• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الرد على شبهة حول آية {بلسان عربي مبين}، ولماذا ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (2) (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    عبادة اللسان (تلاوة القرآن)
    سلامة إبراهيم محمد دربالة النمر
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (9) الإكثار ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    وجبت محبتي للمتزاورين في (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الحث على التعجيل بالحج (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    أحكام الإحرام ومحظوراته
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    فرض الحجاب وتحريم الاختلاط - تأصيل شرعي وبيان ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    من أقوال السلف في الحوض
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    العادات (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    الحديث التاسع والثلاثون: فضيلة حسن الخلق
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    الترغيب في الذكر
    د. خالد النجار
  •  
    من دروس الحج أن نتعلم كيف نتحد (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    خطبة خطورة الشرك ووجوب الحذر والتحذير منه
    د. فهد بن ابراهيم الجمعة
  •  
    تفسير: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ...
    تفسير القرآن الكريم
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن / عون الرحمن في تفسير القرآن
علامة باركود

تفسير قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ....}

تفسير قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ....}
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/5/2026 ميلادي - 17/11/1447 هجري

الزيارات: 69

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تفسير قوله تعالى:

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ... ﴾

 

قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148].

 

قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾.

 

قال ابن كثير[1]: «لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قُتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قمئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجَّه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، وجوَّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء - عليهم السلام - فحصل وهن وضعف وتأخُّرٌ عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه».

 

وعن ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مرَّ على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قُتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾[2].


ورُوي أن أناسًا من أهل النفاق قالوا: إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: «إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد لم يُقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه»[3].


وفي رواية أنه قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنَع هؤلاء - يعني: المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدَّم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أُحد، فمضى فقُتِل»[4].


قوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، و﴿ مُحَمَّدٌ ﴾: هو نبينا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

﴿ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ ﴿ إِلَّا ﴾: أداة حصر؛ أي: ما هو إلا رسول من عند الله، مهمته تبليغ رسالة ربِّه، وليس بدعًا من الرسل، بل هو من جنس الرسل قبله؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 9].

 

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾: صفة لـ﴿ رَسُولٌ ﴾، وهي محط القصر؛ أي: ما هو إلا رسول موصوف بخلوِّ الرسل قبله، أي: مُضيهم، وانقراضهم قبله، وسيخلو ويمضي مثلهم، و﴿ قد ﴾: للتحقيق ﴿ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: مضت؛ كقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ [آل عمران: 137]؛ أي: قد مضت وسبقت من قبله الرسل، فمنهم من مات ومنهم من قُتل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61].

 

و«أل» في ﴿ الرُّسُلُ ﴾ للعموم؛ أي: قد خلت من قبله جميع الرسل، فهو خاتمهم، وفي هذا توطئة لقوله بعده: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} الآية، والهمزة للاستفهام، ومعناه التوبيخ والإنكار والنهي، والفاء للتعقيب.

 

و«إن»: شرطية، و﴿ مَاتَ ﴾: فعل الشرط, ﴿ انْقَلَبْتُمْ ﴾: جواب الشرط، والخطاب لمن شهدوا بدرًا وغيرهم من المؤمنين.

 

﴿ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾: «أعقاب» جمع «عقب»، وهو: «العرقوب» مؤخر القدم.

 

وفي الحديث: «ويل للأعقاب من النار»[5]؛ أي: مؤخرة الأقدام.

 

والانقلاب على العقب: الرجوع على الوراء، ورجوع القهقرى، والسير على غير هُدى، وأصل الانقلاب التحوُّل من حالٍ إلى حال.

 

والمعنى: أفإن مات أو قُتل كغيره من الرسل، ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ أي: رجعتم وارتددتُم عن دينكم؛ أي: أتنقلبون على أعقابكم وترجعون عن دينكم، وتتركون الجهاد إن مات أو قُتل رسولكم، والمراد: اثبُتوا على دينكم، ولا ترتدُّوا عنه، وإن مات رسولكم أو قُتل، كما ثبتت الأمم قبلكم على أديانهم، ولم يرجعوا ويرتدوا بعد أنبيائهم.

 

وكنى بالرجوع والارتداد عن الدين بالانقلاب والرجوع على الأعقاب تقبيحًا له وذمًّا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22].

 

﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾: انتقل الكلام من صيغة الخطاب إلى صيغة العموم والغيبة، فلم يقل: «وإن انقلبتم على أعقابكم، فلن يضر الله شيئًا»؛ ليكون الحكم عامًّا لكل مَن رجع وارتدَّ عن دينه منهم ومن غيرهم، كما أن فيه عدمَ مواجهتهم بالخطاب بهذا بعد أن وبَّخهم وحذَّرهم من ذلك، إضافةً إلى ما في تنويع التعبير من لفت الانتباه، والواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَنْقَلِبْ ﴾: فعل الشرط.

 

﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾: جواب الشرط، والفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لاتصاله بـ«لن» و﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء؛ أي: فمن يرجع على عقبيه ويرتد عن دينه، فلن يضر الله أيَّ شيء، وإنما يضرُّ نفسه؛ لأن الله تعالى لا تضره طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحدٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»[6].

 

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: أنكر عز وجل ووبَّخ مَن انقلب على عقبيه، ثم أثنى وامتدح الشاكرين ممن ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثلوا أمره، ولم يرتدوا عن دينه، والسين في قوله: ﴿ وَسَيَجْزِي ﴾ للتنفيس، وهي تحوُّل الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال معًا إلى كونه خالصًا للاستقبال.

 

والجزاء: الثواب والمكافأة على العمل، و﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾: جمع «شاكر»، وهم الذين شكروا الله تعالى على نعمه، واستعانوا بها على طاعته والثبات على العبودية له، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم حيًّا وميتًا، وفي مقدمتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضوان الله عليهم - الذين ثبتوا على دينه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وارتداد مَن ارتد من العرب.

 

فهم سادات الشاكرين وفي مقدمتهم أميرهم أبو بكر - رضي الله عنه - كما قال علي رضي الله عنه: «﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: الثابتين على دينهم، منهم أبو بكر وأصحابه، فكان علي - رضي الله عنه - يقول: كان أبو بكر أمير الشاكرين، وأمير أحباء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله»[7].

 

قال ابن القيم[8]: «فظهَر أثرُ هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد مَن ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم».

 

و«الشكر» يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، كما قال الشاعر:

أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا[9]

وشكر الله تعالى بالقلب بالاعتراف باطنًا بنعم الله تعالى، واستشعار أنها من الله تعالى وبفضله، لا بحول الإنسان وقوته.

 

والشكر باللسان يكون بالثناء على الله تعالى بلسان المقال بحمده تعالى على نعمه؛ من نعمة الإسلام والإيمان والخلق، والرزق وغير ذلك، والاعتراف بها، ونسبتها إلى الله تعالى، والتحدث بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11].

 

وشكر الله تعالى بالجوارح يكون باستعمالها في طاعته، والثبات على دينه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويكون بظهور أثر نعمة الله تعالى على العبد في مأكله ومشربه وملبسه، ومسكنه ومَركبه، ونحو ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»[10].

 

ولم يذكر أو يحدد جزاءهم، ليُدلل على عظمته وكثرته؛ لأنه على قدر من جازاهم به وهو العظيم سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، وأيضًا فإن جزاءهم متفاوت ومختلف؛ لأنه على قدر شكرهم، والمعنى: وسيجزي الشاكرين بمغفرة ذنوبهم، ورِفعة درجاتهم، وبالثواب العظيم والفضل الواسع والجزاء الحسن؛ كما قال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 160].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»[11].

 

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾.

 

بيَّن في الآية السابقة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيمضي كما مضى غيره من الرسل، إما بموت أو قتل، وحذَّر من الرجوع عن دينه بعد ذَهابه، ثم بيَّن في هذه الآية أنه ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله تعالى في أجلها المكتوب المحدد، وفي هذا تسليةٌ للأمة بموته، وأنه لا عذر في الرجوع عن دينه، كما أن فيه حضًّا على الجهاد، ولومًا على تركه خشية القتل.

 

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، تدل على نفي هذا الشيء وامتناعه قدرًا وكونًا.

 

﴿ لِنَفْسٍ ﴾: «نفس»: نكرة في سياق النفي، فتعم كلَّ نفسٍ من أنفس الآدميين وغيرهم من جن وحيوان.

 

و«أن» والفعل بعدها في قوله: ﴿ أَنْ تَمُوتَ ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان، و«إلا» في قوله: ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: أداة حصر.

 

و«إذن الله» ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وهو المراد هنا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾.

 

وإذن شرعي، ومنه قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: 39]، وقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21].

 

والفرق بينهما: أن ما أذن الله به كونًا لابد من وقوعه، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى، وما أذن الله به شرعًا فلا يلزم وقوعه، ولابد أن يكون محبوبًا لله تعالى.

 

فمعنى ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾؛ أي: إلا بقضائه وقدره؛ أي: لا يمكن أن تموت نفس أيُّ نفس إلا بإذن الله تعالى وقضائه وقدره الكوني، فمهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا، فلن يستطيعوا ما لم يأذن الله تعالى بذلك قدرًا وكونًا.

 

وهذه العقيدة الراسخة هي سرُّ بطولات وتضحيات المجاهدين في الإسلام؛ كما قال سيف الله المسلول، خالد بن الوليد رضي الله عنه: «لقد خُضت أكثر من مائة معركة، وما في جسدي شبرًا إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، أو رَمية بسهم، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء[12].

 

وكما قال الشاعر:

سأَعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشمَّاء
النور في جنبي وبين جوانحي
فعلامَ أخشى السيرَ في الظَّلماء[13]

 

و«الموت»: خروج الروح من البدن ومفارقتها له، وفي الحديث: «يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبِب ما شئت فإنك مفارقه»[14].

 

﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾، ﴿ كِتَابًا ﴾: مصدر مؤكد للجملة التي قبله؛ أي: أن الموت مكتوب ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد: 38].

 

ومعنى ﴿ كِتَابًا ﴾؛ أي: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ الذي فيه مقاديرُ كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [فاطر: 11].

 

ومكتوب عند نفخ الروح في الإنسان في بطن أمه؛ كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه -: إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيَكتب رزقه وأجلَه، ثُمَّ يُكْتَبُ شقيٌّ أو سعيد»[15].

 

ومكتوب أيضًا فيما يُقدَّر ويُقضى كلَّ سنة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4].

 

ولا يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليَصل رحمه»[16].

 

فإن معنى الحديث أن صلة الرحم سببٌ لسَعة الرزق وطول العمر- في المقدر والمكتوب في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، بمعنى أن الله قدَّر وكتب سَعة رزق هذا وطول عمره بسبب صلته لرحمه - وكل ذلك مكتوب عند الله تعالى، كما أن صلة الرحم سببٌ للبركة في الرزق والعمر، والذكر الحسن بعد الموت.

......................
والذكر للإنسان عمر ثان[17]

﴿ مؤجلًا ﴾؛ أي: محددًا بأجل، أي: بوقت معلوم لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر.

 

فكتب لكل نفس متى تموت وكيف تموت كتابًا مؤجلًا محددًا؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [المنافقون: 11]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ﴾ [نوح: 4]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ [الأنعام: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ [الحجر: 24].

 

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾: الواو: عاطفة، و«من»: شرطية، ﴿ يُرد ﴾: فعل الشرط، ﴿ نُؤته ﴾: جواب الشرط، مجزوم وعلامة جزمه حذف الياء؛ أي: ومن يقصد بعمله جزاء الدنيا دون الآخرة، وفي هذا تعريضٌ بمن يحضر القتال لأجل الغنيمة.

 

﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: نُعطه جزاء عمله في الدنيا، من الدنيا حسب ما قدر له، وليس له في الآخرة من نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 18].

 

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: ومَن يقصد بعمله جزاء الآخرة، ويعمل لها، نُعطه منها مع ما قُسِم له في الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19].

 

وفرق ما بين الإرادتين والمرادَين، وشتان ما بين العطاءين.

شتان بين الحالتين فإن تُرد
جمعًا فما الضدانِ يجتمعان[18]

فعطاء الدنيا، بل الدنيا بما فيها متاع قليل، متاع غرور، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وعطاء الآخرة أعظم وأجزل وأدومُ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64]، وقال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 20، 21].

 

﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾؛ أي: وسنجزي ونثيب، ونكافئ الشاكرين على شكرهم بالاعتراف بنعم الله تعالى بقلوبهم، والثناء عليه بها بألسنتهم، وظهور أثرها عليهم، والاستعانة بها بجوارحهم على طاعة الله تعالى بالمغفرة والجزاء العظيم، والثواب الجزيل والفضل الواسع، وهم الذين أرادوا ثواب الآخرة دون من أراد الدنيا وحدها؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإنسان: 22].

 

قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾.

 

في هذه الآية تشجيعٌ، وحفزٌ لهِمَم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت لهم - وهم خير الأصحاب - بذكر ما جرى لكثير من الأنبياء وأتباعهم من قتال وقتلٍ، وما كان عليه أتباع الأنبياء قبلهم من القوة، وتحمُّل ما يصيبهم في سبيل الله، وعدم الضعف والاستكانة، وقوة الصبر، وفيها تسليةٌ للمسلمين عما أصابهم يوم أُحد، وعما وقع في نفوسهم بسبب الإرجاف بقتله صلى الله عليه وسلم، وتوبيخ لمن جزَعوا وضعُفوا بسبب ما أصابهم.

 

قوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ قرأ ابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف، وبعدها همزة مكسورة «وكآئن»، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مشددة: ﴿ وَكَأَيِّنْ ﴾، وهي كلمة مبنية على السكون على القراءتين في محل رفع مبتدأ، تفيد التكثير مثل «كم» الخبرية.

 

﴿ مِنْ نَبِيٍّ ﴾: جار ومجرور مميز «كأين»؛ لأنها لفظة مبهمة، والمعنى: وكم من نبي، أي: وكثير من النبيين.

 

﴿ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ويعقوب بضم الكاف وكسر التاء من غير ألف: «قُتِل» بصيغة المبني للمجهول، وقرأ الباقون بفتح الكاف والتاء وألف بينهما ﴿ قاتَل ﴾ بصيغة المفاعلة من القتل، وهي المدافعة بالقتل بين فريقين.

 

والفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة (قُتل)، ضمير مستتر يعود إلى (نبي)، والتقدير: وكأين من نبي قاتل هو، أو كأين من نبي قُتل هو.

 

وتكون جملة ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ جملة تامة مستقلة، والوقف على ﴿ قاتَل ﴾، وعلى (قُتل) في القراءة الأخرى.

 

وعلى هذا تكون جملة ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: مستأنفة في محل نصب على الحال، أي: حال كونه معه ربيُّون كثير، و(مع): ظرف مكان متعلق بـ«قاتل» أو «قُتل»، والهاء مضاف إليه، وهو في محل رفع خبر مقدم، و﴿ ربيُّون ﴾: مبتدأ مؤخر.

 

ويكون المعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتَل، أو قُتِل حال كونه معه ربيُّون كثير، فالقتال واقع من النبيين، والقتل واقع عليهم، وفي الحالين معهم ربيون كثير من أصحابهم مقاتلون. ويجوز أن يكون الفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة «قُتل»: (ربيون): والوقف على قوله (كثير)، والمعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتل ربيون كثيرون معه، أو قُتل ربيون كثيرون معه من أتباعه، وعلى هذا فالقتال واقع من الربيين والقتل واقع عليهم.

 

وعلى تقدير أخصر يجوز أن يكون الفاعل على قراءة «قاتل» ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم و(ربيون)؛ أي: وكأين من نبي قاتل وقاتَل معه ربيون كثير.

 

وعلى قراءة (قُتل) يجوز أن يكون نائب الفاعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، و(ربيون) أي: وكأين من نبي قُتل وقُتل معه ربيون كثير، ويكون الوقف على هذا على قوله: ﴿ كثير ﴾، والقراءتان بمثابة آيتين، فالقتال واقع من الجميع الأنبياء والربيين، والقتل واقع عليهم جميعًا.

 

﴿ ربيُّون ﴾: جمع «ربي؛ مثل: «الربانيين»: جمع «رباني»، وكلاهما منسوب إلى «الرب»، لكن ﴿ ربيُّون ﴾ كسرت راؤه عند النسب، وهم المتبعون شريعة الرب، أو منسوب إلى «الرِّبة» بكسر الراء، وهي الطائفة والجماعة، فـ«ربيون»، أي: طوائف وجموع كثيرة من الأتباع الذين تربَّوا على الإيمان وطاعة الله تعالى وعبادته، رباهم الله تعالى واختارهم لربوبيته الخاصة.

 

﴿ كثير ﴾: صفة لـ﴿ ربيُّون ﴾ أي: ربيون كثيرون.

 

﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾: الفاء: عاطفة، و«ما»: نافية، والضمير في «وهَنوا»، وما بعده يعود إلى الربيين» على القراءتين (قاتَل)، و«قُتل».


﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾؛ أي: فما عجزوا، أو جبنوا وما خارت عزائمهم.

 

﴿ لِمَا أَصَابَهُمْ ﴾: اللام: تعليلية، و«ما»: موصولة؛ أي: بسبب الذي أصابهم ﴿ في سبيل الله ﴾؛ أي: في طريقه ونصرة دينه؛ أي: في القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا، فهو في سبيل الله»[19].

 

والمعنى: فما وهَنوا بسبب الذي أصابهم في سبيل إعلاء كلمة الله، بل زادهم ذلك شجاعةً وعزيمة وإقدامًا، لقوة إيمانهم ويقينهم أن ما يُصيبهم في سبيل الله مغنم، وليس بمغرم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، ولما دميت إصبع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال:

هل أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت»[20]

 

وقال عمير بن حمام رضي الله عنه: «بخ بخ، لئن بقيت إلى أن آكلَ هذه التمرات، إنها لحياة طويلة»[21].

 

﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾؛ أي: في مقاومة العدو، بل كانوا أقوياءَ بقلوبهم وأبدانهم.

 

﴿ وما استكانوا ﴾: «الاستكانة»: الذل والخضوع ضد العز؛ أي: وما ذلُّوا وما ضَعُفوا لعدوِّهم، مع أنه قُتل كثيرٌ منهم، أو قُتل أنبياؤهم، بل كانوا أعزاءَ شامخي الرؤوس؛ لأنهم يعلمون أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]، وأن قتلاهم في الجنة وقتلى عدوهم في النار.

 

ويدخل في الوصف بقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ من قُتل منهم ومن لم يُقتل؛ أي: فما وهن مَن بقي منهم؛ لما أصابهم من قتل أصحابهم وغير ذلك، وما ضعفوا وما استكانوا.

 

وما وهَن مَن قُتل منهم عند القتل، ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مُدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزَّةً كرامًا مقبلين غير مدبرين.

 

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ بعد أن نفى عنهم الوهن في سبيل الله والضعف والاستكانة، ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ في إشارة واضحة إلى وصفهم بالصبر؛ أي: والله يحب الصابرين على طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل ذلك متحقق بمن قاتل في سبيل الله من غير وهن ولا ضعف ولا استكانة.

 

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.

 

نفى عز وجل في الآية السابقة عن هؤلاء الربيين الصفات السلبية في قتالهم مع أنبيائهم، وهي: الوهن والضعف والاستكانة؛ مما يدل على حسن فعلهم وثبات قلوبهم ورباطة جأشهم، وعظيم صبرهم، ثم أتبع ذلك بما يدل على حُسن قولهم بدعائهم ربهم بالمغفرة والتثبيت والنصر، وعظيم رجائهم بنصر الله تعالى، فجمعوا بين فعل السبب قولًا وفعلًا، وبين الاعتماد على الله عز وجل.

 

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، و﴿ كان ﴾: فعل ماض ناقص، و﴿ قَوْلَهُمْ ﴾ خبرها مقدم، قُدِّم؛ لأنه خبر عن مبتدأ محصور.

 

﴿ إلا ﴾: أداة حصر، ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾: «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان مؤخر، أي: وما كان قولهم إلا هذا القول ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ﴾ الآية؛ أي: وما كان قولهم في قتالهم، وتجاه ما أصابهم في سبيل الله مِن قتل كثيرٍ منهم، أو قتل أنبيائهم، إلا هذا القول؛ أي: طلب مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين.

 

﴿ رَبَّنَا ﴾؛ أي: يا ربنا، حُذفت منه «يا» تخفيفًا، وتبركًا بالبداءة باسمه - عز وجل - ونادوه وتوسَّلوا إليه باسم أو وصف الربوبية الذي معناه: الخلق والملك والتدبير، فكأنهم يقولون: يا من له التصرف وإجابة الدعاء:

﴿ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾؛ أي: استر ذنوبنا وتجاوز عنها.

 

﴿ وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾؛ أي: واغفر لنا إسرافنا في أمرنا، وتجاوَز عنه، أي: اغفر لنا صغائر الذنوب وكبائرها، وما حصل منا من تقصيرٍ أو إفراط؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم هو بسبب ذنوبهم وإسرافهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

 

فعلموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن ما أصابهم بسبب ذلك، فسألوا الله المغفرة، والاعتراف بالذنب توبة.

 

و«الإسراف»: مجاوزة الحد، و«الأمر» واحد الأمور، وهو الشأن، أي: وإسرافنا في أمورنا وشؤوننا، والإسراف في الأمر قسمان:

القسم الأول: الإسراف ومجاوزة الحد في الغلو، كما في قصة النفر الذين حرَّموا على أنفسهم بعض المباحات؛ كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[22].

 

والقسم الثاني: الإسراف ومجاوزة الحد في التقصير، وهو نوعان:

النوع الأول: إسراف في تعدي حدود الله تعالى بترك واجبٍ أو الإخلال به، كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229].

 

والنوع الثاني: إسراف في قُربان حدود الله تعالى؛ أي: محارمه، بفعل محرم؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187].

 

والإسراف يكون في المأمور واجبًا أو مندوبًا، ويكون في المنهي محرمًا كان أو مكروها، كما يكون في المباح كالإسراف في النفقة ونحو ذلك؛ قال ابن القيم: «لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يَستزلهم ويهزمهم، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحدٍّ، وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾، فوفَّوْا المقامين حقَّهما؛ مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف»[23].

 

﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: سألوا ربهم أولًا مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم؛ تطهيرًا وتزكية لهم، ثم سألوه تثبيت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين؛ تقديمًا للتخلية على التحلية.

 

﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾: الواو: عاطفة، أي: اجعل أقدامنا ثابتة راسخة عند ملاقاة الأعداء، فلا تزل بنا أقدامنا، فنَفِرَّ عند اللقاء، وثبِّت أقدامنا عند ورود الشبهات، وأمام الشهوات.

 

وتثبيت الأقدام يكون حسيًّا كما في مواطن القتال والنزال، وبه يحفظ الله المؤمن من الفرار من الزحف.

 

ويكون معنويًّا، وبه يحفظ الله المؤمن من الزيغ عند ورود الشبهات، ومن الوقوع في حبائل الشهوات.

 

وتثبيت الأقدام علامة ظاهرة على ثبات القلوب، والذي هو سبب ثبات الأقدام.

 

﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: أي: واجعل النصر والغلبة والظهور لنا على القوم الكافرين؛ أي: على أعدائنا، وهذا اعترافٌ منهم أنه لا ناصرَ لهم سوى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160].

 

وهذا يدل على عِظم رجائهم بالله تعالى، وثقتهم بوعده ونصره، فلم يصدهم ما أصابهم عن رجاء نصره، وفي الحديث: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي»[24].

 

قوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

 

قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: الفاء: استئنافية، و«آتاهم »: أعطاهم، وهي تنصب مفعولين، الأول: ضمير الهاء، والثاني: ﴿ ثواب ﴾.

 

و﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: جزاءها وأجرها بالنصر على أعدائهم، والظفر بهم، وكون العزة والغلبة لهم في الدنيا، وتيسير أمورهم فيها، هذا جزاؤهم المعجل، وخير من ذلك وأفضل، وأعظم منه وأجزل، ثوابُهم المؤجَّل في الآخرة، ولهذا وصفه بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾؛ أي: وحسن جزاء الآخرة، أي: والجزاء الحسن في الآخرة، بالمغفرة، ورفعة الدرجات؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله»[25].

 

وبمضاعفة الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وأحسن ذلك وأعظمه وأفضله وأجله النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، فالحسنى الجنة والثواب الحسن، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.

 

ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن؛ لأنه لا مقارنة بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الشورى: 36]، بل ولا مقارنة بين الدنيا كلها وما فيها، وبين الآخرة وثوابها؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء»[26]، وثواب الدنيا وإن كان فيه حسنٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201]، فهو حسن نسبي مشوب بالمنغصات؛ لأن الدنيا دار شقاء وعناء، لا تصفو، ونعيمها مشوب بالكدر، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4].

 

وكما قيل:

ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى
من العيش ما يصفو وما يتكدر[27]

وقال الآخر:

هي الحياة فلا يَغْرُرْك ما فيها
من الزخارف واحذر من دواهيها

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في ختم الآية بهذا إشارة إلى أن المذكورين محسنون، فأحبهم الله؛ ولهذا أثابهم بهذا الثواب العظيم في الدنيا والآخرة؛ أي: والله يحب المحسنين في عبادة الله تعالى إخلاصًا له ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم والمحسنين إلى عباده.

 

ولم يقل: والله يحبهم لأنهم محسنون لبيان محبته - عز وجل - المحسنين منهم ومن غيرهم، وأن من عمل مثلهم فهو محسن يستحق الثواب.

 

ومن أحبه الله وفَّقه لكل خير، وحفظه من كل شر، ويسَّر له أمور دينه ودنياه وأخراه، وألقى في قلوب الخلق محبته، نسأل الله تعالى من فضله؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»[28].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - إذا أحب عبدًا نادى جبريل إني أحب فلانًا فأَحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيُحبه أهلُ السماء، ثم يوضَع له القبول في الأرض»[29].



[1] في «تفسيره» (2/ 108).

[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102)، وذكره ابن كثير (2/ 109)، ونَسَبه إلى البيهقي في دلائل النبوة.

[3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102) مختصرًا عن أنس رضي الله عنه، وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 83).

[4] أخرجه البخاري في المغازي (4048)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[5] سيأتي تخريجُه برواياته عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ [المائدة: 6].

[6] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2577)، والترمذي في صفة القيامة (2495)، وابن ماجه في الزهد (4257)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[7] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 97-98).

[8] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 55).

[9] البيت لبشر؛ انظر: «المفضليات» (ص344).

[10] أخرجه الترمذي في الأدب (2819)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهما - وقال: «حديث حسن».

[11] أخرجه مسلم في الصيام (1151)، والنسائي في الصيام (2215)، والترمذي في الصوم (764)، وابن ماجه في الصيام (1638)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[12] أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (16/ 273)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 441).

[13] البيتان لأبي القاسم الشابي؛ انظر: «ديوانه» (ص11).

[14] سبق تخريجه.

[15] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3208)، ومسلم في القدر (2643)، وأبو داود في السنة (4708)، والترمذي في القدر (2137)، وابن ماجه في المقدمة (76).

[16] سبق تخريجه.

[17] سطر بيت لأحمد شوقي؛ انظر: «الشوقيات» (1/ 63).

[18] البيت لابن القيم؛ انظر: «النونية» (ص148).

[19] سبق تخريجه.

[20] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- من ينكب في سبيل الله (2802)، ومسلم في الجهاد والسير- ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى (1796)، والترمذي في التفسير (3345)، من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.

[21] أخرجه مسلم في الإمارة (1901)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

[22] أخرجه البخاري في النكاح (5063)، ومسلم في النكاح (1401)، والنسائي في النكاح (3267).

[23] «بدائع التفسير» (1/ 516)؛ بتصرف واختصار.

[24] أخرجه البخاري في الدعوات (6340)، ومسلم في الذكر والدعاء (2735)، وأبو داود في الصلاة (1484)، والترمذي في الدعوات (3387)، وابن ماجه في الدعاء (3853)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[25] سبق تخريجه.

[26] سبق تخريجه.

[27] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43).

[28] أخرجه البخاري في الرقاق (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[29] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3209)، ومسلم في البر والصلة (2637)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}
  • تفسير قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته}
  • تفسير قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم}
  • تفسير قوله تعالى: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم }
  • تفسير قوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل}
  • تفسير قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا غلف.....}
  • تفسير قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم}
  • تفسير قوله تعالى: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا...}
  • تفسير قوله تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا...}

مختارات من الشبكة

  • تفسير قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا....}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ....}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس...)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة...}(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 17/11/1447هـ - الساعة: 10:40
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب