• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / ملف الحج / خطب الحج
علامة باركود

نداء الخليل عليه السلام وأشواق القلوب (خطبة)

نداء الخليل عليه السلام وأشواق القلوب (خطبة)
أبو سلمان راجح الحنق

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/5/2026 ميلادي - 30/11/1447 هجري

الزيارات: 32

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

نداء الخليل عليه السلام وأشواق القلوب (خطبة)

 

المقدمة:

قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97].

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))؛ [متفق عليه، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما].

 

أيها المسلمون، ديننا الحنيف وما فيه من تكاليف وفرائض وواجبات، كل ذلك يقوم على الدليل والنص الشرعي من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، "قال الله، قال رسوله". فالحمد لله الذي جعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا، ورفع ذكره في العالمين تعظيمًا وشأنًا.

 

أيها المسلمون، نداء الخليل إبراهيم عليه السلام بالحج، إنه نداء الشوق لبيت رب العالمين. حينما انتهى شيخ الأنبياء وأبوهم إبراهيم عليه السلام من رفع قواعد البيت العتيق وسط وادٍ غير ذي زرع، صدر الأمر الرباني العظيم: ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ [الحج: 27]. وقف الخليل على مقام الحجر، ووجه نداءه إلى جهات الأرض الأربع، فجاءت الإجابة من أصلاب الرجال وأرحام النساء: "لبيك اللهم لبيك".

 

إنه النداء الذي اخترق حجب الزمن بأمر الله تعالى؛ لقد نادى الخليل إبراهيم بلسان اليقين، فتردَّد الصدى في وجدان البشرية إلى قيام الساعة.

 

أيها المسلمون، تصوروا شيخًا وحيدًا في صحراء قاحلة، يُنادي أُمَّةً لم تولد بعد، ويقينه بأن الله تعالى سيسوق إليه الوفود من كل فجٍّ عميقٍ.

 

أيها المسلمون، إن صدى نداء الخليل إبراهيم عليه السلام يسري في أرواح المؤمنين الموحِّدين عبر العصور والدهور.

 

وما يجده كل مسلم من الشوق والحنين عند رؤية الحجيج أو سماع التلبية: "لبيك اللهم لبيك" إلا دليل على أننا جزء من تلك الاستجابة العظمى؛ إنها دعوة الأب، وإجابة الرب، وقصة حب لا تنتهي فصولها إلا بلقاء الله.

 

أيها المسلمون، إن الحج ليس مجرد رحلة أبدان عبر الفيافي والقفار، بل هو هجرة القلوب إلى الواحد القهَّار. الحج هو إجابة لنداء قديم أطلقه أبو الأنبياء الخليل إبراهيم عليه السلام، فتردَّد صداه في أصلاب الرجال وأرحام النساء، حتى صار شوقًا يغلي في الصدور، ودمعًا يفيض في المحاجر.

 

يا راحلين إلى منى بقيادي
هيجتمو يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
الشوق أقلقني وصوت الحادي

 

أيها المسلمون، في الحج يتجرَّد الإنسان من زينة الدنيا، يخلع ثياب الفخر والتميز، ليلبس رداءً أبيض يشبه كفنه، في تذكير مهيب بأننا غدًا بين يدي الله سواء. لا فضل لعربي على أعجمي ولا أسود على أبيض، ولا لشريف على وضيع إلا بالتقوى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المسلمون، هناك في المشاعر المقدَّسة، تذوب الفوارق، وتتحد الغايات، وترتفع الأصوات بكلمة واحدة: "لبيك اللهم لبيك".

 

أيها المسلمون، لقد أجمعت الأمة على أن الحج فرض على المستطيع، وأنه ركن من أركان الدين لا يسع أحدًا جهله.

 

أيها المسلمون، فإن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه عبادة العمر، وختام الأمر، وتمام الإسلام، وكمال الدين، فيه أنزل الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

 

أيها المسلمون، تُعَدُّ فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، وهي عبادة تجتمع فيها مجاهدة النفس، وبذل المال، وإجهاد البدن تقرُّبًا لله تعالى، فعبادة الحج هي الرحلة إلى الله تعالى في دار الدنيا.

 

ضجَّ الحجاز وضجَّ البيت والحرم
واستصرخت ربَّها في مكة الأمم
جاؤوا لبابك يا رحمن فاستمعوا
ألا يخيب في رحماك معتصم

 

أيها المسلمون، إن الحج مدرسة كبرى من أهم دروسها الاستسلام المطلق لله تعالى. فنحن نطوف لأن الله تعالى أمر، ونرجم الشيطان لأن الله أمر، ونقف بعرفة لأن الله أمر، ونبيت بمزدلفة لأن الله أمر، ونرمي الجمار لأن الله أمر ورسوله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: ((خذوا عني مناسككم؛ لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا))؛ [رواه مسلم].

 

أيها المسلمون، إن أعمال الحج تمرين عملي على العبودية الخالصة لله تعالى، ودليل على الاستسلام الكامل لأمر الله ولأمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].

 

أيها المسلمون، لقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم آياتٍ تتحدَّث عن الحج، ولم تكن تلك الآيات مجرد أحكام شرعية، بل هي رحلة إيمانية تأخذ القلب من الدنيا إلى ملكوت الله تعالى.

 

ولهذا فقد استخلص علماء التفسير أهم معاني الآيات القرآنية التي فيها عبر وعظات، ومن هذه المعاني: لفتة التوحيد: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا ﴾ [الحج: 26]. فقد بدأ سبحانه وتعالى ذكر بناء البيت بالتحذير من الشرك. فالحج يا عباد الله في جوهره هو "إعلان التوحيد"؛ فكل حركة في الحج من طواف وسعي وتلبية هي فرار من الشرك والتعلق بغير الله.

 

أيها المسلمون، ومن معاني آيات الحج عالمية الدعوة: ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ [الحج: 27]. لقد أمر إبراهيم عليه السلام بالأذان وهو في صحراء مقفرة، فقال: "يا رب وكيف يبلغ صوتي؟"، قيل له: "عليك النداء وعلينا البلاغ". هنا درس عظيم من دروس الإيمان والتربية يتعلمها المسلم من قوة إيمان الأنبياء والرسل عليهم السلام وهي "قوة الكلمة الصادقة".

 

أيها المسلمون، ومن الآيات التي تحدَّثت عن الحج، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197]، هذه الآية الكريمة نزلت في أناس كانوا يخرجون للحج بلا زاد ويقولون: "نحن متوكلون"، فأمرهم الله تعالى بأخذ زاد الطعام وزاد الآخرة؛ وهو التقوى. فالإسلام دين يجمع بين الأخذ بالأسباب (الزاد المادي) والتوكل القلبي (زاد التقوى): ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المسلمون، ومن الآيات التي تحدَّثت عن الحج قوله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197]؛ أي: كبح النفس وتزكيتها.

 

إن الحج تدريب على ضبط اللسان، وضبط الشهوة، وكظم الغضب، وترك الجدال بالباطل؛ كل ذلك من المعاني التربوية التي تهذب الحاج خلال أداء مناسك الحج والعمرة. ومن الآيات القرآنية التي فيها تربية واستغلال لتلك الأوقات الفاضلة في البقاع الطاهرة كثرة الاستغفار بعد الطاعة: ﴿ ثُمَّ أَفيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 199].

 

فالله تعالى أمر الحجيج بكثرة الاستغفار بعد الانتهاء من أعظم ركن؛ وهو الوقوف بعرفة. فالمؤمن مهما اجتهد في العبادة يرى نفسه مقصرًا، فالاستغفار بعد الطاعة يجبر ما حصل فيها من خلل أو تقصير، ويمنع العبد من العجب في نفسه.

 

أيها المسلمون، ومن الآيات التي تحدثت عن الحج قوله تعالى: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 200، 201]. فالمسلم حريص على حسناته، فهو يجتهد في تجميع الحسنات وزيادة رصيده من فعل الخيرات، ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 128].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، إن المشاعر المقدَّسة وتلك البقاع الطاهرة ليست مجرد أماكن جغرافية، بل هي مرافئ وشواطئ للأرواح، ومحطات ينسلخ فيها المرء من طين الأرض ليحلق في سماوات القرب. فالكعبة المشرفة قبلة القلوب، وهي نقطة السكون في عالم يضج بالحركة، إذا طاف بها المسلم فكأن روحه فراشة تحوم حول نور أزلي، هي البيت الذي تشعر فيه أنك عدت إلى منزلك.

 

أيها المسلمون، هناك وعلى بُعْد كيلومترات جبل عرفة، مجمع الأسرار، ومحل لكثرة الدعوات، هناك وفي عرفات يتوقَّف الزمن، وتصعد الزفرات لتتحول إلى غيمات من الرحمة. عرفة هو يوم البوح العظيم؛ حيث يقف العبد مجردًا من كل ألقابه إلا لقب "يا رب"، إنه المشهد المصغر للقيامة، لكنه مغلف بالرجاء؛ حيث تفيض الدموع لتغسل سواد القلوب.

 

أيها المسلمون، إن تلك المشاعر المقدسة أمر الله تعالى خليله إبراهيم عليه السلام أن يحج إليها، وأن يطوف حول البيت العتيق، وأن يؤدي كل أعمال الحج على تلك البقاع الطاهرة. وهكذا سار على تلك السُّنَّة خاتم المرسلين والنبيِّين وحبيب رب العالمين والخليل محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه الصلاة وأتم التسليم. وهو من خاطب صحبه الكرام في حجة الوداع بقوله: ((خذوا عني مناسككم؛ لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا))؛ (رواه مسلم)، وخطابه ذلك لعموم أمته إلى قيام الساعة.

 

أيها المسلمون، وهناك وعلى ثرى مزدلفة ليلة المبيت، وليلة السكينة والوقار، إنها ليلة المبيت تحت سقف السماء، وفراش الحجيج تراب مزدلفة، لحاف الحجيج سكينة ووقار، وأعمالهم دعاء وكثرة ذكر. وقد تحدَّث العالم الرباني الإمام ابن القيم رحمه الله عن الحج ومقاصده وعن المشاعر المقدسة، فقال في بعض كتبه: "الحج هو رحلة القلب قبل الأبدان". وقال أيضًا: "الحج هو خاصة هذا الدين، وفيه من إظهار التوحيد، وإعلان شعائر الله، وذل العبودية، وخضوع العبد لربه ما لا يوجد في غيره".

 

أيها المسلمون، وقال رحمه الله وهو يتحدَّث عن يوم عرفة: "ذلك المشهد العظيم، يوم عرفة الذي تشرق فيه الأنوار، وتتنزَّل فيه الرحمات، ويباهي الله بعباده ملائكة السماء؛ فهو يوم توبة العاصين، وإقالة عثرات المتعثرين. فما رئي الشيطان في يوم هو أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة؛ لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز رب العالمين عن الذنوب العظام". ويتحدَّث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الحج ومقاصده ودلالاته التربوية فيقول: "إن التوحيد هو سِرُّ الحج الأكبر، وأن الحج هو مدرسة التوحيد العظمى". ثم قال: "بناء هذا البيت إنما كان لعبادة الله وحده لا شريك له، فكل ما فيه من شعائر؛ من طواف واستلام الحَجَر الأسود وتقبيله، إنما هو لتجديد عهد التوحيد في القلوب".

 

أيها المسلمون، إن اجتماع الخلق على اختلاف لغاتهم وألوانهم في صعيد واحد يذكر بالمحشر الأكبر، وهذا يوجب على العبد الاستعداد للقاء الله. وهنا كلمة رائعة جدًّا فاحفظوها واعملوا بها: "ليس الحج بمجرد قطع المسافات، وإنما الحج بقطع الشهوات، وإصلاح النيَّات، وتجريد التوحيد لربِّ الأرض والسماوات". مكة مغناطيس القلوب وقِبْلة الأرواح، تهفو إليها النفوس هفيف الطير إلى أوكارها، وتشد إليها الرِّحال طلبًا لبرد العفو وغفران الذنوب.

 

يا راحلين إلى أرض الحجاز خذوا
بالله يا أيها الأحباب أشجاني
مكة يا وجه الهدى الباسم
ويا منار الحق للعالم
إليك شد الركب أشواقه
وذاب فيك الوجد من هائم

 

أيها المسلمون، من عجز عن الحج والعمرة لعذر شرعي، فهناك أعمال وأقوال يكسب بها صاحبها الأجور العظيمة والحسنات الكثيرة بشرطين؛ الأول: الإخلاص لله تعالى، والثاني: متابعة هدي وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا توفر هذان الشرطان قُبِل العمل، وإذا اختلَّ أحدُهما رُدَّ العمل في وجه صاحبه ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].

 

أيها المسلمون، وقال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور))؛ (رواه أبو داود والترمذي). وإليكم هذه المواقف الخالدة من سيرة العظماء في تاريخ هذه الأمة المباركة، أولئك الرجال الذين ربَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا هم خير الأصحاب وخير الرجال وخير الأجيال.

 

نبذة مختصرة من سيرة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وكيف كانوا في مواسم الطاعات وموسم الحج على وجه الخصوص.

 

أيها المسلمون، لقد كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أشد الناس فقهًا لروحانية الحج، وأكثرهم تأثرًا بنداء الخليل إبراهيم عليه السلام، وأصدقهم في متابعة خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث لم يكن الحج بالنسبة للخلفاء مجرد فريضة، بل كان محطة للتزوُّد من التقوى، ومناسبة لتجديد العهد مع الله تعالى في البقاع التي شهدت تنَزُّل الوحي، فكانوا رضي الله عنهم يرون الحج تجديدًا لعهد الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحج لديهم موسمًا للمحاسبة الكبرى.

 

أيها المسلمون، كان الحج لديهم فرصة للتقرب إلى الله تعالى بالمال والنفس، وكانوا رضي الله عنهم ينظرون للحج بعين العارف الذي يدرك أسرار العبادة وجلال المكان وعظمة المشاعر. فلم تشغلهم الخلافة ولا أعباء الدولة والرعية عن شد الرحال وذرف الدموع عند الملتزم؛ فكانت قلوبهم معلقة بأستار الكعبة، وأقدامهم تسعى في فجاج مكة، ليُعلِّموا الأمة أن السيادة الحقيقية هي السيادة في محراب العبودية لله تعالى.

 

أيها المسلمون، ومن الأعمال التي يتقرَّب بها العباد إلى ربهم في مثل مواسم الخير: ذكر الله تعالى بعد كل صلاة، وصلاة العشاء والفجر في جماعة، وصلاة الفجر في جماعة والذكر حتى طلوع الشمس وصلاة ركعتين بعدها، وحضور الجماعات، وشهود العيدين؛ عيد الفطر وعيد الأضحى، والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزيارة الأرحام وصلتهم، ونفع الآخرين بقدر المستطاع، والصدقات على مستحقيها، وقراءة القرآن الكريم، وطلب العلم من الكتاب والسُّنَّة، وكثرة الاستغفار، وكثرة الدعاء وتحرِّي أوقات الإجابة، والكلمة الطيبة صدقة، وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. وهكذا المسلم يستثمر أوقاته فيما يقربه إلى الله تعالى.

 

أيها المسلمون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك وقد تخلَّف عن تلك الغزوة مجموعة من أصحابه رضي الله عنهم لأعذار شرعية: ((إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم، حبسهم العذر))؛ (رواه البخاري ومسلم).

 

يا سائرين إلى البيت العتيق لقد
سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا
ومن أقام على عذر كمن راحا

 

ألا وصلوا وسلموا على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأزواجه أجمعين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • قبس من سير أئمة النحاة: الخليل بن أحمد الفراهيدي
  • لمحة في بيان ما ذكر في القرآن في علو منزلة الخليل عليه السلام
  • امتنان الله تعالى على الخليل عليه السلام بالهداية
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (1)
  • بيان سؤال الخليل عليه السلام ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام
  • الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (2)
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (3)
  • بيان ما أعطيه الخليل عليه السلام من معرفة ملكوت السماوات والأرض

مختارات من الشبكة

  • الحج امتداد بين نداء إبراهيم وبلاغ محمد صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صيحة ونداء وتحذير إلى كل عاقل لبيب (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • خطبة: الريح آية من آيات الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (26) «كل سلامى من الناس عليه صدقة» (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • املأ قلبك بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تكن رفيقه في الجنة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (5) (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (4) (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (3) (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (2) (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (1) (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا
  • ندوة متكاملة في القرم لإعداد حجاج 2026
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 29/11/1447هـ - الساعة: 15:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب