• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / ملف الحج / خطب الحج
علامة باركود

الكعبة المشرفة: تاريخ وأشواق (خطبة)

الكعبة المشرفة: تاريخ وأشواق (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 11/5/2026 ميلادي - 24/11/1447 هجري

الزيارات: 158

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الكعبة المشرّفة تاريخٌ وأشواق

 

الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ مُصرِّفِ الأحوالِ، مُقدِّرِ الآجالِ، المتفردِ بالعزَّةِ والعظمةِ والجلالِ، منْ لهُ الغِنى كُلُّهُ ولهُ مُطلقُ الكمالِ، ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال ﴾ [الرعد:9].. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ لهُ، ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ [الرعد:12].. وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولهُ، وصفيهُ وخليلهُ، المنعوتِ بأعظم الأخلاقِ وأشرفِ الخِصالِ، اللهم صلِّ وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وصحبهِ، خيرِ صحبٍ وخيرِ آلٍ، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المآل.. وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، اتقوا اللهَ حقَّ تقواهُ، فمن اتقى اللهَ وقَاهُ، ومن توكَّلَ عليهِ كفاهُ، ومن لاذَ به حماهُ، ومن أوى إليه آواهُ، وأسعدهُ وما أشقاهُ.. ﴿ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ﴾ [الأنفال:29]..

 

معاشر المؤمنين الكرام: البشر على اختلاف أجناسهم، وتباين توجهاتهم، فإن لكلٍ أمةٍ منهم شعائر يعظمونها، وأماكن يقدسونها.. وأمة الإسلام قد شرفها الله وفضلها على سائر الأمم، بأنها خير أُمةٍ أُخرجت للناس، وبأنها أُمة التوحيد، والمنهج الصحيح، ﴿ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدون ﴾ [البقرة:138]..

 

والكعبة المشرفة أشرف بناءٍ في قلوب المسلمين، وبقعتها أقدسُ البقاع على الإطلاق؛ إليها تهفو قلوبهم، ولها تحنّ نفوسهم، وبمشاهدتها تتحرك مشاعرهم، وترق أفئدتم، وتفيض عبراتهم.

 

إذا ذُكرت الكعبة المشرفة، اهتز قلب المسلم تعظيمًا لها، وتحرك في نفسه الشوق والحنين إليها، وإذا رآها صغرت الدنيا في نفسه، وتضائل في عينه كلُّ منظرٍ سِواها، كم من دعواتٍ رُفعت حولها، وكم من عبراتٍ سُكبت عندها.. وكم من قلوبٍ تقطعت شوقًا إليها.

 

ليس على وجه الأرض بناءٌ يطافُ حولهُ مثلها، وما من مكانٍ تُشدُّ الرحالُ إليه أكثرَ منها.

 

لم يتغير مكانها، ولم تُطمس آثارها، ولم يُحرّف تاريخها، ولم يُعظِم المؤمنون بناءً غيرها، ولم يختلفوا على شرفها وسمو منزلتها.

 

الكعبة.. وما أدراك الكعبة؟.. ذلكم البيت العتيق، والبناءُ المقدس، والمكان المعظم.. جعلهُ اللهُ مثابةً للناس وأمنا.. أول بيتٍ وضع للناس، وأعظمُ بناءٍ رُفعَ للعبادة: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران:96].

 

الكعبة المشرفة: تاريخٌ طويل، ومراحل وأحداث، ودروسٌ وعبر.

 

اصطفى الله مكانها، وكلَّفَ خليلهُ ببنائها.. ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾ [الحج:26].. فأقام جدرانها، وسوى بنيانها، ورفع أركانها: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ﴾ [البقرة:127].

 

وقد جاء في صحيح البخاري حديثٌ طويلٌ حول قصة بناءها: فقد خرج إبراهيم عليه السلام بزوجته هاجر وأبنه الرضيع إسماعيل، حتَّى وضَعَهما عِندَ البَيتِ وليسَ بمَكَّةَ يَومَئذٍ أحَدٌ، وليسَ بها ماءٌ، فوضَعَهما هُنالِكَ، ووضَعَ عِندَهما جِرابًا فيه تَمرٌ، وسِقاءً فيه ماءٌ، ثُمَّ قَفَّى إبراهيمُ مُنطَلِقًا، فتَبِعَتْه أُمُّ إسماعيلَ فقالت: يا إبراهيمُ، أينَ تَذهَبُ وتَترُكُنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنسٌ ولا شَيءٌ؟.. قالت له ذلك مِرارًا، وجَعَلَ لا يَلتَفِتُ إليها، فقالت له: آللَّهُ أمَرَكَ بهذا؟.. قال: نَعَم، قالت: إذَن لا يُضَيِّعُنا.. ثُمَّ رَجَعَت، فانطَلَقَ إبراهيمُ حتَّى إذا كان عِندَ الثَّنيَّةِ حَيثُ لا يَرَونَه، استَقبَلَ بوجههِ البَيتَ، ثُمَّ دَعا بهؤلاء الكَلِماتِ، ورَفَعَ يَدَيه فقال: ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون ﴾ [إبراهيم:37]، وجَعَلَت أُمُّ إسماعيلَ تُرضِعُ إسماعيلَ وتَشرَبُ مِن ذلك الماءِ، حتَّى إذا نَفِدَ عَطِشَت وعَطِشَ ابنُها، وجَعَلَت تَنظُرُ إليه يَتَلَوَّى ويَتَلَبَّطُ من العطش، فانطَلَقَت كَراهيةَ أن تَنظُرَ إليه، فوجَدَتِ الصَّفا أقرَبَ ما يَليها، فقامَت عليه، ثُمَّ استَقبَلَتِ الواديَ تَنظُرُ: هل تَرى أحَدًا.. فلَم تَرَ أحَدًا، فهَبَطَت مِنَ الصَّفا حتَّى إذا بَلَغَتِ الواديَ رَفَعَت طَرَفَ دِرعِها، ثُمَّ سَعَت سَعيَ الإنسانِ المَجهودِ حتَّى جاوزَتِ الواديَ، ثُمَّ أتَتِ المَروةَ فقامَت عليها ونَظَرَت: هل تَرى أحَدًا.. فلَم تَرَ أحَدًا، فَعَلَت ذلك سَبعَ مَرَّاتٍ، قال ابنُ عَبَّاسٍ: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فذلك سَعيُ النَّاسِ بينَهما، فلَمَّا أشرَفَت على المَروةِ سَمِعَت صَوتًا، فقالت: صَهٍ -تُريدُ نَفسَها-، ثُمَّ تَسَمَّعَت، فقالت: قد أسمَعتَ إن كان عِندَكَ غِواثٌ فأغث، فإذا هي بالمَلَكِ عِندَ مَوضِعِ زَمزَمَ، فبَحَثَ الأرض حتَّى ظَهَرَ الماءُ، فجَعَلَت هاجرُ تُحَوِّضُه وجَعَلَت تَغرِفُ مِنَ الماءِ في سِقائِها.. فشَرِبَت وأرضَعَت ولَدَها، فقال لَها المَلَكُ: لا تَخافوا الضَّيعةَ؛ فإنَّ هاهنا بَيتَ اللهِ، يَبنيه هذا الغُلامُ وأبوه، وإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أهلَه.. فكانَت كَذلك حتَّى مَرَّ بهِم أناسٌ مِن قبيلة جُرهُمَ فقالوا: أتَأذَنينَ لَنا أن نَنزِلَ عِندَكِ؟.. فقالت: نَعَم، ولَكِن لا حَقَّ لَكُم في الماءِ، قالوا: نَعَم، وشَبَّ إسماعيل وتَعَلَّمَ العَرَبيَّةَ منهم، وأعجَبَهم حينَ شَبَّ، فزَوَّجوه امرَأةً منهم، وماتَت أُمُّ إسماعيلَ، وجاءَ إبراهيمُ مرةً، فلَم يَجِد إسماعيلَ، فسَألَ امرَأتَه عنه، فقالت: خَرَجَ يَبتَغي لَنا الصيد، ثُمَّ سَألَها عن حالهم، فشكت وتبرمت من ضيق الحال.. قال: فإذا جاءَ زَوجُكِ فاقرَئي عليه السَّلامَ، وقولي له يُغَيِّرْ عَتَبةَ بابِه، فلَمَّا جاءَ إسماعيلُ سألها: هل جاءَكُم مِن أحَدٍ؟ قالت: نَعَم، جاءَنا شَيخٌ صفته كَذا وكَذا، قال: فهل أوصاكِ بشَيءٍ؟.. قالت: نَعَم، أمَرَني أن أقرَأ عليك السَّلامَ، ويقولُ: غَيِّرْ عَتَبةَ بابِكَ، قال: ذاكِ أبي، وقد أمَرَني أن أُفارِقَكِ، فطَلَّقَها، وتَزَوَّجَ بأُخرى، ثم إنّ إبراهيمُ أتى مرةً أخرى، فلَم يَجِدْه، فسَألَ المرأة عنه، فقالت: خَرَجَ يَبتَغي لَنا، فسَألَها عن حالهم، فأثنَت على اللهِ خيرًا، فدعا لهم بالبركة، وقال: إذا جاءَ زَوجُكِ فاقرَئي عليه السَّلامَ، ومُريه يُثبِتُ عَتَبةَ بابِه، فلَمَّا جاءَ إسماعيلُ قال: هل أتاكُم مِن أحَدٍ؟ قالت: نَعَم، أتانا شَيخٌ حَسَنُ الهَيئةِ، وأثنَت عليه، فسَألَني: كيفَ عَيشُنا؟ فأخبَرتُه أنَّا بخَيرٍ، قال: فأوصاكِ بشَيءٍ؟ قالت: نَعَم، هو يَقرَأُ عليك السَّلامَ، ويَأمُرُكَ أن تُثبِتَ عَتَبةَ بابِكَ، قال: ذاكِ أبي، وقد أمَرَني أن أُمسِكَكِ.. ثُمَّ إن إبراهيم عليه السلام جاء مرة ثالثة، فقابل ابنه وسلّم عليه وعانقه، ثُمَّ قال: يا إسماعيلُ، إنَّ اللهَ أمَرَني بأمرٍ، قال: فاصنَعْ ما أمَرَكَ رَبُّكَ، قال: وتُعينُني؟ قال: وأُعينُكَ، قال: فإنَّ اللهَ أمَرَني أن أبنيَ هاهنا بَيتًا، وأشارَ إلى أكَمةٍ مُرتَفِعةٍ، قال: فعِندَ ذلك رَفَعا القَواعِدَ مِنَ البَيتِ، فجَعَلَ إسماعيلُ يَأتي بالحِجارةِ وإبراهيمُ يَبني، حتَّى إذا ارتَفَعَ البِناءُ جاءَ بهذا الحَجَرِ فوضَعَه له فقامَ عليه، وهو يَبني وإسماعيلُ يُناوِلُه الحِجارةَ، قال: فجَعَلا يَبنيانِ حتَّى يَدورا حَولَ البَيتِ وهما يَقولانِ: ﴿ رَبَّنا تَقَبَّل مِنَّا إنَّكَ أنتَ السَّميعُ العَليمُ ﴾ [البقرة:127].

 

هذا بعضُ ما جاء في صحيح البخاري من قصة بناء الكعبة.. ثم إنها تعرضت للتهدم والتشقق عدة مرات.. نتيجة السيول وعوامل القدم.. وفي كل مرة كان يُعاد بناءها بطريقةٍ أفضل من سابقتها.

 

فمرةً بناها العمالقة، وهم قبائل كانت تسكن الجزيرة العربية، وتهدمت مرةً أخرى فبنتها قبيلة جرهم، كما بنتها قريشٌ والنبي صلى الله عليه وسلم في ريعان شبابه، حيث تهدمت جوانب منها جراء السيول، فاجتمعت قبائل قريشٍ وتجزؤها أجزاءً.. وجمعوا الحجارة لبنائها، حتى إذا بلغوا موضع الحجر الأسود اختصموا فيه، كل قبيلةٍ تريدُ أن تنال شرف وضعه، حتى أوشكوا أن يقتتلوا، ومكثوا على ذلك أيامًا، ثم إنهم اتفقوا أن يحكم بينهم أول من يدخل عليهم المسجد، فكان الداخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا به حكمًا، فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر، فقال صلى الله عليه وسلم: "هلم إلي ثوبًا"، فأُتي به، فأخذ الركن بيده فوضعه وسط الثوب، ثم قال: لتأخذ كلَّ قبيلةٍ بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه: وضعهُ صلى الله عليه وسلم بيده، ثم بنى عليه.

 

كما تعرضت الكعبة للضرر وتهدمَ أجزاءٌ منها، في عهد عبدالله بن الزبير رضي الله عنه فهدمها وأعاد بناءها، وكذلك أُعيد بناءها مرةً أخرى في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

 

وأما آخرُ تجديدِ لبناء للكعبة فكان في العصر العثماني سنة1040 للهجرة، عندما تعرضت مكةُ لسيولٍ جارفةٍ، فتهدمَ جزءٌ من الكعبة وضعفُ الباقي، عندها أمر السلطانُ مراد خان بإعادة بناءها.. وهو البناء الحالي.. إلا أنه قبل ثلاثين عامًا أحتاجَ البناءُ لإصلاحاتٍ وترميماتٍ، فتم ذلك في عهد الملك فهد رحمه الله، حيث تمَّ تقوية الأساسات، وصقل الجدران الخارجية، وسدُّ الفجوات بين الأحجار، كما تم تغيير السقف كاملًا بسقفٍ جديد.

 

ولا زال بيت الله وكعبته يحظيان من المسلمين حكامًا وشعوبًا بأعلى درجات الاهتمام والرعاية.. اللَّهُمَّ فزِدْ بَيْتَك تَشْريفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وبرًا، وَزِدْ مِن شَرَّفَهُ وكَرمَهُ تَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَتَعْظِيمًا، وَبِرًّا.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين ﴾ [آل عمران:97]..

 

أقول ما تسمعون...

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب ﴾ [الزمر:18]..

 

معاشر المؤمنين الكرام: تلك هي الكعبة المشرفة، قبلةُ المسلمين وأقدسُ بقاعِهم.. ورمزُ وحدتهم وتوحيدهم، ومقصدُ الطائفين والعاكفين والركع السجود.. يتوجهون إليها بقلوبهم وأجسادهم في كل يومٍ ما لا يقل عن الخمس مرات، عدا النوافل والأنساك الأخرى.. ليحققوا العبودية في أعلى درجاتها، وأجلِّ صورها.. ﴿ جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ ﴾ [المائدة:97]..

 

الصلاة بجوارها بمئة ألف صلاةٍ مما سواها، في الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (صلاةٌ في مَسْجِدِي أفضلُ من ألفِ صلاةٍ فِيما سِواهُ إلا المسجِدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسْجِدِ الحرامِ أفضلُ من مِائةِ ألفِ صلاةٍ فِيما سِواهُ)، وقد بنيت كل مساجد المسلمين في مختلف أصقاعِ الأرضِ متجهةً إليها.. فلا تصحُ صلاةُ من لا يستقبلها.. وكلُّ مُسلمٍ يذهبُ لأيّ مكانٍ جديدٍ فأولُ ما يسألُ عن جهتها، فالكعبة حاضرةٌ في قلب كل مؤمن.. الذبيحةٌ لا تذبحُ إلا موجهةً للكعبة.. والداعي حين يتحرى إجابة دُعائهِ فإنه يرفعُ يديه ويستقبلها، وحتى الميت إذا وضِعَ في قبره يوجه إليها.. فهي قبلة المسلمين أحياءً وأمواتًا.. ومن تشريف اللهِ تعالى لها: أنها لا تُستقبل في قضاء الحاجةِ ولا تستدبر، وإن كان الإنسانُ بعيدًا عنها، جاء في صحيح البخاري، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا).. وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يغرسُ تعظيمَ الكعبة، وتغليظَ حُرمتها، والحفاظ على قُدسيتها في قلوب أصحابه؛ ففي فتح مكةَ اشتدّ فرحُ الصحابة رضي الله عنهم بذلك الفتح العظيم في ذلك اليوم، فقال صلى الله عليه وسلم: (هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ)، والحديث في البخاري.. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَه اللهُ يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، فهو حَرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يَومِ القيامةِ، وإنَّه لَم يَحِلَّ القِتالُ فيه لأحَدٍ قَبلي، ولَم يَحِلَّ لي إلَّا ساعةً مِن نَهارٍ، فهو حَرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يَومِ القيامةِ، لا يُعضَدُ شَوكُه، ولا يُنَفَّرُ صَيدُه، ولا يَلتَقِطُ لُقَطَتَه إلَّا مَن عَرَّفَها، ولا يُختَلى خَلاه)..

 

فطوبى لمن امتلأ قلبهُ تعظَّيمًا لبيتَ الله الحرام.. وطارت روحهُ شوقًا ومحبةً للركن والمقام.. وهنيئًا لكل من كتب اللهِ له حجّ هذا العام، هنيئًا له شرفُ الزمان، وشرف المكان، وشرفُ الأعمالِ والأنساك، وحيّا هلًا به ضيفًا كريمًا على الرحمن، وزائرًا عزيزًا بين أهله وإخوانهِ من سائر الأوطان، وبُشرى لمن لبَّى نداءَ الرحمن، وأقبل يؤدي خامس الأركان.. يسّر الله مسيره.. وسهل الله سبيله، وتقبل منه نُسكه بأحسن القبول، وحفِظهُ من كلِّ مكروه، وردهُ إلى أهله سالمًا غانمًا مأجورا.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج:27]..

 

ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • اللهم صل على رسولك محمد عدد ما ذكره الذاكرون ( بطاقة دعوية ) بخط الخطاط مختار شقدار خطاط كسوة الكعبة المشرفة
  • التأليف بجوار الكعبة المشرفة: نموذج ابن آجروم الفاسي ومحمد علان المكي
  • تجديد بناء الكعبة المشرفة

مختارات من الشبكة

  • هل تضعيف أجر الصلاة خاص بمسجد الكعبة أم عام لكل حرم مكة؟(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • تخريج حديث: رقيت يوما على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته، مستقبل الشام مستدبر الكعبة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رؤية بلد مكة مقدمة على غيرها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صحابة منسيون (7) الصحابي الجليل: حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • إعادة الحج (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفرع الثاني: ما يصح وما لا يصح فيه الصلاة من الأماكن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ومضات نبوية: "لا أنساها لها"(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مائدة التفسير: سورة الفيل(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع عشر ذي الحجة (5)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الشوق إلى الحج واتخاذ الأسباب(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/11/1447هـ - الساعة: 16:42
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب