• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / فقه الصيام وأحكامه
علامة باركود

القدرة الحدية اليومية في الصيام: دراسة لغوية ودلالية لقول الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية}

القدرة الحدية اليومية في الصيام: دراسة لغوية ودلالية لقول الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية}
بهيجة راكع

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 9/3/2026 ميلادي - 20/9/1447 هجري

الزيارات: 125

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

القدرة الحدّية اليومية في الصيام: دراسة لغوية ودلالية

لقول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ [البقرة: 184]


فهرس البحث

1- المقدمة.

2- إشكال البحث.

3- الدراسة اللغوية والشرعية للفظ ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾.

3.1 الدلالة اللغوية في المعاجم العربية.

3.2 أقوال المفسرين.

4- الشعر في العصر الجاهلي ودلالة الفعل "أطاق/ يطيق".

5- الاستطاعة والقدرة كنتيجة والإطاقة كفعل.

5.1 توضيح الفرق بين الاستطاعة العامة والإطاقة الواقعية.

5.2 تحديد مفهوم "القدرة الحدّية" اصطلاحًا وتحليليًّا.

6- أدلة قرآنية على الاستطاعة والقدرة، والحكمة من اختيار "يطيقونه".

6.1. آيات قرآنية للفعل "استطاع/ لا يستطيع".

6.2. آيات قرآنية للفعل "يقدر/ لا يقدر".

7- أمثلة تطبيقية والفرق بين "الذين يطيقونه" و"الذين لا يطيقونه".

8- التركيب "الذين + يطيقونه" ودلالته.

9- تسميات القرآن للمكلفين بالصيام بحسب عذرهم.

10- التهلكة والعجز والإعفاء عن التكليف في الصيام.

11- معيار التمييز بين الصيام والخير في ضوء القدرة الحدية.

12- القدرة شرط للتكليف في الفكر الأصولي المعاصر وعلاقته بدلالة "يُطِيقُونَهُ".

13- مسألة النسخ وأثرها في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾.

13.1. القول بالنسخ.

13.2. القول بعدم النسخ (التخصيص أو البيان).

13.3. الترجيح المنهجي.

14- الخلاصة.

15- الهوامش/ المراجع.

 

 

الملخص:

يتناول هذا البحث تحليل الفعل القرآني ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184] من منظور لغوي ودلالي وبلاغي، مع التركيز على القدرة اليومية الحدّية للمكلَّف. ويهدف البحث إلى بيان أن اللفظ لا يدل على القدرة المطلقة أو الإمكان النظري، بل يشير إلى قدرة حدّية واقعية يومية مصحوبة بمشقة ظاهرة، تقف عند أطراف الوسع البشري لكل يوم من أيام الصيام. ويستند البحث إلى المعاجم العربية، وأقوال المفسرين، والاستعمال الشعري الجاهلي، والتحليل الصرفي، ومباحث أصول الفقه في القدرة والتكليف، ليخلص إلى أن التعبير القرآني يعكس دقة تشريعية توازن بين الإلزام والرحمة، وتحدد مناط الحكم في ضوء القدرة الواقعية اليومية للمكلَّف، مع توفير رخصة الفدية لمن يواجه مشقة حقيقية.

 

الكلمات المفتاحية:

يطيقونه؛ القدرة الحدّية اليومية؛ الطاقة في القرآن؛ فدية الصيام؛ آية الصيام؛ سورة البقرة 184؛ الدلالة اللغوية؛ أصول الفقه؛ المشقة في التكليف؛ النسخ في القرآن.

 

Abstract:

This study examines the Qur’anic verb yutiqūnahu in Surah al-Baqarah 2:184, analyzing its linguistic, semantic, and rhetorical aspects, with emphasis on the daily limitative capacity of the individual. The term indicates not general or theoretical ability, but the realistic daily ability to fast under effort and hardship, approaching the limits of human endurance each day. Classical Arabic lexicons, Qur’anic usage, pre-Islamic poetry, and principles of Islamic legal accountability demonstrate that yutiqūnahu denotes a state of realistic endurance for each fasting day. This understanding clarifies the application of fidya (compensation) for those facing genuine difficulty, highlighting the precision of Qur’anic legislative language and the balance between obligation and mercy.


Keywords:

Yutiqūnahu; Daily Limitative Capacity; Fasting in the Qur’an; Fidya; Surah al-Baqarah 2:184; Semantic Analysis; Islamic Legal Accountability; Hardship in Obligation.

 

1- المقدمة:

تشكل آيات الصيام في القرآن الكريم نموذجًا دقيقًا للتشريع الإلهي الذي يوازن بين الإلزام والتيسير وفق اختلاف قدرات المكلفين. ومن أبرز هذه الآيات قوله تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184].

 

يثير الفعل «يطيقونه» اهتمامًا لغويًّا وأصوليًّا مهمًّا، نظرًا لما يخص مسؤولية المكلف ونطاق تطبيق الرخصة الشرعية في الفدية.

 

يهدف هذا البحث إلى دراسة الفعل "يطيقونه" من زوايا لغوية، دلالية، بلاغية، شعرية وأصولية، بغرض توضيح دقة التشريع القرآني في تحديد مسؤولية المكلف وتحقيق التوازن بين الإلزام والتيسير، مع إبراز الأسس اللغوية والأصولية التي يقوم عليها هذا النوع من الأحكام.

 

2- إشكال البحث:

تتمحور الإشكالية حول تحديد دلالة لفظ ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾، ويمكن تفصيلها في النقاط التالية:

•هل يدل الفعل على القدرة العامة لكل قادر على الصيام، بحيث يكون لكل قادر التخيير بين الصيام والفدية؟

 

• أم أن دلالته مرتبطة بنطاق القدرة الواقعية للمكلف أثناء الصيام، دون تحديد نوعها أو حدّها؟

 

• كيف يتوافق هذا المعنى مع المبادئ الأصولية المتعلقة بالتكليف والقدرة؟

 

• وما مدى ارتباط فهم الفعل بتطبيق الرخصة الشرعية للفدية لمن يواجه مشقة في الصيام؟

 

توضيح إجابات هذه التساؤلات سيمكن من فهم دلالة الفعل "يطيقونه" بدقة، ويبرز أهمية التحليل اللغوي والبلاغي والأصولي في تفسير التشريع الإسلامي.

 

3- الدراسة اللغوية والشرعية للفظ ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾:

أولًا: الدلالة اللغوية في المعاجم العربية

• في لسان العرب يدل على كل ما استدار أو أحاط بشيء، ومنه الأزياء والطواقي والأرض المستديرة، ويشير إلى الإحاطة ومنه أيضًا الإطاقة بمعنى القدرة على تحمل الشيء أو القيام به ضمن حدود القوة الواقعية للفرد[1].

 

• الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز: والإِطاقة: القدرة على الشيء، طاقه، طَوْقًا وأَطاقَه وأَطاق عليه. والاسم الطاقة. وذلك تشبيه بالطَّوْق المحيط بالشيء. وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ [البقرة: 286]؛ أَي: ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه: لا تحمِّلنا ما لا قدرة لنا به، وذلك لأَنَّه تعالى قد يحمِّل الإِنسان ما يصعب عليه[2].

 

• الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن: يرى أن الطاقة تعبر عن مقدار ما يمكن للإنسان فعله مع المشقة، وليست مجرد إمكان نظري[3].

 

• مقاييس اللغة عن ابن فارس، مادة أصل (طوق) يدل على الاستدارة والإحاطة، فكل ما دار بشيء وأحاط به فهو طوق. ومنه الطاق في البناء والطيلسان؛ لأنه يدور على لابسه، وقولهم: أطاق الأمر، وهو في طوقه، وطوَّقته الشيء (كلَّفته به) راجع إلى هذا الأصل؛ إذ من أطاق الشيء كأنه أحاط به وتمكَّن منه[4].

 

ثانيًا: أقوال المفسرين في مدلول ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾:

تناول المفسرون قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184] ببيان مدلول «يطيقونه»، واختلفوا في تحديد سعة هذا اللفظ: هل هو مطلق القادر، أم القادر مع مشقة، أم العاجز عجزًا مستمرًّا؟

 

أولًا: تفسير «يطيقونه» بمطلق القادر (في المرحلة الأولى):

نقل الطبري في جامع البيان[5] أن الآية نزلت في ابتداء فرض الصيام، وأن المراد بـ«الذين يطيقونه» من يقدرون على الصيام، فقال:

«كان ذلك رخصةً للناس في ابتداء فرض الصيام أن يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكينًا، وهم يطيقون الصوم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]».

 

يفهم من عبارته أن «يطيقونه» عنده تشمل مطلق من يقدر على الصوم، لا خصوص من يعاني مشقة استثنائية؛ ولهذا قرر أن الحكم كان تخييرًا عامًّا في البداية.

 

وكذلك قال ابن كثير[6]:

«كان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، ثم نسخ ذلك... فتعين الصيام على القادر».

 

فهو يفسر «يطيقونه» بالقادر مطلقًا في المرحلة الأولى، ثم يقرر تعيّن الصوم بعد ذلك.

 

غير أن هذا الفهم لم يُلغِ عندهم بقاء الحكم في حق من لا يستطيع الصوم حقيقةً، كالشيخ الكبير؛ مما يدل على إدراكهم لمرتبة أخرى من القدرة دون التمام.

 

ثانيًا: تفسير «يطيقونه» بالقدرة المصحوبة بمشقة:

ذهب فريق من المفسرين إلى أن «يطيقونه» لا تعني مطلق القادر؛ بل من يقدر على الصوم مع مشقة شديدة.

 

قال القرطبي[7]:

«وقيل: ليست بمنسوخة، وإنما هي في الشيخ الكبير والعجوز إذا كانا لا يطيقان الصوم».

 

وإن كان نصه يعبِّر بـ«لا يطيقان»، إلا أن السياق يدل على أن الإطاقة هنا بمعنى القدرة الشاقة التي قاربت العجز.

 

أما محمد الطاهر بن عاشور فقد حرر المعنى تحريرًا أدق، فقرر في التحرير والتنوير[8] أن:

«الأظهر أن المراد بالذين يطيقونه الذين يجدون في الصيام مشقة شديدة».

 

فهو يجعل الإطاقة مرتبة دون القدرة الميسورة، وأقرب إلى حدِّ المشقة البالغة.

 

ثالثًا: دلالة مجموع أقوالهم:

يتبين من مجموع كلام المفسرين أن لفظ «يطيقونه» دار عندهم بين معنيين:

القدرة العامة (عند من قال بالتخيير في ابتداء الفرض).

 

القدرة المصحوبة بمشقة شديدة (عند من خصصها بالشيخ الكبير ونحوه).

 

وهذا يكشف أن مدار الخلاف ليس على أصل وجوب الصوم، وإنما على سعة مدلول «الإطاقة»: هل هي مطلق القدرة، أم القدرة الواقعية التي تقارب حدود العجز؟

 

ومن هنا تتفرع مسألة النسخ؛ فإن حُملت الإطاقة على مطلق القادر، قيل بالنسخ، وإن حُملت على القدرة الشاقة، كانت الآية محكمة في فئة مخصوصة.


٤- الشعر في العصر الجاهلي ودلالة الفعل "أطاق/ يطيق":

في الشعر العربي الجاهلي، يظهر الفعل «أَطَاقَ/ يَطِيقُ» للدلالة على القدرة الواقعية المصحوبة بالمشقة والتحمل، وليس مجرد الإمكان النظري أو القدرة العامة. فقد استُخدم الفعل لتصوير قدرة الإنسان على الصبر أو أداء فعل يتطلب مجهودًا بالغًا، سواء في الحب أو القتال أو التعبير عن الذات. ومن أبرز الأمثلة الشعرية لذلك بيت عُروة بن الورد العبسي:

فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسي وَمالي
وَمَا آلُوكَ إِلَّا مَا أُطِيقُ

هنا يشير الفعل أُطِيقُ إلى ما يمكن للشاعر تحمله فعليًّا من التضحية؛ أي: أقصى ما يستطيع تحمله دون تجاوز حدود قدرته الواقعية. وهذا يظهر بوضوح عنصر المشقة الواقعية التي تكاد تصل إلى حد العجز وللمقارنة، لو استُخدم بدلًا من أُطِيقُ فعل مثل «أستطيع» أو «أقدر»، لانتقل المعنى إلى القدرة العامة أو الإمكان النظري، أي القدرة على الأداء من حيث الإمكان فقط، دون أن يشير إلى الجهد الفعلي أو حدود المشقة الواقعية. هذا يوضح أن اختيار "أُطِيق" في الشعر والقرآن دقيق جدًّا؛ لأنه يعكس التجربة الواقعية والمشقة الحدِّية، وليس مجرد الإمكان النظري.


كما يظهر الفعل في شعر المهلهل بن ربيعة حيث يقول:

كَاسِفَ اللَّوْنِ لا أُطِيقُ المزاحا


وهنا يدل أُطِيق على الحالة الواقعية للشاعر، التي تمنعه من المداعبة أو المزاح بسبب شدة المشقة أو الحالة النفسية، وهو مثال على الاستخدام الواقعي للفعل في التعبير عن التحمل والقدرة في الحياة اليومية.

 

٥- الاستطاعة والقدرة كنتيجة والإطاقة كفعل:

اولًا: توضيح الفرق بين الاستطاعة العامة والإطاقة الواقعية:

في اللغة العربية، تعبير "يستطيع الصيام" أو "يقدر على الصيام" يدل على تحقق أصل القدرة وبلوغ إمكان الفعل، من غير التعرض لدرجة الجهد المبذول أو مقدار المشقة المصاحبة، فهو توصيف لقدرة عامة من حيث الإمكان.

 

أما قولنا "يطيق الصيام"، فإنه يصوِّر حالة الأداء الواقعي للمكلَّف عند مباشرته الفعل؛ إذ يتحمل مشقة ظاهرة، ويستفرغ وسعه، ويقارب حدود طاقته القصوى، حتى لا يبقى بينه وبين العجز إلا قدر يسير.

 

فالإطاقة هنا ليست مجرد إمكان ذهني، بل قدرة عملية مستغرِقة للوسع، وتُدرك بالتجربة الفعلية للمكلَّف عند مباشرة الصيام.

 

ثانيًا: تحديد مفهوم "القدرة الحدِّية" اصطلاحًا وتحليليًّا:

يمكن وصف هذه المرتبة- من باب التقريب الاصطلاحي- بما يُسمَّى في هذا البحث القدرة الحدِّية، وهي القدرة الواقعية التي يبلغ فيها المكلَّف أقصى ما يحتمله من جهد وتحمل دون أن يقع في عجزٍ محققٍ أو ضرر غالب الظن. تقع القدرة الحدِّية بين القدرة الميسورة وبين العجز التام. وتمثل القدرة الحدِّية حالة اقتراب من الحد الفاصل بين الأداء الممكن والانقطاع، بحيث يبذل المكلف كل وسعه، وتكاد المشقة تصل إلى العجز، لكنها لا تتجاوزه.

 

وبناء على هذا الفهم، فإن الفعل القرآني ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾ في قوله تعالى:

﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184] يعكس دقة التشريع في تحديد فئة مخصوصة من المكلفين: الذين يباشرون الصيام مع مشقة بالغة تبلغ حدَّ استفراغ الوسع، وليس مجرد من يقدرون عليه من حيث الإمكان النظري.

 

٦- أدلة قرآنية على الاستطاعة والقدرة، والحكمة من اختيار "يطيقونه".

اولًا: آيات قرآنية للفعل "استطاع/ لا يستطيع" (قدرة عامة أو نظرية).

﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ [النحل ٧٣].

 

﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 48].

 

﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ [الكهف: 101].

 

﴿ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ [الأنبياء: 40].

 

﴿ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ﴾ [الأنبياء: 43].

 

ثانيًا: آيات قرآنية للفعل "يقدر/ لا يقدر" (قدرة عامة أو نظرية):

﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264].

 

﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ... ﴾ [الحديد: 29].

 

يظهر من هذه الآيات أن "يستطيع/ يقدر" يدل على القدرة العامة أو الإمكان النظري، دون الإشارة لمقدار الجهد أو المشقة الفعلية.

 

٧- أمثلة تطبيقية والفرق بين "الذين يطيقونه" و"الذين لا يطيقونه":

• رجل يشعر كل مرة أثناء الصيام أنه يقترب من حد العجز، ويواجه تعبًا شديدًا وإرهاقًا واضحًا، ويجد الصيام مرهقًا ورغم ذلك يتمم الصيام، فهذا الرجل من الذين يطيقون الصيام.

 

• شيخ كبير في السن، كان قادرًا على الصيام في السنوات السابقة، لكنه مع تقدم العمر أصبح قريبًا من العجز، ويعاني تعبًا شديدًا ويستنفد كامل طاقته. ومع ذلك، يمكن القول إنه يطيق الصيام، وإن أصبحت قدرته الحدية قريبة جدًّا من العجز.

 

• أما المريض المزمن أو من يعاني حالات صحية حرجة، فعند محاولة الصيام قد يتعرض لوعكة صحية أو إغماء، وينصحه الطبيب بعدم الصيام حفاظًا على صحته. ويُعد هذا الشخص من الذين لا يطيقون الصيام؛ أي: العاجزين عن تحمُّله.

 

٨- التركيب "الذين + يطيقونه" ودلالته:

إن عبارة "الذين يطيقونه" تستخدم اسم الموصول "الذين" مع فعل مضارع للدلالة على الاستمرارية. فهذه الفئة هي التي كانت تصوم في الماضي ببذل الجهد الأقصى المصحوب بالتعب والعناء، وما زالت هذه الصفة مستمرة في الحاضر. فالله سبحانه وتعالى رخَّص لهم الفدية، ولكن بشرط أن يظلوا يطيقون؛ أي أن يجددوا نية الصيام ويبذلوا جهدهم الأقصى في كل يوم صيام. فإذا تركوا الصيام مسبقًا دون محاولة، واختاروا الفدية دون الاستمرار في الإطاقة، فإنهم لم يعودوا من الذين يطيقون؛ لأن الوصف قائم على بذل الجهد المستمر في الصيام؛ ومن ثم، الفدية لا تكون إلا مع وجود هذه الإطاقة؛ لأن من وصفوا بـ"الذين يطيقون" هم الذين يواصلون، ولا تسقط عنهم الصفة إلا إذا تخلوا عن الجهد.

 

ويؤكد ذلك ما ذكره أهل البلاغة والتفسير:

قال الزمخشري في الكشاف: «وإيثار الفعل المضارع للدلالة على التجدُّد والاستمرار».

 

وقال السكاكي في مفتاح العلوم: «ومن خواص المضارع إفادة التجدد واستمرار الفعل».

 

وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير: «والمضارع يدل على التجدُّد شيئًا فشيئًا، وإذا وقع في سياق الصفات أفاد استمرارها وتكرُّرها».

 

وتدعم هذه القاعدة شواهد قرآنية أخرى مثل:

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3].

 

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ [آل عمران: 134].

 

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا ﴾ [آل عمران: 191].

 

حيث يظهر أن التركيب "الذين + مضارع" يفيد الاستمرار والتكرار، فلا يكون المقصود الفعل مرة واحدة.

 

9- تسميات القرآن للمكلفين بالصيام بحسب عذرهم:

العذر الشرعي في الصيام قد يكون خارجيًّا أو داخليًّا، وقد جاء التعبير القرآني دقيقًا في تسمية كل فئة بحسب طبيعة عذرها. فالمريض والمسافر يمثِّلان العذر الخارجي الظاهر؛ ولذلك سمَّاهما القرآن بوصفٍ مباشر يدل على حالتهما: ﴿ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ [البقرة: 184]، فجاءت التسمية معبِّرة عن السبب الخارجي المانع.

 

أما في حالة العذر المرتبط بالقدرة، فلم يأتِ التعبير باسم، بل بصيغة فعلية: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ [البقرة: 184]، فجاء الوصف بالفعل المضارع الدال على حالة متجددة، لا على وصف ثابت. وهذا التحول من الاسم إلى الفعل يكشف عن اختلاف طبيعة العذر؛ إذ الأول ظرفٌ خارجيٌّ ظاهرٌ، والثاني حالة قدرة تتعلق بالممارسة الفعلية للصيام.

 

١٠- التهلكة والعجز والإعفاء عن التكليف في الصيام:

الفئة العاجزة عن الصيام هم أولئك الذين لا يطيقون تحمله، وفرض الصيام عليهم قد يعرِّضهم للتهلكة؛ أي: لدفع النفس نحو خطر يتجاوز طاقتها ويؤدي إلى ضرر محتمل أو هلاك. ومن هذا المنطلق جاء قول الله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]، ليؤكد أن التكليف الشرعي لا يمتد إلى من تجاوزت طاقتهم حفاظًا على حياتهم وصحتهم، ويعزز هذا المعنى قوله: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195]، محذرًا من الانخراط فيما يفوق القدرة ويعرض المكلف للخطر.

 

أما الفئة المطيقة، فهم القادرون على الصيام مع مشقة محسوسة، دون أن تصل بهم الأمور إلى الهلكة، وقد بين الله تعالى خير الصيام لهم بقوله: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184]، مؤكدًا فائدته وصلاحيته لهم. ويبرز هذا التمييز الدقيق الذي وضعه التشريع القرآني بين الفئتين، موازنًا بين التكليف وواقعية القدرة الفردية، وضامنًا حماية المكلفين من الضرر، ومظهرًا حكمة التشريع في مراعاة حدود الوسع والرحمة.

 

11- معيار التفريق بين الرخصة والأصل في صيام ذوي القدرة الحدِّية:

يتجلَّى معيار التمييز بين الصيام والخير في ضوء القدرة الحدِّية في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ ثم قوله: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [البقرة: 184]، حيث قرر النص رخصة الفدية لمن كان في مشقة شديدة دون أن يبلغ حدَّ الهلاك، مع إبقاء الصيام في مرتبة الخير الأكمل والأصل المقصود بالتكليف. فـ «الذين يطيقونه» ليسوا من عجزوا عجزًا تامًّا، ولا من تحقَّق في حقهم الضرر، وإنما من كانوا على حافة العسر وقريبين من العجز مع بقاء القدرة، وهنا يتدخل التقدير اليومي للوسع امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]. فإن غلب على ظن المكلف أنه لن يهلك، وأنه داخل في دائرة الاحتمال، فالصيام في حقه خير وأزكى، وإن خشي ضررًا محققًا أو أمارات هلاك، كان الأخذ بالرخصة هو الخير في حقه. ويؤكد هذا التوازن ما ورد في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به»؛ (رواه صحيح البخاري وصحيح مسلم)؛ مما يدل على خصوصية الصيام وعلو منزلته.

 

ويظهر في الآية أسلوب الالتفات البلاغي؛ إذ انتقل السياق من الغيبة في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ إلى الخطاب المباشر في قوله: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾. وقد عرَّف الخطيب القزويني الالتفات بأنه: "التعبير عن معنى أحد طرق التكلم أو الخطاب أو الغيبة بعد التعبير عنه بغيره"، وهو من أساليب التلوين البياني التي تُنشِّط ذهن السامع.

 

وقد أشار الإمام الزمخشري في الكشاف إلى أن الانتقال بين الأساليب "أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظًا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد"؛ (الكشاف، 1/ 12). وعليه، فإن الانتقال هنا من بيان حكم الغائبين إلى مخاطبة المكلف مباشرة يفيد تحريك الضمير وتحميله مسؤولية الاختيار داخل دائرة الوسع، بعد أن فُتح له باب الرخصة، ويعكس تشجيعًا للصيام على أساس أن الصوم هو الخير والأصل.

 

أما قوله تعالى: ﴿ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ فقد جاء بلفظ المفرد، وقد بيَّن جمهور المفسرين أن المقصود به إطعام مسكين عن كل يوم، لا الاكتفاء بمسكين واحد عن الشهر كله. قال الإمام الطبري: "يعني بذلك إطعام مسكين عن كل يوم أفطره"؛ (تفسير الطبري، تفسير آية 184 من سورة البقرة).

 

وذكر القرطبي أن التعبير بالمفرد من باب توزيع الحكم على الأيام؛ إذ لكل يوم فديته، فناسبه ذكر المفرد؛ لأن الحكم يتكرر بتكرر الأيام (الجامع لأحكام القرآن، تفسير الآية).

 

وعليه فالمفرد هنا ليس لإرادة الوحدة المطلقة، بل لبيان جنس المستحق، ويتجدد الحكم بتجدد سبب الفطر؛ مما ينسجم مع فكرة التقدير اليومي للوسع دون إلزام بجزم خارج دلالة النص.

 

12- القدرة شرط للتكليف في الفكر الأصولي المعاصر وعلاقته بدلالة "يُطِيقُونَهُ":

قرر عدد من الأصوليين المعاصرين أن القدرة شرطٌ في صحة التكليف ابتداءً واستمرارًا، وأنها قدرة واقعية فعلية، لا مجرد إمكان عقلي نظري. فقد نصَّ وهبة الزحيلي في أصول الفقه الإسلامي على أن التكليف مشروط بالقدرة الفعلية التي يتمكن بها المكلف من أداء الفعل من غير حرجٍ بالغٍ. كما قرر مصطفى الزرقا في المدخل الفقهي العام أن القدرة المعتبرة شرعًا هي القدرة الواقعية بحسب حال المكلف وظروفه، لا الإمكان الذهني المجرد. وأكد عبدالكريم زيدان في الوجيز في أصول الفقه أن انتفاء القدرة يقتضي انتفاء التكليف لانتفاء شرطه. وبيَّن محمد أبو زهرة أن القدرة هي مناط توجُّه الأمر الشرعي، وأن العجز يسقطه. كما أوضح محمد الطاهر بن عاشور في مقاصد الشريعة الإسلامية أن رفع الحرج مقصدٌ أصيل من مقاصد التشريع؛ مما يدل على أن التكليف مرتبط بحدود الوسع البشري.

 

وتؤكد هذه المعالجات الأصولية المعاصرة أن مفهوم ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾ في الآية الكريمة لا يدل على مجرد الإمكان النظري للصيام، بل على قدرة واقعية حدِّية تُقارب حدود الوسع وتلابس المشقة، وهو ما ينسجم مع القاعدة الأصولية المقررة: «لا تكليف إلا بما يُطاق».

 

13- مسألة النسخ وأثرها في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾:

تُعدُّ آية ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184] من المواضع التي وقع فيها خلاف بين المفسرين في دعوى النسخ، خاصة بعد نزول قوله تعالى في الآية التالية: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185].

 

أولًا: القول بالنسخ:

ذهب فريق من السلف إلى أن هذه الآية كانت في ابتداء فرض الصيام، حيث خُيِّر القادر بين الصيام والفدية، ثم نُسخ هذا التخيير بوجوب الصيام على من شهد الشهر.

 

ومن أشهر من نقل هذا القول:

• الطبري في جامع البيان، حيث ذكر أن التخيير كان ثابتًا أول الأمر، ثم أُلزم الناس بالصيام إلا من كان مريضًا أو مسافرًا.

• ابن كثير في تفسير القرآن العظيم، حيث رجَّح أن الآية منسوخة بآية ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، إلا في حق الشيخ الكبير ومن لا يطيق الصوم.

 

ويفهم من هذا الاتجاه أن لفظ "يطيقونه" كان يشمل مطلق القادر، ثم رُفع حكم التخيير وبقيت الرخصة خاصة بالعاجز الدائم.

 

ثانيًا: القول بعدم النسخ (التخصيص أو البيان):

ذهب فريق آخر من العلماء إلى أن الآية ليست منسوخة، بل هي محكمة، وأن المقصود بـ"الذين يطيقونه" هم الذين يستطيعون الصيام بمشقة شديدة؛ كالكبير والمريض المزمن.

 

ومن أبرز من مال إلى هذا الفهم:

• القرطبي في الجامع لأحكام القرآن؛ حيث أشار إلى أن الآية باقية الحكم في حق الشيخ الكبير ومن في حكمه.

 

• محمد الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير؛ حيث قرر أن الآية ليست منسوخة، وإنما هي مخصِّصة لحال مخصوصة من القدرة المصحوبة بالمشقة.

 

• وابن عباس رضي الله عنه حيث قال: «ليست بمنسوخة، هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا»[9].

 

وعلى هذا الاتجاه، فالآية ليست منسوخة، وإنما هي بيان لمراتب المكلفين بحسب القدرة: فالقادر يجب عليه الصوم، ومن قدر عليه بمشقة حدِّية فله الفدية، وأما العاجز فيسقط عنه التكليف بالصوم، سواء قيل بالنسخ الجزئي أو بعدمه، فإن التحليل اللغوي للفعل "يطيقونه" يظل مؤثرًا في فهم الحكم، وذلك لسببين:

• حتى القائلون بالنسخ استثنوا الشيخ الكبير والعاجز، وهو ما يدل على بقاء دلالة القدرة الحدّية في التطبيق الفقهي.

 

• القول بعدم النسخ يقوِّي التحليل اللغوي الذي يفيد أن اللفظ يدل على قدرة واقعية مصحوبة بالمشقة، لا مجرد استطاعة عامة.

 

وعليه، فإن مسألة النسخ لا تُبطل البحث الدلالي، بل تزيده أهمية؛ لأن تحديد معنى "يطيقونه" هو الذي يحدد:

• هل الآية كانت تخييرًا عامًّا؟

• أم رخصة لفئة مخصوصة منذ البداية؟

 

ثالثًا: الترجيح المنهجي:

بالنظر إلى مقاصد الشريعة وقاعدة: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]، فإن حمل "يطيقونه" على القدرة الحدّية المصحوبة بالمشقة ينسجم مع:

• مقصود رفع الحرج.

 

• تدرج التشريع.

 

• التمييز بين القدرة النظرية والقدرة الواقعية.

 

وهو ما يجعل القول بعدم النسخ، أو باعتباره تخصيصًا لا رفعًا كليًّا للحكم، أقرب إلى الانسجام اللغوي والأصولي.

 

 

14- خلاصة:

يتضح من الدراسة أن الفعل القرآني ﴿ يُطِيقُونَهُ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ [البقرة: 184] لا يشير إلى القدرة المطلقة أو الإمكان النظري، بل يعبر عن قدرة حدّية واقعية؛ أي: قدرة يتجاوز فيها المكلف وسعه المعتاد، ويباشر الصيام مع بذل أقصى ما في وسعه، بحيث تقارب المشقة العجز، دون أن تصل إلى الهلكة أو الضرر الفعلي.

 

ويؤكد ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه، الذي أشار إلى أن الآية تحدد من يطيق الصيام بالفعل مع المشقة، لمن يجد صعوبة حقيقية في الصوم، دون أن يشمل من لا يطيق إطلاقًا؛ مما يدل على أن الإطاقة ليست مطلقة، بل مرتبطة بالقدرة الواقعية التي تكاد تصل إلى حدِّ العجز.

 

كما توصل البحث إلى أن استعمال لفظ «يطيقونه» في القرآن يعكس دقة التشريع في التمييز بين المكلفين وفق قدراتهم الواقعية، ويوازن بين الإلزام والتيسير:

من يستطيع الصيام مع مشقة محدودة إلى متوسطة يقع عليه التكليف مباشرة.

 

من يطيق الصيام مع مشقة بالغة تقارب العجز له الفدية، وهي رخصة شرعية تحقق الرحمة دون الإخلال بالتكليف.

 

من لا يطيق إطلاقًا يسقط عنه التكليف حفاظًا على النفس، بما يتفق مع قاعدة: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286].

 

وبذلك يجمع التعبير القرآني بين الدقة اللغوية، والبلاغة، والحكمة التشريعية، محددًا المكلفين بالصيام وفق القدرة الواقعية، مع مراعاة المشقة، محققًا توازنًا بين الرحمة والعدل في التشريع الإلهي.



[1] ابن منظور، لسان العرب، مادة "أطاق".

[2] الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة "أطاق".

[3] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، مادة "طاقة".

[4] مقاييس اللغة، مادة "طوق".

[5] الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، تفسير البقرة: 184.

[6] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير البقرة: 184.

[7] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تفسير البقرة: 184.

[8] الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، (2/ 166).

[9] أخرجه صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ [البقرة: 184].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • قراءة في كتاب: من أسرار الجمل الاستئنافية في القرآن الكريم، دراسة لغوية قرآنية
  • وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين (بطاقة)
  • تأثير جائحة كورونا في تطور الثروة اللفظية والدلالية في اللغة العربية: دراسة لغوية اجتماعية
  • حذف الياء وإثباتها في ضوء القراءات القرآنية: دراسة لغوية

مختارات من الشبكة

  • الأحاديث والآثار الواردة في ليلة القدر جمعا ودراسة، ويليه ملحق بيان قدر ليلة القدر (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • ليلة القدر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صفة القدرة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المجالس العلمية ح12: شروط وجوب الصيام الشرط الرابع القدرة(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • هل الدعاء يغير القدر؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قتل الرغبات(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • اللامساواة من منظور اقتصادي(مقالة - موقع د. زيد بن محمد الرماني)
  • استصحاب الحال ودوره في الدرس اللغوي: دراسة نظرية تحليلية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • السباق إلى ليلة القدر في رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • خطبة عن الرضا(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسلمو تايلر يفتحون أبواب مسجدهم لتعريف الناس بالإسلام في رمضان
  • مبادرة رمضانية لمسلمين تقدم علاجا وغذاء مجانيا في سان خوسيه
  • انطلاق مسابقة تعليم وإتقان الأذان للفتيان في تتارستان
  • بعد 30 عاما دون ترميم مسجد أرسك المركزي يعود بحلة حديثة في رمضان
  • انطلاق الأعمال التمهيدية لبناء مركز إسلامي رئيسي في كاستيلون
  • مسجد العتيق: معلم إسلامي تاريخي في البوسنة يستعيد دوره الديني
  • معرض "القلم" للكتاب في رمضان يفتح أبوابه للعام الحادي عشر بإصدارات متنوعة
  • مشروع إنساني يدمج المكفوفين في برامج تعليمية وتأهيلية خلال رمضان

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/9/1447هـ - الساعة: 14:0
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب