• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    من مائدة الفقه: آداب المشي إلى الصلاة
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    من مقاصد الحج (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    من منافع الحج وفوائده
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    حديث: إن سالما مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    النهي عن السخرية بالناس واحتقارهم
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} خطبة
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    الأمن والاستقرار... نعمة الإيمان وأساس العمران
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    {الله لطيف بعباده} خطبة
    د. محمد حرز
  •  
    تحريم الصد عن آيات الله الكونية والشرعية أو عن ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    مواعظ سورة ق (خطبة)
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    الأكل من عمل اليد تشبه بالأنبياء
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    حسن الخلق وصية النبي صلى الله عليه وسلم
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    سلوا الله العفو والعافية (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
  •  
    دليل مختصر في علم السيرة النبوية (يتضمن مصادر ...
    بدر عبدالله الصاعدي
  •  
    زكاة الوقت.. كيف تبارك الصلاة في عمر الإنسان؟
    د. نصر من الله مجاهد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الربوبية - 1)

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الربوبية - 1)
سائد بن جمال دياربكرلي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 2/5/2026 ميلادي - 15/11/1447 هجري

الزيارات: 20

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

(توحيد الربوبية - 1)

 

أصل العلم الإلهي عند المؤمنين: الإيمان بالله ورسوله، وعند الرسول: وحي الله إليه:

قاعدة أولية: أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا هو الإيمان بالله ورسوله، وعند الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحي الله إليه، كما قال خاتم الأنبياء: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». وقال الله تعالى له: ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ [سبأ: 50]، وقال: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ [الضحى: 7]، وقال: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3].

 

ولما كان أصل العلم والهدى هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة، كان ذكره طريق الهداية بالرسالة- التي هي القرآن وما جاءت به الرسل- كثيرًا جدًّا، كقوله: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]، وقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 138].

 

وكذلك ذكره حصول الهداية والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن؛ كقوله: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 2، 3] الآية، ثم ذم الذين كفروا والذين نافقوا، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [العصر: 1 - 3]، وقوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [التين: 5، 6]، فحكم على النوع كله والأمة الإنسانية جميعها بالخسارة والسفول إلى الغاية، إلا المؤمنين الصالحين[1].

 

تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل:

وذلك أن الأنبياء عليهم السلام دعوا الناس إلى عبادة الله أولًا بالقلب واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته وذكره. فأصل علمهم وعملهم هو العلم بالله والعمل لله؛ وذلك فطري كما قد قررته في غير هذا الموضع في موضعين أو ثلاثة، وبينت أن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي؛ كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي؛ كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة، وبسط هذا له موضع غير هذا.

 

وإنما الغرض هنا أن الله- سبحانه- لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكره أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه. وليس للخلق صلاحٌ إلا في معرفة ربهم وعبادته، وإذا حصل لهم ذلك، فما سواه إما فضل نافع، وإما فضول غير نافعة، وإما أمر مضر.

 

ثم من العلم به تتشعَّب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعَّب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي والبرهان الوثيق، فلا يزال إما في زيادة العلم والإيمان، وإما في السلامة عن الجهل والكفر[2].

 

الفلاسفة جعلوا نفوسهم أصلًا ثم فرعوا عليها:

وأما الطريقة الفلسفية الكلامية فإنهم ابتدأوا بنفوسهم فجعلوها هي الأصل الذي يفرعون عليه، والأساس الذي يبنون عليه، فتكلموا في إدراكهم للعلم أنه تارة يكون بالحس، وتارة بالعقل، وتارة بهما. وجعلوا العلوم الحسية والبديهية ونحوها هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها، ثم زعموا أنهم إنما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم من الأمور الطبيعية والحسابية والأخلاق، فجعلوا هذه الثلاثة هي الأصول التي يبنون عليها سائر العلوم؛ ولهذا يمثلون ذلك في أصول العلم والكلام، بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم لا يكون في مكانين، وأن الضدين- كالسواد والبياض- لا يجتمعان، فهذان الفنان متفق عليهما.

 

وتجد المصنفين في الكلام يبتدئون بمقدماته في الكلام في النظر والعلم، والدليل- وهو من جنس المنطق- ثم ينتقلون إلى حدوث العالم، وإثبات محدثه، ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى الموجود والمعدوم، وينظر في الوجود وأقسامه، كما قد يفعله الفيلسوف في أول العلم الإلهي، فأما الأنبياء فأول دعوتهم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله[3].

 

لا يستحق غير الله أن يسمى خالقًا:

لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين، والغنى عن الغير من خصائص رب العالمين، كان الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين، وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين، فليس في المخلوقات ما هو مستقل بشيء من المفعولات، وليس فيها ما هو وحده علة قائمة، وليس فيها ما هو مستغنيًا عن الشريك في شيء من المفعولات، بل لا يكون في العالم شيء موجود عن بعض الأسباب إلا بمشاركة سبب آخر له، فيكون- وإن سمي علة- علة مقتضية سببية لا علة تامة، ويكون كل منهما شرطًا للآخر.

 

كما أنه ليس في العالم سببٌ إلا وله مانع يمنعه من الفعل، فكل ما في المخلوق- مما يسمى علةً أو سببًا أو قادرًا أو فاعلًا أو مدبرًا- فله شريكٌ هو له كالشرط، وله معارض هو له مانع وضد، وقد قال سبحانه: ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ [الذاريات: 49] والزوج يراد به النظير المماثل، والضد المخالف، وهو الند، فما من مخلوق إلا له شريك وند، والرب سبحانه وحده هو الذي لا شريك له ولا ند، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقًا ولا ربًّا مطلقًا ونحو ذلك؛ لأن ذلك يقتضي الاستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع، وليس ذلك إلا لله وحده[4].

 

أخذ الدليل من النص أكمل من أخذه من الأقيسة العقلية:

لوجوه أحدها: أن التي في القرآن تجمع نوعي: العلم والعمل، والخبر والطلب على أكمل الوجوه؛ بخلاف الأقيسة المنطقية، وذلك أن القياس العقلي المنطقي إنما فائدته مجرد التصديق في القضايا الخبرية، سواء تبع ذلك عمل أو لم يتبعه.

 

الوجه الثاني: ويمكن أن يقسم هذا إلى وجه آخر بأن يقال: الناس ثلاثة أقسام: إما أن يعترف بالحق ويتبعه، فهذا صاحب الحكمة. وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى يعمل. وإما ألا يعترف به، فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال في مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان؛ كدفع الصائل.

 

الوجه الثالث: أن كلام الله لا يشتمل إلا على حق يقين، لا يشتمل على ما تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان، بكون المقدمة مشهورة أو مسلمة غير يقينية، بل إذا ضرب الله مثلًا مشتملًا على مقدمة مشهورة أو مسلمة فلا بد وأن تكون يقينية.

 

الوجه الرابع: أن هنا نكتة ينبغي التفطن لها فإنها نافعة، وذلك أن المقدمة المذكورة في القياس الذي هو مثل لها وصف ذاتي ووصف إضافي، فالوصف الذاتي لها أن تكون مطابقةً فتكون صدقًا، أو لا تكون مطابقةً فتكون كذبًا، وجميع المقدمات المذكورة في أمثال القرآن هي صدق، والحمد لله رب العالمين. وأما الوصف الإضافي فكونها معلومة عند زيد، أو مظنونة أو مسلمة أو غير مسلمة فهذا أمر لا ينضبط. فرب مقدمة هي يقينية عند شخص قد علمها، وهي مجهولة فضلًا عن أن تكون مظنونةً عند من لم يعلمها، فكون المقدمة يقينية أو غير يقينية أو مشهورة أو غير مشهورة أو مسلمة أو غير مسلمة أمور نسبية وإضافية لها تعرض بحسب شعور الإنسان بها. ولهذا تنقلب المظنونة بل المجهولة في حقه يقينية معلومة، والممنوعة مسلمة، بل والمسلمة ممنوعة. والقرآن كلام الله الذي أنذر به جميع الخلق، لم يخاطب به واحدًا بعينه حتى يخاطَب بما هو عنده يقيني من المقدمات، أو مشهور أو مسلم[5].

 

صاحب الخلوة يصاب بتوهمات ثلاثة:

أحدها: أن يعتقد في نفسه أنه أكمل الناس استعدادًا.

 

والثاني: أن يتوهم في شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض.

 

والثالث: أنه يتوهم أنه يصل إلى مطلوبه بدون سبب، وأكثر اعتماده على القوة الوهمية؛ فقد تعمل الأوهام أعمالًا لكنها باطلة، كالمشيخة الذين لم يسلكوا الطرق الشرعية النبوية، نظرًا أو عملًا، بل سلكوا الصابئية[6].

 

الغالب على أهل القياس من أهل المتفلسفة المعارف السلبية في جانب الربوبية:

ثم لم يقتصروا على مقدار ما يعلمه العقل من القياس بل تعدوا ذلك، فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد، مثل نفي الصفات النبوية الخبرية، بل ونفي الفلاسفة والمعتزلة للصفات التي يثبتها متكلمو أهل الإثبات، ويسمونها الصفات العقلية، لإثباتهم إياها بالقياس العقلي.

 

ومعلوم أن العقل لا ينفي بالقياس إلا القدر المشترك، الذي هو مدلول القضية الكلية التي لا بد منها في القياس، مثل أن ينفي الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الاسم، والقدر المشترك في المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت لله تعالى، فينفون المعنى المشترك المطلق على صفات الحق وصفات الخلق- تبعًا لانتفاء ما يختص به الخلق- فيعطلون، كما أن أهل التمثيل يثبتون ما يختص به الخلق- تبعًا للقدر المشترك- وكلاهما قياس خطأ[7].

 

الكافر لا يتصور الرسالة لذا هو غافل:

فإن حال الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا، فإن لم يتصورها فهو في غفلة عنها وعدم إيمان بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، وقال: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 136]، لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، فلهذا قرن التكذيب بالغفلة، وإن تصور ما جاء به الرسول وانصرف فهو معرض عنه كما قال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 123، 124]، وكما قال: ﴿ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: 61]، وكما قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ [البقرة: 170][8].


العبد موجود لكن الله هو الذي جعله كذلك:

فإن العبد موجود وثابت ليس بمعدوم منتفٍ، ولكن الله هو الذي جعله موجودًا ثابتًا وهذا هو دين المسلمين، أن كل ما سوى الله مخلوق لله موجود بجعل الله له وجودًا، فليس لشيء من الأشياء وجود إلا بإيجاد الله له، وهو باعتبار نفسه لا يستحق إلا العدم[9].


القول بأن الفعل لله حقيقة وللعبد مجاز قول باطل:

وأما قوله: "فالفعل لله حقيقة وللعبد مجاز"، فهذا كلام باطل، بل العبد هو المصلي الصائم الحاج المعتمر المؤمن، وهو الكافر الفاجر القاتل الزاني السارق حقيقة، والله تعالى لا يوصف بشيء من هذه الصفات، بل هو منزَّه عن ذلك، لكنه هو الذي جعل العبد فاعلًا لهذه الأفعال، فهذه مخلوقاته ومفعولاته حقيقة، وهي فعل العبد أيضًا حقيقةً.


ولكن طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ظنوا أن الفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق، فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله قالوا: فهي فعله، فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا؛ فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق. ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين. ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل، والعبد فعل صفاته.


والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق؛ فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله؛ بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله، كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعلٌ لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوقٌ لله، فهي فعل العبد ومفعولة للرب؛ لكن هذه الصفات لم يخلقها الله بتوسط قدرة العبد ومشيئته، بخلاف أفعاله الاختيارية فإنه خلقها بتوسط خلقه لمشيئة العبد وقدرته، كما خلق غير ذلك من المسببات بواسطة أسباب أخر، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، ولكن هذا قدر ما وسعته هذه الورقة والله أعلم[10].


السلف اتفقوا على أن الخالق بائن من مخلوقاته، وكفروا الطوائف التي اعتقدت غير ذلك:

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائنٌ من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته. والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: إنه في كل مكان، وكان مما أنكروه عليهم: أنه كيف يكون في البطون والحشوش والأخلية؟ تعالى الله عن ذلك. فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار؟


واتفق سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء؟ فإن هؤلاء غاية كفرهم أن يجعلوه مثل المخلوقات، لكن يقولون: هو قديم وهي محدثة، وهؤلاء جعلوه عين المخلوقات، وجعلوه نفس الأجسام المصنوعات، ووصفوه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بهما كل كافر وكل فاجر، وكل شيطان وكل سبع، وكل حية من الحيات، فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم وسبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا. والله تعالى ينتقم لنفسه ولدينه ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم[11].


المعدوم ليس في نفسه شيئًا:

والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف أن المعدوم ليس في نفسه شيئًا، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم، قال الله تعالى لزكريا: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 9]، فأخبر أنه لم يك شيئًا، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 67]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35]. فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم، أم خلقوا هم أنفسهم؛ ولهذا قال جبير بن مطعم: "لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع". ولو كان المعدوم شيئًا لم يتم الإنكار، إذا جاز أن يقال ما خلقوا إلا من شيء لكن هو معدوم، فيكون الخالق لهم شيئًا معدومًا. وقال تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 60]، ولو كان المعدوم شيئًا لكان التقدير: لا يظلمون موجودًا ولا معدومًا، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه فإنه ليس لهم. وأما قوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحج: 1]، فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم، ليس إخبارًا عن الزلزلة في هذه الحال؛ ولهذا قال: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ [الحج: 2]، ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شيء عظيم في العلم والتقدير. وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40]، قد استدل به من قال: المعدوم شيء، وهو حجة عليه؛ لأنه أخبر أنه يريد الشيء وأنه يكوِّنه، وعندهم أنه ثابت في العدم وإنما يراد وجوده لا عينه ونفسه، والقرآن قد أخبر أن نفسه تراد وتكون، وهذا من فروع هذه المسألة.


فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة العقلاء أن الماهيات مجعولة، وأن ماهية كل شيء عين وجوده، وأنه ليس وجود الشيء قدرًا زائدًا على ماهيته، بل ليس في الخارج إلا الشيء الذي هو الشيء، وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته، وليس وجوده وثبوته في الخارج زائدًا على ذلك[12].


الوجود مشترك وحقيقته ليس فيها اشتراك:

وأولئك يقولون: الوجود قدر زائد على الماهية، ويقولون: الماهيات غير مجعولة، ويقولون: وجود كل شيء زائد على ماهيته، ومن المتفلسفة من يفرق بين الوجود والواجب والممكن، فيقول: الوجود الواجب عين الماهية. وأما الوجود الممكن فهو زائد على الماهية. وشبهة هؤلاء ما تقدم من أن الإنسان قد يعلم ماهية الشيء ولا يعلم وجوده، وأن الوجود مشترك بين الموجودات وماهية كل شيء مختصة به.


ومن تدبر تبين له حقيقة الأمر، فإنَّا قد بينَّا الفرق بين الوجود العلمي والعيني، وهذا الفرق ثابت في الوجود والعين والثبوت والماهية وغير ذلك، فثبوت هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام ليس هو ثبوتها في الخارج عن ذلك، وهو ثبوت حقيقتها وماهيتها التي هي هي، فالإنسان إذا تصور ماهية فقد علم وجودها الذهني، ولا يلزم من ذلك الوجود الحقيقي الخارجي. فقول القائل: قد تصورت حقيقة الشيء وعينه ونفسه وماهيته وما علمت وجوده، أو حصل وجوده العلمي وما حصل وجوده العيني الحقيقي، ولم يعلم ماهيته الحقيقية ولا عينه الحقيقية ولا نفسه الحقيقية الخارجية، فلا فرق بين لفظ وجوده ولفظ ماهيته؛ إلا أن أحد اللفظين قد يعبر به عن الذهني، والآخر عن الخارجي، فجاء الفرق من جهة المحل لا من جهة الماهية والوجود.


وأما قولهم: إن الوجود مشترك والحقيقة لا اشتراك فيها، فالقول فيه كذلك، فإن الوجود المعين الموجود في الخارج لا اشتراك فيه، كما أن الحقيقة المعينة الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها؛ وإنما العلم يدرك الموجود المشترك، كما يدرك الماهية المشتركة، فالمشترك ثبوته في الذهن لا في الخارج، وما في الخارج ليس فيه اشتراك ألبتة، والذهن إن أدرك الماهية المعينة الموجودة في الخارج لم يكن فيها اشتراك، وإنما الاشتراك فيما يدركه من الأمور المطلقة العامة، وليس في الخارج شيء مطلق عام بوصف الإطلاق والعموم، وإنما فيه المطلق لا بشرط الإطلاق، وذلك لا يوجد في الخارج إلا معينًا[13].


الضلال والحيرة مما ذمه الله في القرآن:

وأما الضلال والحيرة فما مدح الله ذلك قط، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "زدني فيك تحيرًا"، ولم يروِ هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث، ولا هو في شيء من كتب الحديث، ولا في شيء من كتب من يعلم الحديث، بل ولا من يعرف الله ورسوله. وكذلك احتجاجه بقوله: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ [البقرة: 20]، وإنما هذا حال المنافقين المرتدين؛ فإن الضلال والحيرة مما ذمه الله في القرآن، قال الله تعالى في القرآن: ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾ [الأنعام: 71] الآية.


وهكذا يريد هؤلاء الضالون المتحيرون أن يفعلوا بالمؤمنين، يريدون أن يدعوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وهي المخلوقات والأوثان والأصنام وكل ما عبد من دون الله، ويريدون أن يردوا المؤمنين على أعقابهم، يردونهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ويصيروا حائرين ضالين: ﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ﴾ [الأنعام: 71]، وقال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ﴾ [الأنعام: 110] إلى قوله: ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]؛ أي: يحارون، وقال تعالى: ﴿ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: 45]، وقال تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7]، فأمر بأن نسأله هداية الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، وهؤلاء يذمون الصراط المستقيم ويمدحون طريق أهل الضلال والحيرة مخالفة لكتب الله ورسله، ولما فطر الله عليه عباده من العقول والألباب[14].


كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم:

اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا متفاضلين في الهدى والنور والإصابة؛ ولهذا كان الصديق أفضل من المحدث؛ لأن الصديق يأخذ من مشكاة النبوة، فلا يأخذ إلا شيئًا معصومًا محفوظًا. وأما المحدث فيقع له صواب وخطأ، والكتاب والسنة تميز صوابه من خطئه؛ وبهذا صار جمع الأولياء مفتقرين إلى الكتاب والسُّنَّة، لا بد لهم أن يزنوا جميع أمورهم بآثار الرسول، فما وافق آثار الرسول فهو الحق، وما خالف ذلك فهو باطل وإن كانوا مجتهدين فيه، والله تعالى يثيبهم على اجتهادهم ويغفر لهم خطأهم. ومعلومٌ أن السابقين الأولين أعظم اهتداءً واتباعًا للآثار النبوية، فهم أعظم إيمانًا وتقوًى، وأما آخر الأولياء فلا يحصل له مثل ما حصل لهم[15].


تكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه:

وتكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه: من وراء حجاب؛ كما كلَّم موسى. وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء. وبالإيحاء، وهذا فيه للولي نصيب. وأما المرتبتان الأوليان فإنهما للأنبياء خاصة، فالأولياء الذين قامت عليهم الحجة بالرسل لا يأخذون علم الدين إلا بتوسط رسل الله إليهم، ولو لم يكن إلا عرضه على ما جاء به الرسول، ولن يصلوا في أخذهم عن الله إلى مرتبة نبي أو رسول، فكيف يكونون آخذين عن الله بلا واسطة، ويكون هذا الأخذ أعلى وهم لا يصلون إلى مقام تكليم موسى، ولا إلى مقام نزول الملائكة عليهم كما نزلت على الأنبياء؟ وهذا دين المسلمين واليهود والنصارى[16].


فصل في بعض ما يظهر به كفر الاتحادية وفساد عقولهم:

وذلك من وجوه، أحدها: أن حقيقة قولهم: إن الله لم يخلق شيئًا ولا ابتدعه ولا برأه ولا صوره؛ لأنه إذا لم يكن وجود إلا وجوده، فمن الممتنع أن يكون خالقًا لوجود نفسه، أو بارئًا لذاته، فإن العلم بذلك من أبين العلوم وأبداها للعقول إن الشيء لا يخلق نفسه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35]، فإنهم يعلمون أنهم لم يكونوا مخلوقين من غير خالق، ويعلمون أن الشيء لا يخلق نفسه، فتعين أن لهم خالقًا. وعند هؤلاء الكفار الملاحدة الفرعونية أنه ما ثم شيء يكون الرب قد خلقه أو برأه أو أبدعه إلا نفسه المقدسة، ونفسه المقدسة لا تكون إلا مخلوقة مربوبة مصنوعة مبروءة؛ لامتناع ذلك في بَدَائِه العقول، وذلك من أظهر الكفر عند جميع أهل الملل والآراء. وأما على رأي صاحب الفصوص فما ثم إلا وجوده، والذوات الثابتة في العدم الغنية عنه، ووجوده لا يكون مخلوقًا، والذوات غنية عنه، فلم يخلق الله شيئًا.


الثاني: أن عندهم أن الله ليس رب العالمين ولا مالك الملك؛ إذ ليس إلا وجوده وهو لا يكون رب نفسه، ولا يكون الملك المملوك، هو الملك المالك، وقد صرحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا: إنه هو ملك الملك بناءً على أن وجوده مفتقر إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده، فالأشياء مالكة لوجوده فهو ملك الملك.


الثالث: أن عندهم أن الله لم يرزق أحدًا شيئًا، ولا أعطى أحدًا شيئًا، ولا رحم أحدًا، ولا أحسن إلى أحدٍ، ولا هدى أحدًا، ولا أنعم على أحد نعمةً، ولا علم أحدًا علمًا، ولا علَّم أحدًا البيان، وعندهم في الجملة: لم يصل منه إلى أحد لا خير ولا شر، ولا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا إضلال أصلًا، وأن هذه الأشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده، فليس هناك غير يصل إليه، ولا أحد سواه ينتفع بها، ولا عبد يكون مرزوقًا أو منصورًا أو مهديًّا. ثم على رأي صاحب الفصوص: أن هذه الذوات ثابتة في العدم، والذوات هي أحسنت وأساءت ونفعت وضرت، وهذا عنده سر القدر. وعلى رأي الباقين ما ثم ذات ثابتة غيره أصلًا، بل هو ذام نفسه بنفسه، ولا عن نفسه بنفسه، وقاتل نفسه بنفسه، وهو المرزوق المضروب المشتوم، وهو الناكح والمنكوح، والآكل والمأكول، وقد صرحوا بذلك تصريحًا بينًا.


الرابع: أن عندهم أن الله هو الذي يركع ويسجد، ويخضع ويعبد، ويصوم ويجوع، ويقوم وينام، وتصيبه الأمراض والأسقام، وتبتليه الأعداء ويصيبه البلاء، وتشتد به اللَّأْواء، وقد صرحوا بذلك؛ وصرحوا بأن كل كرب يصيب النفوس فإنه هو الذي يصيبه الكرب، وأنه إذا نفس الكرب فإنما يتنفَّس عنه، ولهذا كره بعض هؤلاء- الذين هم من أكفر خلق الله وأعظمهم نفاقًا وإلحادًا وعتوًّا على الله وعنادًا- أن يصبر الإنسان على البلاء؛ لأن عندهم أنه هو المصاب المبتلى. وقد صرحوا بأنه موصوف بكل نقص وعيب، فإنه ما ثم من يتصف بالنقائص والعيوب غيره؛ فكل عيب ونقص وكفر وفسوق في العالم فإنه هو المتصف به لا متصف به غيره؛ كلهم متفقون على هذا في الوجود. ثم صاحب الفصوص يقول: إن ذلك ثابت في العدم، وغيره يقول: ما ثم سوى وجود الحق الذي هو متصف بهذه المعايب والمثالب.


الخامس: أن عندهم أن الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، والذين عبدوا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، والذين عبدوا الشعرى، والنجم والشمس والقمر، والذين عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة وسائر من عبد الأوثان والأصنام من قوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون وبني إسرائيل وسائر المشركين من العرب؛ ما عبدوا إلا الله، ولا يتصور أن يعبدوا غير الله، وقد صرحوا بذلك في مواضع كثيرة مثل قول صاحب الفصوص في فص الكلمة النوحية.


السادس: أن عندهم أن دعوة العباد إلى الله مكر بهم، كما صرح به حيث قال: إن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية، وقال أيضًا صاحب الفصوص: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ [الحج: 34] الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلهًا ولم يقولوا طبيعة: ﴿ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ [نوح: 24]؛ أي: حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب، ﴿ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ ﴾ [نوح: 24] لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة فقدمه على المقتصد والسابق، ﴿ إِلَّا ضَلَالًا ﴾ [نوح: 24]؛ أي: إلا حيرة، وفي المحمدي: زدني فيك تحيرًا. ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ [البقرة: 20] له فالمحير له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود، طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته فله "من" و "إلى" وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه "من"، ولا غاية فتحكم عليه "إلى" فله الوجود الأتم، وهو المؤتي جوامع الكلم؛ اهـ.


السابع: أن عندهم من يدعي الإلهية من البشر؛ كفرعون والدجَّال المنتظر، أو ادعيت فيه وهو من أولياء الله نبيًّا كالمسيح، أو غير نبي؛ كعلي، أو ليس من أولياء الله؛ كالحاكم بمصر وغيرهم، فإنه عند هؤلاء الملاحدة المنافقين يصحح هذه الدعوى. وقد صرح صاحب الفصوص بتصحيح هذه الدعوى؛ كدعوى فرعون، وهم كثيرًا ما يعظمون فرعون، فإنه لم يتقدم لهم رأس في الكفر مثله، ولا يأتي متأخر لهم مثل الدجَّال الأعور الكذَّاب، وإذا نافقوا المؤمنين وأظهروا الإيمان قالوا: إنه مات مؤمنًا، وأنه لا يدخل النار، وقالوا: ليس في القرآن ما يدل على دخوله النار[17].



[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج2، ص1-5.

[2] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص15-16.

[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص20-23.

[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص34-35.

[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص44-47.

[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص58.

[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص62.

[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص78.

[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص115.

[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص119-120.

[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص126.

[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص155-156.

[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص157-158.

[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص202-203.

[15] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص227.

[16] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص228-229.

[17] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص248-268.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • لطائف من زاد المعاد في هدي خير العباد (3)
  • لطائف من زاد المعاد في هدي خير العباد (4)
  • لطائف من زاد المعاد في هدي خير العباد (5)
  • لطائف من كتاب الداء والدواء (1)
  • لطائف من كتاب الداء والدواء (2)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (تمهيد)

مختارات من الشبكة

  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الألوهية - 2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الألوهية - 1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنيس الحفاظ في لطائف الألفاظ (205) سؤالا في لطائف ألفاظ الكتاب العزيز (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (5)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الأنبياء والمؤمنون (17 - 18) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (4)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف من القرآن (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الذاريات والمجادلة (27 - 28) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الفرقان والنمل (19 - 20) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (2)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا
  • تطوير مسجد تاريخي من 6 طوابق في بنجلاديش
  • متخصصون يبحثون تطوير تعليم القرآن للكبار في سراييفو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 14/11/1447هـ - الساعة: 0:37
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب