• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض {ولله جنود ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    أبناؤنا والذكاء الاصطناعي: كيف نربيهم على ...
    أحمد النمر
  •  
    كيف تنجو من الخسران
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    أهمية المبادرة إلى علاج الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    أسئلة ابنتي التي أعادتني إلى نفسي
    د. ابتهال محمد علي البار
  •  
    كبارنا .... غرباء في مجالسنا!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    فقه القلوب.. حين يصبح الأسلوب رسالة
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تحريم عضل المرأة عن الزواج بالكفء لمصالح شخصية أو ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    آثار الانحراف السلوكي على الفرد ، الأسرة ،
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    الروغان الإبراهيمي.. فقه المبادرة في شخصية خليل ...
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    العلم اليقيني يصدر عن خبرة {ولا ينبئك مثل خبير}
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    لماذا يفقد الإنسان توازنه؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    حين نطالب الشاب أن يكون نفسه بنفسه ... ولم نمهد ...
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    أمام الشاشات والضجيج... أين يقف القلب
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    درجات الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    ظاهرة السيطرة على المساجد: قراءة متكاملة في ...
    محمد حسين حسن
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية
علامة باركود

من أخبار الشباب (13) الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى

سيرة عالم.. وحث الطلاب على الاجتهاد
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/8/2023 ميلادي - 2/2/1445 هجري

الزيارات: 19531

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من أخبار الشباب (13)

الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى

 


الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النِّسَاءِ: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: الشَّبَابُ عُمَّارُ الْأُمَمِ إِنِ اسْتُثْمِرُوا، وَهُمْ دَمَارُهَا إِنْ أُهْمِلُوا، وَكُلُّ الْأُمَمِ الَّتِي نَهَضَتْ إِنَّمَا نَهَضَتْ بِقُوَّةِ شَبَابِهَا، وَكُلُّ الدَّعَوَاتِ الَّتِي نَجَحَتْ إِنَّمَا نَجَحَتْ بِالشَّبَابِ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ بِدَعْوَتِهِ الشَّبَابُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَانُوا أَرْبَعِينَ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ أَسَنُّهُمْ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَبْلُغِ الْأَرْبَعِينَ، وَأَكْثَرُهُمْ فِي الثَّلَاثِينَ وَالْعِشْرِينَ. وَمَنْ شُغِلَتْ طُفُولَتُهُ وَشَبَابُهُ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ كَانَ فِي كِبَرِهِ عَالِمًا يُشَارُ لَهُ بِالْبَنَانِ، وَيُرْحَلُ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.

 

وَهَذِهِ سِيرَةُ عَلَمٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَإِمَامٍ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ، اعْتَنَى وَالِدَاهُ بِتَعْلِيمِهِ فِي طُفُولَتِهِ، فَبَرَزَ فِي شَبَابِهِ ثُمَّ فِي كُهُولَتِهِ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَشْهَرِ الْحُفَّاظِ. ذَلِكُمْ هُوَ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ. كَانَ أَبُوهُ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَثِقَاتِهِمْ، فَأَلِفَ سُفْيَانُ الْعِلْمَ وَالْحَدِيثَ مِنْ صِغَرِهِ. وَوَجَّهَتْهُ أُمُّهُ لِلْعِلْمِ وَأَعَانَتْهُ عَلَيْهِ مَادِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا فَقَالَتْ لَهُ: «اذْهَبْ فَاطْلُبِ الْعِلْمَ، حَتَّى أَعُولَكَ بِمِغْزَلِي، فَإِذَا كَتَبْتَ عِدَّةَ عَشَرَةِ أَحَادِيثَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ فِي نَفْسِكَ زِيَادَةً، فَاتَّبِعْهُ، وَإِلَّا فَلَا تَتَعَنَّ». وَبِعُلُوِّ هِمَّتِهَا وَمِغْزَلِهَا خَرَّجَتْ لِلْأُمَّةِ إِمَامًا هُوَ شَيْخُ الْأَئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ كَبِيرُهُمْ فِي زَمَنِهِ.

 

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَلَبَ الْعِلْمَ فِي صِغَرِهِ قَوْلُهُ: «طَلَبْتُ الْعِلْمَ، فَلَمْ يَكُنْ لِي نِيَّةٌ، ثُمَّ رَزَقَنِي اللَّهُ النِّيَّةَ». وَلِفَرْطِ ذَكَائِهِ، وَجِدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ تَصَدَّرَ لِلتَّحْدِيثِ وَهُوَ شَابٌّ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: «كَانَ يُنَوَّهُ بِذِكْرِهِ فِي صِغَرِهِ، مِنْ أَجْلِ فَرْطِ ذَكَائِهِ وَحِفْظِهِ، وَحَدَّثَ وَهُوَ شَابٌّ». وَقَالَ أَبُو الْمُثَنَّى بْنُ الزُّبَيْرِ: «سَمِعْتُهُمْ بِمَرْوَ يَقُولُونَ: قَدْ جَاءَ الثَّوْرِيُّ، قَدْ جَاءَ الثَّوْرِيُّ. فَخَرَجْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ غُلَامٌ قَدْ بَقَلَ وَجْهُهُ». وَهُوَ أَوَّلُ ظُهُورِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ.

 

وَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى حَافِظَةً قَوِيَّةً حَتَّى قَالَ: «مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبِي شَيْئًا قَطُّ فَخَانَنِي». وَيَحْفَظُ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ كَمَا قَالَ صَاحِبُهُ الْأَشْجَعِيُّ: «دَخَلْتُ مَعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَجَعَلَ سُفْيَانُ يَسْأَلُ وَهِشَامٌ يُحَدِّثُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: أُعِيدُهَا عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ سُفْيَانُ وَأُذِنَ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَتَخَلَّفْتُ مَعَهُمْ، فَجَعَلُوا إِذَا سَأَلُوهُ أَرَادُوا الْإِمْلَاءَ، فَيَقُولُ: احْفَظُوا كَمَا حَفِظَ صَاحِبُكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نَقْدِرُ نَحْفَظُ كَمَا حَفِظَ صَاحِبُنَا».

 

وَكَبِرَ الْغُلَامُ، وَصَارَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَتَصَدَّرَ لِلتَّحْدِيثِ وَالتَّعْلِيمِ، وَعُقِدَتْ لَهُ الْمُجَالِسُ، وَضُرِبَتْ لَهُ أَكْبَادُ الْإِبِلِ، وَرَحَلَ إِلَيْهِ الطَّلَبَةُ، وَثُنِيَتْ حَوْلَهُ الرُّكَبَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ فَلَا يُخْطِئُ، وَيُخْطِئُ غَيْرُهُ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ، حَتَّى أَذْعَنُوا لَهُ بِأَنَّهُ حَافِظُ عَصْرِهِمْ، قَالَ مِهْرَانُ الرَّازِيُّ: «كَتَبْتُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَصْنَافَهُ، فَضَاعَ مِنِّي كِتَابُ الدِّيَاتِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِذَا وَجَدْتَنِي خَالِيًا، فَاذْكُرْ لِي حَتَّى أُمِلَّهُ عَلَيْكَ. فَحَجَّ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ، طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَذَكَّرْتُهُ، فَجَعَلَ يُمْلِي عَلَيَّ الْكِتَابَ بَابًا فِي إِثْرِ بَابٍ، حَتَّى أَمْلَاهُ جَمِيعَهُ مِنْ حِفْظِهِ». وَهَذَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ لِلْحَدِيثِ مِنَ الثَّوْرِيِّ»، وَهَذَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَقُولُ: «مَا خَالَفَ أَحَدٌ سُفْيَانَ فِي شَيْءٍ إِلَّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ سُفْيَانَ». وَالَّذِينَ خَالَفُوهُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ كِبَارٌ، فَكَانَ أَحْفَظَهُمْ وَأَضْبَطَهُمْ لِمَرْوِيَّاتِهِ. وَهَذَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْلَمَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ».

 

وَعَلَى جَادَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ سَارَ الْإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَكَانَ يُتْبِعُ الْعِلْمَ الْعَمَلَ، وَيَعْمَلُ بِالسُّنَّةِ، وَيَقُولُ: «مَا بَلَغَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ قَطُّ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً». وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، وَخَاصَّةً الْعُلَمَاءَ وَطُلَّابَ الْعِلْمِ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا عَلِمُوا.

 

وَمَا كَانَ سُفْيَانُ مُتَزَيِّنًا بِالْعِلْمِ لِيَنَالَ بِهِ الدُّنْيَا، بَلْ زَهِدَ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ، وَلَمْ يُدَاهِنْهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، فَاحْتَسَبَ عَلَيْهِمْ، قَالَ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ: «كُنْتُ أَحُجُّ مَعَ سُفْيَانَ، فَمَا يَكَادُ لِسَانُهُ يَفْتُرُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، ذَاهِبًا وَرَاجِعًا». وَكَانَ قَلْبُهُ يَتَأَلَّمُ لِرُؤْيَةِ الْمُنْكَرَاتِ حَتَّى قَالَ: «إِنِّي لَأَرَى الشَّيْءَ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا أَفْعَلُ، فَأَبُولُ دَمًا».

 

وَهُوَ مَعَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الْعَظِيمَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ كَانَ صَاحِبَ خَشْيَةٍ وَخَوْفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَلْ يُرَادُ الْعِلْمُ إِلَّا لِلْخَشْيَةِ ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فَاطِرٍ: 28]، قَالَ قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ: «مَا جَلَسْتُ مَعَ سُفْيَانَ مَجْلِسًا إِلَّا ذَكَرْتُ الْمَوْتَ، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَكْثَرَ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ مِنْهُ». وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: «كَانَ سُفْيَانُ إِذَا أَخَذَ فِي ذِكْرِ الْآخِرَةِ يَبُولُ الدَّمَ». وَمِنْ أَقْوَالِ سُفْيَانَ: «مَنْ يَزْدَدْ عِلْمًا يَزْدَدْ وَجَعًا، وَلَوْ لَمْ أَعْلَمْ كَانَ أَيْسَرَ لِحُزْنِي». وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ مَهْدِيٍّ: «كُنْتُ لَا أَسْتَطِيعُ سَمَاعَ قِرَاءَةِ سُفْيَانَ مِنْ كَثْرَةِ بُكَائِهِ». وَقَالَ: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَهُ، فَكَأَنَّمَا وُقِفَ لِلْحِسَابِ». وَقَالَ أَيْضًا: «كُنْتُ أَرْمُقُ سُفْيَانَ فِي اللَّيْلَةِ بَعْدَ اللَّيْلَةِ، يَنْهَضُ مَرْعُوبًا يُنَادِي: النَّارَ النَّارَ، شَغَلَنِي ذِكْرُ النَّارِ عَنِ النَّوْمِ وَالشَّهَوَاتِ»، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخَفَّافُ: «مَا لَقِيتُ سُفْيَانَ إِلَّا بَاكِيًا، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: أَتَخَوَّفُ أَنْ أَكُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا».

 

وَلَمَّا تَعَلَّقَ قَلْبُ سُفْيَانَ بِالْآخِرَةِ رَخُصَتْ فِي عَيْنِهِ الدُّنْيَا، فَكَانَ يَقُولُ: «مَنْ سُرَّ بِالدُّنْيَا نُزِعَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ». وَقَالَ أَيْضًا: «الْمَالُ دَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْعَالِمُ طَبِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا جَرَّ الْعَالِمُ الدَّاءَ إِلَى نَفْسِهِ، فَمَتَى يُبْرِئُ النَّاسَ؟!»، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «قَالَ لِي سُفْيَانُ: إِيَّاكَ وَالشُّهْرَةَ، فَمَا أَتَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ نَهَى عَنِ الشُّهْرَةِ»؛ وَلِذَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَتَعَلَّمُونَ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا بِمُجَالَسَتِهِ، قَالَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ: «كُنَّا نَتَعَزَّى عَنِ الدُّنْيَا بِمَجْلِسِ سُفْيَانَ».

 

عَاشَ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ سَنَةً فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ، قَضَاهَا فِي الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْعَمَلِ وَالِاحْتِسَابِ عَلَى النَّاسِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَسَائِرَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَرَحِمَنَا مَعَهُمْ وَسَائِرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ فِي دَارِ النَّعِيمِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كُلُّ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَدْرَكُوا سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَالَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَهُ أَفَاضُوا فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَعْدِلُوا بِهِ أَحَدًا، وَهُمْ هُمْ عِلْمًا وَصِدْقًا وَوَرَعًا وَتَحَرِّيًا لِلْحَقِّ. قَالَ الْإِمَامُ الْأَوْزَاعِيُّ: «لَوْ قِيلَ: اخْتَرْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلًا يَقُومُ فِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، لَاخْتَرْتُ لَهُمْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ». وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ: «رَأَيْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ لَا يُقَدِّمُ عَلَى سُفْيَانَ أَحَدًا فِي زَمَانِهِ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ وَكُلِّ شَيْءٍ». وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: «لَنْ تَرَى بِعَيْنَيْكَ مِثْلَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَتَّى تَمُوتَ». وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِتِلْمِيذِهِ الْمَرُّوذِيِّ: «أَتَدْرِي مَنِ الْإِمَامُ؟ الْإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، لَا يَتَقَدَّمُهُ أَحَدٌ فِي قَلْبِي». يَقُولُ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ إِمَامُ الْأُمَّةِ فِي زَمَنِهِ، وَلَمْ يَلْقَ سُفْيَانَ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ وُلِدَ بَعْدَ وَفَاةِ سُفْيَانَ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَلَكِنْ لِمَا عَلِمَ مِنْ سِيرَتِهِ، وَسَمِعَ عَنْهُ مِنْ شُيُوخِهِ؛ إِذْ إِنَّ شُيُوخَ أَحْمَدَ هُمْ تَلَامِذَةُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: «قَدْ كَانَ سُفْيَانُ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ وَالتَّأَلُّهِ وَالْخَوْفِ، رَأْسًا فِي الْحِفْظِ، رَأْسًا فِي مَعْرِفَةِ الْآثَارِ، رَأْسًا فِي الْفِقْهِ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ».

 

وَسِيرَةُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَافِلَةٌ بِالْأَحْدَاثِ، مَمْلُوءَةٌ بِالْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ، وَهِيَ نِبْرَاسٌ لِكُلِّ شَابٍّ وَمُبْتَدِئٍ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّ حِرْصَ سُفْيَانَ عَلَى الْعِلْمِ مَعَ عَمَلِهِ بِمَا عَلِمَ صَيَّرَهُ -بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْدِيدِهِ- لِيَكُونَ عَلَمًا مِنَ الْأَعْلَامِ، وَإِمَامًا مِنَ الْأَئِمَّةِ، تُتْلَى سِيرَتُهُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَفِي الدُّرُوسِ وَالْمَوَاعِظِ، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ قَرْنًا عَلَى وَفَاتِهِ. وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ هُمُ الَّذِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً لِلشَّبَابِ؛ لِيَعْلَمُوا أَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ شَائِكَةٌ وَعِرَةٌ، وَلَكِنَّهَا عَظِيمَةُ الْأَثَرِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالثَّمَرَةِ «وَإِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ فَعَلَيْهِ بِالْعِلْمِ». وَقَالَ: «مَا تُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِشَيْءٍ بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ».

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الرحلة في طلب العلم والاجتهاد في تحصيله
  • الجد والاجتهاد في طلب العلم
  • الاجتهاد في الإسلام من خلال قواعده الأصولية العلمية ومقاصد الشريعة الإسلامية
  • العلم الذي يلزم فيه الاجتهاد بالنسبة للمجتهد
  • الحث على الاجتهاد في طلب العلم والعمل به
  • من أخبار الشباب (15) شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

مختارات من الشبكة

  • لماذا مشاعر الشباب أقوى من غيرهم؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • 130 شابا يشاركون في منتدى الشباب المسلم الإقليمي بتتارستان(مقالة - المسلمون في العالم)
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا(مقالة - المسلمون في العالم)
  • ندوة مهنية في مدينة توزلا لتعزيز كفاءات الأئمة والمعلمين الشباب(مقالة - المسلمون في العالم)
  • عتاب للشباب (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لماذا الشباب أكثر عرضة للإدمان؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • أخبار المدينة للحافظ ابن شبة محققا في سبعة مجلدات(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • نيل القيراط في صحيح أخبار الصراط لفوزي بن عبد الله الحميدي الأثري(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • تحقيق الظنون في أخبار الطاعون تأليف مرعي بن يوسف الحنبلي (ت 1033 هـ/ 1623م) دراسة وتحقيق(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • عمدة الراغبين في أخبار الجن والشياطين (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 4/5/1448هـ - الساعة: 1:13
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب