• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | اللغة .. والقلم   أدبنا   من روائع الماضي   روافد  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    (ما) الموصولة بين التعريف والتنكير
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    أزهر اليقين (مقطوعة شعرية)
    نسرين عزوز
  •  
    تحية المدارس (قصيدة)
    عبدالله بن محمد بن مسعد
  •  
    نتائج بحث المشاكلة بين واو الحال وواو المصاحبة
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    علم الترجمة (إشارات)
    أسامة طبش
  •  
    حصول الإشكال بمعنى الحال وحله بمعنى المعية
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    ألفت الثواء (قصيدة)
    عبدالله بن محمد بن مسعد
  •  
    الحفظ عقال الملكة اللغوية، والفهم ملاكها
    د. محمد عبدالله الأطرش
  •  
    البلطجي تطور دلالي نحو الانحطاط والانحدار
    د. أحمد محمود الخضري
  •  
    تفسير الآيات المرتبطة بالواو وغير المرتبطة في ضوء ...
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    حكم الجمل الاسمية الحالية غير المرتبطة بالواو عند ...
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    خرافية الشوق (قصيدة)
    رياض منصور
  •  
    هل تعفو عنه يوم القيامة؟ - قصة قصيرة
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    الجمل الاسمية المتقدم خبرها على مبتدئها
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    حكم الجمل الاسمية الحالية غير المرتبطة بالواو عند ...
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    زيادة الواو
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
شبكة الألوكة / حضارة الكلمة / اللغة .. والقلم / الوعي اللغوي
علامة باركود

(ما) الموصولة بين التعريف والتنكير

(ما) الموصولة بين التعريف والتنكير
د. عبدالجبار فتحي زيدان

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/2/2026 ميلادي - 1/9/1447 هجري

الزيارات: 57

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

(ما) الموصولة بين التعريف والتنكير

 

عُدَّت (ما) من الأسماء الموصولة، وعُرف الموصول بأنه لا يتمُّ بنفسه، ويحتاج إلى كلام بعده تَصله به؛ ليتمَّ به اسمًا، فإذا تَم بما بعده كان حُكمه حكمَ سائر الأسماء التامة[1]، وقد سُميت الأسماء الموصولة، أو أسماء الصلات؛ لأنها تفتقر إلى صلات توضِّحها[2]، وتُعرب حسب موقعها من الجملة، ونُسب إلى الأخفش قوله: (إن الأسماء الموصولة تُعرفت بالألف واللام، أما (ما) و(مَن) فهُما في معنى ما فيه الألف واللام[3]، وذهب جمهور النحاة إلى أنها تُعرفت بالعهد الذي في الصلة، واستدلوا على ذلك بـ(ما) و(مَن) المجرَّدتين من(أل)، فالاسم الموصول يُعد عندهم معرفة؛ لأن الصلة تبيِّنه وتُزيل إبهامه وتنكيره؛ ولهذا قالوا عن (الذي) و(التي): إن الألف واللام فيهما زائدتان، وليستا فيهما للتعريف؛ لأن التعريف بصلتهما، وهي الجملة التي بعدهما، فلو كانتا فيهما للتعريف لأدَّى ذلك إلى أن يَجتمع فيهما تعريفان، وذلك لا يجوز[4].

 

وبيَّن النحاة الغرض من استعمال (الذي) وفروعها في الكلام، مما هو مبدوء بـ(أل)، فذكروا أن في العربية أدواتٍ استُعملت للوصل، من ذلك (أيها)؛ فقد ذكر سيبويه (ت180هـ) أنه لا يجوز أن تنادي اسمًا فيه الألف واللام بياء النداء، بل تُستعمل (أيها) لنداء ما فيه (أل)، وعلَّل ذلك بأنهم جاؤوا بـ(أيها)؛ ليصلوا إلى نداء الذي فيه (أل)، وكذلك (مَن) و(ما)، إنما يُذكران لحشوهما[5]، ويعني بالحشو الصلة.

 

وذكر أبو بكر بن السراج (ت 316هـ) أن (الذي) اجتُلبت في الكلام لتكون وصلة لوصف المعارف بالجمل، كما جاؤوا بـ(أي) متوصلين بها إلى نداء ما فيه (أل)، فقالوا: يا أيها الرجل، والمقصود نداء الرجل، و(أي) وصلة)[6].

 

وأوضح ابن جني (ت 392هـ) هذا الغرض بقوله: (إن (الذي) إنما وقع في الكلام توصلًا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات[7]، ألا تراها تجري أوصافًا على النكرات، في نحو: مررتُ برجل أبوه قائمٌ، ونظرتُ إلى غلام قامتْ أُخته، فلما أُريد مثلُ هذا في المعرفة، لم يمكن أن تقول: مررت بزيدٍ أبوه قائم، على أن تكون الجملة (أبوه قائم) وصفًا لزيد؛ لأنه قد ثبَت أن الجملة نكرة، ومُحال أن تُوصَف المعرفة بالنكرة، فجرى هذا في الامتناع مجرى امتناعهم أن يقولوا: مررتُ بزيد كريم، على الوصف، فإذا كان الوصف جملة؛ نحو: مررتُ برجلٍ أبوه قائم، لم يمكن إذا أرادوا وصفَ المعرفة بنحو ذلك أن يدخلوا (اللام)[8] ؛ لأن اللام مِن خواصِّ الأسماء، فجاؤوا بـ(الذي) متوصِّلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ(الذي)، فقالوا: مررتُ بزيدٍ الذي أبوه منطلقٌ، وبهند التي قام أبوها، ونظير هذا أنهم لَما أرادوا نداء ما فيه لام المعرفة، ولم يُمكنهم أن يباشروه بـ(يا) - لِما فيها من التعريف والإشارة - توصلوا إلى ندائها بإدخال (أي) فيها، فقالوا: يا أيها الرجل، فالمقصود بالنداء هو الرجل، و(أي) وصلة إليه، كما أن المقصود في قولك: مررتُ بالرجل الذي قام أخوه، أن يوصف الرجل بقيام أخيه، فلما لم يُمكنهم ذلك لِما ذكرناه، توصَّلوا إليه بـ(الذي)[9].

 

وأكَّد أبو حيان الأندلسي أن الغرض مِن استعمال الاسم الموصول (الذي) أنْ يكون ((وصلة إلى وصف كل معرفةٍ بصلته)) [10]، سواء أكانت هذه الصلة جملة أم شبه جملة، أم مفردًا أم محذوفةً.

 

وقد أشار إلى هذا الغرض نحاة آخرون منهم: عبد القاهر الجرجاني[11] (ت474هـ)، والزمخشري[12] (ت538هـ)، وأبو البركات بن الأنباري[13] (ت577هـ)، وابن يعيش[14] (ت643هـ)، وغيرهم[15]، ومما تقدم من كلام النحاة نستنتج الحقائق الآتية:

 

أن النحاة راعَوْا في إعراب الاسم الموصول وصِلته الجانب اللفظي، وهو ظهور علامة الإعراب عليه كظهورها على (أي)، وظهورها عليه في التثنية؛ نحو: أقبل اللذان فازا[16]، وقد صرَّح ابن جني أن المقصود في نحو: مررت بالرجل الذي قام أخوه، أن يوصف الرجل بقيام أخيه، وهذا يعني أن جملة: قام أخوه، لها محل من الإعراب، وهو الجر في هذا المثال، ذلك أنها صفة للرجل، أما (الذي)، فليست إلا أداة تُوصِّل بها إلى هذا الوصف، وما ذكره ابن جني هو الذي عليه النحاة، كما تبيَّن سالفًا، وقد مرَّ تعريفهم للاسم الموصول بأنه لا تتم اسميَّته، ولا يَكمُل معناه إلا بصِلته، فهو جزءٌ منها، بل صرَّحوا بأنهما كالاسم الواحد[17]، لذلك ذهب بعضهم إلى توحيد إعرابهما[18]، ففي قولنا مثلًا: أقبل الذي فاز، كان ينبغي أن يُعرب (الذي فاز) في محل رفع فاعل، كأنه قال: أقبل الفائز[19]، واستقلال الموصول بهذا الإعراب هو الذي أدَّى إلى أن تُترك الصلة من غير أن يكون لها محل من الإعراب، وكذلك نعامل (ما) الموصولة مع صلتها، هذا إذا استندنا في الإعراب إلى المعنى والتعريف الذي ذكروه، والغرض الذي بيَّنوه.

 

لكون الجملة نكرةً جاز أن توصَف النكرات من الأسماء بالجملة دون وساطة أداةٍ؛ نحو: أقبل طالبٌ فاز في السباقِ، فإذا عرَفنا الفاعل في هذا المثال، وجب استعمال (الذي) فيه، وأن نقول: أقبلَ الطالبُ الذي فاز؛ ذلك أن (الذي) استُعملت لتعريف الجملة كما استعملت (أل) لتعريف المفرد، فكلاهما للتعريف، إلا أن (الذي) تزيد في بنائها على (أل)؛ لأنها خُصصت بتعريف الجملة، والجملة تحتاج إلى أداة أقوى في البناء، وأدل على التعريف مما يحتاج إليه المفرد.

 

صرح النحاة بأن (الذي) اجتُلبت في الكلام؛ لتكون وصلة لوصف المعارف بالجمل، وهذا يعني أن الأسماء الموصولة (الذي) وفروعها، لا بد أن يكون لها موصوف؛ إما ظاهر وإما محذوفٌ مقدرٌ، قامت الأسماء الموصولة مقامه، فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فإن الضمير العائد في جملة الصلة، يكون عائدًا على هذا الموصوف، لا على الأسماء الموصولة؛ كما يُعرب المعربون.

 

عندما صرَّح النحاة بأن الأسماء الموصولة المبدوءة بـ(أل)، تُعد وصلة لوصف المعارف بالجمل، لم يَعنوا بذلك إخراج الأسماء الموصولة غير المبدوءة بـ(أل)؛ مثل: (ما) و( مَنْ) مِن هذا الغرض بصفةٍ عامةٍ، فالاسم الموصول استُعمل أداةً لربط الموصوف بصفته؛ لذلك عُرف بأنه ((اسمٌ مفعولٌ من وصل الشيء بغيره)) [20]، وفي هذا يقول أبو البركات بن الأنباري: ((إن أسماء الصلات إنما أدخلوها في الكلام توصلًا إلى الوصف بالجمل))[21]، ويريد بأسماء الصلات: الأسماء الموصولة.

 

وقد ذكر النحاة أنه لا يوصف من بين الموصولات إلا بـ(الذي) وفروعها[22]، ولهذا ذكروا أن (ما) الموصولة لا تقع صفةً[23]؛ ذلك أن الاسم الموصول لا يُعرَب صفةً إلا عند ظهور موصوفه، فإن (الذي) التي أكَّد النحاة أنها تُستعمل وصلة لوصف المعرفة بالجملة، لا تُعرب صفة إذا حُذف موصوفها؛ لأنها تقوم عندئذ مقامه، فنحو: أقبل الطالب الذي فاز، يعرب (الطالب) فاعلًا، و(الذي) صفة له، لكن عند حذف الفاعل وقولنا: أقبل الذي فاز، لا تعرب (الذي) عند النحاة صفة للفاعل المحذوف، بل تُعرب عندهم فاعلًا؛ فلأن الموصوف بـ(الذي) غالبًا ما يُحذف لشيوعه ومعرفته، تقوم الصفة (الذي) مقامه، فتأخذ حكمه وإعرابه.

 

و(ما) و(مَنْ) مثل (الذي) في هذا الباب، إلا أنهما يختلفان عنها بأن موصوفيهما لا يَصِح إظهارهما، وقد أشار أبو حيان (ت 754هـ) إلى هذه المسألة عندما عرض لإعراب (ما) في قوله تعالى: ﴿ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ [الأنعام: 6]، فمنع أنْ تكون (ما) في هذه الآية بمنزلة (الذي)؛ لأنها تكون ((بتقدير: التمكين الذي لم نُمكنكم فيه، فحُذِفَ المنعوت وأقيمَ النعت مقامه، وهذا لا يجوز؛ لأن (ما) لا تكون نعتًا للمعارف، لو قلت: ضَرَبَ الضَرْبَ ما ضَرَبَهُ زيدٌ، تريد: الذي ضَرَبَهُ زيدٌ، لم يَجُز، ولو قلت: الضَرْبَ الذي ضَرَبَهُ زيدٌ، جاز))[24].

 

وهو في كلامه هذا يؤكد مسألتين: إحداهما أن (الذي) لا بد من أنْ تكون نعتًا لمنعوتٍ، إن لم يكن ظاهرًا وجَب تقديره، والثانية: قوله: (إن (ما) لا تكون نعتًا للمعارف)؛ يعني أنها تكون نعتًا للنكرات العامة، فلكون موصوفها لا يَصِح إظهاره، ذكر النحاة أن (ما) الموصولة لا تقع صفةً، وهم لا يعنون من ذلك أنها لا موصوف لها، بل هي مثل (الذي) لا بد لها من موصوف، إلا أنه يَلزَم حذفُه، فتقوم (ما) دائمًا مقامه، ولهذا يقول ابن الحاجب (ت646هـ) في (ما) هذه: إنها وُضِعت ((للموصوف والصفة جميعًا))[25]، وإنها تتضمَّنهما معًا، (فإذا قلت: أعجَبني ما صَنَعَتَهُ، معناه أعجبني الشيء الذي صنعتَه، فإن (الشيء) موصوفٌ، و(الذي صنعته صفته)[26].

 

وما قلناه في (الذي) نقوله هنا في (ما)، وهو أن الضمير العائد في صلتها لا يعود عليها، بل يعود على موصوفها المحذوف، وهذا الموصوف المحذوف ليس معرفة، بل نكرة عامة؛ لأن (ما) ليست مثل (الذي) وصلةً لوصف المعرفة بالجملة، بل هي وصلةٌ لوصف ما هو مبهمٌ عام غير محددٍ بالجملة.

 

تبيَّن من كلام النحاة أن (ما) ليست أداةً للتعريف، و(الذي) وفروعها مثل (أل) أداةٌ للتعريف، ويُقسم النحاة (أل) التعريف على قسمين: عهدية ويُراد بها فردٌ معينٌ معهودٌ، وجنسية: ويُراد بها أفرادُ الجنس، أو هي لاستغراق الأفراد[27]، ولهذا شاع في كتب النحو أن المفرد المُحلى بـ(أل) الجنسية معرفة لفظًا ونكرة معنًى، والحق أن كلتيهما معرفةٌ لفظًا ومعنًى، وأن (أل) الجنسية لا يُراد بها أفرادٌ الجنس، بل الجنس بعينه؛ لذلك ذُكِرَ (أنها لتعريف العهد، فإن الأجناس معهودةٌ في الأذهان متميزٌ بعضها من بعضٍ، ويُقسم المعهود إلى شخصٍ وجنسٍ)) [28]، فلا فرق بينهما سوى أن التعريف بـ(أل) العهدية يُراد به تعيينُ فردٍ من أفرادٍ، والتعريف بـ(أل) الجنسية يُراد به أيضًا تعيين شيءٍ واحدٍ، إلا أن هذا الشيء إنما هو جنسٌ من الأجناس لا فردٌ من الأفراد.

 

وكذلك (الذي)، فإنها تَرِد لِما يناظر هذين المعنيين[29]، فالاسم الموصول وإن قيل عنه بصفةٍ عامةٍ: إنه اسم مبهمٌ لا يتضح إلا بالصلة، إلا أن (الذي) وفروعها فُرِّقت عن (ما) و(مَنْ) ((بأنها تتناول قومًا بأعيانهم))[30] ؛ إما أن تتناول فردًا بعينه؛ كقوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ [الملك: 1]، أو جنسًا بعينه؛ كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ [البقرة: 264].

 

ويؤكد النحاة هذه الحقيقة عندما يؤكِّدون أن (ما) الموصولة نفسها، وليست النكرة الموصوفة أشد إبهامًا وإعمامًا من (الذي)، فهي عندهم اسمٌ مبهمٌ دائمًا في غاية الإبهام، حتى إنها تقع على كل شيء، وتقع على ما ليس بشيءٍ، لذلك نقول: إن الله يعلم ما كان وما لم يكن، وما هو كائنٌ[31].

 

وهنالك مسألة جديرةٌ بالذكر، وهي أن جمهور النحاة كما مرَّ قبل قليل، ذهبوا إلى أن الاسم الموصول لم يتعرف بـ(أل)، بل بجملة الصلة التي عرَّفته، وأزالت إبهامه، ولكن كيف يصِح هذا والجملة عندهم لا تكون إلا نكرةً؟!

 

وقد بيَّن ابن جني وغيره أن (الذي) وفروعها تُستعمل في الكلام أداةً لتعريف الجملة، لوصف المعرفة بها؛ لأن من شروط الصفة أن تتبَع الموصوف في التعريف والتنكير، فيكون الاسم الموصول (الذي) هو الذي عرَّف الصلة وليست الصلة هي التي عرَّفته، وقد جعل النحاة والمعربون (الذي) تنوب مناب موصوفها المعرفة في الإعراب، فاكتسبت دلالته الاسمية والمعرفية، فعُدَّتْ عندهم اسمًا معرفةً، وقد تبيَّن أن (ما) التي عُدَّتْ موصولة، تدخل ضمن هذا الغرض، إلا أنها لم تُستعمل وصلةً لوصف المعرفة بالجملة، بل استُعملت في الكلام وصلة لوصف ما هو مبهمٌ غير معرفة بالجملة، فتكون العلة التي أدَّت إلى عدِّ (الذي) معرفةً غير موجودة في (ما) الموصولة؛ لأنه كما نابت (الذي) مناب موصوفها المعرفة، فاكتسبت دلالته في التعريف، نابت (ما) مناب موصوفها النكرة العامة، فاكتسبت دلالته في التنكير والعموم.

 

يتبيَّن مما تقدم ذكره أن (ما) تُستعمل فيما هو عام غير محدَّد، وتستعمل (الذي) فيما هو معرفة وأمرٌ معينٌ، وعلى هذا الأساس يُفسَّر استعمال إحداهما دون الأخرى في القرآن الكريم.

 

ذكر الإسكافي[32] (ت 420هـ)، والكرماني[33] (ت505هـ)، والفيروز آبادي[34] (ت 817هـ) - أنه استعمل (الذي) في قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِي وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]؛ لأنه قصَد بالعلم علمَ الدين كله، واستعمل (ما) في قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتبَعْتَ أَهْوَاءهُم من بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنكَ إِذَاً لمِنَ الظالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145]؛ لأنه قصد بالعلم علمَ القِبلة، وهو جزءٌ من علم الدين، وزِيدت (مِنْ) في (ما)؛ لأن تقديره: من الوقت الذي جاءك فيه العلم بالقِبلة، وليس الأول مؤقتًا بوقتٍ؛ انتهى كلام الإسكافي والكرماني.

 

والظاهر أن (الذي) وردت في الآية الأولى؛ لأنه أُريد بالعلم علمُ الإسلام، فكانت تعبيرًا عن معرفة، أما (ما) في الآية الثانية، فلم تكن عائدةً على العلم بالقبلة، فلو أُريد ذلك لوردت (الذي) أيضًا للتعبير عما هو معرفة، وإنما أُريد بها علمٌ عامٌّ؛ ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أُعطِيَ علمًا مجملًا، وهو الإسلام، ثم أُعطِيَ العلم بهذا الدين مفصلًا، فكان المقصود من (ما) هذا العلم غير المحدد الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يتزوَّد منه حتى التحاقه بالرفيق الأعلى، ووردت (مِنْ) مع (ما) لابتداء الغاية، ذلك أن الشيء المكتسب الذي يستمر اكتسابه، ويتدرَّج نُموُّه، يَحسُن أنْ تكون له بدايةٌ، أما الشيء الذي يُكْتسَبُ جملةً واحدة، فلا يَحسُن له ذلك، والتدرج في حصول الشيء إنما يكون فيما يتعلق بتفصيلاته، و(مِنْ) كما يذكر الكرماني تَثبُت قبل (بعد) إذا وردت بعد كلام فيه تفصيلٌ، وتحذف بعد كلام فيه إجمالٌ[35].

 

ولأن (ما) يُراد بها معنى النكرة العامة، فقد وردت في قوله تعالى: ﴿ وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ﴾ [النحل: 49]، فهي في هذه الآية ونحوها لا يصح أنْ يكون المقصود منها فردًا مُعينًا، ولو أُريد هذا المعنى لاستُعملت (الذي) العهدية، وفي هذا الوجه لا يكون ثمةَ التباس بينها وبين (ما)، ولكن الالتباس يحصل إذا أُريد بـ(الذي) المعرفة الجنسية؛ لأن المقصود بكلتيهما شمولُ المستقرين في السماوات والأرض جميعَا بِحُكم سجودهم لله، ويكون الفرق بينهما أن الآية باستعمال (ما) تعني الخلق فردًا فردًا، على وجه الإعمام والتفصيل، ولو استعمل (الذي)، لكان المراد جنس الخلق على وجه التعيين والإجمال، فوصف الشيء بـ(الذي) لا يكون إلا على نية جعله، قبل ذلك جنسًا من الأجناس من أجل تمييزه وتخصيصه من بينها؛ مما يشعر المخاطب بمعنى حصر الحكم أو الصفة، مع أنه ما أُريد ذلك، بل أُريد إشعاره بمعنى الشمول والتفصيل، وهذا المعنى يتحقق باستعمال (ما) لا باستعمال (الذي)، لِما بيناه آنفًا، ولأمرين:

أحدهما: أن (الذي) اسم موصول خُصَّ بالمفرد المذكر، فلو استعمَله لعبَّرت الآية عن هذا النوع، ولم تَشمل الأنواع الأخرى المتصفة بالتأنيث والتثنية والجمع، إلا على سبيل التغليب، في حين أن (ما) اسم موصول غير مختص، يتناول أنواع المخلوقات تناولًا مباشرًا، فهو من هذه الناحية أشدُّ من (الذي) توغلًا بين الأفراد للتعبير عنهم، أو هو أدل على استقصاء الأنواع واستغراقهم، والحق أن (الذي) الجنسية ما أُريد بها أفراد الجنس، بل الجنس بعينه الدال على الإفراد والتذكير.

 

وثانيهما: أن معنى الجنس في (الذي) لا يَشمل أفراد الجنس من دون استثناءٍ، وهذا ما يُصرِّح به النحاة، فقولنا مثلًا: الرجل أقوى من المرأة، لا يعني أن كل رجلٍ أقوى من كل امرأة؛ ذلك أنه محمولٌ على الأعم الأغلب[36]، فإذا قلنا مثلًا: قرأتُ الذي في المكتبة، كان المعنى: قرأتُ أغلب كتبها؛ أي: جاز أن يكون عددٌ قليلٌ منها غير مشمولٍ بحكم القراءة، أما إذا قلنا: قرأتُ ما في المكتبة، لزم أنْ يكون المراد كتب المكتبة جميعها كتابًا كتابًا، وأنه لم يُترَكْ واحد منها لم يُقرأْ، فالآية باستعمال (الذي) تعني: ولله يَسجُد الشيء الذي في السماوات، والشيء الذي في الأرض، وباستعمال (ما) تعني: ولله يسجد كلُّ شيء في السماوات وكل شيء في الأرض، فهي بهذا المعنى لا تغادر شيئًا إلا وتناوَلته بالحكم الذي تضمَّنته، وهذا هو المراد نفسه في إشعار المخاطبين، مثلًا في قوله تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 255]، بأنه جل شأنه يُهيمن على كل فردٍ بالقوة نفسها التي يُهيمن بها على نظيره من المخلوقات، وأنه لا تُوهن هيمنتَه وامتلاكَه لكل شيء كثرةُ مخلوقاته وسَعتُها، فيستوي لديه الواحد وما لا يُحصيه إلا هو، كما قال تعالى: ﴿ ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [لقمان: 28].

 

وذكر النحاة أن (ما) اسم مُبهم يقع معناها على المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، تقول مثلًا، لمن اشترى جملًا أو ناقةً أو جملين أو ناقتين أو جمالًا أو نياقًا: أعجَبَني ما اشتريتَهُ (للمفرد المذكر)، وما اشْتَرَيتَها (للمفرد المؤنث)، وما اشتَرَيتَهما (للمثنى المذكر والمؤنث)، وما اشْتَريتَها (للجمع المذكر والمؤنث)، وتقول أعجبَني ما رُكبا وما رُكِبتا، وما رُكبن، وكذلك قالوا في أختها (مَنْ) إذ أجازوا أنْ يقال: جاءني مَنْ قام ومَنْ قاما ومَنْ قامتا، ومَنْ قاموا ومَنْ فُمْنَ، وأعجَبَني مَنْ جاءتاكَ ومَنْ جاءَاكَ ومَنْ جاؤوكَ ومَنْ جِئْنكَ[37].

 

وهذا الكلام يوهِم أن (ما) إذا وقَع معناها على مفرد، لزم إفراد الضمير العائد عليها، وإذا وقع على مثنى، لزِم تثنيتُه، وإذا وقع على جمع لزِم جمعه، وإذا وقع على مذكر لزم تذكيره، وإذا وقع على مؤنث لزم تأنيثُه.

 

وليس الأمر كذلك، وهو خلاف ما أجمعوا عليه، فإنه يلزم إفراد الضمير سواء وقع معنى (ما) على مفردٍ أم مثنى أم جمع، فهي تُستعمل دائمًا بمعنى النكرة العامة، فإذا أمَرْنا مثلًا رجلًا حاملًا حقيبةً أنْ يُخرج منها كل شيء فيها، فلم يخرج منها إلا كتابًا واحدًا؛ لأنه لم يكن يوجد فيها شيءٌ غيره، فإذا أردنا أن نعبِّر عن هذه الحالة بمعنى الإفراد قلنا: أخرجَ الرجلُ كتابًا مِنْ حقيبتهِ، وإذا أردنا أن نعبر عنها بمعنى العموم، قلنا: أخرج الرجل ما في حقيبته؛ لأنها تكون بمعنى: أخرج جميع ما فيها، وجميع ما فيها لم يكن غير هذا الكتاب.

 

ولإفادة (ما) هذا المعنى المبهم العام، استُعملت للتفخيم والتهويل؛ كقوله تعالى: ﴿ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ [طه: 78]، وقوله تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [النجم: 10]، وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ﴾ [طه: 69]، (كأنه قال: أَلقِ هذا الأمر الهائل الذي في يَمينك فإنه يُبطل ما أَتَوْا به من سحرهم العظيم)) [38].

 

فإن (ما) في هذه الآية وإن بدت عائدة على (العصا)، إلا أُنه ما أُريد بها معنى الإفراد، بل أُريد بها معنى الجمع، كأنه ليس في يمينه شيءٌ واحدٌ، فيكون سببًا لانتصاره، بل أسباب النصر كلها، فلم يقُل سبحانه: وأَلقِ التي في يَمينك، بل قال: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ)، فعبَّر عن العصا بمعنى التنكير والعموم تهويلًا وتفخيمًا لشأنها من جهةٍ، ولأنها ما زالت نكرة لا يعلم المخاطبُ حقيقتها من جهة أخرى، وعلى أيةِ حالٍ لو كان في يمينه العصا وأشياء سواها لشملهنَّ الخطاب جميعًا؛ لأن الآية باستعمال (ما)، تعني: وألقِ كلَّ شيء في يمينك كائنًا ما كان.

 

فلفظ (ما) هو بمعنى ألفاظ الجمع (جميع) و(كل) و(كافة)، أو عبارة (كل شيءٍ)، أو (أي شيء كان)، أو نحو ذلك، فهذه الأداة تستعمل في الكلام لإعمام ما عادت عليه بغض النظر عن عدده؛ لأنه بالإشارة إلى عدده يزول معنى إبهام (ما) وعمومها؛ فلأنها اسمٌ مبهمٌ تَصلُح أنْ تقع على كل نوع وعددٍ، فلا يَلزَم فيها لتعبِّر عن المؤنث أو الجمع تأنيث العائد عليها أو جمعه، بل هي تعبِّر عن ذلك كله بإفراد الضمير، ولم أجِد في كتب النحو التي رجَعت إليها شواهد من كلام العرب أو أشعارهم، ورد فيها العائد مؤنثًا أو جمعًا، وإنما اقتصر النحاة في هذا الباب على الأمثلة المصنوعة التي وضعوها للتمرين، وقلَّما نجد في القرآن الكريم تأنيثَ العائد أو جمعه في صلة (ما)، وربما وجدنا هذا في توابعها؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ﴾ [طه: 69]، ففي (تلقف) ضمير مستتر تقديره: (هي) عائد على (ما) حملًا على المعنى؛ لأن المراد (العصا)، وهي مؤنثة، وقيل (تلقفْ) للخطاب، بمعنى تلقف أنت[39]، والصحيح الوجه الأول بدلالة قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ [الأعراف: 117]، وقوله تعالى: ﴿ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ [الشعراء: 45]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ ﴾ [يونس: 18]، فأفرَد العائد على (ما) في (ما لا يَضُرُّهم ولا ينفَعهم)، وجمع في (هؤلاء شفعاؤنا) [40].

 

ولم يَرِد الضمير جمعًا في صلتها في القرآن الكريم، إلا في موضعٍ واحدٍ هو قوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مما رَزَقْنَاهُمْ ﴾ [النحل: 56] فعبَّر بـ(ما) عن الأصنام، وجَمَع الضمير العائد عليها في (يعلمون)؛ أي: يجعلون الأصنام التي لا تعلم شيئًا نصيبًا مما رزقناهم[41].

 

ولم يرد هذا أيضًا في أختها (مَنْ) إلا في موضعين في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ [يونس: 42]، وفي قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الشيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ ﴾ [الأنبياء: 81].

 

ويبدو أن السر في مجيء العائد جمعًا لا مفردًا في سورة النحل، كان ليؤكد أن الأصنام جميعها - صغيرها وكبيرها - لا تَعلَم شيئًا، وكذلك الحال في سورة يونس ورد جمعًا ليؤكِّد أن المستمعين من المشركين سرًّا من غير علم مَن يتبعونهم لقراءة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليلًا[42]، كانوا في الأقل جمعًا؛ ذلك أن الآية تحدَّثت عن حالة غريبةٍ، نادرة الوقوع، الأمر الذي يجعل السامع يحمل (مَن) على أقل عددٍ ممكن، وهو المستمع الواحد، فاقتضى هذا المقام جمع العائد للإخبار بأن المستمعين كانوا ثلاثة فأكثر، ومد الفعل (يستمعون) بالواو يعبر عن طول استماعهم له، فقد كانوا يصغون لتلاوة القرآن تحت جنح الظلام ساعات طويلة، وهو لا يعلم بهم، ووردت (يستمع) بإفراد الضمير العائد في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ [الأنعام: 25]، ولعله أُريد في هذه الآية استماع المشركين للرسول (صلى الله عليه وسلم) جهرًا في النهار، وهو بينهم يدعوهم إلى الإسلام استماعًا من غير تدبُّر وإصغاءٍ، فلم يقتض هذا المقام جمع العائد.

 

ولصلاح (ما) و(مَن) للتعبير عن الجمع بإفراد الضمير في صلتهما، صار جعْله بصيغة الجمع لا فائدة منه، لذلك لم يرد منه في القرآن الكريم، إلا لوجه بلاغي احتاج إليه السياق؛ كالوجه الذي بيَّناه في الآيتين المذكورتين، أما عود الضمير مثنى على (ما) فنادرٌ، بل يكاد لا يصح وقوعه؛ إذ يتعيَّن في حالة التثنية معرفة العدد، وقد ذكرنا قبل قليلٍ أن الإشارة إلى العدد تزيل إبهام (ما)، وهو خلاف الغرض الذي وُضعت له، لذلك يبدو أنه لا يصح أن يقال: أعجبني ما اشتريتهما، أو أعجبني ما رُكبا، أو ما رُكبتا، ولا يصح كذلك أن يقال: جاءني مَن قاما أو مَن قامتا، وأعجبني مَنْ جاءاك، أو جاءتاك كما مثل النحاة، فلا يجوز استعمال (ما) أو (مَن) في التثنية إلا إذا بَقِيَا على وضعهما يُفيدان التنكير والإعمام؛ لذلك لم يرد في القرآن الكريم تثنية الضمير العائد على (ما)، ولا على (مَن)؛ لا في صلتهما ولا في توابعهما، بل مثل هذا لم يرد في اللغة، على الرغم من أن كتب النحو أجازت ذلك، ومثلتْ له، بل جعله ابن خالويه (ت 370هـ) خارجًا عن كلام العرب؛ إذ ذكر أنه ليس في كلامهم (مَن) وقعت على اثنين إلا في بيت الفرزدق[43].

 

تعالَ فإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخونُني
نَكُنْ مثلَ مَنْ يا ذِئبُ يصطحبانِ[44]

والشاعر في هذا البيت لا يعني من المثنى (يصطحبان) نفسه والذئب الذي يخاطبه، بل جعله مثلًا ينطبق عليه وعلى الذئب، وعلى كل من كان حالهما مثل حالهما، فإذا قلنا مثلًا: هَنأتُ مَن تزَوجا، عَنَيْنَا أيَّ متزوِّجين كانا، ولا يصح أنْ يكون المراد رجلًا بعينه وامرأةً بعينها، فإذا أردنا هذا المعنى لزِم استعمال (اللذين) العهدية، وأنْ نقول: هَنأتُ اللذين تزوَّجا، فقد صلحت التثنية هنا مع (مَن)؛ لأنها جُعلتْ بهذا المعنى العام المبهم، و(ما) مثل (مَنْ) في هذه المسألة، لا فرق بينهما في الأحكام، سوى وضع (ما) لغير العاقل، واختصاص (مَن) بالعقلاء.



[1] الكتاب لسيبويه 3/ 69، وشرح المفصل لابن يعيش 3/ 138، وشرح اللمحة البدرية في علم اللغة العربية لابن هشام 1/ 314، والكناش في النحو والصرف لأبي الفداء عماد الدين ص136، وكاشف الخصاصة عن ألفاظ الخلاصة لابن الجزري ص39، والمشكاة الفتحية عن الشمعة المضية للسيوطي ص105، وشرح الحدود النحوية للفاكهي ص74.

[2] أسرار العربية لأبي البركات بن الأنباري ص 379 - 380.

[3] شرح جمل الزجاجي لابن عصفور 2/135.

[4] المقتضب 3/197 وشرح المفصل لابن يعيش 2/141.

[5] الكتاب 2/ 106.

[6] الأصول في النحو 2/ 272.

[7] تعد الجملة عند النحاة نكرة، ينظر دلائل الإعجاز ص154.

[8] يعني بـ (اللام) (أل) التعريف.

[9] سر صناعة الإعراب 1/ 353 -354.

[10] البحر المحيط 1/ 77.

[11] دلائل الإعجاز 154.

[12] الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل 1/ 73.

[13] أسرار العربية ص380 - 381.

[14] شرح المفصل 3/ 141.

[15] بدائع الفوائد لابن قيم الجوزية 1/ 129.

[16] مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام 2/ 409.

[17] المقتضب 3/ 197.

[18] وهذا رأي نسبه ابن هشام إلى بعض النحاة، مغني اللبيب 2/409.

[19] وقد جعل سيبويه (الذي ضرب) بمنزلة (الضارب) الكتاب 4/ 228.

[20] حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 1/ 70، وشرح التصريح على التوضيح لخالد الأزهري 1/ 130.

[21] أسرار العربية ص381- 382.

[22] الكشاف 4/ 389- 390، وينظر دراسات لأُسلوب القرآن، عبد الخالق عضيمة، القسم الأول 3/ 533.

[23] لباب الإعراب للفاضل الإسفراييني ص95، والبحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 2/ 231، والبرهان في علوم القرآن للزركشي 4/ 399.

[24] البحر المحيط 4/ 76، وينظر: دراسات لأسلوب القرآن، القسم الثالث، 3/ 533.

[25] الأمالي النحوية، ص318.

[26] الكناش ص141.

[27] الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي ص217.

[28] ) مغني اللبيب 1/ 50.

[29] شرح الرضي على الكافية 4/ 252.

[30] التبيان في إعراب القرآن للعكبري 1/ 24.

[31] كتاب سيبويه 4/ 228، ومغني اللبيب 1/ 327، وبدائع الفوائد 1/ 131، والبرهان في علوم القرآن 4/ 398.

[32] درة التأويل وغرة التنزيل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز ص25- 29.

[33] أسرار التكرار في القرآن الكريم ص 33- 34.

[34] بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 1/ 146- 147.

[35] أسرار التكرار ص124- 125.

[36] قطر الندى وبل الصدى لابن هشام ص113.

[37] التبيان في إعراب القرآن 1/ 24، وقطر الندى ص102، وشرح ابن عقيل 1/ 147.

[38] معترك الأقران 2/ 350، ونتائج التحصيل في شرح كتاب التسهيل المرابط الدلائي 2/ 786، والطراز للعلوي ص78- 81.

[39] البيان في غريب إعراب القرآن 2/ 148.

[40] البرهان في علوم القرآن 3/ 399، والإتقان في علوم القرآن 2/ 287.

[41] الكشف في نكت المعاني والإعراب وعلل القراءات لابن ضرير، الجامعي النحوي 1/ 20.

[42] عن البهيقي عن الحاكم بسنده الى الزهري أن أبا جهلٍ وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يصلي بالليل، فأخذ كل رجل منهم مجلسًا ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر، تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوَموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم، لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر، تفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك ثم تفرَّقوا؛ سيرة ابن هشام 1/ 250.

[43] ليس في كلام العرب ص218.

[44] البيت في ديوانه: تَعشَّ فإنْ وافَقَتَني لا تَخونني = نكن مثلَ مَن يا ذئبُ يَصطحبانِ؛ شرح ديوان الفرزدق 2/ 590.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ربط جملة الحال الاسمية برابطين
  • مجيء الحال من النكرة
  • الجمل الاسمية المتقدم خبرها على مبتدئها
  • حكم الجمل الاسمية الحالية غير المرتبطة بالواو عند النحويين الموجبين
  • تفسير الآيات المرتبطة بالواو وغير المرتبطة في ضوء معنى المعية والحال
  • حصول الإشكال بمعنى الحال وحله بمعنى المعية
  • نتائج بحث المشاكلة بين واو الحال وواو المصاحبة

مختارات من الشبكة

  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (2) {الحمد لله رب العالمين} (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اتخاذ الأسباب اللازمة لاستقبال رمضان(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • التعريف والتنكير بين الأصوليين واللغويين: دراسة نظرية تطبيقية (PDF)(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • أسماء الشخصيات في القصة القصيرة جدا بين التعريف والتنكير(مقالة - حضارة الكلمة)
  • تضرع وقنوت(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من أدعية الاستفتاح: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بيني وبين فتاة علاقة عاطفية وعرف أهلها ما بيننا(استشارة - الاستشارات)
  • مفهوم المفهوم والفرق بينه وبين المصطلح(مقالة - حضارة الكلمة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مبادرة رمضانية في ميشيغان لإطعام الأسر المحتاجة
  • تدريب عملي للطلاب المسلمين على فنون الخطابة والتواصل الفعال
  • لقاءات علمية واستعدادات رمضانية في تتارستان
  • ندوة مهنية في مدينة توزلا لتعزيز كفاءات الأئمة والمعلمين الشباب
  • مساجد فيكتوريا تنشر الإسلام وتعزز الروابط المجتمعية في يوم المسجد المفتوح
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية
  • قمة شبابية دولية في أستراليا لتعزيز الهوية والقيادة الإسلامية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 29/8/1447هـ - الساعة: 21:1
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب