• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / مواعظ وخواطر وآداب
علامة باركود

من مقاصد الصيام في الإسلام: التربية على المراقبة والتقوى والتزكية

من مقاصد الصيام في الإسلام: التربية على المراقبة والتقوى والتزكية
عبدالقادر دغوتي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/3/2026 ميلادي - 21/9/1447 هجري

الزيارات: 30

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من مقاصد الصيام في الإسلام: التربية على المراقبة والتقوى والتزكية


مقدمة:

إن كل ما شرعه الله عز وجل في أي باب من أبواب الدين؛ عقيدة، وشريعة، وشعيرة؛ إنما شرعه لغايات جليلة، ومقاصد سامية، علِمها مَن علِمها، وجهِلها من جهِلها. "فالله تعالى لم يخلق شيئًا؛ صغيرًا أو كبيرًا، ظاهرًا أو خفيًّا؛ إلا وله مقصدٌ وحكمةٌ وغاية، ولم يُعط شيئًا ولا منعه، ولا قلله أو كثره؛ إلا لمقصد وحكمة وغاية، وهو سبحانه لم يجعل شيئًا على نحو معين، ولا على شكل معين؛ إلا لمقصد وحكمة وغاية، عُرف ذلك أو لم يُعرف، وكذلك الشأن في كل ما شرع، وفي كل ما أمر به ونهى عنه، وما حلله وما حرَّمه، وما وضعه من تحديد أو تقييد أو شرط أو ضبط، فكل ذلك له مقاصده وغاياته، ويجب على أهل العلم البحث عنها، والعمل على إدراكها وإثباتها، وبيانها للناس على قدر عقولهم، وعلى قدر فهمهم، كما يجب على المكلفين تحري تلك المقاصد وتحقيقها بقدر استطاعتهم..."[1].


والشعائر التعبدية مشمولة بهذا المعنى؛ إذ ترتبط بها مقاصد منصوص عليها إجمالًا في القرآن والسنة، مع ما لها من أسرار أخرى قد لا يهتدي الخلق إلى إدراكها على وجه التفصيل، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملة"[2].


ويُعد الصوم من أعظم تلك الشعائر؛ لما له من ثمرات متعددة؛ ظاهرة وباطنة، وعاجلة وآجلة، وبدنية وروحية، وتربوية وخُلقية. قال ابن القيم رحمه الله: "الصيامُ لِجامُ المُتقين، وجُنَّةُ المُحارِبين، ورياضةُ الأبرار والمُقرَّبين، وهو لربِّ العالمين من بين سائر الأعمال، وهو سرٌّ بين العبد وربِّه لا يطَّلِعُ عليه سِواه" إلى أن قال: "والمقصودُ أن مصالِح الصوم لما كانت مشهودةً بالعقول السليمة، والفِطَر المُستقيمة؛ شرعَه الله لعباده؛ رحمةً بهم وإحسانًا إليهم، وحِميةً لهم وجُنَّة"[3].

 

وسأذكر في هذا المقال مقصدين من مقاصد الصيام التربوية، هما:

الأول: التربية على المراقبة والتقوى.

 

والثاني: التزكية.

 

المقصد الأول: التربية على مراقبة الله وتقواه:

نص ربنا الحكيم سبحانه في كتابه العزيز على هذا المقصد الجليل؛ حيث قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

 

أولًا: معنى المراقبة والتقوى:

• أما مراقبة الله تعالى فهي: إيمان العبد ويقينه بأن الله عز وجل رقيب عليه، وأنه يراه ويسمعه، ويعلم ما في نفسه، ولا يخفى عنه شيء من أمره.

 

• وأما تقوى الله عز وجل فهي: مخافته وخشيته، واتقاء غضبه وسخطه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه"[4].


ثانيًا: التقوى ثمرة المراقبة:

فإن العبد إذا استحضر مراقبة الله عز وجل؛ اتقاه وخشيه، واستحيا منه، فطهر قلبه وسريرته من كل سوء، موقنًا أن الله يعلم ما يُكِنُّه صدره، وطهر جوارحه وأقواله وأفعاله من كل ما يُغضب ربَّه الرقيب سبحانه.

 

فمراقبة الله تعالى أساس اجتناب المعاصي، والإقبال على الطاعات، كما قيل: "من راقب الله في خواطره؛ عصمه في حركات جوارحه"[5].

 

ثالثًا: مراقبة الله وتقواه في السر والعلن:

يُستدل على صدق المراقبة والتقوى بمدى ملازمة العبد لهما حيثما كان، كما في وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخُلُق حسن»[6]، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "فقوله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت» مراده: في السر والعلانية، حيث يراه الناس، وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبي ذرٍّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أوصيك بتقوى الله في سرِّ أمرك وعلانيته»... وقد سبق من حديث أبي الطفيل عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «استحِ من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك»، وهذا هو السبب الموجب لخشية الله في السر؛ فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مُطَّلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته؛ أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر، وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله عز وجل: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1][7].

 

وإن أصدق المراقبة وأعظم التقوى، ما كان في السر والخلوة؛ حيث يجتنب العبد المنهيات خشيةً وحياءً من الله، ويُقبل على الطاعات طمعًا ورغبةً في مرضاته، مخلصًا في ذلك لله تعالى وحده، من غير أن يتلبَّس به أي مقصد آخر، ولا أن يراوده أي حظ من حظوظ النفس؛ مما قد يبرز في العلن والجلوة. "وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين"[8].

 

وخلاف ذلك- أي: اقتراف الذنوب في الخلوات، وإظهار صالح الأعمال، مما يمكن إخفاؤه وستره- فيُخشى أن يكون رياءً وخسرانًا، جاء في بعض الآثار: "أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك: ما بالكم تستترون الذنوب من خلقي وتُظهرونها لي؟! إن كنتم ترون أني لا أراكم، فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم؛ فلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!"[9]. وقيل: "الخاسر مَن أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد"[10].

 

رابعًا: الصيام، والتربية على المراقبة والتقوى:

إن الصيام يُقوِّي في قلب العبد المسلم الشعور بمراقبة الله عز وجل، ويُثمر فيه التقوى والخشية والحياء منه سبحانه؛ لأن الصيام عبادة خفية لا يطَّلِع عليها إلا ربُّ الناس، والمسلم الصائم يمتنع عن سائر شهواته؛ وهو في خلوته حيث لا يراه ولا يطَّلِع على حاله أحدٌ من البشر، فما الذي يجعله يصبر على منع نفسه وحرمانها مما تهوى وتشتهي؟! لا شيء سوى تقوى الله تعالى، واستشعار مراقبته.

 

ومن ثَمَّ فإن الصيام هو أقرب العبادات إلى تحقيق كمال الإخلاص لله تعالى؛ ولذلك خصه جل وعلا بأجر عظيم لا يعلم حقيقته وقدره إلا هو، ففي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: "كل عملِ ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جُنة، فإذا كان يومُ صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحدٌ أو قاتله، فليقل: إني صائم- مرتين- والذي نفسُ محمدٍ بيده لخلوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرِح بفطره، وإذا لقي ربه فرِح بصومه"[11].

 

خامسًا: ضعف مراقبة الله وتقواه في القلوب، سبب فساد الفرد والمجتمع:

إذا انعدم أو ضعف الشعور بمراقبة الله في قلوب العباد؛ هجرتها التقوى، وفارقتها الخشية، وغادرها الحياء؛ فأظلمت وأقفرت، وسهل على الشيطان اللعين اقتحامها واحتلالها، فوسوس فيها بكل شر، وحبَّب إليها كل منكر، وزين لها كل قبيح، وصدها عن كل خير، وأبعدها عن كل معروف، وكرَه إليها كل حسن وجميل.

 

ومن ثَمَّ كان خلو القلوب من مراقبة الله تعالى أصل كل فساد وإفساد، وأصل كل شر وظلم وعدوان على الأنفس والأعراض والأموال؛ مما يجعل الخوف والتوجس والريبة، تحل محل الأمن والثقة والطمأنينة.

 

ومن آثار ذلك في مجتمعاتنا الانتشار الواسع لأجهزة و(كاميرات) المراقبة التي تُرى في كل مكان؛ على الدور والبيوت، وفي الشوارع والطرقات، وفي الأسواق والمحال التجارية، وفي المدارس والمؤسسات العامة؛ بل وفي المساجد أيضًا.

 

وقد وُجد من الناس من لا يزجره عن الغش والسرقة والعدوان، والإفساد في الأرض، إلا الخوف من كاميرات المراقبة أن ترصد أقوالهم وأفعالهم، وتسجل عليهم ما يفضحهم ويدينهم أمام القضاء، وهكذا تم استبدال مراقبة الناس بعضهم بعضًا بمراقبة الله تعالى وتقواه.

 

سادسًا: مراقبة الله وتقواه أساس صلاح الفرد والمجتمع:

فإن من يستحضر مراقبة الله عز وجل ويتقيه في علانيته وسره؛ يكن سديد القول والفعل والحال، باذلًا للخير، ممسكًا عن الشر، وبأمثاله من المؤمنين المتقين يستقيم أمر المجتمع، ويظهر صلاحه، ويغلب خيرُه، ويعلو شأنه.

 

ولذلك حث الله تعالى ورسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم على التقوى واستحضار مراقبة الله سبحانه، قال تعالى: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18]، وقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [المائدة: 96]، ويُذكَر العباد بأنه سبحانه رقيب عليهم، يعلم سِرَّهم وأخفى، ولا تخفى عنه خافية فيقول: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ﴾ [الأحزاب: 52]، ويقول: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ [العلق: 14]، ويقول: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، ويقول: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ [البقرة: 235]، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة»[12]، وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس الأمر كله»[13].

 

وقد أدرك السلف الصالح رضي الله عنهم أهمية التقوى؛ فكانوا يتواصون بها، ويُذكر بها بعضهم بعضًا، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى ابنه عبدالله: "أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل؛ فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، فاجعل التقوى نصب عينيك وجلاء قلبك"[14]، وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب إلى رجل: "أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين"[15]، وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوصنا، فقال: أوصيكم بخاتمة سورة النحل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128][16].


لأجل ذلك، فإن شهر رمضان يُعَد مدرسة تربوية، من مقاصدها، تأهيل المنتسبين إليها إيمانيًّا وتربويًّا وأخلاقيًّا وسلوكيًّا، وإصلاح بواطنهم وظواهرهم؛ من خلال تربيتهم على مراقبة الله وتقواه؛ تحقيقًا لقول الرب سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].

 

المقصد الثاني: التزكية:

أولًا: مفهوم التزكية:

يدور مفهوم التزكية حول معنيين رئيسين؛ هما: التخلية والتحلية.


أما التخلية: فتتضمن معنى الطهارة والصلاح؛ أي: تطهير النفس من الآفات والنقائص، وإصلاح فسادها.

 

وأما التحلية: فتتضمَّن معنى النماء والزيادة؛ أي: تحلية النفس بالفضائل والكمالات، وتنمية خيرها، وزيادة إيمانها.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن التزكي هو التطهُّر، والتبرُّك بترك السيئات، الموجب زكاة النفس، كما قال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]؛ ولهذا تفسر الزكاة تارة بالنماء والزيادة، وتارة بالنظافة والإماطة، والتحقيق أن الزكاة تجمع بين الأمرين: إزالة الشر، وزيادة الخير، وهذا هو العمل الصالح وهو الإحسان، وذلك لا ينفع إلا بالإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له الذي هو أصل الإيمان، وهو قوله: ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [الأعلى: 15]"[17]، وقال: "والتزكية وإن كان أصلها النماء والبركة؛ فإنما تحصل بإزالة الشر؛ فلهذا صار التزكي يجمع هذا وهذا"[18].

 

فالحاصل: إن التزكية هي تخلية وتحلية، وتطهير وتقويم، وإصلاح وتنمية.

 

ثانيًا: التزكية عملية شاملة:

فهي تشمل الباطن والظاهر؛ أي: تشمل القلب واللسان وسائر الجوارح.

 

فأما تزكية القلب: فتعني: تطهيره من الآفات؛ كالنفاق والرياء، والكبر والحسد، وغيرها، وتحليته بالخير؛ كالإيمان والتوحيد، والإخلاص والتقوى، وحب الخير للناس، وسائر القيم الحميدة.

 

وأما تزكية اللسان: فبتطهيره من كل منكر من القول؛ كالكذب والغيبة والنميمة، والفحش والبذاءة وغيرها، ثم تربيته وتعويده على سديد القول، وطيب الكلام.

 

وأما تزكية الجوارح: فبإمساكها عن الحرام، وإلزامها حدود الله تعالى، وتزيينها بالأخلاق الحميدة.

 

عمومًا؛ فإن النفس قد خُلقت مهيأة للخير والشر، وللسير في طريق الفجور وطريق التقوى؛ فلا بد من معاهدتها بالتزكية، وحملها على السير في طريق الاستقامة، وطريق الفلاح، أما إهمالها وترك تزكيتها؛ فمآل ذلك الخيبة والخسران، قال الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [الأعلى: 14]، وقال: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 7 - 10].

 

ثالثًا: الصوم والتزكية:

إن الصوم لمن أعظم وسائل تزكية النفس؛ فهو يضبطها ويقومها، ويضعف فيها مادة الشر ويُطهِّرها منه، وفي الوقت نفسه يقوي فيها مادة الخير وينميها، ويعيد برمجتها، وتوجيهها نحو الوجهة الصحيحة.

 

لذلك يوصي به النبي صلى الله عليه وسلم في ضبط شهوات النفس، ومنها الشهوة الجنسية خاصة، فيقول صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج؛ فإنَّه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء»[19]، ويقول: «الصوم جُنَّة»[20]؛ أي: درعٌ واقية من الإثم في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وفي حديث آخر: «الصيام جُنَّة من النار كجنَّة أحدكم من القتال»[21]، وفي حديث آخر: «الصيام جنَّة، وهو حصن من حصون المؤمن»[22].


فالصوم علاج للنفس من أمراضها، وتهذيب لرغباتها، ومحرك لها نحو ما به صلاحها ورُقيها، فيرقى صاحبها عبر مدارج الإيمان والإحسان إلى أسمى المنازل، يقول ابن القيِّم: "وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحَّتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات"[23].


خاتمة:

إذا أردنا أن نقيس مدى صحة وكمال صيامنا، ومدى موافقته لحقيقته الشرعية المطلوبة؛ فلننظر هل أثمر مقاصده التي أناطها به ربنا الحكيم سبحانه، وأعلنها في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن أهم تلكم المقاصد: إثمار وتنمية المراقبة والتقوى في القلوب والنفوس، ومن ثم ظهور أثرهما في حركة الجوارح والأبدان، وفي الأقوال والأفعال والأحوال، وفي معاملة العبد لربِّه ولنفسه ولغيره من الخلق.


وما لم يثمر صيام العبد هذه المقاصد؛ دلَّ ذلك على خلل ونقص فيه، وعلى كونه غير مستوفٍ للمطالب الشرعية التي تؤهله لمطابقة وموافقة حقيقة الصيام، وأنه بذلك لا يعدو كونه مجرد امتناع عن الأكل والشراب، ومكابدةٍ للجوع والعطش بلا طائل.

 

وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر، وحثَّ على مراعاة وملاحظة مدى تحقق آثار الصيام المقصودة شرعًا في القول والفعل والحال، فقال عليه الصلاة والسلام: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظُّه من قيامه السهر»[24]، وقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه»[25]، وقال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جُنَّة؛ فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين...»[26].

 

وما ذُكر بخصوص شعيرة الصيام، ينطبق على غيرها من الشعائر التعبدية، فإنها ما لم تُثمر مقاصدها الشرعية، وما لم تثمر ثمارها المرجوة في أقوالنا وأفعالنا، وأحوالنا، وأخلاقنا ومعاملاتنا، وما لم تظهر آثارها الطيبة في حياتنا؛ دلَّ ذلك على خلل، أو على نقص وضعف فيها، وجب تداركه وتقويمه.

 

وأذكر في الاستشهاد لهذا المعنى، حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، إن فلانة تصلي الليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة، قال: «لا خير فيها، هي في النار»، وقيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدَّق بالأثوار، وليس لها شيءٌ غيره، ولا تؤذي أحدًا، قال: «هي في الجنة»، ولفظ الإمام أحمد: «ولا تؤذي بلسانها جيرانها»[27].

 

الأثوار: اللبن الجامد المستحجر.

والحاصل: إننا مطالبون بتفقُّد مقاصد وثمرات أعمالنا التعبدية- ومنها: مقاصد الصيام- ورصد مدى تحققها في حياتنا، ولنجعل ذلك مقياسًا نقيس به مدى نقصانها وكمالها، ومدى بعدها وقربها من حقيقتها الشرعية، فنبادر لتدارك النقص، ونسدد ونقارب، والله المستعان.

 

وصلِّ اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



[1] الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده، ص: 35. دار الهادي. بيروت ـ لبنان. ط1 (1424هـ/ 2003م).

[2] إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، تح: عبدالرحمن فهمي الزواوي، ج 2، ص: 69، دار الغد الجديد، القاهرة، المنصورة، ط1 (1430هـ/2009م).

[3] زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، ج2، ص: 28، مؤسسة الرسالة (1418هـ/1998م).

[4] جامع العلوم والحكم. ابن رجب الحنبلي. ص: 195. تح: محمود النادي. دار ابن الهيثم، القاهرة، بدون تاريخ.

[5] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين. ابن قيم الجوزية. ج1، ص: 451. صححه وخرج أحاديثه: محمد عبدالله. دار التقوى ـ شبر الخيمة. بدون تاريخ.

[6] سنن الترمذي، رقم الحديث:1987.

[7] جامع العلوم والحكم، ص: 199.

[8] جامع العلوم، ص: 201.

[9] جامع العلوم، ص: 200.

[10] جامع العلوم، ص: 201.

[11] صحيح مسلم، رقم الحديث: 1151/163، وهذا الحديث بعضه نبوي وبعضه قدسي.

[12] صحيح الجامع، رقم الحديث: 2549.

[13] أخرجه ابن حبان في صحيحه، رقم الحديث: 361.

[14] جامع العلوم والحكم، ص: 198.

[15] المرجع السابق.

[16] المرجع السابق.

[17] مجموع فتاوى ابن تيمية، ج: 16، ص: 198.

[18] نفسه، ج:10، ص:97.

[19] صحيح مسلم، رقم الحديث: 1400/1.

[20] صحيح مسلم، رقم الحديث: 1151/162.

[21] سنن ابن ماجه، رقم الحديث: 1639.

[22] حسَّنه الألباني في صحيح الجامع، رقم الحديث:3881.

[23] زاد المعاد في هدي خير العباد،ج2، ص: 28.

[24] قال فيه الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب، رقم الحديث: 1084.

[25] صحيح البخاري، رقم الحديث: 1903.

[26] متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، رقم الحديث: 706.

[27] صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم الحديث: 2560، ويُنظر: جامع العلوم والحكم، ص: 167.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مقصد الإصلاح في التوبة إلى الله
  • فتنة المقارنات والمنهج النبوي لدرئها
  • مقام الاحترام ومقوماته
  • واجب أمة الإسلام نحو نبيها محمد عليه الصلاة والسلام

مختارات من الشبكة

  • شرح كتاب فضل الإسلام - باب فضل الإسلام: باب وجوب الدخول في الإسلام (مترجما للغة الإندونيسية)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • مقاصد الصيام (2) مقاصد التربية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المجالس العلمية ح8: شروط وجوب الصيام الشرط الأول الإسلام(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • الصيام عند الأمم السابقة قبل الإسلام(مقالة - ملفات خاصة)
  • مكانة الصيام في الإسلام(مقالة - ملفات خاصة)
  • الحكمة من صيام شهر رمضان المبارك(مقالة - ملفات خاصة)
  • الصيام الخفي(مقالة - ملفات خاصة)
  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (1) بين يدي السورة: فضائل وأنوار - مقاصد وأسرار (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحفاظ على البيئة من مقاصد الشريعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مقاصد الصلاة الاستراحة من أنكاد الدنيا(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تعرف على مسجد فخر المسلمين في شالي أكبر مسجد في أوروبا
  • مسلمو تايلر يفتحون أبواب مسجدهم لتعريف الناس بالإسلام في رمضان
  • مبادرة رمضانية لمسلمين تقدم علاجا وغذاء مجانيا في سان خوسيه
  • انطلاق مسابقة تعليم وإتقان الأذان للفتيان في تتارستان
  • بعد 30 عاما دون ترميم مسجد أرسك المركزي يعود بحلة حديثة في رمضان
  • انطلاق الأعمال التمهيدية لبناء مركز إسلامي رئيسي في كاستيلون
  • مسجد العتيق: معلم إسلامي تاريخي في البوسنة يستعيد دوره الديني
  • معرض "القلم" للكتاب في رمضان يفتح أبوابه للعام الحادي عشر بإصدارات متنوعة

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/9/1447هـ - الساعة: 0:36
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب