المنهزم لصور الباطل؛ لأن تضخيم حضور المنتصرين ظلمًا في النفس يورث تعظيمًا لهم يفوق حقيقتهم.

 

سابعًا: الجمع بين الإيمان والعمل؛ فكل بناءٍ نفسيٍّ لا يتحول إلى علمٍ وإعدادٍ وعملٍ وإصلاح، يظل عرضةً للتآكل عند المحن الكبرى.

 

خاتمة:

وخلاصة الأمر: أن المسلم قد يُستضعف، لكنه لا يهون على الله ما دام مؤمنًا قائمًا بالحق، ثابتًا على الحق، صادقًا في إيمانه، راجعًا إلى ربه. وليس معنى هذا أن كل بلاءٍ كرامة، ولا أن كل شدةٍ اصطفاء؛ وإنما المعنى أن البلاء بمجرده ليس دليلَ هوان، كما أن السعة بمجردها ليست دليلَ رضًا.

 

وقد دلَّ الكتاب والسنة، وسير الأنبياء والصحابة، وسنن الله الجارية في عباده، على أن الكرامة الحقيقية لا تُوزن بزينة الدنيا، ولا بسطوة الأقوياء، ولا بموازين الإعلام الغالب؛ وإنما تُوزن بما يثبت الله به عبده من إيمان، وبما يرزقه من صبر، وبما يحفظه له من صدقٍ وإنابةٍ وحسن عاقبة.

 

فليحذر المسلم أن ينهزم من الداخل حين يُستضعف من الخارج، وليحذر أن يُفتن بزخرف الباطل، أو أن يقرأ الواقع بعين الحس وحده. وليبدأ بإصلاح ميزانه، وتعظيم ربه، وتثبيت قلبه، ثم لينتقل إلى العمل بما يستطيع من تربيةٍ وإصلاحٍ وإعداد.

 

فالكرامة الحقيقية ليست في سعة العيش، ولا في ارتفاع المنزلة عند الخلق؛ وإنما في لزوم الاستقامة، والثبات على أمر الله، وحسن العاقبة عنده. فمن كان لله أطوع، كان عند الله أكرم، وإن ضاقت عليه الدنيا، ومن كان عن أمر الله أبعد، كان من الهوان أقرب، وإن زخرفت له أسبابها.

 

فالأمم لا تسقط أولًا حين تُقهَر في الظاهر؛ وإنما تسقط حين تقتنع في الباطن أن الهوان قدَرها، وأن موازين الباطل هي الموازين النهائية. فإذا نجت القلوب من هذا الوهم، ونجت العقول من هذه الغشاوة، أمكن أن يبدأ طريق النهوض من جديد.

 

والحمد لله رب العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: مقام المحبة: الثمرة التي لا تعطى بلا امتحان
  • طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: المحبة في زمن الغفلة: استقبال رمضان بقلب حي
  • تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد: الجذور والمنهج والآثار
  • حين أطفئت المصابيح في الطريق
  • تعظيم مقام النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والسنة النبوية
  • تواجد الدعاة على منصات التواصل الاجتماعي بين مصلحة الدعوة ومخاطر التأثير السلبي

مختارات من الشبكة

  • المسلم لا يهون على الله وإن هان على الناس: تذكرة مبصرة في ظل أحداث معاصرة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • أحبها لكنها ترفض(استشارة - الاستشارات)
  • سلسلة هدايات القرآن (6) هدايات سورة الفاتحة: كلمة لكنها تملأ الميزان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أحببته لكنه لا يأتي(استشارة - الاستشارات)
  • عفا زوجي عن خيانتي لكنه يعيرني بها(استشارة - الاستشارات)
  • يحبني لكني أريد الاهتمام(استشارة - الاستشارات)
  • أعلم أني مذنبة، لكني أحبه(استشارة - الاستشارات)
  • الذكاء... عوالم متعددة تتجاوز العقل الحسابي(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • هبوط الذهب... وارتفاع الحسرة!!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحدي الحقيقي(مقالة - مجتمع وإصلاح)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية
  • دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية للطلاب المسلمين في البوسنة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا
  • ندوة متكاملة في القرم لإعداد حجاج 2026
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 5/12/1447هـ - الساعة: 10:15
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب