• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / خطب رمضان والصيام
علامة باركود

كيف نستقبل رمضان؟ (خطبة)

كيف نستقبل رمضان؟ (خطبة)
مطيع الظفاري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/2/2026 ميلادي - 28/8/1447 هجري

الزيارات: 268

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

كيف نستقبل رمضان؟

 

الحمد لله رب العالمين...

المقدمة:

عباد الله، ينقسم الناس في استقبال رمضان قسمين:

القسم الأول: استقبال أهل الدنيا.

 

والقسم الثاني: استقبال أهل الآخرة.

 

فأهل الدنيا يستقبلون رمضان بتجهيز الموائد الشهية، وشراء الأطعمة والأشربة المتنوعة، وشراء الأدوات المنزلية وغيرها من الأشياء المادية، والقنوات التلفزيونية كذلك قد جهزت نفسها لذلك، فقد جهزت الأفلام والمسلسلات والمسابقات الرمضانية؛ لإشغال وقت الصائمين، وكأنَّ رمضان عبارة عن سهر ومتابعة قنوات، ومشاهدة مسلسلات، ومشاركة مسابقات.. فهؤلاء هم أهل الدنيا في رمضان. فكل واحد منهم يريد أن يحقق ما يريد، ليشبع شهوتَه، ويُمتِّع جسدَه، فرمضان عندهم ما هو إلا عبارة عن متعة، أو زيادة متعة إلى متعتهم، فرمضان بالنسبة لهم عبارة عن أكل وشرب وسهر وتسوُّق في الليل، ونوم وراحة في النهار، وهذا القسم لا يخفى على الجميع، وما أكثرهم في هذا الزمان! فهؤلاء يتمنون أن يأتي رمضان ويذهب بسرعة؛ لأنه يقيِّد عليهم حريتهم، وينغِّص عليهم متعتهم، فيدخل رمضان ويخرج رمضان، ولم يغير على فلان بن فلان أية حال.

 

فهذا هو القسم الأول من الناس.

 

أما القسم الثاني من الناس في استقبال رمضان فهم أهل الآخرة. وما أدراكم ما أهل الآخرة!

 

فرمضان عندهم عبارة عن محطة تزود لعبور الآخرة، عبارة عن فرصة ثمينة للتقرُّب إلى الله، وموسم من مواسم الطاعات للوصول به إلى الدرجات العُلا في الجنة.

 

لذلك هذا النوع من الناس يفرحون بقدوم شهر الصيام، ويستبشرون بقدوم شهر القيام، ويسعدون بحلول شهر تلاوة القرآن.

 

وقد جمع اللهُ هذين القسمين من الناس في استقبال مواسم الخير، أو نزول الآيات والرحمات بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [التوبة: 124]، فهؤلاء هم القسم الثاني الذين يفرحون بنزول الآيات، ويستبشرون بذلك، فيزادون إيمانًا مع إيمانهم.

 

أما القسم الأول فقال اللهُ بعدها: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ (أي: شك، نفاق، شهوة، شبهة)، ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 125]، فهؤلاء أصحاب الشهوات والملذَّات، وأصحاب القلوب المريضة، يزدادون بنزول الآيات، أو في مواسم الخيرات رجسًا إلى رجسهم، وفسقًا إلى فسقهم، وبُعدًا إلى بعدهم، ونقاقًا فوق نفاقهم،... فإنه حين يدخل شهر رمضان ينادي منادٍ من السماء، يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، إلا هذا الصنف من الناس، فإنهم يزدادون تقصيرًا مع تقصيرهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نسأل الله ألَّا نكون منهم.

 

• أما أهل الآخرة يا عباد الله، إذا قرُب شهر الصيام يستبشرون به، ويفرحون بقدومه، فقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دخل شهرُ رمضان بشَّر أصحابَه بذلك، فيقول لهم كما جاء في الحديث: ((قد جاءكم شهرُ رمضان، شهرٌ مبارك، افترض اللهُ عليكم صيامَه، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغلُّ فيه الشياطين، فيه ليلةٌ خير من ألف شهر، من حُرم خيرُها فقد حُرم)).

 

فافرحوا يا عباد الله بقدوم شهر الصيام، شهر التراويح والقيام، شهر الذكر وقراءة القرآن، شهر الصدقة وصلة الأرحام.. فلقد كان السلف الصالح يستقبلون شهر رمضان بستة أشهر، ويودِّعونه ستة أشهر فحياتهم كلها رمضان.

 

عباد الله، كيف نستقبل شهرَ رمضان، أو ما هو الواجب علينا أن نفعله قبل حلول شهر الصيام والقيام، إليكم بعض هذه الأشياء:

أولًا: افرح يا عبد الله أن أبقاك اللهُ إلى هذا الموسم من مواسم الطاعات: فلا تضيع هذه الفرصة، ولا تفوتك هذه المحطة، فقد لا تُدركها مرةً أخرى، فقد يفوتك هذا الخير كما فاته من مات قبلَك، فكم من حبيبٍ لنا أو قريب أو صديق، صام معنا العام الماضي، ولم يدرك معنا هذا الفضل في هذا العام.

 

فاحمدوا اللهَ يا عباد الله أن أبقاكم إلى رمضان هذا، لتتزودوا من الطاعات، ولتنالوا كثيرًا من الدرجات، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: (كان رجلانِ من حَيٍّ من قُضاعةَ أسلَما مع النبيِّ صلَى اللهُ عَليهِ وسلمَ، واستُشهد أحدُهما، وأُخِّر الآخَرُ سَنَةً، فقال طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ: فأُريتُ الجَنَّةَ، فرأيْتُ المؤخَّرَ منهما، أُدخِل قبل الشهيدِ، فتعجبتُ لذلك، فأصبحْتُ، فذكرْتُ ذلكَ لِلنَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أو ذُكر ذلِك لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أليسَ قد صام بعدَه رمضانَ، وصلى ستةَ آلافِ ركعةٍ، أو كذا وكذا ركعةً صلاةَ السَّنَةِ).

 

فاحمدِ اللهَ تعالى أن أبقاك حيًّا لتشهد مثل هذا الخير القادم.

 

إذًا فأول شيء يجب أن نفعله قبل رمضان أن نحمدَ اللهَ تعالى ونشكره أن بلَّغنا شهر رمضان المبارك.

 

ثانيًا: يجب أن تستعد لرمضان من الآن، بمعنى اقض كل حوائجك من الآن.

 

فالبعض من الناس ينتهي شهر شعبان، حتى إذا بقي من رمضان بضعة أيام قام وذهب إلى السوق لشراء ملابس وحاجات العيد، يا محروم، أين أنت مِن قبل رمضان، لماذا تضيع العشر الأواخر؟! لماذا تضيع ليلة القدر؟! فإنك ترى المدن والشوارع في الأيام الأخيرة من رمضان مزدحمة بالرجال والنساء، وأصوات الدعاء والبكاء ترتفع من مكبرات الصوت من المساجد، والناس في غفلة وفي زحمة وراء الدنيا، نعم هذا مصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرِم)).

 

فيا حسرتاه، ويا خسارتاه، من يفعل ذلك، أترضى أن تبيع، أو تضيع ليلةً هي خير من ألف شهر بشراء حذاء، أو ثوب، أو شماغ أو غير ذلك، لا تفعل ذلك يا مسلم، واقضِ واشترِ أغراضك من الآن، ولا تصدِّق الأصحاب والخلان، أو العيال والنسوان، وما الفرق إن تقدمت أو تأخرت في شراء أغراضك، فكن عاقلًا فطنًا، واستعد لرمضان من الآن.

 

• كن صاحب عزيمة صادقة، ونية خالصة في اغتنام شهر رمضان، فكما تهتم بمتعة الجسد، اهتم كذلك بما يفيد ويغذِّي الروح، أهِّل نفسك من الآن، الاستعداد النفسي مهم قبل حلول شهر الصيام، كان الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر الشهور صومًا في شعبان، استعدادًا وترويضًا للنفس قبل رمضان؛ لذلك يقول الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله في لطائف المعارف: (صيام شعبان كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكُلفة، بل يكون قد تمرَّن على الصيام واعتادَه، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط)؛ ا. هـ.

 

• فأول شيء يجب أن نفعله قبل دخول رمضان هو أن نحمد الله على بلوغ شهر الصيام، وثانيًا أن نعزم العزيمة الأكيدة، وأن ننوي النية الصادقة لاستغلاله وعدم ضياع لياليه وأيامه. وأن نتفرغ بقدر الإمكان لاستغلال أيام رمضان ولياليه.

 

ثالثًا: ومما يجب وينبغي أن نستقبل به شهر رمضان هو بالتوبة النصوح والرجوع إلى الله، وترك المعاصي والذنوب:

فمن لم يتب قبل رمضان فكيف سيصفي قلبه في رمضان، من لم يترك الذنوب والمعاصي قبل رمضان فكيف سيُقبل العاصي على الله في رمضان.

 

يا عباد الله، يكفينا ذنوب ومعاصٍ طوال العام. أما آن لنا أن نتوب قبل رمضان.

 

يا ذا الذي ما كفاهُ الذنبُ في رجبٍ
حتى عصى ربَّه في شهر شعبانِ
لقد أظلَّك شهر الصوم بعدهما
فلا تصيرهُ أيضًا شهرَ عصيانِ
كم كنتَ تعرف ممن صام مِن سلف
من بين أهلٍ وجيرانٍ وخِلَّانِ
أفناهُمُ الموتُ، واستبقاك بعدَهمُ
حيًّا فما أقربَ القاصي من الداني

 

واسمعوا يا عباد الله لهذه القصة العجيبة، كيف كان السلف الصالح يخافون من ذنوبهم، كانوا إذا أذنبوا ذنبًا في حالة غفلة أو شهوة؛ يطيرُ النومُ من أجفانهم، ويعيشون في قلق وخوف واستغفار واستنفار، حتى يتوبوا إلى الله ويستغفرونه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون ﴾ [الأعراف: 201]، ويقول اللهُ عن هؤلاء: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135].

 

اسمع لقصة هذه المرأةِ الغامدية:

ففي صباح ذات يوم جميل كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالسًا هو وأصحابُه في المسجد، جالس كأنه قمرٌ وسط النجوم، يُحدِّثهم ويعلمهم، ويرشدهم، واكتمل المجلس بكبار الصحابة وبسادة الأنصار، وإذا بامرأة متحجبة تدخل باب المسجد، فسكت الجميع، فوقفت هذه المرأة الغامدية أمام النبي محمد، وقالت له: يا رسول الله، إني زنيتُ، فطهِّرني من الزنا! فماذا فعل عندئذٍ رسولُ الله؟ هل استشهد عليها الصحابة، وهل فرح بذلك؟ كلا، بل احمرَّ وجهُه صلى الله عليه وسلم حتى كاد يقطر دمًا، ثم حوَّل وجهَه إلى الجهة الأخرى، وسكت كأنه لم يسمع شيئًا، أي جرأةٍ تحملها هذه المرأة، بل أي إيمان وندم يعصر قلب هذه المرأة المجيدة، فهل كانت تظن هذه المرأة أن التطهير مجرد كلام تعنيف أو تجريح، أو مجرد عدة جلدات بالسياط وينتهي الأمر، لا، بل كانت تعلم أنَّ التطهير عبارة عن حجارة تتقاذف عليها من كل اتجاه، فتقطَّع جسدها الطاهر.

 

فلا إله إلا الله، لقد ارتفع الإيمان عند أولئكَ العصاة، إلى درجة لا يصل إليه عبَّادُنا اليوم، فعصاة ذلكم الجيل المثالي، أعظم إيمانًا من عبَّاد وزهَّاد اليوم. فالعاصي منهم كالتقي عندنا.

 

كان الرسولُ صلى الله عليه وسلم يحاول أن ترجع المرأة عن كلامها، فقد تكون غاضبة، أو لديها شُبهة ما، لكن المرأة ما زالت مُصِرَّة على الاعتراف بفعلتها، يا رسول الله طهِّرني، إني حُبلى من الزنا، فلما تأكد رسولُ الله من صدق كلامها، ورغبتها بالتطهير من هذه القاذورات، قال لها رسولُ الله: اذهبي، حتى تضعي طفلَكِ، ثم ايتني بعدها، فرجعت وقلبُها يحترق ألمًا وندمًا على فعلتها. وهكذا رجعت ومكثت تسعة أشهر صابرة محتسبة، تعدُّ الليالي والأيام، كلّ يوم تقترب من الله أكثر، فقد حفر الدمعُ خطًّا على وجنتيها من كثرة البكاء، وبعد تسعة أشهر وضعت طفلَها، فلفَّت رضيعها في خِرْقة، ثم أتت به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ها أنا قد وضعتُ طفلي، فطهِّرني يا رسول الله. فلا إله إلَّا الله.

 

وهنا عدة فوائد نتعلمها من هذه القصة منها:

أولًا: لم يقتلها رسولُ الله وهي حامل؛ لأنَّ الذنبَ ذنبُها، فما دخل الجنين يموت معها، فقال لها رسول الله، ارجعي حتى تضعي طفلك، ثم ايتني بعدها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعرف حقوق الإنسان وحقوق الأطفال.

 

ثانيًا: تُعرفنا هذه القصة قوة صبر هذه المرأة، وصدق توبتها، وعزمها الأكيد على التطهير، فرغم طول هذه الفترة التسعة الأشهر فلم تغير هذه المرأة رأيها، أو ترجع عن اعترافها، بل بقيت صادقة في توبتها، واستمرت في ندمها، وعازمة على لقاء ربها وهي خالية من ذنوبها. كما سنعرف في بقية قصتها.

 

ثالثًا: لم يستدعها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي في بيتها، أو لم يراقبها، ولم يرسل إليها عسكرًا يسحبوها من بيتها، ولكن تركها رسولُ الله، لتأتي بنفسها، وتحمل طفلَها بين يديها، إنه صدق التوبة مع الله يا سادة.

 

فلما رأى رسولُ الله طفلَها الرضيع بين يديها رقَّ له، فهو رحمةٌ للعالمين، فإذا رجمها الآن فمن سيرضع طفلَها، من يقوم بشأنه إذا أقام عليها الحَدَّ؟ فقال لها رسول الله: ارجعي، وأرضعيه، فإذا فَطَمْتِه فعودي إلي، فرجعت إلى بيتها، صابرة محتسبة، كل يوم يزداد الإيمان في قلبها، كل يوم والإيمان يرسخ في قلبها كرسوخ الجبال.

 

يا ألله، في المرحلة الأولى تسعة أشهر صابرة، والآن حولين كاملين تنتظرها قبل تطهيرها، ألم أقل لكم أنَّ عصاةَ ذلكم الجيل السابق، أفضل من الطائعين في زماننا هذا.

 

وبعد سنتين كاملتين من الرضاعة، بعد عامين كاملين من الندم ومن البكاء والتوبة، بعد عامين من الصبر والاستغفار والحُرقة، بعد حولين كاملين من التقرُّب إلى الله، رجعت هذه المرأة الغامدية إلى القائد العام، وقد فطمت رضيعَها، وفي يده كسرة خبز، دليل لها على أنَّ هذا الولد يستطيع أن يعيش بدون أمِّه، فقالت: يا رسول الله، ها أنا ذا، فطهِّرني من الزنا. فأخذ رسولُ الله طفلَها من بين يديها، وكأنَّه استلَّ قلبَها من بين جنبيها، لكنه أمرُ الله، لكنها العدالة والأحكام السماوية، هذا هو الحقُّ الذي تستقيم به الحياة، هذا هو دستور الدولة المؤمنة، الذي يجعل الناس سواسية حتى في باب العقوبة والأحكام.

 

فأخذ رسولُ الله هذا الطفل وقال للصحابة: ((من يَكفل هذا وهو رفيقي في الجنة كهاتين، السبابة والوسطى)). من يقوم بشأنه؟ من يُربِّيه ويطعمه ويسقيه، وله مكافئة أن يكون جاري ورفيقي في الجنَّة؟ فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فدفعه إليه. إنه مشهد مؤثر، مشهد الإمام القائد وهو لا يتنازل عن حدٍّ من حدود الله، لكنه في الوقت نفسه، لا يتجسس، ولا يُرهب أو يُرعب أحدًا، وإنما يربي النفوس، ويهذِّب القلوب، حتى يأتي الإنسان بنفسه طواعيةً ليسلِّم نفسه بنفسه إلى العدالة السماوية، وقد كان لا يعلم به إلا الله، إنها تربية ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ [الأنعام: 120].

 

عباد الله، إنَّ القوى العالمية، والحكومات الأرضية، والقوانين الوضعية؛ لا تستطيع أن تقول لشعبها: ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾. قد تستطيع أن تمنع ظاهر الإثم، أما الباطن فلا تقدر؛ لأنَّ الباطن لا يعلمه إلا اللهُ الظاهرُ الباطن، لكن محمد ومدرسة محمد، استطاعوا أن يربوا هذا الباطن، حتى إنه ليأتي الإنسان وقد فعل فاحشةً، أو جريمةً لا يعلم بها إلا اللهُ وحده، يأتي فيُسلِّم رقبتَه لتُقطع، أو ظهرَهُ ليُجلَد، أو يدَهُ لتُقطع، إنها تربية ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾.

 

وجاء وقت تنفيذ الحكم، فذهبوا بالمرأة الغامدية، وحجبوها، وحفروا لها حفرةً إلى نصفها، وجاء بعض الصحابة ليشهد إقامة هذا الحدِّ، وبدأ الرجم، وأتتْ عليها الحجارةُ من كل جانب، وسالت الدماء الطاهرة من جسد هذه المرأة العفيفة، فأقبل عليها أحدُ الصحابة فأخذ حجرًا، فرمى به رأس هذه المرأة، فطار الدمُّ على وجهه، فسبَّها أو شتمها، فسمع رسولُ الله سبَّه إياها، فقال له رسولُ الله: ((مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مكسٍ، لغُفر له))، وصاحب المكس هو من يعاون الظلمة على أخذ أموال الناس بالباطل، إنها تائبة، فلا يحق لك يا خالد أن تسُبها، فقد تابت، ومن تابَ تابَ اللهُ عليه، وغَفر له، وبدَّل سيئاتِه حسنات. وفي رواية أخرى ((إنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بها فرُجِمت، ثم صلى عليها رسولُ الله، فقال له عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسولُ الله: لقد تابت توبةً لو قسمت على سبعين رجلًا من أهل المدينة لوسعتهم، [يعني لو في 70 واحد عاصٍ ووزعت توبة هذه المرأة عليهم، لوسعت عليهم هذه التوبة؛ أي: يتوب اللهُ عليهم]، لقد تابت توبةً لو قسمت على سبعين رجلًا من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدتَّ توبةً أفضل من أن جادت بنفسها لله عزَّ وجل))؛ رواه مسلم.

 

اللهُ أكبر، هذه هي توبة العاصين، وهذه هي حال الخائفين من ذنوبهم ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 135، 136].

 

قلتُ ما سمعتم، فاستغفروا اللهَ لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد الله وكفى، وصلاةً وسلامًا على النبيِّ المصطفى، وعلى رسوله المجتَبى، وعلى آلهِ الكرام أعلام الهدى، وعلى زوجاته أهل الطُّهْر والنَّقا، وعلى أصحابه الهُداة أهل العلم والتُّقى، وسلِّمِ عليهم جميعًا تسليمًا كثيرًا في الآخرة والأولى، أما بعد:

عباد الله، كلُّ الكون يفرح بقدوم شهر الصيام إلا العصاة من بني آدم، والشياطين من الجنِّ لا يفرحون بقدومه.

 

فالجنةُ تفرح فتَفتح أبوابَها للصائمين، والنَّارُ كذلك تفرح فتُغلِق أبوابها رحمةً بالعالمين، والملائكةُ تفرح فتنزل إلى الأرض لتشارك طاعةَ الطائعين، والكونُ يهدأ في رمضان ليسمع أنينَ الساجدين، والشياطين تُصفَّد وتربط ليعودَ الناسُ لربِّ العالمين... إلا العاصي من بني آدم فلا يُبالي في أي وادٍ هلَك. نسأل اللهَ العفو والعافية.

 

فلماذا لا نتعظ؟ لماذا لا نخاف من ذنوبنا؟ لماذا أصبحت قلوبُنا قاسيةً كالحجارةِ أو أشدُّ قَسوة؟ لماذا لا نشارك هذا الكون هذه الأجواء الإيمانية الرمضانية.

 

تأتي سَنة وراءها سنة ونحن عصاة، رمضان يجيء ورمضان يذهب ونحن غافلون، الأيام تمشي، والليالي تنقضي، الشهور تَتْرى، والسنون تغادر ولا ترجع، والعمرُ يذهب كله بلا عودة، ونحن ساهون وغافلون، وعن اللهِ مُعرضون، ففروا إلى الله يا مسلمون.

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27]. فاللهُ يريد منا أن نتوب ونرجع إليه، وأهلُ الباطل وأهل الشهوات يريدون لنا الضلالةَ والغواية. اللهُ تعالى يريد منا أن نتوب إليه؛ لأنه يُحبنا، لا يريد أن يُعذبَنا، يريد اللهُ منا أن ندخلَ جنتَه، وننال مغفرتَه، اللهُ يريد لنا السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فلماذا نُعرض عنه، ونصدِّق ونتَّبع أهلَ الأهواء والشهوات. ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27].

 

• فتوبوا إلى الله يا عبادَ الله، ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31].

 

• وما هي إلا أيامٌ معدودةٌ، ويطلُّ عليكم خيرُ الشهور، نسأل اللهَ أن يبلغنا صيامَه، وأن يوفقنا لقيامه.

 

فاستقبِلوا شهرَ صومِكم بالرجوع إلى ربكم، اتركوا الذنوب والمعاصي، وافتحوا صفحة جديدة مع ربِّكم، ومع آبائِكم وأمهاتِكم، حافظوا على صلواتكم، ردُّوا الحقوقَ إلى أهلها، أعيدوا أموال الناس، أعيدوا بصائر ووثائق الناس، سلِّموا ميراثَ البنين والبنات، والإخْوة والأخوات، أُعطوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه.

 

تفَقَّدوا جيرانَكم، صِلُوا أرحامَكم، تعاونوا فيما بينكم، كونوا إخْوةً متحابِّين، وعلى الحقِّ متعاونين.

 

افرحوا بقدوم شهر الصيام، واستغلوا أيامَه ولياليه، وحافظوا فيه على الصلوات، وقراءة القرآن، عليكم بصلاة التراويح والقيام، تعلَّموا فيه أحكامَ الصيام، تصدَّقوا ولا تنسوا الفقراء والأرامل والأيتام، أكثروا من الدعاء، وخاصة عند الإفطار. أكثروا من الصلاة والسلام على خير الأنام، في كل وقت، وفي كل آن، فالصلاة على رسول الله تُذهِبُ الهمومَ والأحزان.

 

فاللهم صلِّ وسلم على خير الأنام، خير من صلى وصام، وأفضل مَن عبدَ اللهَ وقام، المنقذ العظيم، والمرشد الحكيم، وخير داعٍ إلى الصراط المستقيم، وارض اللهمَّ عن صحابته الأخيار، وعلى آله الأطهار، خصوصًا على أجلِّهم قدرًا، وأرفعهم ذكرًا، ذوي المقام العلي، والقدر الجلي، سادتنا وأئمتنا: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى أبي محمد الحسن، وأبي عبدالله الحسين، وعلى أمِّهم الزهراء، وخديجةَ الكبرى، وعائشةَ الرضى، وعلى بقية الصحابة، وبقية زوجات نبيِّك المصطفى، وعنا وفيهم برحمتك، يا ذا الجلال والإكرام في الآخرة والأولى...

 

الدعــاء:

اللهمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين.....





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • كيف نستقبل رمضان؟
  • كيف نستقبل رمضان كما ينبغي؟
  • كيف نستقبل رمضان ؟
  • كيف نستقبل رمضان؟
  • كيف نستقبل رمضان؟ (خطبة)
  • كيف نستقبل رمضان؟
  • كيف نستقبل رمضان؟
  • خطبة: كيف نستقبل رمضان؟
  • كيف نستقبل رمضان
  • خطبة: كيف نستقبل رمضان (2)
  • الدرس الأول: كيف نستقبل رمضان

مختارات من الشبكة

  • "كيف حالك" في كلام الفصحاء(مقالة - حضارة الكلمة)
  • كيف تختار المرأة زوجها وكيف يختارها؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف تشتري كتابا محققا؟ وكيف تميز بين تحقيق وآخر إذا تعددت تحقيقات النص؟(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • كيف أعرف نمط شخصية طفلي؟ وكيف أتعامل معها؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • كيف تبدأ الأمور وكيف ننجزها؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • كيف تنظر إلى ذاتك وكيف تزيد ثقتك بنفسك؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • السلوك المزعج للأولاد: كيف نفهمه؟ وكيف نعالجه؟ (3) صفات السن(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • السلوك المزعج للأولاد: كيف نفهمه؟ وكيف نعالجه؟ (2) الأساليب الخاطئة(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • فلنتعلم كيف ندعو الله وكيف نسأله(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)
  • السلوك المزعج للأولاد: كيف نفهمه؟ وكيف نعالجه؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • لقاءات علمية واستعدادات رمضانية في تتارستان
  • ندوة مهنية في مدينة توزلا لتعزيز كفاءات الأئمة والمعلمين الشباب
  • مساجد فيكتوريا تنشر الإسلام وتعزز الروابط المجتمعية في يوم المسجد المفتوح
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية
  • قمة شبابية دولية في أستراليا لتعزيز الهوية والقيادة الإسلامية
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 27/8/1447هـ - الساعة: 17:20
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب