• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (25) هدايات سورة البقرة: ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    غض البصر... عبادة في زمن الفتن
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    متى يترخص المسافر برخص السفر
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    من مائدة التفسير: سورة القدر
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    الصلاة ذلك المحفل الكبير (3)
    محمد شفيق
  •  
    مكة المكرمة (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    تعريف العام
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    الخطابة عند الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى
    د. وفا علي وفا علي
  •  
    أسماء الإيمان والدين
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    فضل العبادة في أوقات الغفلة
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    المكرمون بظل عرش الرحمن (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    التضحية (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    حسبنا الله ونعم الوكيل (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    تفسير قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    دعاء يحفظ ولدك من الشيطان
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    شرح الحديث القدسي "يا بن آدم..": دراسة عقدية ...
    عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / أصول فن الخطابة / فقه الخطبة
علامة باركود

الخطابة عند الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى (1)

الخطابة عند الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى (1)
د. وفا علي وفا علي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 21/4/2026 ميلادي - 4/11/1447 هجري

الزيارات: 222

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الخطابة عند الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله تعالى - (1)


لقد تبين من سيرة الشيخ علي الطنطاوي ـــ رحمه الله تعالى ــ وما أثر من خطابته أنه ممن وهبوا الاستعداد الفطري والملكة البيانية والقدرة التأثيرية التي نماها بما حفظ من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتَّتَلْمذ الواعي على علوم الشرع واللغة وعلوم النفس والاجتماع وغير ذلك من مجالات العلم والفكر التي كان لها أبعد الأثر في تكوينه الثقافي والفكري والإلقائي؛ ولا عجب أن يلقب ـــ رحمه الله تعالى ــ بفقيه الأدباء وأديب الفقهاء.

 

وللطنطاوي ـــ رحمه الله تعالى ــ أكثر من ألف خطبة ألقاها على مدى ثلث قرن تناول فيها شتى الموضوعات لكن لم يتبقَّ منها إلا القليل؛ إذ إنها كانت في أغلبها مرتجلة، ومن هنا يمكن الاعتماد على ما تحت أيدينا منها لعله يكون دليلًا على ما ضاع وكاشفًا لطبيعته.

 

أولًا: الخطبة الدينية:

وهي التي تعتمد على إثارة العاطفة لتحبب إليها الخير وتنفِّرها من الشر وتوجهها إلى تقوى الله وحبه وخشيته، وموضوعها ديني روحي، وثمرته سعادة الفرد والمجتمع، وتمجيد الله وطاعته وابتغاء الخير منه[1].

 

ومن خطب الطنطاوي الدينية خطبة بعنوان "دعوة الإسلام" ألقيت على منبر مسجد جامعة دمشق سنة 1951م[2].

 

وقد تناول الطنطاوي في هذه الخطبة أفكارًا كثيرة يربطها خيط واحد هو طبيعة الإسلام ومزاياه.

 

فتكلم عن مكانة دعوة الإسلام بين الدعوات الأخرى، وجعل ذلك هدفًا لخطبته فقال: "... إن دعوتنا هي دعوة الكمال، فكلما تردَّد الإنسان بين طريقتين دعونا إلى خير الطريقتين.

 

إن تردد العقل بين حق وباطل، كانت دعوتنا هي دعوة الحق، وإن تردد الطبع بين فضيلة ورذيلة، كانت دعوتنا هي دعوة الفضيلة، وإن تردد المرء بين لذة وواجب كانت دعوتنا هي دعوة الواجب"[3].

 

ثم وضح طبيعة هذه الدعوة؛ ليكشف الطريق للسالكين في قوله: "ونحن نعترف أنها دعوة لأصعب الطريقتين، وأشق الأمرين؛ ذلك لأن الانحدار من الهوى سهل، ولكن الصعود إلى المثل الأعلى صعب، والماء ينزل وحده حتى يستقر في قرارة الوادي، ولكنه لا يصعد إلا بالمضخات.

 

والذي يدعو إلى الإثم يغري الناس بكل لذيذ ممتع، يهواه القلب، ويعشقه الطبع، من لذة النظر، ولذة اللمس، واللذة الأخرى التي ركَّبها الله في كل نفس، فما الذي يغري به الناس داعي الصلاح؟

 

ليس له ما يغريهم به إلا رضا الله والعمل للآخرة، وترك عاجل محقق، لآجل هو عند ضعاف الإيمان غير محقق؛ لذلك أثنى الله على المؤمنين بالغيب، ووعدهم أعلى المراتب في الجنة؛ ولذلك يجتمع على حرب دعوتنا، أولياء النفس والشيطان، واللاهون العابثون الذين لا يفكرون بشيء، ولا يهتمون لشيء"[4].

 

ثم بين الغاية السامية من دعوة الإسلام التي تستهدف الانتقال بالإنسان والارتقاء به من حيوانيته إلى ملكيته، ومن عالم الأرض إلى عالم السماء، ومن الدنيا فقط إلى الدنيا والآخرة جميعًا؛ لينعم ويسعد في ظل خالقه وما شرعه من أجله، فقال: "... ورأس دعوتنا أن نوقظ الملك في الإنسان، حتى يكف يده عن الظلم، وجوارحه عن اتباع الشهوة إلا من طريق الحلال، وأن يسأل الإنسان نفسه: لماذا خلقت وإلى أين المسير؟ ويتفكر في خلق السماوات والأرض وفي خلق نفسه وفي غاية الخلق، وفي حقيقة المصير.... ونحن ندعو إلى رفع الأنظار إلى السماء لنتصل بالله....

 

ونحن ندعو إلى مد البصر إلى الأمام. فننظر إلى بعيد، ونعمل ليومنا واليوم الآخر. ودعوتنا واضحة صريحة، وطريقنا مستقيم بيِّن، لا حجب لدينا ولا أستار، ولا خفايا ولا أسرار"[5].

 

ويوضح الطنطاوي طبيعة دعاة الإسلام وما يتسمون به من قوة وثبات ناشئين من ثبات الدعوة وقوتها؛ لأنها من صنع الله وليست من صنع بشر يخطئ ويصيب، بقوله: "... ونحن ثابتون على دعوتنا، لا نستطيع أن نساوم فيها، أو ننقص منها؛ لأنها ليست دعوة وضعية نحن وضعناها، فنحن نملك التصرف فيها، بل هي دعوة إلهية، ألقاها ربنا من فوق سبع سماوات على رسول منا، فمن شاء فليتبعها ليكن معنا، ومن شاء فليخالفها، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، إنما نحن دعاة وعلى الله الحساب"[6].

 

ويستشهد الطنطاوي بالتاريخ الإسلامي الذي يؤكد ثبات دعوة الإسلام التي لا تتزلزل أمام الشدائد ولا تنال منها العوائق، وإنما تتغلب على كل الأخطار وتخرج منها أقوى مما كانت؛ لأنها دعوة محفوظة بحفظ الله تعالى.

 

فيقـــول: "وهذه الدعوة أقوى من أن يردها شيء؛ لأنها ذكر الله، ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].

 

وقد لقي الإسلام مصائب شديدة، ورأى أيامًا أشد سوادًا، وقامت في وجهه مصاعب فكرية ومادية، فما وقفت سيره لحظة؛ من مكايد المشركين واليهود، إلى القرامطة، والباطنية، والتَّتَر، والصليبين، إلى الصليبين واليهود اليوم مرة ثانية، والإسلام هو الإسلام....

 

ولقد كانت فتنة القرامطة مثلًا تملأ الأرض كلها، وتهدد الإسلام، حتى إن أتباعها اقتلعوا الحَجَر الأسود، وذبحوا الحجاج على ظهر الكعبة، حتى سالت دماؤهم من ميزاب الرحمة، وحسب ضعاف الأحلام، أنها نهاية الإسلام، فأين القرامطة اليوم، وأين من يعرف خبرهم؟[7]


وينتقل الطنطاوي من الكلام على مزايا دعوة الإسلام، إلى تصحيح الفهم المغلوط الذي يقيد الإسلام بالعبادة فحسب، ويحجر على رحابته التي تتَّسِع لكل مظاهر الحياة وتضبط حركتها بميزانه القويم.

 

فيقــــول: ".. إن أول ما ندعو إلى فهمه أن الإسلام ليس دينًا كالأديان، إن الدين عند العلماء الأوربيين، ومن يتكلَّم بلسانهم، ويأخذ عنهم، هو ما يربط الإنسان بالله، ومكانه المسجد أو الكنيسة أو المعبد؛ ولذلك قالوا: إن الدين لله والوطن للجميع، وقالوا بفصل الدين عن السياسة، وفصل الدين عن العلم، وهذا كله حق في دين الإسلام وفي غير الإسلام من الأديان، ولكن ميزة الإسلام أنه ليس دينًا فقط، بل هو دين، وهو تشريع، وهو أخلاق، وهو سياسة، وهو علم.

 

افتحوا أي كتاب من كتب الفقه، تروا فيه باب العبادات، وهذا وحده الدين في عُرْف الأوربيين، وباب المعاملات، وهذا هو القانون المدني، وباب العقوبات، وهذا هو القانون الجزائي، وباب المناكحات، وهو قانون الأحوال الشخصية، وأحكام الإمارة والبيعة، وهو الدستور أي القانون الأساسي، وباب الجهاد، وهو القانون الدولي.

 

فالإسلام للفرد: يبين له ما يحل له وما يحرم عليه، وكيف يقوي جسمه ويصلح نفسه، ويكمل أخلاقه.

 

والإسلام للأسرة يحدد صلات الولد بأبيه، والأخ بأخيه، والزوج بزوجه ماليًّا وأدبيًّا.

 

والإسلام للسوق: يبين حلال المعاملات من حرامها.

 

والإسلام للحاكمين والمحكومين، والمسلمين والمحاربين، فلا يخطو المسلم خطوة ولا يعمل عملًا، إلا وللإسلام فيه حكم من الأحكام الخمسة: وهي الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم"[8].

 

ولما تكلم الطنطاوي عن شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة، خشي أن يفهم من قوله أنه يدعو إلى الانغلاق والتقوقع، فرأى أن عليه أن يوضح موقفه الذي يرتضيه الإسلام من الحضارة الغربية التي تخبط الناس فيها كثيرًا بين القبول والرفض.

 

يقول الطنطاوي: "ونحن لا نكره هذه الحضارة الغربية، ولا نرفضها جملة كما يفعل الجهلة المتعصبون، ولكن لا نقبلها كذلك جملة، كما يفعل القردة المقلدون، بل نحكِّم فيها شرعنا وعقولنا فنأخذ منها ونَدَع.

 

نأخذ أخذ المبصر المميز، لا أخذ الأعمى الجهول، ولا كمن كان في الظلام فخرج إلى النور فغشيت عيناه، ولا القرد الذي قلد النجار فعلق ذنبه في الشق.."[9].

 

ويوضح الطنطاوي حاجة الأمة إلى أخذ كل نافع من حضارة الغرب؛ لتعود الأمة إلى ريادتها وتقوم بدورها القيادي كما كانت من قبل.

 

وذلك بقوله: "بل إنه ليجب علينا وجوبًا أن نأخذ كل نافع من حضارة الغرب ووسائل القوة، وطرائف العلم، وأسباب القوة. وألا نتخلف عن ركب المدنية، فلقد كنا أبدًا في الطليعة، ولولا وقوف الأتراك، الذين كانوا قادتنا يومئذٍ، ما سبقتنا أوربا أبدًا" [10].

 

ويشيد الطنطاوي بمعجزة الإسلام التي ربطت بين أتباعه برباط لا نظير له، وصنعت منهم أمة واحدة على اختلاف أجناسها وألوانها وألسنتها لا مثيل لها.

 

فيقــول: "إن من معجزات الإسلام أنه سبق عصره سبقًا طويلًا، فصنع أمة ليس في وحدتها نظير من أمم شتى، مختلفة ألسنتهم وألوانهم تجمعهم كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" والقبلة، البيت الحرام" [11].

 

وإذا كانت أمة الإسلام لها ما يميزها بين الأمم، فإن لنظامها الإسلامي ما يميزه بين الأنظمة العالمية يوضح ذلك بقوله: "وإذا كانت الشيوعية، وكانت الديمقراطية، تحاول أن تحل مشاكل العالم، فالإسلام يحلها على طريقته وأسلوبه، وهو نظام كامل لا نحتاج معه إلى البحث عن الديمقراطية في الإسلام، والشيوعية في الإسلام، تقربًا إلى أهلها وتزلُّفًا، كما يصنع بعض قُصَّار النظر منا، ولو عقلت أمم الإسلام لكانت كتلة ثالثة ضخمة تطفئ هذه النار التي ينفخ فيها الشيوعيون ليحرقوا بها الحضارة وأهلها، وتعيد إلى الدنيا الأمن والسلام بالإسلام"[12].

 

ويوضح الطنطاوي علاقة العروبة بالإسلام؛ حتى يبطل الكيد ويسد ذرائع الأعداء الذين يستغلون كل وسيلة لتفريق الصف المسلم وإحياء عصبية الجاهلية لتمزيقه وتفتيت وحدته، وذلك بقوله: "ونحن لا نكره الدعوة إلى العروبة، إنها دعوتنا نحن معشر المسلمين وكل داعٍ للإسلام داعٍ لها، وهذه أمم الأعاجم من الفرس والترك والهند والصين، ما الذي علمهم العربية وحبب إليهم أهلها إلا الإسلام.

 

وكل دعوة إلى العروبة دعوة إلى الإسلام، إذ ما العربية، وما الإسلام، لولا محمد؟

لــولا محـمد لبقـي العرب أمة بدوية جاهلـية، لم يدر بها التـاريخ ولـم تـحس بـها الحضارة"[13].

 

ويدعو الطنطاوي الأمة إلى إقامـة شـرع الله مبينًا جماله ونظامه ومزاياه التي تحتم الأخذ به كمنهج للحياة، له من أصالته ومرونته واتِّساعه ما يفي بكل قضية ويستوعب كل جديد، قــال: "ونحن ندعو إلى التشريع الإسلامي، ولكن لا كما يرجف بنا المخالفون، ويشيعون عنا، إننا لا نريد أن نطبق حاشية ابن عابدين مثلًا بكل ما فيها، ولا كتب المـتأخرين، بـل ننظر إلى الأحكام التي ورد عليها النص في الكتاب والسنة أو الحديث الصحيح، فلا نخالفها.

 

أما الأحكام التي بنيت على عرف واستندت إلى اجتهاد، فإنه لا ينكر في مثلها تغير الأحكام بتغير الأزمان.

 

ففي الحقوق الأساسية لا يشترط الإسلام شكلًا معينًا للحكومة، ولا طريقًا معينًا لإدارتها، إنما يشترط الانتخاب الصحيح في الحاكم؛ أي: البيعة، والشورى في الحكم، وذلك بعد التقيد بنصوص الدين، وكل حكومة انتخابية سواء كانت جمهورية محددة بمدة، أو ممتدة مدى الحياة، وكانت لا تخالف هذه النصوص، فهي حكومة إسلامية.

 

أما هذا النظام البرلماني فلا يخالف روح الإسلام، ولكنه لم يثبت على التجربة، ولم ينجح إلا في إنكلتره، وهي معدنه ومنها مخرجه.

 

وفي الحقوق المدنية نقبل كل قاعدة، وكل حكم لا يخالف النص ويتضمن تحقيق العدالة.

 

ومن مزايا الإسلام أنه ترك أكثر الأحكام في المعاملات لاجتهاد المجتهدين؛ ليراعي فيها الزمان، والمكان، وأحوال الرعية وأعرافها؛ ولذلك كثرت فيها المذاهب وتعددت الأقوال، حتى صار عندنا ثروة حقوقية لا تعادلها ثروة، لا الحقوق الرومانية، ولا الحقوق الغربية اليوم، وأنا أقول ما أقول عن بينة، وأثبت ما أقول بالأدلة"[14].

 

ويستنكر الطنطاوي ترك الأمة لهذا التشريع الرباني، وإهمالها لجهود علمائه بقوله: "فلماذا ندع هذا كله، ونشحذ القانون المدني من فرنسا، أو ممن شحذوه من فرنسا، إننا إن لم نأخذ آراء فقهائنا على أنها دين، فلنأخذها على أنها ثروة قومية، ومفخرة وطنية؛ ولأنها مشتقة من طبيعة مجتمعنا؛ ولأنها تعالج مشاكل أمتنا"[15].

 

ثم يقترح الطنطاوي أن يرجع في التشريع إلى أهله من العلماء وأهل الخبرة؛ حتى تكون القوانين موافقة لشرع الله، لا لأهواء النفوس وانحرافات البشر، وضلالات الجهال.

 

فيقول: "ونحن ندعو إلى تكوين لجنة من كبار العلماء، ممن لهم بصر واسع في الفقه، ووقوف على الأدلة، وإدراك لمقاصد الشريعة، وبعد عن التعصب الفكري والمذهبي، فيعرض عليها مشروع كل قانون قبل إقراره لبيان حكم الله فيه"[16].

 

ثم يختم الطنطاوي خطبته بعرض خصائص الدعوة الإسلامية وركائزها المميزة لها في إجمال، فيقول: "إن دعوتنا هي دعوة الإيمان بالله وحده لا شريك له، لا نقيم أصنامًا من حجر ولا أصنامًا من لحم ودم، وأنه هو الذي يُقسم الأرزاق ويقدر الأعمار، فلا نخاف في الحق أحدًا، ولا نطيع في معصية الخالق مخلوقًا، ولا ندع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

هي دعوة الصدق والاستقامة فلا يكون المسلم غشَّاشًا ولا كذَّابًا ولا سراقًا، ولا دجَّالًا ولا شحاذًا، ولا بطالًا ولا فظًّا ولا غليظًا، ولا رخوًا ذليلًا.

 

هي دعوة المحبة والأخوة: المسلم أخو المسلم، لا يؤذيه بيد ولا لسان، ولا يظلمه ولا يدعو عليه. والخلق كلهم عيال الله. فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. وفي (كل كبد حَرَّى أجر) حتى في الإحسان للحيوانات العَجْماوات.

 

هي دعوة القوة والعزة والجهاد: جهاد النفس، وجهاد العدو، الجهاد باللسان، والجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، وأن يعمل المسلم للدنيا كأنه يعيش فيها أبدًا، وأن يعمل للآخرة كأنه يموت غدًا.

 

وإن المرأة أخت الرجل، لها حقوقها المالية والاجتماعية، ولها طلب العلم، ولها المنزلة والكرامة، على ألا تتكشف التكشُّف المؤدي إلى المعصية، فتبدي أكثر من الوجه والكفَّين في غير ما فتنة منها أو بها. وألا تختلط بالرجال الاختلاط المؤدي إلى الفساد، لا في الجامعة، ولا في السوق، ولا في النزهة، ولا في الدار، وألا تخلو امرأة برجل أصلًا إلا إن كان مَحْرَمًا لها، وألَّا تسافر إلا مع مَحْرَم لها.

 

وإن من واجبات المسلم محاربة المنكرات، والبدع في الدين، والتمسك بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

 

وإن الإسلام، نشر العدالة الاجتماعية بين الناس، ومنع الظلم، وألَّا يتخذ بعض الناس بعضًا أربابًا من دون الله، وألا يستعبد أحد أحدًا"[17].

 

ثم يؤكد الطنطاوي على أن حمل الناس على أخلاقيات الإسلام وشرائعه لا ينبغي أن يكون طفرة واحدة؛ حتى لا يحدث ذلك نتيجة عكسية، وإنما يفترض أن يكون ذلك بالتدريج وحسب سُلَّم الأوليات؛ لأن الفساد قد طال أمده، فيحتاج إلى حكمة ووقت في اقتلاعه.

 

يقول: "ولسنا ندعو إلى الطفرة ولا إلى الثورة، لا خوفًا من أحد، فإن المسلم لا يخاف إلا الله، ولكن اعتقادنا أن الذي يأتي بالطفرة، يذهب بالطفرة، وأن التدرج سنة الله، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلًا..

 

والفساد ما جاء في يوم واحد، حتى يذهب في يوم واحد، لقد قصر النساء الملاءة أصبعًا أصبعًا، حتى خرجن سافرات، بالأكمام اليابانية، وحتى اختلط في الجامعة الفتيات المسلمات وبنات الصالحين بالشباب الأجانب، فلنرجع إلى الصلاح خطوة خطوة وأصبعًا أصبعًا"[18].

 

كما يرد الطنطاوي تهم دعاة التكشف والاختلاط بالمنطق والدليل، مؤكدًا على أن التصون والعفاف هو التقدم والارتقاء.

 

وذلك بقوله: "ولا تلقوا بالًا لمن يقول إنها "رجعية"، فإن هذا التكشف هو الرجعية؛ لأن الناس ولدوا متكشفين، وكانوا كذلك في فجر البشرية، ثم تحضروا فاستتروا، فالذي يدعو إلى التكشف هو الرجعي؛ وكل حمير الدنيا عراه (مباح في عرفهن الحماري) العري والاختلاط، وإنما يمتاز البشر بالتصون والتستر والعفاف"[19].

 

وينهي الطنطاوي خطبته بعد ذلك باستفهامات استنكارية وتقريرية ينعى فيها على من تنكَّب طريق هذه الدعوة وجهلها، أو عاداها وجحدها، مؤكدًا أن النصر والمستقبل لها؛ لأنها الدعوة الصحيحة الثابتة المؤيدة من الله تعالى.

 

فيقول: ".. هذه هي الدعائم الكبرى والأركان، وستتم بما يجيء من البيان إشادة البنيان.

 

فما الذي يعاب على هذه الدعوة؟ ما الذي يدفع أقوامًا إلى السخط عليها أو الخوف منها؟ أليست دعوة الحق؟ أليست دعوة الفضيلة؟ أليست دعوة العزة؟ أليست دعوة الكمال؟

 

بلى، وإن الظفر لها والمستقبل لأصحابها؛ لأنه لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى إلا الأصلح.

 

والله معنا ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحج: 38][20].

 

وبهذا العرض الرائع، والفهم الدقيق لدعوة الإسلام، يكون الطنطاوي قد أسدى إلينا بخطبته تلك رسالة موجزة ومركزة، بها تفسير دقيق لمعنى الإسلام وعرض شيق لمزاياه، استحقت بحق أن تبلغ للناس، وتنشر عليهم وتترجم لهم، ليتمسك بها المؤمن، ويرتدع بها السفيه، ويتعلم بها الجاهل.



[1] فن الخطابة، د/ أحمد محمد الحوفي، ص 99، ط الأولى 1996م، دار نهضة مصر.

[2] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص9.

[3] السابق، ص9.

[4] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص9، 10.

[5] السابق 10، 11.

[6] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 11.

[7] فصول إسلامية، ص 12.

[8] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 12.

[9] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 14.

[10] فصول إسلامية، ص 14.

[11] فصول إسلامية، ص 15.

[12] فصول إسلامية، ص 15.

[13] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 16، 17.

[14] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 16، 17.

[15] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 18.

[16] السابق، ص18.

[17] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص19، 20.

[18] فصول إسلامية، ص 20.

[19] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 20.

[20] فصول إسلامية، ص21.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • أدب الرحلات عند الشيخ علي الطنطاوي
  • الشيخ علي الطنطاوي كما عرفته
  • سيرة الشيخ علي الطنطاوي
  • مع كتب الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله تعالى
  • درر الشيخ علي الطنطاوي (21)
  • درر الشيخ علي الطنطاوي (22)

مختارات من الشبكة

  • تدريب عملي للطلاب المسلمين على فنون الخطابة والتواصل الفعال(مقالة - المسلمون في العالم)
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين(مقالة - المسلمون في العالم)
  • رثاء العلامة الأديب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى (قصيدة)(مقالة - موقع د. محمد منير الجنباز)
  • جهود الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في الدعوة(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • وفاة سماحة المفتي عبدالعزيز آل الشيخ رحمه الله: الأثر والعبر (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • الشيخ عبد القادر الخطيب الحسني من علماء دمشق وخطبائها(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • نجاح القاري شرح صحيح البخاري للشيخ يوسف أفندي زاده رحمه الله (ت 1167هـ) (PDF)(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • الكلمات النيرات من كتاب الذكريات للشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • درر الشيخ علي الطنطاوي (20)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • درر الشيخ علي الطنطاوي (19)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • متخصصون يبحثون تطوير تعليم القرآن للكبار في سراييفو
  • ندوة علمية تناقش واقع الإسلام في روسيا
  • 60 شابا يتنافسون في المسابقة الإسلامية ببلدة نورلت
  • تتويج الفائزين في مسابقة المؤذنين بزينيتسا
  • باحثون يسلطون الضوء على دور المسلمين في المجتمع الهندي
  • 60 معلمة تشارك في ندوة لتعزيز مهارات معلمات القرآن في مومشيلغراد
  • مسلمو تتارستان يطلقون حملة تبرعات لدعم ضحايا فيضانات داغستان
  • برنامج شبابي في تزولا وأوراسيي يدمج التعليم بالتكنولوجيا الحديثة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 3/11/1447هـ - الساعة: 15:51
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب