• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    يسر الشريعة وشمولية الأجر (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    الحقد الرافضي ونصر الله لأوليائه (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    إشاعة الفاحشة
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    ميلاد الأخلاق والقيم (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    خلق الحياء وتحديات العصر (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    أمن الوطن أمانة ومسؤولية (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الحوار الأسري وأثره في استقرار البيوت (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    جرائم باسم الدين: بين ثقافة الخضوع وضرورة التصحيح
    محمد حسين حسن
  •  
    تأملات في اسم الله المهيمن
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    تفسير قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    ثم ماذا بعد هذا؟!
    أمل محمد
  •  
    عطاء المحاريب (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    خطورة الدَّين (خطبة)
    عبدالحميد أحمد عبدالحميد طايل
  •  
    بر الوالدين جهاد في سبيل الله
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / رجالات الإسلام
علامة باركود

الإمام مالك إمام دار الهجرة (خطبة)

الإمام مالك إمام دار الهجرة (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 2/8/2026 ميلادي - 19/2/1448 هجري

الزيارات: 3843

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الإِمَامُ مَالِكٌ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ

 

الحَمْدُ للهِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ، العَلِيمِ المَجِيدِ ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142]، نَحْمَدُهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى سَابِغِ عَطَائِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ لاَ نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ كَمَا أَثْنَى هُوَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ قَسَمَ بَيْنَ عِبَادِهِ دِينَهُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ، فَكَمَا أَنَّ فِيهِمْ غَنِيًّا وَفَقِيرًا فَإِنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا، وَبَرًّا وَفَاجِرًا، وَطَائِعًا وَعَاصِيًا.

 

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَهِدَايَةً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ فَهَدَى اللهُ تَعَالَى بِهِ مَنْ كُتِبَتْ سَعَادَتُهُمْ، وَعَمِيَ عَنْهُ مَنْ كُتِبَتْ شِقْوَتُهُمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ فَلَنْ يَضِلَّ وَلَنْ يَشْقَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إلى يَوْمِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَخُذُوا مِنْ شَبَابِكُمْ لَهرَمِكُمْ، وَمِنْ صِحَّتِكُمْ لِسَقَمِكُمْ، وَمِنْ فَرَاغِكُمْ لِشُغْلِكُمْ، وَمِنْ حَيَاتِكُمْ لِمَوْتِكُمْ؛ فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ مَوْتًا وَقَبْرًا وَبَعْثًا وَحِسَابًا وَجَزَاءً: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزَّلزلة:7-8].

 

عِبَادَ اللهِ: ((أَئِمَّة الهُدَى وَمَصَابِيح الدُّجَى))، سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، ((الإِمَامُ مَالِكٌ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا..

 

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: الإِمَامُ مَالِكٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا مَالِكٌ!

ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!

 

أَيُّهَا السَّادَةُ، بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

 

فَمُنْذُ أَنْ كَرَّمَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِبَعْثَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَفْوَاجُ الدُّعَاةِ الْمُصْلِحِينَ يَتَعَاقَبُونَ فِيهَا، عُلَمَاءَ مُخْلِصِينَ، وَمُرَبِّينَ رَبَّانِيِّينَ، دَاعِينَ إِلَى الْحَقِّ، وَحَاكِمِينَ بِالْقِسْطِ، آمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَإِنَّ تَعْطِيرَ الْقُلُوبِ بِسِيَرِهِمْ يُورِثُ الْإِحْسَاسَ بِالْعِزَّةِ، وَالشُّعُورَ بِالْقُوَّةِ، وَيَهْدِي إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَقِّ، وَالسُّمُوِّ فِي الْخُلُقِ.

 

حَدِيثُنَا عَنْ عَالِمٍ عَطَّرَتْ سِيرَتُهُ الكُتُبَ وَالْمَكْتَبَاتِ، وَمَلَأَتْ أَخْبَارُهُ مَجَالِسَ العِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالأَدَبِ. هُوَ عَالِمٌ اسْتَثْمَرَ شَبَابَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ، فَعَادَ نَفْعُهُ عَلَيْهِ بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ، وَالرِّفْعَةِ وَالْمَجْدِ، وَعَادَ عَلَى أُمَّتِهِ بِعِلْمٍ غَزِيرٍ تَنْهَلُ الأُمَّةُ مِنْهُ مُنْذُ قُرُونٍ وَلَمْ يَنْفَدْ.

 

حَدِيثُنَا عَنْ إِمَامِ زَمَانِهِ، وَفَقِيهِ العَصْرِ، وَشَيْخِ الفُقَهَاءِ؛ حَدِيثُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ جَلِيلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الأَمِينِ. وَعَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا التَّافِهِينَ وَالتَّافِهَاتِ، وَلَا المُغَنِّينَ وَالمُغَنِّيَاتِ؛ لِتَسْعَدُوا وَلِتَفْرَحُوا بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. إِلَى هُنَاكَ حَيْثُ يَرْقُدُ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى، وَالنُّجُومُ الزَّوَاهِرُ، يَطِيرُ الْقَلْبُ وَلَهًا:

مَا لِلْفُؤَادِ وَنَبْضِهِ حَدٌّ
وَوَجِيبُهُ وَالْقَلْبُ يَنْقَدُ
وَالنَّفْسُ وَلْهَى هَاجَتِ الذِّكْرَى
وَالشَّوْقُ فِيهَا وَالْهَوَى وَقَدُ
وَالرُّوحُ تَسْمُو فِي تَطَلُّعِهَا
نَحْوَ الْمَعَالِي هَزَّهَا الْوَجْدُ
يَا لَلْمَشَاعِرِ هُيِّجَتْ وَبِهَا
رُوحٌ تَطِيرُ وَطَائِرٌ يَشْدُو


أَوَّلًا: الإِمَامُ مَالِكٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا مَالِكٌ!

أَيُّهَا السَّادَةُ، إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَطَيْبَةَ الطَّيِّبَةِ؛ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، حَيْثُ وُلِدَ نَجْمٌ جَدِيدٌ لِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ، لَمْ يَعْرِفِ الْعِلْمُ مِثْلَهُ، مُنْذُ أَنْ تَفَتَّقَتْ أَكْمَامُ بَصِيرَتِهِ وَجَدَ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ أُمٍّ لَا كَالْأُمَّهَاتِ، أُمٍّ عَرَفَتْ أَنَّ ابْنَهَا مَشْرُوعٌ عِلْمِيٌّ، وَمَوْرِدٌ عَذْبٌ، وَذَكَاءٌ نَادِرٌ، فَجَعَلَتْهُ هَمَّهَا الْأَهَمَّ، فَأَحْسَنَتْ تَرْبِيَتَهُ، وَوُفِّقَتْ فِي تَنْشِئَتِهِ.

 

الْتَفَتَتْ إِلَى أَعْظَمِ عُلَمَاءِ عَصْرِهِ، فَكَانَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ؛ الَّذِي كَانَ هُوَ أَيْضًا تَرْبِيَةَ امْرَأَةٍ عَظِيمَةٍ، حِينَ غَابَ عَنْهُ أَبُوهُ فِي الْجِهَادِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، فَمَا عَادَ حَتَّى رَآهُ رَجُلًا مُكْتَمِلَ الرُّجُولَةِ، وَإِنَاءً مَمْلُوءًا عِلْمًا وَفَضْلًا، عَلِمَتْ هَذِهِ الْأُمُّ وَهِيَ الْعَالِيَةُ بِنْتُ شُرَيْكٍ الْأَزْدِيَّةُ أَنَّ ابْنَهَا لَيْسَ أَقَلَّ مِنْ هَذَا الْعَالِمِ الْعَظِيمِ رَبِيعَةَ، لَوْ أَنَّهُ وَجَدَ مِنْهَا وَمِنْ مُجْتَمَعِهَا الْعِنَايَةَ الْكَافِيَةَ، كَمَا وَجَدَ رَبِيعَةُ فِي حِجْرِ أُمِّهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ يَوْمًا وَهُوَ لَمْ يَتَجَاوَزْ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَطَوَتْ عِمَامَتَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهِيَ تَقُولُ لَهُ: «اذْهَبْ إِلَى رَبِيعَةَ فَتَعَلَّمْ مِنْ أَدَبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ». نَعَمْ، الْأَدَبُ قَبْلَ الْعِلْمِ يَا أُمَّاهُ، فَبِالْأَدَبِ نَحْصُلُ عَلَى الْعِلْمِ، وَبِدُونِهِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ وَعْيُ الْأُمَّهَاتِ، وَرُؤْيَتُهُنَّ لِلْمُسْتَقْبَلِ، لَقَدْ صَبَغَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ حَيَاةَ هَذَا الْفَتَى حَقِيقَةً لَا قَوْلًا، وَوَاقِعًا لَا خَيَالًا، فَغَدَا مَدْرَسَةً فِي الْأَدَبِ يَنْهَلُ طُلَّابُهُ مِنْ هَيْئَتِهِ وَسَمْتِهِ، وَتَقْتَبِسُ الْأُمَّةُ مِنْ سِيرَتِهِ. بَلْ حَمَلَهَا رِسَالَةً فِي حَيَاتِهِ لِتَلَامِيذِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالَ يَوْمًا لِفَتًى مِنْ قُرَيْشٍ: «يَا ابْنَ أَخِي، تَعَلَّمِ الْأَدَبَ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ». صَدَقْتَ، فَلَا خَيْرَ فِي عِلْمِ امْرِئٍ لَمْ يُكْسِبْهُ أَدَبًا وَيُهَذِّبْهُ خُلُقًا، وَإِذَا حَدَثَتِ الْجَفْوَةُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ فَإِنَّهَا تُفْرِزُ أَعْرَافًا مَرَضِيَّةً، مِنْهَا: التَّهَجُّمُ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَالتَّطَاوُلُ عَلَى الْفُضَلَاءِ، وَسُوءُ الْأَخْلَاقِ، وَشُذُوذُ السُّلُوكِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالتَّقْلِيدُ الْأَعْمَى، وَنَزْعُ الْبَرَكَةِ مِنَ الْعِلْمِ ذَاتِهِ.

 

إِنَّهُ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، الَّذِي عَلَيْهِ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ، وَمَلَأَ الْأَرْضَ عِلْمُهُ، تَزَيَّنَتْ بِهِ جَنَبَاتُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، حَتَّى إِذَا قِيلَ: عَالِمُ الْمَدِينَةِ أَوْ إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ، لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَّا إِلَيْهِ، إِنَّهُ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ كَلِمَةٌ لَمْ تُقَلْ لِغَيْرِهِ: «لَا يُفْتَى وَمَالِكٌ فِي الْمَدِينَةِ».

 

مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الْمَهِيبُ الَّذِي يَأْتِي فَلَا تُرَى بَيَاضًا وَلَا حُمْرَةً أَحْسَنَ مِنْ وَجْهِهِ، وَلَا أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ ثَوْبِهِ، مُتَطَيِّبًا مُتَكَحِّلًا، طِوَالًا جَسِيمًا عَظِيمَ الْهَامَةِ، أَشْقَرَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، أَزْرَقَ الْعَيْنِ، عَظِيمَ اللِّحْيَةِ؟ قَالَ عَنْهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: «إِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ، وَمَالِكٌ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ التَّابِعِينَ».

 

وَقَالَ عَنْهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: «أَجْمَعَتْ طَوَائِفُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِمَامَةِ مَالِكٍ وَجَلَالَتِهِ، وَعَظِيمِ سِيَادَتِهِ، وَتَبْجِيلِهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَالإِذْعَانِ لَهُ فِي الْحِفْظِ وَالتَّثَبُّتِ وَتَعْظِيمِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

 

وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: «مَالِكٌ عَالِمُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهُوَ حُجَّةُ زَمَانِهِ»، وَقَالَ: «كَانَ مَالِكٌ لَا يُبَلِّغُ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا صَحِيحًا، وَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ، مَا أَرَى الْمَدِينَةَ إِلَّا سَتَخْرَبُ بَعْدَ مَوْتِهِ ـ يَعْنِي مِنَ الْعِلْمِ ـ».

 

وقالَ يحيى بنُ سعيد القَطَّان: مالك أميرُ المؤمنينَ في الحديث. وقال ابنُ سعيد: كانَ مالك ثقةً مأمونًا ثَبْتًا وَرِعًا فَقِيْهًا عالِـمًا حُجَّة. وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.

 

كَانَتِ الْمَدِينَةُ وَقْتَهَا تَعُجُّ بِالْعُلَمَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ، تَحْتَضِنُهُمُ الْجَامِعَةُ الْكُبْرَى، وَالْمَدْرَسَةُ الْأُولَى: مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عُلَمَاءُ أَطْهَارُ الْأَنْفَاسِ، بِعِلْمِهِمْ وَفَضْلِهِمْ سَادُوا النَّاسَ. تَرَبَّى عَلَيْهِمُ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَنَشَأَ فِي رُبُوعِهِمْ؛ مِمَّا سَاعَدَ عَلَى بِنَاءِ شَخْصِيَّتِهِ، وَقُوَّةِ نَفْسِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْكِرَامِ: عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ الْمَعْرُوفُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَهُمْ مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ وَأَعْلَامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَنَهِلَ مِنْهُمْ مَالِكٌ جَمِيعًا. فَأَصْبَحَ مُؤَهَّلًا لِلْفُتْيَا بَعْدَ أَنْ شَهِدَ لَهُ سَبْعُونَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يُزَكِّي نَفْسَهُ وَيُصَدِّرُهَا، وَمَنْ يُصَدِّرُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ. يَقُولُ الإِمَامُ مَالِكٌ: «وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَدِيثِ وَالْفُتْيَا جَلَسَ، حَتَّى يُشَاوِرَ أَهْلَ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ، فَإِنْ رَأَوْهُ أَهْلًا لِذَلِكَ جَلَسَ، وَمَا جَلَسْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنِّي مَوْضِعٌ لِذَلِكَ». وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا تَقْوًى وَخَوْفًا مِنَ اللَّهِ فِي أَمْرِ الْفُتْيَا، فَكَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَالَ لِلسَّائِلِ: «انْصَرِفْ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهَا»، فَيَنْصَرِفُ وَيَتَرَدَّدُ فِيهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَبَكَى وَقَالَ: «إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ السَّائِلِ يَوْمٌ، وَأَيُّ يَوْمٍ!».

 

وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَلَّفَهُ بِهَا أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَكَانَ جَوَابُ الإِمَامِ مَالِكٍ: «لَا أَدْرِي، مَا ابْتُلِينَا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَلَدِنَا، وَمَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَشْيَاخِنَا تَكَلَّمَ فِيهَا، وَلَكِنْ تَعُودُ». وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي عَادَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ الإِمَامُ مَالِكٌ: «سَأَلْتَنِي وَمَا أَدْرِي مَا هِيَ». فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، تَرَكْتُ خَلْفِي مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَعْلَمُ مِنْكَ. فَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: «لَا أُحْسِنُ».

 

وَسَأَلَهُ أَحَدُهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَطَلَبَ وَقْتًا لِلنَّظَرِ فِيهَا، فَقَالَ السَّائِلُ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَفِيفَةٌ. فَرَدَّ الإِمَامُ مَالِكٌ: «لَيْسَ فِي الْعِلْمِ شَيْءٌ خَفِيفٌ»، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾؟

 

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «لَكَأَنَّمَا مَالِكٌ ـ وَاللَّهِ ـ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ».

 

هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ مَلَئُوا الدُّنْيَا بِعِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَحْيَانًا: «لَا أَدْرِي»، وَإِنَّكَ لَتَعْجَبُ أَشَدَّ الْعَجَبِ مِنْ أَقْوَامٍ لَيْسَ لَهُمْ حَظٌّ يُذْكَرُ مِنَ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، ثُمَّ يَتَقَحَّمُونَ حِمَى الشَّرِيعَةِ، فَيَخُوضُونَ تَحْلِيلًا وَتَحْرِيمًا، يُوَجِّهُونَ وَيُنَظِّرُونَ، بَلْ وَيَتَّهِمُونَ الْعُلَمَاءَ بِالتَّخَلُّفِ وَالضَّعْفِ فِي فَهْمِ الْوَاقِعِ، وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ الْمُسْتَجَدَّاتِ. فَيُفْتِي هَؤُلَاءِ فِي أَدَقِّ أُمُورِ الشَّرِيعَةِ وَهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ، بَلْ وَلَا الثَّقَافَةِ فِيهَا، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ ثَقَافَتُهُمْ عَلَى كُتُبٍ غَرِيبَةٍ وَشَرْقِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا رَبْطٌ بِشَرِيعَةِ اللَّهِ.

 

انْتَشَرَ عِلْمُهُ فِي الْأَمْصَارِ، وَاشْتَهَرَ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ، وَضُرِبَتْ إِلَيْهِ أَكْبَادُ الْإِبِلِ، وَارْتَحَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ مِنْ شَتَّى الْأَنْحَاءِ، فَكَانَ يُدَرِّسُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَكَثَ يُفْتِي وَيُعَلِّمُ النَّاسَ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِهِ رَوَوْا عَنْهُ؛ كَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ الرَّأْيِ فَقِيهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ، مِنْ أَشْهَرِهِمْ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. بَلْ إِنَّ كَثِيرًا مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ قَالُوا: إِنَّ الإِمَامَ مَالِكًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الَّذِي عَنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإِبِلِ فَلَا يَجِدُونَ أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ».

 

وَيُرْوَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ هَارُونَ الرَّشِيدَ لَمَّا قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَرْسَلَ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ أَنْ يَأْتِيَهُ لِكَيْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ الْمُوَطَّأِ، فَأَرْسَلَ لَهُ مَالِكٌ بِأَنَّ الْعِلْمَ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي، فَقَصَدَ الرَّشِيدُ مَنْزِلَ الإِمَامِ، وَاسْتَنَدَ إِلَى الْجِدَارِ، فَقَالَ لَهُ الإِمَامُ مَالِكٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ إِجْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِجْلَالُ الْعِلْمِ.

 

وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْفِعْلُ مِنَ الإِمَامِ مَالِكٍ تَكَبُّرًا عَلَى الْخَلِيفَةِ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ، هِيَ بَيَانُ فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَتَعْلِيمُ النَّاسِ ـ سَوَاءٌ كَانُوا حُكَّامًا أَوْ مَحْكُومِينَ ـ أَنْ يُجِلُّوا الْعِلْمَ وَيُوَقِّرُوهُ، وَيَكُونَ لَهُ فِي نُفُوسِهِمْ رَهْبَةٌ وَهَيْبَةٌ، وَإِلَّا فَالإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ عَصْرِهِ تَوَاضُعًا وَلِينًا. وَكَانَ النَّاسُ إِذَا أَتَوْا الإِمَامَ مَالِكًا خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ جَارِيَةٌ لَهُ فَتَقُولُ لَهُمْ: يَقُولُ لَكُمُ الشَّيْخُ: تُرِيدُونَ الْحَدِيثَ أَوِ الْمَسَائِلَ؟ فَإِذَا قَالُوا: الْمَسَائِلُ، خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ قَالُوا: الْحَدِيثُ، دَخَلَ مُغْتَسَلَهُ، فَاغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثِيَابًا جُدُدًا، وَتَعَمَّمَ، وَوَضَعَ رِدَاءَهُ، فَيَخْرُجُ فَيَجْلِسُ عَلَى مِنَصَّةٍ، وَعَلَيْهِ الْخُشُوعُ، وَلَا يَزَالُ يُبَخَّرُ بِالْعُودِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجْلِسُ عَلَى تِلْكَ الْمِنَصَّةِ إِلَّا إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ فِي ذَلِكَ لِمَالِكٍ، فَقَالَ: «أُحِبُّ أَنْ أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَلَّا أُحَدِّثَ بِهِ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ مُتَمَكِّنًا».

 

أَلَّفَ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَمِنْ أَشْهَرِ مُؤَلَّفَاتِهِ: كِتَابُ الْمُوَطَّأِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُوَطَّأِ: «مَا ظَهَرَ كِتَابٌ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ». وَفِي عَصْرِهِ قِيلَ فِيهِ: «أَيُفْتَى وَمَالِكٌ فِي الْمَدِينَةِ؟!». وَهُوَ الَّذِي مَا أَفْتَى حَتَّى أَجَازَهُ سَبْعُونَ عَالِمًا، وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا كَانَ لِيُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ سُؤَالًا، فَأَجَابَ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقَالَ عَنِ الْبَقِيَّةِ: لَا أَدْرِي.

إِذَا مَا عُدَّتِ الْعُلَمَاءُ يَوْمًا
فَمَالِكٌ فِي الْعُلُومِ هُوَ الضِّيَاءُ
تَبَوَّأَ ذِرْوَةَ الْعُلَمَاءِ قَوْمٌ
فَهُمْ كَالْأَرْضِ وَهُوَ لَهُمْ سَمَاءُ


ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

أَيُّهَا السَّادَةُ، لِلْإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوَاقِفُ كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ، مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ سَأَلَهُ: هَلْ لَكَ دَارٌ؟ فَقَالَ: لَا. فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا دَارًا. فَأَخَذَهَا وَلَمْ يُنْفِقْهَا. عِنْدَهَا قَالَ الرَّشِيدُ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجَ مَعَنَا، فَإِنِّي عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْمُوَطَّأِ. فَقَالَ لَهُ: أَمَّا حَمْلُ النَّاسِ عَلَى الْمُوَطَّأِ فَلَيْسَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَرَقُوا فِي الْأَمْصَارِ فَحَدَّثُوا، فَعِنْدَ أَهْلِ كُلِّ مِصْرٍ عِلْمٌ. وَأَمَّا الْخُرُوجُ مَعَكَ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمَدِينَةُ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 

وَهَذِهِ دَنَانِيرُكُمْ كَمَا هِيَ، إِنْ شِئْتُمْ فَخُذُوهَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَدَعُوهَا؛ يَعْنِي: أَنَّكَ إِنَّمَا تُكَلِّفُنِي مُفَارَقَةَ الْمَدِينَةِ لِمَا اصْطَنَعْتَهُ إِلَيَّ، فَلَا أُؤْثِرُ الدُّنْيَا عَلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

 

لَقَدْ كَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ زَاهِدًا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَقَدْ أَفْلَحَ الزَّاهِدُونَ، وَلَمَّا حُمِلَتْ إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ الْكَثِيرَةُ مِنْ أَطْرَافِ الدُّنْيَا؛ لِانْتِشَارِ عِلْمِهِ وَأَصْحَابِهِ، كَانَ يُفَرِّقُهَا فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ.

 

وَدَلَّ عَلَى زُهْدِهِ سَخَاؤُهُ وَقِلَّةُ حُبِّهِ لِلدُّنْيَا، وَلَيْسَ الزُّهْدُ فَقْدَ الْمَالِ؛ وَإِنَّمَا الزُّهْدُ فَرَاغُ الْقَلْبِ عَنْهُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَارِهِ لِلدُّنْيَا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، يَنْبَغِي أَنْ تَخْتَلِفَ إِلَيْنَا حَتَّى يَسْمَعَ صِبْيَانُنَا مِنْكَ الْمُوَطَّأَ». قَالَ: فَقُلْتُ: أَعَزَّ اللَّهُ مَوْلَانَا الْأَمِيرَ، إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ مِنْكُمْ خَرَجَ، وَالْعِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي.

 

فَقَالَ: صَدَقْتَ، اخْرُجُوا إِلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى تَسْمَعُوا مَعَ النَّاسِ.

 

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا تَمَيَّزَ بِهِ مَالِكٌ فِي شَبَابِهِ أَنَّهُ صَانَ نَفْسَهُ عَنْ مُجَالَسَةِ السُّفَهَاءِ، وَالاشْتِغَالِ بِمُمَارَاتِهِمْ وَالْجِدَالِ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَتَلَوَّثْ بِسَفَهِهِمْ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلشَّابِّ فِي طَلَبِهِ لِلْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ أَنْ يُصَاحِبَ الْعُقَلَاءَ، وَيَجْتَنِبَ السُّفَهَاءَ. وَكَانَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ إِذَا جَاءَ مَالِكٌ يَقُولُ: جَاءَ الْعَاقِلُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَعْقَلَ أَهْلِ زِمَانِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «قَالَ مَالِكٌ: مَا جَالَسْتُ سَفِيهًا قَطُّ». وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ غَيْرُهُ، وَلَا فِي فَضَائِلِ الْعُلَمَاءِ أَجَلُّ مِنْ هَذَا. وَذَكَرَ يَوْمًا شَيْئًا، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّا لَمْ نُجَالِسِ السُّفَهَاءَ.

 

جَاءَ الْخَلِيفَةُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ حَاجًّا مِنْ بَغْدَادَ إِلَى مَكَّةَ، وَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَالْتَقَى بِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ ـ وَكَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ ـ: «يَا مَالِكُ، وَطِّئْ لِلنَّاسِ كِتَابًا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ»؛ يَعْنِي: أَلِّفْ لِلنَّاسِ كِتَابًا يَعْرِفُونَ بِهِ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَلَّفَ الإِمَامُ مَالِكٌ كِتَابَهُ الشَّهِيرَ «الْمُوَطَّأَ»، وَسَمَّاهُ «الْمُوَطَّأَ» كَمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: «وَطِّئْ لِلنَّاسِ كِتَابًا». وَانْتَشَرَ الْكِتَابُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَصَارَ طُلَّابُ الْعِلْمِ يَرْحَلُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَقْرَءُوا الْمُوَطَّأَ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. فَلَمَّا صَارَ لِلْكِتَابِ هَذَا الْقَبُولُ، وَوَقَعَ عَلَيْهِ هَذَا الْإِقْبَالُ، بَدَأَ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْعِلْمِ يُؤَلِّفُونَ كُتُبًا وَيُسَمُّونَهَا «الْمُوَطَّأَ»: «مُوَطَّأُ فُلَانٍ»، وَ«مُوَطَّأُ فُلَانٍ»، لَعَلَّ أَنْ يُصِيبَ كُتُبَهُمْ مِنَ الِانْتِشَارِ مَا أَصَابَ مُوَطَّأَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. فَقِيلَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الْمُضِيئَةَ: «مَا كَانَ لِلَّهِ يَبْقَى».

 

نَعَمْ، مَا كَانَ لِلَّهِ يَبْقَى، فَقَدْ ذَهَبَتْ كُلُّ تِلْكَ الْمُوَطَّآتِ، وَبَقِيَ مُوَطَّأُ مَالِكٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعْتَنُونَ بِهِ حِفْظًا، وَشَرْحًا، وَمُدَارَسَةً، وَتَحْقِيقًا.

 

وَمِنْ مَوَاقِفِهِ الْعَظِيمَةِ أَيُّهَا الْأَخْيَارُ: عِنْدَمَا حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ، أَرَادَ أَنْ يَهْدِمَ الْكَعْبَةَ، وَيَبْنِيَهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ كَانَ هَدَمَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَعَادَ بِنَاءَهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ هَدَمَهَا عَبْدُالْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَأَعَادَ بِنَاءَهَا عَلَى بِنَاءِ قُرَيْشٍ كَمَا هُوَ الْيَوْمَ. فَاسْتَشَارَ هَارُونُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ ـ وَلَمْ يُجَامِلْهُ لِأَنَّهُ الْخَلِيفَةُ ـ: «اتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاتْرُكِ الْبَيْتَ كَمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَجْعَلِ الْبَيْتَ أُلْعُوبَةً بِأَيْدِي الْمُلُوكِ، هَذَا يَبْنِي وَهَذَا يَهْدِمُ». فَتَرَكَ هَارُونُ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ الْبَيْتُ عَلَى حَالِهِ كَمَا نُشَاهِدُهُ الْيَوْمَ، بِفَضْلِ رَجَاحَةِ عَقْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَإِنَّهُ غَلَّبَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَمَصْلَحَةَ الْأُمَّةِ عَلَى مَصْلَحَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ أَوْ مَصْلَحَةِ الْخَلِيفَةِ، لِئَلَّا يُقَالَ: بِفَضْلِ رَأْيِ مَالِكٍ أَعَادَ هَارُونُ بِنَاءَ الْبَيْتِ كَمَا بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ، بَلْ قِيلَ: بِفَضْلِ رَأْيِ مَالِكٍ بَقِيَ الْبَيْتُ كَمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

وَهَذَا مَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ وَصَاحِبِ الرَّأْيِ وَصَاحِبِ الْمَكَانَةِ، أَنْ يُغَلِّبَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَمَصْلَحَةَ الْأُمَّةِ عَلَى مَصْلَحَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. وَقَدْ سَمِعْنَا وَرَأَيْنَا مَنْ غَلَّبَ مَصْلَحَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ عَلَى حِسَابِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وَالْأُمَّةِ، كَيْفَ انْتَهَى بِهِمُ الْحَالُ، وَتَغَيَّرَ عَلَيْهِمُ الْمَآلُ.

 

فهَذِهِ لَمَحَاتٌ مِنَ السِّيرَةِ الْعَطِرَةِ لِإِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ، وَأَحَدِ الْقُدْوَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي لَنَا الِاقْتِدَاءُ بِهَا، وَالسَّيْرُ عَلَى طَرِيقِهَا، وَأَلَّا نَمَلَّ مِنْ ذِكْرِهَا وَذِكْرِ أَمْثَالِهَا، لِأَنْفُسِنَا وَأَبْنَائِنَا وَمَنْ حَوْلَنَا. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الْأَنْعَام: 90].

 

فَمَا أَحْوَجَ الْأُمَّةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ الْكَبِيرِ، وَالْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ، لِيَكُونَ مَنَارَةَ سَبِيلٍ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْمُلِمَّاتُ وَالْخُطُوبُ.

إِلَهِي لَسْتُ لِلْفِرْدَوْسِ أَهْلًا
وَلَا أَقْوَى عَلَى النَّارِ الْجَحِيمِ
فَهَبْ لِي تَوْبَةً وَاغْفِرْ ذُنُوبِي
فَإِنَّكَ غَافِرُ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ


أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ للهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ، وَكَانَ الإِمَامُ مَالِكٌ صَاحِبَ هَيْبَةٍ وَوَقَارٍ، قَالَ عَنْهُ الْعُلَمَاءُ: كَانَتْ لِمَالِكٍ هَيْبَةٌ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ إِجْلَالًا لَهُ، حَتَّى إِنَّ الْمُلُوكَ وَالْخُلَفَاءَ كَانُوا يَهَابُونَهُ وَيُعَظِّمُونَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: «مَا رَأَيْتُ أَشَدَّ هَيْبَةً مِنْ مَالِكٍ، لَقَدْ كَانَتْ هَيْبَتُهُ أَشَدَّ مِنْ هَيْبَةِ السُّلْطَانِ».

 

قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: «كَانَ مَالِكٌ يُطِيلُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِي وِرْدِهِ، وَإِذَا وَقَفَ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ يَابِسَةٌ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَيْءٌ».

 

وَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مَالِكٍ: «كَانَ مَالِكٌ يُصَلِّي كُلَّ لَيْلَةٍ حِزْبَهُ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَحْيَاهَا كُلَّهَا».

 

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: «رَأَيْتُ مَالِكًا فَرَأَيْتُهُ مِنَ الْخَاشِعِينَ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ اللَّهُ بِسَرِيرَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْتَحَ لَهُ فُرْجَةٌ فِي قَلْبِهِ، وَيَنْجُوَ مِنْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ، وَأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيَكُنْ فِي عَمَلِهِ فِي السِّرِّ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ».

 

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: «مَا هِبْتُ أَحَدًا قَطُّ هَيْبَتِي مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ».

 

وَمِنْ أَعْظَمِ كَلِمَاتِ الإِمَامِ مالك بن أنس الْخَالِدَةِ: «كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلَّا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ» يُشِيرُ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ محمد بن عبدالله، وَفِي هَذَا غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالتَّعْظِيمِ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

 

وَبَعْدَ حَيَاةٍ حَافِلَةٍ بِالْعِلْمِ وَالْهُدَى، وَالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، مَرِضَ الإِمَامُ مَالِكٌ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ جَاءَتْهُ مَنِيَّتُهُ. قَالَ بَكْرُ بْنُ سُلَيْمٍ الصَّرَّافُ: «دَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ، أَلَا إِنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ غَدًا مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ فِي حِسَابٍ». قَالَ: «مَا بَرِحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ»، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ. مَاتَ هَذَا الإِمَامُ الْجَلِيلُ، وَقَدْ خَلَّفَ لِلْأُمَّةِ مَذْهَبًا فِقْهِيًّا، وَتُرَاثًا عِلْمِيًّا عَظِيمًا. وَيَكْفِيهِ مِنَ الشَّرَفِ: أَنْ جَمَعَ لِلنَّاسِ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُوَطَّئِهِ، وَأَنْ قَدَّمَ لِلْأُمَّةِ تَلَامِيذَ نُجَبَاءَ، حَمَلُوا الرَّايَةَ مِنْ بَعْدِهِ؛ كَالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَأَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ وَهْبٍ.

 

إِنَّ شَبَابَ الْيَوْمِ يَحْتَاجُونَ إلى مَنْهَجٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَمَنْهَجِ مَالِكٍ؛ لِئَلَّا تَتَمَارَى بِهِمُ الْأَهْوَاءُ، وَلِكَيْلَا تَفْتِكَ بِهِمُ الْفِتَنُ؛ فَالْعِلْمُ بِلَا خَشْيَةٍ يُورِثُ تَحْلُّلًا مِنَ الدِّينِ، وَاسْتِخْدَامًا لِلرُّخَصِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَإِفْسَاد الْعَامَّةِ بِهَا. وَالتَّسَارُعُ فِي الْقَوْلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِلَا عِلْمٍ يُرَسِّخُ أَدْوَاءَ الْهَوَى فِي الشَّبَابِ، حَتَّى يُعْجَبَ كُلُّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَيَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابًا مِنَ الْفِتَنِ كَانُوا فِي مَنْجَاةٍ مِنْهَا. وَمَا دَاءُ كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ الْيَوْمَ إِلَّا الْإِعْجَابُ بِالرَّأْيِ، وَالتَّصَدُّرُ قَبْلَ الْأَوَانِ، وَالتَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ التَّوْجِيهِ وَالْإِرْشَادِ. وَمَنْ أَرَادَ الْفَلَاحَ جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْخَشْيَةِ، وَصَبَرَ عَلَى مَشَقَّةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَجَانَبَ السَّفَهَ وَالْغَفْلَةَ.

 

جَعَلَنَا اللهُ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِالتَّقْوَى وَالْخَشْيَةِ. رَحِمَ اللَّهُ الإِمَامَ مَالِكًا رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ الْجَنَّاتِ، جَزَاءَ مَا عَلَّمَ وَأَلَّفَ وَنَصَحَ، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْهُ قُدْوَةً وَأُسْوَةً.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • محنة الإمام مالك بن أنس
  • أعمام الإمام مالك رحمه الله
  • مناسك الحج على مذهب الإمام مالك رحمه الله
  • الملخص الجامع لمذهب الإمام مالك

مختارات من الشبكة

  • إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مخطوطة مناقب الإمام مالك بن إنس (ج1 من النسخة الثانية)(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مختصر العلامة الأخضري في العبادات على مذهب الإمام مالك (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الرسالة في فقه الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى - تأليف الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي (المتوفى سنة 376 هـ) رحمه الله تعالى (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الملك المحدث: إجازة بخط الإمام الحافظ عبدالرحيم العراقي للملك الأشرف الرسولي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: موعظة الإمام مالك بن أنس للخليفة هارون الرشيد رحمهما الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حول مصنفات وآثار الإمام ابن جرير الطبري (15) كتاب الرد على ابن عبدالحكم في رده على مالك(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • مختصر العلامة الأخضري في العبادات على مذهب الإمام مالك ومعه: إتحاف الطالب الذكي بأدلة مختصر الأخضري (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/4/1448هـ - الساعة: 1:1
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب