• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | الثقافة الإعلامية   التاريخ والتراجم   فكر   إدارة واقتصاد   طب وعلوم ومعلوماتية   عالم الكتب   ثقافة عامة وأرشيف   تقارير وحوارات   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    من مشكاة النبوة في المال والاقتصاد (6)
    أ. د. باسم عامر
  •  
    فكر التعييب
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    أساسيات التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    موقف علماء الحنفية من عقائد الرافضة لعبد الرحمن ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    فكر القوة
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    الفكر المتوهم
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    نشأة الإنسانيات عند المسلمين وفي الغرب المسيحي ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    الخلاف في نسبة (قحطان) إلى إسماعيل
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    الفكر الموسوعي (2)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    ميراث المسيري فهرست لأعماله وما كتب عنه ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    الفرق بين العلم والمعرفة والمعلومات والثقافة، ...
    الشيخ أبو سهل خالد
  •  
    قراءات اقتصادية (86) الحياة بعد الرأسمالية
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    قصة قصر "الخضراء" وموقف أبي ذر: قراءة نقدية في ...
    د. محمد سيد شحاته
  •  
    الفكر الموسوعي (1)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    التفكير الأممي وأثره السلبي
    د. نايف ناصر المنصور
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

الابتلاء بالمصائب والنعم (خطبة)

الابتلاء بالمصائب والنعم (خطبة)
د. محمود بن أحمد الدوسري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/8/2026 ميلادي - 27/2/1448 هجري

الزيارات: 6443

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الابتلاء بالمصائب والنِّعم

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ ابْتِلَاءُ عِبَادِهِ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَبِمَا يُحِبُّونَ وَبِمَا يَكْرَهُونَ، وَعَدَّدَ الْمَصَائِبَ وَالنِّعَمَ، وَنَوَّعَهَا عَلَيْهِمْ، وَقَرَنَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنْ حِكَمِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 35] أَيْ: وَنَخْتَبِرُكُمْ – أَيُّهَا النَّاسُ – بِالْمَصَائِبِ وَالشِّدَّةِ تَارَةً، وَبِالرَّخَاءِ وَالنِّعَمِ تَارَةً أُخْرَى؛ فِتْنَةً لَكُمْ، لِنَنْظُرَ صَبْرَكُمْ وَشُكْرَكُمْ، ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ أَيْ: وَإِلَيْنَا – أَيُّهَا النَّاسُ – تُرَدُّونَ لَا إِلَى غَيْرِنَا، فَنُجَازِيكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِكُمْ[1]، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 168].

 

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «نَبْتَلِيكُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ»[2]. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «نَبْلُوهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَبِمَا يَكْرَهُونَ، نَخْتَبِرُهُمْ بِذَلِكَ؛ لِنَنْظُرَ كَيْفَ شُكْرُهُمْ فِيمَا يُحِبُّونَ، وَكَيْفَ صَبْرُهُمْ فِيمَا يَكْرَهُونَ»[3].

 

وَابْتِلَاءُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ بِالْمَصَائِبِ، وَتَقْتِيرُ الرِّزْقِ وَتَضْيِيقُهُ لَيْسَ إِهَانَةً وَإِذْلَالًا لَهُمْ، كَمَا أَنَّ ابْتِلَاءَهُمْ بِالنِّعَمِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ لَا يَدُلُّ عَلَى إِكْرَامِهِ، وَتَفْضِيلِهِ لَهُمْ؛ بَلْ إِنَّمَا ذَلِكَ لِلِاخْتِبَارِ وَالِامْتِحَانِ، لِتَظْهَرَ طَاعَةُ الطَّائِعِ، مِنْ مَعْصِيَةِ الْعَاصِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ﴾ [الْفَجْرِ: 15-17]. فَإِكْرَامُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ يَكُونُ بِالتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ، وَإِهَانَتُهُ لَهُ تَكُونُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالذَّنْبِ، لَا بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ.

 

وَقَالَ تَعَالَى - فِي مَعْرِضِ الِابْتِلَاءِ بِالنِّعَمِ: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الْكَهْفِ: 7]. فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ زِينَةٍ - كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمَسَاكِنِ، وَالْمَلَابِسِ، وَالْمَرَاكِبِ، وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبَنِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ النِّعَمِ؛ كُلُّ ذَلِكَ خَلَقَهُ لِابْتِلَاءِ عِبَادِهِ، أَيُّهُمْ أَطْوَعُ لَهُ، وَأَرْضَى[4].

 

وَمِصْدَاقُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 14].

 

وَقَالَ تَعَالَى – فِي مَعْرِضِ الِابْتِلَاءِ بِالْمَصَائِبِ وَالْمِحَنِ: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 155]. فَلَا بُدَّ مِنِ ابْتِلَاءِ الْعِبَادِ بِالْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ؛ لِيَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَأَهْلُ الْخَيْرِ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ، وَلِتَظْهَرَ طَاعَتُهُمْ وَصَبْرُهُمْ، وَرُجُوعُهُمْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ حِكْمَتَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ[5].

 

وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 186].

 

وَالْأَذَى: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يَحْدُثُ بِهِ الضَّرَرُ، وَالْمُرَادُ: أَنْوَاعُ مَا يَقَعُ مِنْ أَذًى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا؛ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَفِي دِينِهِمْ، وَكِتَابِهِمْ، وَرَسُولِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَحَرْبِهِمْ، وَتَثْبِيطِهِمْ، وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الِابْتِلَاءِ؛ لِتَظْهَرَ تَقْوَى الْمُؤْمِنِينَ وَصَبْرُهُمْ، وَلِيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَيَسْتَعِدُّوا لَهُ طَائِعِينَ مُنْقَادِينَ[6].

 

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِنَّ الْبَلَاءَ الَّذِي يُصِيبُ الْعَبْدَ فِي اللَّهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي عِرْضِهِ، أَوْ فِي أَهْلِهِ وَمَنْ يُحِبُّ، وَالَّذِي فِي نَفْسِهِ قَدْ يَكُونُ بِتَلَفِهَا تَارَةً، وَبِتَأَلُّمِهَا بِدُونِ التَّلَفِ. فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا يُبْتَلَى بِهِ الْعَبْدُ فِي اللَّهِ. وَأَشَدُّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ: الْمُصِيبَةُ فِي النَّفْسِ)[7].

 

وَالْمِحَنُ وَالْمَصَائِبُ سَبَبُهَا: الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي؛ إِمَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَالنِّعَمُ سَبَبُهَا: فَضْلُ اللَّهِ، وَمَنُّهُ، وَكَرَمُهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ عَنْ نِطَاقِ الِابْتِلَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النِّسَاءِ: 78، 79]. وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ: النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ. فَقَدْ كَانَ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ – كَخِصْبٍ، وَرِزْقٍ مِنْ ثِمَارٍ وَأَوْلَادٍ وَنَتَاجٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ – قَالُوا: هَذَا مِنَ اللَّهِ؛ لِمَا عَلِمَ فِينَا مِنَ الْخَيْرِ! وَإِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ – كَقَحْطٍ، وَجَدْبٍ، وَنَقْصٍ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ أَوْ مَوْتِ أَوْلَادٍ وَنَتَاجٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ – قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ؛ تَشَاؤُمًا وَتَطَيُّرًا!

 

وَهِيَ نَفْسُهَا عَادَةُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَبْلُ: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 131]؛ وَهِيَ ذَاتُهَا عَادَةُ قَوْمِ صَالِحٍ: ﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ﴾ [النَّمْلِ: 47]. سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ! تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، وَعَادَاتُهُمْ، وَأَخْلَاقُهُمُ السَّيِّئَةُ! وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْكُفَّارِ – فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ: أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمَصَائِبِ إِلَى فِعْلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ!

 

فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ نِعْمَةٍ وَمُصِيبَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى – خَلْقًا وَإِيجَادًا وَتَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾.

 

وَبَيَّنَ لَهُ أَيْضًا: أَنَّ مَا أَصَابَهُ مِنْ نِعْمَةٍ وَرَخَاءٍ، وَعَافِيَةٍ وَسَلَامَةٍ؛ فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَنِعْمَتِهِ، وَكَرَمِهِ، وَمَنِّهِ عَلَيْهِ، وَمَا أَصَابَهُ مِنْ مُصِيبَةٍ، وَشِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَأَذًى وَمَكْرُوهٍ؛ فَبِسَبَبِ ذَنْبِهِ وَمَا كَسَبَتْهُ يَدُهُ – وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا عَلَيْهِ: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾. عَنْ أَبِي صَالِحٍ رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ قَالَ: (بِذَنْبِكَ، وَأَنَا قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ)[8]. فَالْخِطَابُ: لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ: جِنْسُ الْإِنْسَانِ.

 

فَالنِّعَمُ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْمَصَائِبُ: بِسَبَبِ الذُّنُوبِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشُّورَى: 30]؛ وَقَالَ: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الرُّومِ: 41]؛ وَقَالَ أَيْضًا: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الرُّومِ: 36].

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْمَصَائِبِ، وَرَتَّبَ وُقُوعَهَا عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الذُّنُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا ابْتِلَاءً، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ - وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا؛ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ؛ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ - وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ؛ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» صَحِيحٌ – رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ.

 

فَالِابْتِلَاءُ بِالْمَصَائِبِ وَالنِّعَمِ، وَبِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ؛ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ: تُبْتَلَى الْأُمَمُ بِالْبَأْسَاءِ؛ وَهِيَ مَا يُصِيبُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ، وَبِالضَّرَّاءِ؛ وَهِيَ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَعَلَّهُمْ يَخْشَعُونَ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ، وَيَدْعُونَهُ وَيَبْتَهِلُونَ فِي كَشْفِ الضُّرِّ عَنْهُمْ: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 94].

 

فَإِذَا لَمْ يُجْدِ ذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ طُغْيَانُهُمْ؛ قَلَبْنَا عَلَيْهِمُ الْحَالَ، فَأَبْدَلْنَا الشِّدَّةَ رَخَاءً، وَالْمَرَضَ وَالسَّقَمَ صِحَّةً وَعَافِيَةً، وَالْفَقْرَ غِنًى؛ لِيَشْكُرُوا وَيُنِيبُوا إِلَى اللَّهِ: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ﴾.

 

وَلِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ لَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، وَلَا ذَاكَ، وَلَا اسْتَشْعَرُوا ابْتِلَاءَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْحَالَيْنِ! ﴿ وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ ﴾؛ أَيْ: ادَّعَوْا أَنَّ تِلْكَ عَادَةٌ جَارِيَةٌ فِي الْأَوَّلِينَ وَاللَّاحِقِينَ، فَتَارَةً يَكُونُونَ فِي سَرَّاءَ، وَأُخْرَى فِي ضَرَّاءَ؛ إِذْ هِيَ تَقَلُّبَاتُ الزَّمَنِ! ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 95]؛ أَيْ: عِنْدَ ذَلِكَ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ بَغْتَةً، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ لَا يَشْعُرُونَ[9]؛ بَلْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِمْ أَنَّهُمْ مُعَذَّبُونَ، ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 44].



[1] انظر: تفسير الطبري، (16/ 268)؛ تفسير القرطبي، (11/ 287)؛ تفسير ابن كثير، (5/ 342).

[2] تفسير الطبري، (16/ 269).

[3] المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

[4] انظر: عدة الصابرين، (ص133).

[5] انظر: تفسير السعدي، (ص58).

[6] انظر: تفسير الطبري، (7/ 454)؛ تفسير القرطبي، (4/ 303)؛ تفسير ابن كثير، (1/ 653)؛ تفسير السعدي، (ص127).

[7] إغاثة اللهفان، (2/ 941).

[8] تفسير الطبري، (7/ 243)؛ تفسير ابن أبي حاتم، (3/ 1011).

[9] انظر: تفسير الطبري، (10/ 332)؛ تفسير القرطبي، (7/ 252)؛ تفسير ابن عاشور، (9/ 20)؛ العذب النمير، للشنقيطي (3/ 629).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (خطبة)
  • مناقب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (خطبة)
  • مواقف بكى فيها النبي صلى الله عليه وسلم
  • المهدي: صفاته وعجائب زمانه (خطبة)
  • يأجوج ومأجوج (خطبة)
  • ابتلاء الإنسان سنة كونية (خطبة)
  • الابتلاء بالتكاليف الشرعية (خطبة)
  • هلك المتنطعون (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • الأمن والنعم شكر وحذر(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • الأمن والنعم.. ثباتها وذهابها(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • وجعلنا الليل سكنا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تمام البلاغ وشكر النعم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شكر النعم (خطبة)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • أنهل القيم وأجزل النعم = البركة (1) أهميتها - مجالاتها – آثارها - مظانها - أسباب فقدانها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حينما تؤلف النعم في ظل التوحيد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {وأما بنعمة ربك فحدث} خطبة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حسبنا الله ونعم الوكيل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استشعار عظمة النعم وشكرها (خطبة)(محاضرة - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق
  • أطفال قرية ميدوفيتس يختمون القرآن الكريم للمرة الأولى
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/3/1448هـ - الساعة: 13:54
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب