• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / خطب رمضان والصيام
علامة باركود

رمضان ونعيم الجنة (خطبة)

رمضان ونعيم الجنة (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/3/2026 ميلادي - 28/9/1447 هجري

الزيارات: 184

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

رمضان ونعيم الجنة

 

الخطبة الأولى

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

عباد الله: اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات والنار؛ أما بعد أيها المؤمنون:

فنحمد الله سبحانه وتعالى أن بلغنا شهر رمضان، وتلك نعمة عظيمة ينبغي أن نشكر الله عليها؛ وذلك بأداء ما افترضه الله علينا من الصيام كما أمر، والتزود فيه من الأعمال الصالحة، من صلاة وذكر وقيام وقراءة للقرآن، فواجب على كل مسلم ومسلمة منَّ الله عليه ببلوغ شهر رمضان، أن يغتنم هذه الفرصة العظيمة، ويقطف ثماره المباركة، فإن الأجور والحسنات في شهر رمضان تتضاعف، والقلوب والأرواح عطشى إلى فضل الله ورحمته في هذا الشهر المبارك، ومن فاتته هذه الفرصة كانت حسرته التي ما بعدها حسرة، وندامة لا تعدلها ندامة.

 

أيها المؤمنون: جعل الله تعالى شهر رمضان ميدانَ سباق وتنافس، ولكن ليس على الدنيا وأموالها وقصورها ومناصبها كما يحدث اليوم بين الناس، لكنه تنافس وسباق نحو الجنة التي يأمر الله تعالى أبوابها بأن تفتح إذا جاء شهر رمضان؛ ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين))، فأبواب الجنة الثمانية تفتح في كل عام في رمضان، وقد جعل الله تعالى في الجنة بابًا خاصًا بالصيام؛ وفي ذلك تشويقًا وتحفيزًا للصائمين في رمضان من أجل السباق لدخول الجنة من باب الصيام، هذا الباب يسمى الريان، وهو خاص بالصائمين؛ ففي الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون))، وهذه الجنة التي تفتح أبوابها في رمضان، جدير بنا معشر الصائمين أن نتعرف على بعض أوصافها، علنا أن نجتهد فيما بقي من هذا الشهر المبارك فيكرمنا الله تعالى بأن يعتقنا من النار ويجعلنا من أهل الجنة، فنسعد فيها سعادة أبدية.

 

أيها المؤمنون: البحث عن السعادة والظفر بالنعيم مطلب كل إنسان في هذه الدنيا، فكلنا يحب أن يكون له طعام شهي، وشراب هنيء، ومركب وطيء، وملابس فاخرة، وزوجة حسناء جميلة، ولكن عيب كل هذه النعم الدنيوية أنها عبارة عن متاع دنيوي، لا بقاء له وهو إلى زوال؛ لهذا جعل الله تعالى نعيمًا آخر هو أعظم وأبقى من هذه النعم الدنيوية، إنه نعيم الجنة في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 32]، فنعيم الجنة نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر؛ ولذا كان دخول الجنة والنجاة من النار هو الفلاح العظيم، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185].

 

أيها المؤمنون: لما كان متاع الدنيا ونعيمها نراه بأعيننا، ونحسه بجوارحنا؛ لهذا تعلقت به قلوبنا، ومالت إليه نفوسنا، بعكس نعيم الآخرة الذي جعله الله تعالى غيبًا موعودًا ينال بعد الموت، والناس يتأثرون بما يرونه بأعينهم ويحسونه بجوارحهم، ويثقل عليهم ترك ما بين أيديهم إلى شيء ينالونه في الزمن الآتي، من أجل ذلك أطال القرآن الكريم في بيان حقيقة متاع الحياة الدنيا، وبيان فضل نعيم الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد عباده المؤمنون في طلب الآخرة ونيل نعيمها، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه الكريم أن متاع الدنيا قليل، إذا ما قورن بنعيم الجنة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [القصص: 60]، وقد صور لنا الرسول صلى الله عليه وسلم قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه؛ ففي صحيح مسلم عن المستورد بن شداد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع))، كما بين صلى الله عليه وسلم أن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير، لا يساوي شيئًا؛ ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)).

 

ومتاع الدنيا مهما طال فنهايته إلى الموت، بعكس نعيم الجنة فإنه لا نهاية له؛ لأن الموت يؤتى به في الآخرة فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال لأهل الجنة: ((يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم: 39]))؛ [رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري].

 

أيها المؤمنون: الفوز بنعيم الجنة لا يستلزم من المؤمن أن يترك الدنيا ومتاعها الذي أحله الله تعالى، فإن الله خلق الطيبات للمؤمنين، وذم من حرم زينة الله التي أخرج لعباده؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 32].

 

والدنيا لا تذم لذاتها، وإنما تذم إذا كانت شاغلة لصاحبها عن عمل الآخرة، أما إذا جعلها العبد معبرًا ومدخلًا لنيل الآخرة، فالأمر ليس كما يظن بعض الناس.

 

أيها المؤمنون: إن نعيم الجنة فوق الوصف والخيال، وكل ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من أوصاف الجنة وأنهارها وقصورها وطعامها وشرابها لا يشبه شيئًا من جنسه في الدنيا إلا في الاسم فقط؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17])).

 

وهذه الجنة دعا الله تعالى عباده المؤمنين للمسارعة إليها؛ فقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

 

أيها المؤمنون: ربنا سبحانه وتعالى هو الذي خلق الجنة، وقد وصفها لنا في كثير من السور والآيات القرآنية، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم كثيرًا من نعيم الجنة، فقد ذكر الله تعالى طعام أهل الجنة وشرابهم وخدمهم وفرشهم وثيابهم؛ فتأمل في كلام خالق الجنة جل وعلا وهو يقول: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾ [الإنسان: 5، 6]، وقال تعالى عن أهل الجنة: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة: 17 - 26].

 

أيها المؤمنون: أما شراب أهل الجنة فيشربون من عيون الجنة، وهي ثلاثة عيون: العين الأولى: عين الكافور؛ قال تعالى عنها: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴾ [الإنسان: 5، 6]، والعين الثانية: عين التسنيم؛ قال تعالى عنها: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [المطففين: 22 - 28]، والعين الثالثة من عيون الجنة: عين السلسبيل؛ قال تعالى عنها: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ﴾ [الإنسان: 17، 18].

 

أيها المؤمنون: أما قصور الجنة ومساكنها؛ فيقول الله تعالى عنها: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ ﴾ [الزمر: 20]، ويقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [العنكبوت: 58].

 

فاستغلوا ما بقي من أعماركم في طاعة ربكم، والمسابقة إلى جنة، قلت ما قد سمعتم، فاستغفروا الله يا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه، صلاة دائمة من يومنا هذا إلى يوم الدين؛ أما بعد:

أيها المؤمنون: وقد تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر رجل يدخل الجنة، وهو آخر رجل يخرج من النار؛ ففي صحيح مسلم عن أنس عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرةً، ويكبو مرةً، وتسفعه النار مرةً، فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: أي رب، أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله عز وجل: يا بن آدم، لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب، ويعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا بن آدم، ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها، فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب، أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا بن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب، أدخلنيها، فيقول: يا بن آدم، ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر)).

 

أيها المؤمنون: إن أعلى نعيم في الجنة ليس في لبنها ولا عسلها، ولا مائها ولا خمرها، ولا فضتها ولا ذهبها، ولا حورها ولا قصورها، وإنما أعلى نعيم في الجنة هو في رؤية وجه ربنا تبارك وتعالى في الجنة؛ قال عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 22، 23]، وروى الإمام مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن صهيب الرومي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول تبارك وتعالى: عبادي، تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى، ثم تلا هذه الآية: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]))، والحسنى: هي دخول الجنة، والزيادة: هي التمتع بالنظر إلى وجه الله جل وعلا في الجنة، ثم يحل الله تعالى رضوانه على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدًا؛ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله بين يديك، فيقول الله جل وعلا: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول جل وعلا: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول تعالى: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا)).

 

أيها المؤمنون: وفي الأخير، اعلموا أنكم بعد أيام قليلة ستقدمون على العشر الأواخر من رمضان، وهي أفضل أيامه؛ لأن فيها ليلة القدر والتي هي خير من ألف شهر، وقد كان نبيكم يجتهد فيها اجتهادًا بالغًا؛ ففي المتفق عليه، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر - أي العشر الأخير من رمضان - شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله))؛ [متفق عليه]، فاغتنموا هذه الليالي، واقتدوا بحال نبيكم فيها، واستغلوا ما بقي من أيام هذا الشهر الكريم ولياليه بالمسابقة إلى الجنان، وبالتوبة النصوح إلى الله تعالى، وبكثرة الأعمال الصالحة، فلنحافظ على الصلوات في أوقاتها وفي جماعة، ولنحرص على قراءة القرآن وصلاة التراويح والقيام والصدقة والإحسان إلى الفقراء والمساكين، لا تنسوا أن الجنة لا تزال أبوابها مفتوحة الآن، وستغلق بعد هذا الشهر الكريم، فأروا الله من أنفسكم خيرًا في هذا الشهر، وثقوا بفضله وكرمه.

 

هذا وصلوا وسلموا - رعاكم الله - على محمد بن عبدالله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا))، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين، اللهم بارك لمن حضر معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حل أو ارتحل، اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الجنة تفتح في رمضان، فهل من مقبل بالخير والقرآن؟
  • قناديل الجنة في رمضان

مختارات من الشبكة

  • ليالي رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • وقفات بين يدي رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: المحبة في زمن الغفلة: استقبال رمضان بقلب حي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المرأة في رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • توبتك في رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • خصائص شهر رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • قراءة القرآن في رمضان وتلاوته آناء الليل والنهار(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • رمضان شهر التغيير(مقالة - ملفات خاصة)
  • رمضان موسم الغفران(مقالة - ملفات خاصة)
  • مسؤولية الصائم تجاه رمضان بعد انقضائه(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • إفطار رمضاني يعزز ارتباط الشباب بالمسجد في ألكازار دي سان خوان
  • مسلمون جدد يجتمعون في إفطار رمضاني جنوب سيدني
  • مسابقة رمضانية في يايسي لتعريف الطلاب بسيرة النبي محمد
  • سلسلة محاضرات رمضان "المعرفة - منفعة عامة" تواصل فعالياتها في تيشان
  • طلاب القرم يتعلمون قيم الرحمة عبر حملة خيرية تعليمية
  • تعرف على مسجد فخر المسلمين في شالي أكبر مسجد في أوروبا
  • مسلمو تايلر يفتحون أبواب مسجدهم لتعريف الناس بالإسلام في رمضان
  • مبادرة رمضانية لمسلمين تقدم علاجا وغذاء مجانيا في سان خوسيه

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 27/9/1447هـ - الساعة: 14:55
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب