• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / في الاحتفال بالمولد النبوي
علامة باركود

مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بين الذكرى والاتباع (خطبة)

مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بين الذكرى والاتباع (خطبة)
حسام كمال النجار

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 26/8/2026 ميلادي - 14/3/1448 هجري

الزيارات: 210

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بين الذكرى والاتباع

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق الإنسان من علق، وعلَّمه البيان، وبيَّن له سبيل الرشد من الغي، وأرسل إليه الرسل مبشرين ومنذرين، ليقطعوا عليه الحجة، ويزيلوا عنه العلة، ويكشفوا له غطاء الغفلة، ويدلوه على صراط العزيز الحميد. الحمد لله الذي اصطفى من خلقه أنبياء، واختار من ذريتهم صفوة الأصفياء، وجعل خاتمهم وأفضلهم وأكرمهم على الله وأعلاهم درجة نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، الذي فتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، وأقام به الملة البيضاء، وشرع به الشريعة الغراء، وهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وكثَّر به القلة، وأعزَّ به الذلة، وجمع به الشتات، وألف به بين القلوب، حتى أصبحوا بإخوته إخوانًا، وبدينه أمة وسطًا، وبهذا الكتاب مهتدين، وعلى هذه السنة قائمين.

 

أحمده سبحانه وأشكره على ما هدانا للإسلام، وعلمنا من السنة ما لم نكن نعلم، وأسأله أن يثبتنا على الدين، وأن يرزقنا اتباع النبي الأمين، في السر والعلن، وفي القول والعمل، وفي السراء والضراء، وفي المنشط والمكره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، ورب السماوات والأرضين، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، صفيه من خلقه، وأمينه على وحيه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، وعلى أصحابه الأخيار، الذين آمنوا به وناصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، واقتفوا أثره، وساروا على منهاجه، ونقلوا لنا سنته نقاءً صافيًا، ودينًا كاملًا، وشرعًا مكينًا، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [سورة التوبة: 100]، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون، عباد الله:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وهي الزاد الذي لا ينفد، واللباس الذي لا يبلى، والدرع الذي لا يخرق، وهي المنجية من عذاب الله، والموصلة إلى جنات النعيم، اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها الإخوة في الله، الأحِبة في الإيمان، نحن في هذه الأيام المباركة نستقبل حلول شهر ربيع الأول، ذلك الشهر الذي تشرفت به الدنيا، وابتسمت به الأيام، وازدادت به الأرض نورًا على نور، حين وُلد فيها سيد ولد آدم، وخاتم المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، سيدنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

إن مولد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن حدثًا عاديًّا، ولا واقعة عابرة، بل كان نقطة تحول كبرى في تاريخ البشرية، وعلامة فارقة بين عهدين؛ عهد الجاهلية المظلم، وعهد الإسلام المنير، كان ميلاده فتحًا مبينًا، ونورًا ساطعًا، ورحمةً للعالمين؛ قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [سورة آل عمران: 164]، وقال عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [سورة الأنبياء: 107]، فمع ولادته صلى الله عليه وسلم، انقشعت ظلمات الجهل والشرك، وأشرقت شمس التوحيد والهداية، وتغيرت معالم الأرض، وأُطفئت نيران المجوس، وخبت أصنام الجاهلية، وتزلزلت عروش الطغاة، وأخذ العالم يعرف طريقًا جديدًا إلى الله، طريقًا مستقيمًا، واضحًا، لا عوج فيه ولا انحراف.

 

أولًا: مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والمنة الإلهية:

إن أمة الإسلام مدعوة أن تتأمل في الآيات القرآنية التي بينت مكانة النبي صلى الله عليه وسلم وعظم منزلته ورفعة شأنه عند ربه، وكيف جعله الله خير البرية، وأعلى قدره، وشرح صدره، ورفع ذكره، وجعل طاعته مقرونة بطاعته، وقرن اسمه باسمه في الأذان والإقامة والتشهد، حتى لا يُذكر الله إلا ويُذكر معه عبده ورسوله.

 

يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [سورة الأحزاب: 56]، فتأملوا -رحمكم الله- كيف أن الله سبحانه وتعالى، الذي لا تليق الصلاة إلا له، قد أخبر أنه يصلي على نبيه، وكذا ملائكته الكرام، ثم أمر عباده المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فجمع بذلك بين صلاة الرب، وصلاة الملائكة، وصلاة المؤمنين، تكريمًا له، ورفعةً لدرجته، وإعلاءً لشأنه.

 

وقال تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [سورة الشرح: 4]؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "أي: أعلَينا قدرك، وأوجبنا لك الذكر العظيم، فكلما ذكرت ذكرت معي، فأنت مقرون باسمي في الأذان، وفي التشهد، وفي خطب الجمعة، وفي مواطن العبادات"؛ ["تفسير القرآن العظيم"، تحقيق الدكتور سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية 1420هـ، المجلد الثامن، ص 432].

 

وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة القلم: 4]، وهذه الآية من أعظم ما ورد في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، حيث شهد له ربه بالخلق العظيم، الذي جمع كل فضيلة، واتصف بكل محمدة، وكان خلقه القرآن، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه، فقالت: ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))؛ [رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، برقم (746)، دار الجيل ببيروت، الطبعة الأولى 1416هـ، المجلد الأول، ص 512].

 

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة التوبة: 128]؛ قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: "يقول تعالى: لقد جاءكم يا معشر المؤمنين رسول من أنفسكم، أي: من جنسكم وبشركم، ليس بملك، لتفهموا عنه وتأنسوا به، شديد عليه ما يشق عليكم من المشاق والأثقال، حريص على هدايتكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، أي: ذو رأفة ورحمة"؛ ["جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، تحقيق الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، دار التأصيل بالقاهرة، الطبعة الأولى 1428هـ، المجلد الرابع عشر، ص 567].

 

وقال تعالى في سورة الحشر: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [سورة الحشر: 7]، وهذه الآية من أعظم قواعد الدين، فهي تأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقًا، في كل ما يأمر به، وكل ما ينهى عنه، لأن أمره ونهيه هما وحي من الله، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [سورة النجم: 3 - 4].

 

فإذا كانت هذه المنزلة الرفيعة للنبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، فإن الواجب على الأمة أن تعرف قدر نبيهم، وأن تفي بحقه، وأن توقره وتعظمه، وتحبه وتوقره، وتنصره وتذب عن سنته، وتتمسك بهديه، وتقتدي به في جميع شؤون حياتها.

 

ثانيًا: محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل الإيمان وأساس التوحيد:

أيها الإخوة، إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست مجرد دعوى عاطفية تقال بالألسن، ولا هي احتفال مؤقت في مواسم، ولا هي أهازيج وأناشيد، ولا هي مظاهر وولائم، وإنما هي عقيدة راسخة في القلب، تترجمها الجوارح إلى طاعة واتباع، وتُظهرها الأخلاق في محاكاة له صلى الله عليه وسلم، وتثبتها المعاملات بامتثال أمره واجتناب نهيه.

 

قال الله تعالى في كتابه العزيز، آمرًا نبيه أن يعلن هذه الحقيقة للناس أجمعين: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة آل عمران: 31]. وهذه الآية الكريمة هي المعيار والميزان، فهي تربط محبة الله بمحبة رسوله، وتجعل الاتباع هو الدليل الوحيد على صدق هذه المحبة، فمن ادعى حب الله وهو مخالف لسنة نبيه، فهو كذاب؛ لأن المحبة الحقيقية تقتضي المتابعة.

 

وقد اشتدَّت عناية السلف الصالح بهذا المعنى، فجعلوا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم شرطًا في قبول الأعمال، إلى جانب الإخلاص لله؛ يقول الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [سورة الملك: 2] قال: "أخلصه وأصوبه"، قيل: "يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟" قال: "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة"؛ [رواه ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم"، تحقيق الدكتور ماهر الفحل، دار العاصمة بالرياض، الطبعة الأولى 1422هـ، المجلد الأول، ص 34].

 

وأما دليل محبة النبي صلى الله عليه وسلم من السنة النبوية، فأعظمه ما ثبت في "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))؛ [أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب حب الرسول من الإيمان، برقم (15)، دار ابن كثير بدمشق، الطبعة الأولى 1423هـ، المجلد الأول، ص 68، وأخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد، برقم (44)، دار الجيل ببيروت، الطبعة الأولى 1416هـ، المجلد الأول، ص 67].

 

وفي الرواية الأخرى عند البخاري: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ))؛ [أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، برقم (14)، المجلد الأول، ص 67]، وهذا هو كمال المحبة، أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلى العبد من نفسه وماله وأهله والناس أجمعين، وهذا هو حقيقة الإيمان الواجب.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ))؛ [أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، برقم (45)، المجلد الأول، ص 68].

 

فهذه الأحاديث كلها تؤكد أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست من باب التطوع أو الاستحباب، بل هي من صلب الإيمان، وهي شرط لصحته وتمامه.

 

وإذا كانت هذه المحبة هي دين الله، فإن من علاماتها الصادقة ما يلي:

العلامة الأولى: اتباع سنته في العبادات والمعاملات: وهو ألا يتعبد الإنسان لله إلا بما شرعه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يحدث في الدين ما ليس منه، ولا يبتدع عبادة لم يأذن بها الله؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ))؛ [أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم (1718)، المجلد الثالث، ص 1343].

 

العلامة الثانية: تقديم قوله صلى الله عليه وسلم على قول كل أحد: فحين تتعارض أقوال الناس مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يقدم قوله، ولو كان المخالف عالمًا أو وليًّا أو ملكًا؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة الحجرات: 1].

 

العلامة الثالثة: الإكثار من الصلاة والسلام عليه: فهي من أعظم القربات، وأجَل الطاعات، وأسباب محبته صلى الله عليه وسلم ومحبته للمسلم؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا))؛ [أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (408)، المجلد الأول، ص 288].

 

العلامة الرابعة: محبة أصحابه وآله وذريته: فمن أحبه أحب من أحبه، وأحب من كان على منهاجه وسبيله، وأحب الصحابة الكرام الذين آمنوا به وناصروه وعزروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وترضى عنهم، ونهى عن سبهم والوقوع فيهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ))؛ [أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدكم أنفق مثل أحد، برقم (3673)، المجلد الرابع، ص 211]، وكذا محبة آل بيته الطاهرين، فإن الله قد طهرهم تطهيرًا، وأوجب مودتهم في كتابه فقال: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [سورة الشورى: 23].

 

ثالثًا: الاتباع هو الاحتفال الحق والفرح الصادق:

أيها المؤمنون، إن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ليس في اجتماعات وولائم وندوات، وإن كان ذلك من باب البر والإكرام إذا لم يختلط بمحرم ولا بدعة، ولكن الاحتفال الحقيقي هو أن نحيي سنته في حياتنا، ونطبق هديه في واقعنا، ونكون دعاةً إلى منهجه، ومجددين لسيرته، ومبلِّغين لرسالته.

 

يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [سورة يونس: 58]، وقد أجمع المفسرون على أن الفضل هنا هو القرآن، والرحمة هي الإسلام، فبالهدى ودين الحق يفرح المؤمنون.

 

والفرح الحق هو أن نكون من أهل القرآن والسنة، وليس الفرح بالأعياد والمواسم التي يغلب عليها الغفلة واللهو والعبث.

 

قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: "إنما الدين هو الخشوع والانكسار، والوقوف عند حدود الله، والعمل بطاعته، واتباع سنة نبيه، وليس الدين بالتمني ولا بالتزين ولا بالقول، بل هو عمل واتباع"؛ [رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"، تحقيق الدكتور مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى 1418هـ، المجلد الثاني، ص 127].

 

وإن من أظهر صور الاحتفال الصادق بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ما يلي:

(1) إحياء سنته المهجورة: ففي كل عصر تندرس سننٌ وتظهر بدع، ومن حبه صلى الله عليه وسلم أن يحيي المسلم سُنة من سننه، ولو كانت مهجورة، ويعمل بها، ويعلمها الناس، ويدعو إليها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي، فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا))؛ [أخرجه ابن ماجه في "سننه"، كتاب السنة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، برقم (209)، دار الفكر ببيروت، الطبعة الأولى 1412هـ، المجلد الأول، ص 70، وحسَّنه الألباني].

 

(2) التخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم: فكان صلوات ربي وسلامه عليه: جوادًا كريمًا، رحيمًا عطوفًا، شجاعًا مقدامًا، صادقًا أمينًا، متواضعًا خاشعًا، زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، حليمًا صبورًا، يعفو عند المقدرة، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويصفح عن الجاهلين؛ فالتخلق بهذه الأخلاق هو احتفال دائم به صلى الله عليه وسلم.

 

(3) الدعوة إلى سنته والذب عن عرضه: من أعظم صور الاحتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم أن ننشر سنته بين الناس، ونعلمها للجاهلين، ونقمع البدع التي تنتسب إليه صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا، وندفع عن عرضه الطاهر كل من يطعن فيه، أو يسخر من سنته، أو يستهين بهديه.

 

(4) الاقتداء به في عبادته وقيامه وتلاوته: فقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد كان يتلو القرآن ترتيلًا، ويبكي خشية من الله، ويصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم، فكانت عبادته صلى الله عليه وسلم هي القدوة والأسوة.

 

(5) نشر سيرته العطرة: فقد كانت سيرته صلى الله عليه وسلم مليئة بالعبر والمواعظ، والدروس والعظات، والمواقف البطولية، والأخلاق العظيمة، فقراءتها وتدبرها وتعليمها للناس، وخاصة للأبناء والنسل الصاعد، من أهم وسائل تربية النشء على حب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

رابعًا: هدي النبي صلى الله عليه وسلم نور الحياة ومنهاج السعادة:

أيها الإخوة، إن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ليس قيدًا يحد من حريتنا، بل هو عين العبودية لله، وهو طريق السعادة في الدارين، وهو السبيل الوحيد لصلاح القلوب واستقامة الأحوال، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [سورة طه: 123].

 

فالهديُ النبوي يحيط بكل نواحي الحياة، فلا تخرج منه جزئية صغيرة ولا كبيرة:

في العبادات: علمنا كيف نتوضأ، وكيف نصلي، وكيف نزكي، وكيف نحج، وكيف نصوم، وكيف نذكر الله، وكيف نتلو كتابه، وكيف نقوم الليل، فكان صلى الله عليه وسلم يعلن: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي))؛ [أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأذان، باب الأذان للفجر، برقم (631)، المجلد الأول، ص 189]، وقال: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))؛ [أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، برقم (1297)، المجلد الثاني، ص 912].

 

في المعاملات: علَّمنا البيع والشراء، والربا والقرض والرهن، والصلح والاقتضاء، والوكالة والضمان، والكفالة والإجارة، والشركة والمضاربة، وكل ما يحتاجه الناس في تعاملاتهم اليومية؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم أصدق الناس في البيع، وأعدلهم في القضاء، وأعظمهم أمانة، وأوسعهم صدرًا.

 

في الأخلاق: حث على مكارم الأخلاق، وقال: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ))؛ [أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب الزكاة، باب الزكاة في الحلي، برقم (2138)، تحقيق الدكتور محمد عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الثالثة 1424هـ، المجلد العاشر، ص 247، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"]، فدعا إلى الصدق، والوفاء، والعدل، والرحمة، والتواضع، والحلم، والعفو، والصفح، والإيثار، والمواساة، والشفقة، والبر، والرفق، وغير ذلك من خصال الخير.

 

في العلاقات الاجتماعية: علمنا حقوق الجار، وحقوق الأهل، وحقوق الأبناء، وحقوق الوالدين، وحقوق الضيف، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض، فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَتَحَابَّ، أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ))؛ [أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم (54)، المجلد الأول، ص 74].

 

في السياسة والحكم: كان صلى الله عليه وسلم إمام عدل، وحاكمًا بالقسط، يقيم الحدود، ويرعَى الحقوق، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويُشاور أصحابه، ويأخذ بالرأي، ولا يستبد بالأمر، قال تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [سورة آل عمران: 159].

 

في الجهاد والدفاع: شرع الجهاد في سبيل الله لحماية الدين، ودفع العدوان، ونشر العدل، وإقامة كلمة الله، فكان صلى الله عليه وسلم قائدًا عسكريًّا فذًّا، ومحاربًا شجاعًا، وصانع قرار ماهرًا، يجمع بين الحكمة والقوة، وبين الرحمة بالعدو والأخذ بالثأر، كل ذلك بميزان الشرع.

 

فهذا الهدي النبوي الشامل هو الذي أخرَجَ البشرية من الظلمات إلى النور، وأنقذها من الهاوية، وأقام لها حضارة قائمة على التوحيد والعدل والأخلاق، وعلى كل من يدعي حب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسك بهذا الهدي، ويجتهد في تطبيقه في كل آن وحين.

 

خامسًا: التحذير من الغلو والمحدثات، وبيان الاحتفال المبتدع:

مع ما نستذكره في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الواجب الشرعي أن نحيي محبته واتباعه بما شرعه الله، لا بما ابتدعه الناس، فالاحتفال الذي لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون ولا أئمة الهدى، والذي لم يُعرف في القرون الثلاثة المفضلة، يعتبر بدعة ضلالة، وإن كان صاحبه حسن النية، النية الحسنة لا تجعل العمل غير المشروع مشروعًا، ولا يقبل العمل إلا إذا كان خالصًا لله، موافقًا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))؛ [أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الصلح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، برقم (2697)، المجلد الثالث، ص 167]، وقال صلى الله عليه وسلم في موعظته للعرباض بن سارية: ((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))؛ [أخرجه أبو داود في "سننه"، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم (4607)، دار الفكر ببيروت، الطبعة الأولى 1412هـ، المجلد الرابع، ص 200، وصححه الألباني].

 

وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله، إمام دار الهجرة، وهو من أعلم الناس بالسنة وأشدهم تمسكًا بها: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [سورة المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا"؛ [رواه الشاطبي في "الاعتصام"، تحقيق الدكتور مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى 1412هـ، المجلد الأول، ص 78].

 

ومما قرره الإمام الشاطبي رحمه الله في الاعتصام أن أصل الاجتماع على الذكر، وتلاوة القرآن، والتذاكر في العلم، وإطعام الطعام من الأعمال المشروعة، وإنما يدخل الابتداع عند تخصيص عبادةٍ بهيئة أو زمان أو مكان أو كيفية مخصوصة، والتزام ذلك على أنه قربة، من غير دليل يدل على هذا التخصيص؛ ["الاعتصام" للشاطبي، تحقيق الدكتور مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى 1412هـ، المجلد الثاني، ص 34].

 

فالواجب على المسلمين أن يحذروا البدع، وأن يتمسكوا بالكتاب والسنة، وأن يجعلوا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم شعارهم في كل زمان ومكان، وألَّا يغتروا بكثرة من يفعلون، ولا بقول من يقول، فالعبرة بالدليل الشرعي، والعمل الصالح لا بد أن يكون خالصًا لله، وموافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

سادسًا: شمائل النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بها في واقع الحياة:

والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يطول، وشمائله وخصاله لا تعد ولا تحصى، ولكننا نقف على نماذج عظيمة، نقتدي بها، ونستلهم منها روح الاحتفال الأسمى به صلى الله عليه وسلم.

 

كان خاتم الأنبياء وأفضل الخلق: قال صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ))؛ [أخرجه الترمذي في "سننه"، كتاب المناقب، باب فضل النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (3148)، تحقيق الدكتور بشار عواد، دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى 1418هـ، المجلد الخامس، ص 558، وقال: حسن صحيح]. وقال: ((أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ، وَأَوَّلُ النَّاسِ يُشَفَّعُ))؛ [أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، برقم (197)، المجلد الأول، ص 124].

 

كان أعظم الناس تواضعًا: كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويخصف نعله بيده، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم أهله، ويمر بالصبيان فيسلم عليهم، ويركب الحمار، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، وينام على الحصير، ويدعو الفقراء، ويجلس مع المساكين، ويجالس الضعفاء، ويقبل عذر المعتذر، ويستمع إلى شكوى الشاكي.

 

كان أعظم الناس صبرًا: صبر على أذى قومه، وتكذيبهم، وإيذائهم، ورميهم، وسبهم، وضربهم، وهجرهم، ومقاطعتهم، وحصارهم، وتجويعهم، وتقييدهم، وتعذيبهم، وقتل أصحابه، وتعذيب أقاربه، وصبر على ذلك كله، وما انتقم لنفسه قط، ولا غضب لنفسه، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله.

 

كان أكرم الناس وأجودهم: كان أجود الناس، وأكرمهم، وأسخاهم نفسًا، وأعظمهم عطاءً، وأوسعهم صدرًا، فما سئل شيئًا قط فقال لا، وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، ومن أشهر مواقف جوده أنه أعطى الطلقاء يوم حنين أموالًا عظيمة، حتى قال رجل: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي أحدًا شيئًا قط كما أعطى هؤلاء، فقال له رجل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاهم ليتألفهم على الإسلام.

 

كان أعظم الناس حلمًا وعفوًا: لما فتح مكة، ودخلها عنوة، وأصبحت رقابهم تحت قدميه، قال لهم: ((مَا تَظُنُّونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ))؛ [أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"، كتاب السير، باب من قال: هم الطلقاء، برقم (18244)، تحقيق الدكتور محمد عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الثالثة 1424هـ، المجلد التاسع، ص 118]، فلم ينتقم منهم، ولم يقتلهم، ولم يؤاخذهم بجريرتهم، وعفا عنهم، وهذا من أعظم العفو في التاريخ.

 

كان أعظم الناس أمانة وصدقًا: كان يلقب بالصادق الأمين قبل البعثة، ولم يختلف عليه اثنان في ذلك، وحين دعا قومه إلى الإسلام، قال لهم: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِوَادِي كَذَا وَكَذَا، كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، قال: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ))؛ [أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب التفسير، سورة الشعراء، برقم (4771)، المجلد الخامس، ص 134].

 

هذه الشمائل وهذه الخصال هي التي جعلت الله يمدحه بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، وهي التي جعلت حبَّه مقرونًا بالإيمان، وجعلت اتباعه سبيلَ النجاة، فهل نحن متبعون له في هذه الأخلاق العظيمة؟ وهل نحن مقتدون به في هذه الصفات الحميدة؟ أم أن احتفالاتنا تنحصر في الكلام دون العمل، وفي الأقوال دون الأفعال؟

 

سابعًا: واجب الأمة اليوم نحو نبينا صلى الله عليه وسلم:

إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وتنوعت فيه البدع، وانتشرت فيه الشبهات، وتكالب عليها أعداؤها من كل جانب؛ يطعنون في عرضه، ويسخرون من سنته، ويشككون في سيرته، ويدعون إلى نبذ هديه، وتجديد الدين بما يخالف منهجه.

 

فالواجب على هذه الأمة، في ذكرى مولده الشريف، أن تقوم بعدة أمور:

أولًا: التمسك بسنته والاعتصام بهديه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي))؛ [رواه مالك في "الموطأ"، كتاب القدر، باب ما جاء في الأهواء، برقم (3)، تحقيق الدكتور محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى 1406هـ، ص 899، وصححه الألباني]، وهذا يعني أن نرجع إلى الكتاب والسنة في كل شيء، ونعرض كل فكر ورأي على هذين المصدرين، فما وافقهما قبلناه، وما خالفهما رددناه.

 

ثانيًا: الدعوة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشرها بين الناس، وتعليمها للجيل الجديد، وإحياء ما اندرس منها، والتنبيه على ما خالفها من البدع والأهواء، وأن نحذر الناس من الفرق الضالة والمناهج المنحرفة التي تنتسب زورًا إلى الإسلام.

 

ثالثًا: الذب عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه، برد الشبهات، وكشف الأكاذيب، والرد على المفسدين، والمستهزئين، والطاعنين، بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، وبالأسلوب الحسن، والموقف الصلب الذي لا يلين، ولا يفرط في الدين.

 

رابعًا: نشر سيرته العطرة في جميع وسائل الإعلام، وفي المدارس والجامعات والمساجد، وترجمة سيرته إلى لغات العالم المختلفة، ليكون قدوة للبشرية جمعاء، لا سيما في هذا العصر الذي يعج بالفساد والظلم والجور.

 

خامسًا: الاقتداء به في جميع المجالات، وفي كل شؤون الحياة، من العبادات إلى المعاملات، من الأخلاق إلى السياسة، من العلم إلى العمل، فبهذا الاقتداء وحده يتحقق لنا الأمن والسعادة، والفلاح والتمكين في الأرض.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، وشرع سنته منهاجًا للمؤمنين، ونصره على أعدائه، وأعلى كلمته، وأظهر دينه على الأديان كلها، وكفى بالله شهيدًا، الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى،

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً خالصةً صادقةً من قلوب المؤمنين، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبده ورسوله؛ بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وفكَّ الله به أسرَ الجاهلية، وأزال به قيود الوثنية، عليه من الله أفضل الصلاة، وأزكى السلام، وأتم التحية، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون، عباد الله:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم؛ فهي أصل الدين، وسبيل النجاة، والمنجية من عذاب الله، والموصلة إلى جنات النعيم، فاتقوا الله حق تقاته، واعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم كتابه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

أيها الإخوة، إن الذي يفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فرحًا حقيقيًّا، هو من يتخذ هذا المولد مناسبة لتجديد الإيمان، وتجديد العهد مع الله ورسوله، وتجديد التوبة من الذنوب، والإقلاع عن المعاصي، والعزم على الاستقامة على الطريق المستقيم.

 

فكم من ذنوب نذنبها، ونحن نعلم أنها تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم! وكم من بدع نتبعها، ونحن نغفل أنها مردودة على أصحابها! وكم من فرائض نضيعها، ونحن نغفل أنها أوامر الله التي أوصلها إلينا نبيه صلى الله عليه وسلم! وكم من أخلاق سيئة نتحلى بها، وهي تنافي ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من خلق عظيم!

 

فيا عباد الله، لنتخذ من هذه المناسبة فرصةً لمراجعة حساباتنا مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولنبادر إلى إصلاح أعمالنا وأحوالنا؛ فمن كان مقصِّرًا في الصلاة فليحافظ عليها، ومن كان مقصِّرًا في الزكاة فليؤدِّها، ومن كان مقصِّرًا في الصيام فليتمَّه، ومن كان قاطعًا لرحمه فليصلها، ومن كان ظالمًا فليعدل، ومن كان غاشًّا فليكن أمينًا، ومن كان كاذبًا فليصدق، ومن كان غافلًا عن دينه فليغَرْ عليه غيرةَ المحبِّ لدينه، ومن كان ضعيفًا عن نصرة الحق فليستمدَّ قوته من الله، ومن كان خائفًا فليتوكل على الله؛ فإن العبرة ليست بكثرة الكلام، وإنما بصدق الاتباع وحسن العمل.

 

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن داعية فقط، بل كان قائدًا، ومربِّيًا، ومعلمًا، وأسوة حسنة في كل شيء، فإذا أردنا أن نكون من أتباعه حقًّا، فعلينا أن نتمثل هديه في كل تفاصيل حياتنا، الصغير والكبير، الظاهر والباطن، الفردي والاجتماعي.

 

واذكروا، أيها الأحبة، أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا تبلى ولا تشيخ، وأن هديه لا يتغير بتغيُّر الزمان؛ فما كان حقًّا في عهده صلى الله عليه وسلم فهو حقٌّ إلى قيام الساعة، وما كان هديًا وسنةً فهو هدى وسنةٌ لكل من جاء بعده؛ قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

 

فما أجمل أن نراجع أنفسنا، وأن نسألها: من الذي ينبغي أن يتغير؛ أهوَ سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم أهواؤنا وعاداتنا وتقصيرنا؟ كلا؛ فالسنة ثابتة، والحق لا يَقدُم بقدم الزمان ولا يَبلى بمرور الأيام، ومن تمسَّك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم اهتدى، ومن أعرض عنه واتبع هواه ضلَّ وغوى.

 

فيا عباد الله، ليست محبة النبي صلى الله عليه وسلم كلماتٍ تُقال، وإنما المحبة الصادقة اتباعٌ واقتداء؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]، واعلموا أن حب النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقص بمرور الزمن، ولا يقل بموته صلى الله عليه وسلم، بل يزداد كلما تذكَّرنا سيرته، وقرأنا سيرته، وطبقنا سنته، فالميت من ماتت سنته، والحي من أحياها، والغائب من ذهب نور هديه من قلبه.

 

فأكثروا من الصلاة والسلام عليه، وأكثروا من تلاوة سيرته، وأكثروا من تدارس سنته، وأكثروا من مجالسة الصالحين الذين يذكرونكم به صلى الله عليه وسلم، وأكثروا من الدعاء بأن يجعلكم الله من المتبعين لهديه، العاملين بشريعته، المحشورين في زمرته، الساقين على حوضه، الفائزين بشفاعته.

 

اللهم إنا نسألك حبك، وحب نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وحب كل من يحبك ويحب رسولك صلى الله عليه وسلم، والعمل بطاعتك وطاعة رسولك، والثبات على سنته، والموت على ملته.

 

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعلنا من الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واجعلنا من أتباع نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في السر والعلن.

 

اللهم أحيِ في قلوبنا سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وثبِّت أقدامنا على صراطك المستقيم، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.

 

اللهم احشرنا معه صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى من الجنة، ولا تحرمنا شفاعته يوم القيامة، ونسألك اللهم أن تجعلنا من رفقائه في دار السلام.

 

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واجعل بلاد المسلمين آمنة مطمئنة، وسائر بلاد العالم عامرة بالخير والإيمان.

 

اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفقنا لاتباع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، واجتناب البدع والأهواء، وجنبنا سبل الغواية والضلال، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

 

عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

والحمد لله رب العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطوات نحو النصر والتمكين
  • خطوات نحو العدالة
  • رمضان فرصتك للتغيير
  • قصة مبهرة في القضاء والقدر

مختارات من الشبكة

  • هل الاحتفال بالمولد النبوي سنة أم بدعة؟ وهل عمرة المولد سنة أم بدعة؟(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • الاحتفال بالمولد النبوي وعمرة المولد بدعتان منكرتان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مولد ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المولد النبوي: رؤية تاريخية(مقالة - موقع د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر)
  • خطبة: مولد أمة وحضارة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بين المولد والمحدث: المفهوم والأنواع(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • زعل: بين المعنى الفصيح والمعنى المولد(مقالة - حضارة الكلمة)
  • اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والمولد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الرد على من زعم أن ليلة المولد النبوي أفضل من ليلة القدر (PDF)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • فصول في ظلال السيرة النبوية (2): المولد والمنشأ(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق
  • أطفال قرية ميدوفيتس يختمون القرآن الكريم للمرة الأولى
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 13/3/1448هـ - الساعة: 17:21
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب