• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    وصايا وتوجيهات للحجاج (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    اغتنام العشر وتذكير الزائر بتعظيم الشعائر (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الاتساق النفسي لدى المؤمن {فلنولينك قبلة ترضاها}
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    حينما تؤلف النعم في ظل التوحيد (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    خلق توقير الكبير واحترامه
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    تحريم الاختلاف في القرآن والخصومة فيه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    مذاهب الفقهاء في مسألة: مقدار مسح الرأس في الوضوء
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    التجاوز عن الفقراء ومساعدتهم سبب من أسباب دخول ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    كيف نستفيد من خطبة الجمعة (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين}
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    تفسير: {وما يستوي الأعمى والبصير}
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    تخريج حديث: من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    باب في هيئة القراءة
    د. خالد النجار
  •  
    رحلة الإنسان بين الخلق والروح: تأمل في مسار ...
    بدر شاشا
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن / عون الرحمن في تفسير القرآن
علامة باركود

تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ...}

تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ...}
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 18/5/2026 ميلادي - 1/12/1447 هجري

الزيارات: 54

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تفسير قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ... ﴾

 

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 149 - 152].

 

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾.

 

وبَّخ عز وجل المؤمنين في الآيات السابقة، وأنكر عليهم أن ينقلبوا على أعقابهم بموت الرسول صلى الله عليه وسلم أو قتله، ثم حذَّرهم في هذه الآية من طاعة الكافرين مبينًا لهم أن مراد الكافرين هو ردُّهم على أعقابهم.

 

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: سبق الكلام عليه.

 

﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا ﴾ ﴿ إن ﴾: شرطية، و﴿ تُطِيعُوا ﴾: فعل الشرط، وجوابه: ﴿ يَرُدُّوكُمْ ﴾، وكل منهما علامة جزمه حذف النون؛ أي: إن تطيعوا الذين كفروا من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب، فيما يأمرونكم به أو ينهونكم عنه؛ لأن الطاعة امتثال الطلب بفعل المأمور أو ترك المنهي.

 

﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ أي: يُرجعوكم على أعقابكم، وعلى أدباركم، والمراد: يردوكم ويرجعوكم عن دينكم إلى أول أمركم من الكفر والشرك؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]؛ أي: إن تطيعوا فريقًا من أهل الكتاب وهم الكفار منهم.

 

﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾: الفاء: واقعة في جواب الشرط، ﴿ خَاسِرِينَ ﴾: حال، والانقلاب: التحول من حال إلى حال، والمعنى: فترجعوا بطاعتكم لهم والارتداد عن دينكم حال كونكم خاسرين دينكم ودنياكم وأخراكم، وذلك هو الخسران المبين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 21]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15]، وقال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3].

 

قوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾: لما كان الحامل على طاعة الكفار غالبًا؛ إما رجاء نصر أو عون منهم، أو خوفًا منهم ومداراة لهم؛ أي: رجاء جلب خير أو دفع ضرٍّ منهم - أتبع عز وجل النهي عن طاعتهم بقوله: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾، وفي ضمن ذلك أمرهم بطاعته - عز وجل - وموالاته وحده.

 

قوله: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾ ﴿ بل ﴾ للإضراب الإبطالي، أي: لا تطيعوا الكافرين ولا تتولوهم طمعًا في نفعهم أو خوفًا منهم، بل أطيعوا الله ووالوه، واستعينوا به وتوكلوا عليه؛ فهو مولاكم وحده الذي بيده جلب الخير ودفع الضر، ولهذا قال: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾.

 

وولاية الله تعالى للخلق نوعان:

ولاية عامة لجميع الخلق، فهو - عز وجل - متولي أمورهم، لا يخرجون عن تدبيره وقدره؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 61، 62].

 

وولاية خاصة بالمؤمنين؛ بتوفيقهم وحفظهم ونصرهم، ونحو ذلك، كما في هذه الآية، وكما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب»[1].

 

و«المولى»: الذي يتولى غيره بجلب النفع والخير له، و«الناصر» الذي يدفع الضر والشر عنه.

 

والله عز وجل ﴿ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾؛ أي: أعظمهم وأقدرهم وأقواهم نصرًا، كما قال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]، وقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 78].

 

﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾؛ أي: أعدلهم في نصره؛ لأنه سبحانه ينصر الحق وأهله.

 

قوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾.

 

رُويَ أن المشركين بعدما انصرفوا من وقعة «أُحد»، تشاوروا فيما بينهم، وقالوا كيف ننصرف بعد أن قتلنا منهم مَن قتلنا، وهزمناهم، ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك فألقى الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا خائبين.

 

قوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾: تكلم عز وجل عن نفسه بما يدل على عظمته، أي: «سنلقي نحن»؛ لأنه العظيم سبحانه، كما يتكلم عن نفسه - عز وجل - بصيغة الإفراد للدلالة على وحدانيته؛ كما قال تعالى: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ [الأنفال: 12].

 

والسين في قوله: ﴿ سَنُلْقِي ﴾ للتنفيس، تفيد التحقيق والقرب.

 

﴿ الرعب ﴾: قرأ ابن عامر والكسائي بضم العين: «الرُّعُب»، وقرأ الباقون: ﴿ الرُّعْب ﴾ بإسكان العين.

 

و﴿ الرعب ﴾: الفزع وأشد الخوف، وإذا وقع الرعب في القلب انهزم المقاتل من الداخل، وعجز عن المقاومة، وانهزم في الظاهر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴾ [الأحزاب: 26]، كما قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحشر: 2].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر»[2]، وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر، يقذفه في قلوب أعدائي»[3].

 

﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ الباء: للسببية، و«ما»: مصدرية، أي: بسبب شركهم بالله، والشرك بالله: دعوة غير الله وعبادته مع الله.

 

﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ «ما»: موصولة، أي: الذي لم ينزل به سلطانًا ويجوز أن تكون نكرة موصوفة؛ أي: شيئًا لم ينزل به سلطانًا.

 

قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بتخفيف الزاي مع سكون النون: «يُنْزِل».

 

وقرأ الباقون: ﴿ يُنْزِّل ﴾ بالتشديد، مع فتح النون.

 

﴿ سُلْطَانًا ﴾؛ أي: حجة وبرهانًا، أي: ما لم ينزل به حجة وبرهانًا، ولم يقم عليه دليل ولا حجة.

 

والقيد في قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾؛ لبيان الواقع، ولتسفيه عقول المشركين، وليس للاحتراز؛ لأن الواقع أنه لا يمكن أن يقوم دليل أو حجة على أن لله شركاءَ، بل الأدلة والحجج النقلية والعقلية وغيرها قائمة على نفي ذلك، ولهذا كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم شركهم بالله، لخواء قلوبهم وخلوها من الإيمان بالله وتوحيده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].

 

﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾؛ أي: ومرجعهم ومصيرهم في الآخرة النار، وفي تعريف «النار» دلالة على وجودها؛ أي: النار المعلومة.

 

﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ «بئس»: فعل جامد؛ لإنشاء الذم، أي: وقبح وساء مثوى الظالمين هي، أو النار.

 

و«المثوى» المستقر الذي يثوي إليه الإنسان، ويستقر فيه؛ أي: وقبح وساء مستقر الظالمين ومسكنهم النار.

 

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

 

قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ الواو: استئنافية، واللام: واقعة في جواب قسم مقدر، والله لقد صدقكم الله وعده، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، والقسم المقدر، و«قد» التي للتحقيق.

 

﴿ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ يقال: صَدَقَه؛ أي: أخبره بالصدق، أي: أخبر المتكلم المخاطب بالصدق، ويقال: صَدَّقه، أي: صَدَّق المخاطبُ المتكلم فيما أخبر به.

 

و«صدق الوعد»: تحقيقه والوفاء به، ولا أحد أوفى بعهده ووعده من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 111]، وقال تعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 6]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ [الحج: 47]، وقال تعالى: ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ [البقرة: 80]، وقال تعالى: ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ﴾ [الزمر: 20]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: 9].

 

ومعنى ﴿ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾؛ أي: وفى لكم بوعده وأنجزه لكم، فصار ما أخبركم به واقعًا صدقًا.

 

و﴿ وَعْدَهُ ﴾: منصوب بنزع الخافض، أي: صدقكم الله في وعده، أي: فيما وعدكم به من النصر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]، وقال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47].

 

﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ ﴿ إذ ﴾: ظرف بمعنى «حين» متعلق بـ﴿ صَدَقَكُمُ ﴾؛ أي: صدقكم الله وعده حين تحسونهم؛ أي: وقت حسهم، وعبر عن الماضي بصيغة المضارع، أي: بحكاية الحال، لاستحضار الصورة في الذهن.

 

ومعنى ﴿ تَحُسُّونَهُمْ ﴾: تقتلونهم، والحس: أشد القتل.

 

قال الشاعر[4]:

ومنا الذي لاقى بسيف محمد
فحس به الأعداء عرض العساكر

وقال أيضًا:

ونحسهم بالبيض حتى كأننا
نفلق منهم بالجماجم حنظلا[5]

﴿ بِإِذْنِهِ ﴾؛ أي: بإذن الله تعالى الكوني والشرعي.

 

والمعنى: إذ تقتلونه أشد القتل بإذن الله - عز وجل - الكوني والشرعي، وتسليطه إياكم عليهم، حيث قتلوا منهم تسعة عشر أو سبعة عشر رجلًا، وانهزم المشركون، وفروا هاربين، وكان النصر والغلبة للمؤمنين، وذلك أول النهار.

 

﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾، ﴿ حتى ﴾: للغاية، وإذا: ظرفية غير شرطية، والتقدير: إذ تحسونهم بإذنه إلى وقت فشلكم.


والمعنى: ولقد صدقكم الله وعده حين تقتلونهم بإذنه إلى وقت فشلكم وتنازعكم في الأمر.


ويجوز كون ﴿ حتى ﴾ ابتدائية، والجملة مستأنفة، و﴿ إذا ﴾: شرطية، و﴿ فشِلتم ﴾: فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف؛ ليذهب فيه الذهن كل مذهب؛ أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون فاتكم النصر، أو خذلتم، أو انقسمتم إلى قسمين، ونحو ذلك.

 

و«الفشل»: الجبن والضعف والخور.

 

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الفشل: الجبن»[6].

 

﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ المنازعة: المخاصمة والتجاذب؛ لأن كل واحد من المتخاصمين ينزع حجة الآخر؛ ليكون الحق معه، والمعنى: وتخاصمتم واختلفتم في الأمر.

 

و﴿ الْأَمْرِ ﴾: الشأن؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [الأنفال: 43]، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ﴾ [الحج: 67]، والأمر أيضًا: واحد الأوامر؛ أي: وتنازعتم في أمركم، أي: في شأنكم، وفي الأمر الذي أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

والخطاب على هذا للرماة الذين أمَّر عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جبير، وكانوا خمسين رجلًا، وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم، ابقوا في الجبل سواء كانت لنا أو علينا»، لكنهم لما انتصر المسلمون في بادئ الأمر وانهزم المشركون، وأخذ المسلمون يجمعون الغنائم، طمِعوا في مشاركة المسلمين في جمع الغنائم، فأرادوا النزول من الجبل، وحاول أميرهم أن يمنعهم، وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «لا تبرحوا مكانكم..»، وتنازعوا في ذلك، فمنهم من قال: نبقى امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من نزل اغتنامًا لكسب الغنيمة[7].

 

والنزاع والخلاف شر، وهو أعظم أسباب الفشل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46].

 

وقال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - لما أتم الصلاة خلف عثمان - رضي الله عنه - وسُئل في ذلك وهو ممن لا يرى الإتمام في السفر، قال: «الخلاف شر»، وصدق رضـي الله عنـه وأرضاه[8].

 

﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾، «المعصية»: مخالفة الطلب، بترك المأمور، أو ارتكاب المحظور، أي: وخالفتم الرسول فيما أمركم به من البقاء على الجبل، أي: وعصيتم الله والرسول؛ لأن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم معصية لله تعالى، والمراد بهذا: ما حصل من الرماة.

 

وترتيب الأمور الثلاثة في الآية حسب ترتيبها في الحصول؛ الفشل، فالتنازع، فالعصيان والمخالفة.

 

﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾، ﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ مَا أَرَاكُمْ ﴾: مصدرية، وفي قوله: ﴿ مَا تُحِبُّونَ ﴾: موصولة، أي: من بعد ما أراكم الذي تحبون من نصركم وهزيمة أعدائكم وانخذالهم وتوليتهم الأدبار وغنم ما معهم.

 

﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ تفصيل لـ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ ﴾، وتبيين لـ﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾، وأن المراد به الذين يريدون الدنيا، و«من» في قوله: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ في الموضعين تبعيضية، و﴿ من ﴾ في الموضعين موصولة، أي: بعضكم يريد الدنيا، وهم الذين رغبوا في المغنم لما رأوا هزيمة العدو، وليس المراد بإرادة الدنيا هنا ما ينافي إرادة الآخرة، كما هو حال الكفار الذين يريدون الدنيا فقط، ولا حظ لهم في الآخرة ولا نصيب، بل ليس لهم فيها إلا النار؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16].

 

بل هذا كما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67].

 

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾؛ أي: وبعضكم الذي يريد الآخرة، كالذين ثبتوا على الجبل، والذين نالوا شرف الشهادة وغيرهم.

 

﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾؛ أي: ثم بعد أن فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم الذي تحبون من نصركم وهزيمتهم، ﴿ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾؛ أي: ردكم ودفعكم عنهم، وأدالهم عليكم بسبب ما حصل منكم من الفشل والتنازع والمعصية، أي: بسبب ما أصابكم من أنفسكم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 79].

 

والتعبير بقوله: ﴿ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ يفيد إقبال المسلمين الشديد وشدة رغبتهم على القضاء عليهم، وتوقعهم اكتمال النصر لهم، وهزيمة عدوهم، لكنه بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم، وقع عليهم ما ليس بالحسبان، فصرفهم وكفهم عنهم.

 

قال ابن كثير[9]: «فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة، وفشل بعض المقاتلة، تأخر الدعم الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة».

 

عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: «لقينا المشركين يومئذٍ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبدالله بن جبير، وقال: «لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتمونا ظهروا علينا فلا تعينونا»، فلما لقيناهم هربوا حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن، وقد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال عبدالله: عهد إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: «لا تجيبوه»، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: «لا تجيبوه»، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك ما يحزنك، فقال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم»، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني»[10].

 

وفي رواية عن البراء - رضي الله عنه - قال: «جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجَّالة يوم أُحد - وكانوا سبعين رجلًا - عبدالله بن جبير، فقال: «وإن رأيتمونا تخطفتنا الطير، فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم، وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»، فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب ابن جبير: الغنيمة؛ أي: قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله، لنأتينَّ الناس فلنُصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه، قال: كذبت، والله، يا عدو الله، إن الذين عددت أحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك، قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمُر بها، ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعلُ هُبَلْ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبونه؟»، قالوا: يا رسول الله: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجل»، قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبونه؟»، قال: قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»[11].

 

﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ اللام: للتعليل، أي: لأجل أن يبتليكم، أي: ليختبركم ويمتحنكم في صرفكم عنهم، والابتلاء يكون في الخير والشر، كما قال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]، وقال سليمان - عليه السلام -: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ [النمل: 40]، وقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 15، 16].

 

قال الشاعر:

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم[12]

فيبتلي الله بعض القوم بالخير والنعم؛ ليتبين هل يشكر أم يكفر، ويبتلي بعض الناس بالشر والنقم؛ ليتبين هل يصبر أم يجزع.

 

﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾؛ أي: والله لقد عفا الله عنكم، والجملة كسابقتها مؤكدة باللام والقسم المقدر، و«قد».

 

وأقسم عز وجل على عفوه عنهم وأكده؛ لأنه قد يتبادر إلى أذهانهم أن الله كما ابتلاهم بسبب ما حصل منهم من الفشل والتنازع والمعصية، سوف يعاقبهم أيضًا على ذلك.

 

كما أقسم في أول الآية على صدق وعده لهم لئلا يتبادر إلى أذهانهم بسبب ما أصابهم أن الله لم يصدقهم وعده.

 

والمعنى: ولقد تجاوز الله عنكم، فلم يعاقبكم على ما حصل منكم من فشل وتنازع وعصيان، ولذلك صرف عدوكم، فلم يستأصلكم.

 

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾؛ أي: والله صاحب فضل وزيادة عليهم، ومن أعظم ذلك هدايتهم للإيمان وتوفيقهم للإسلام، وشمولهم برحمته وعفوه، ولهذا عفا عنكم.

 

وأظهر في مقام الإضمار، فلم يقل: والله ذو فضل عليكم، وفي ذلك عدة فوائد؛ منها: وصف المذكورين بالإيمان، وتعميم فضله عز وجل لجميع المؤمنين، وبيان علة تفضُّله عليهم وهي الإيمان، إضافة إلى مراعاة فواصل الآيات.



[1] أخرجه البخاري في الرقاق- التواضع (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في التيمم (335)، ومسلم في المساجد (521)، والنسائي في الغسل و التيمم (432)، من حديث جابر رضي الله عنه.

[3] أخرجه أحمد (5/ 248)، والترمذي في السير (1553)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[4] ينسب هذا البيت لعتبة الليثي، وينسب أيضًا لحسان رضي الله عنه وليس في ديوانه؛ انظر: «الجامع لأحكام القرآن» (10/ 216).

[5] البيت لعتبة الليثي؛ انظر: «مجمع الزوائد» (6/ 309).

[6] أخرجه الطبري في جامع البيان (6/ 138).

[7] سيأتي تخريجه قريبًا بتمامه ولفظه.

[8] أخرجه أبوداود في المناسك (1960)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

[9] في «تفسيره» (5/ 113).

[10] أخرجه البخاري في المغازي- غزوة أُحد (4043)، وأحمد (4/ 293).

[11] أخرجها البخاري في الجهاد والسير- ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (3039).

[12] البيت لأبي تمام؛ انظر: «ديوانه» (ص577).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون...}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ...}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم...}
  • تفسير قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ...}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}
  • تفسير قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ....}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}

مختارات من الشبكة

  • تفسير قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ...}(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا
  • ندوة متكاملة في القرم لإعداد حجاج 2026
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 30/11/1447هـ - الساعة: 15:12
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب