• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    معاملة الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه
    د. محمود مقاط
  •  
    جوهر أسس مناهج التربية
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    بين رغد العيش وخشية الزلل (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    من وحي الهجرة: أو مخرجي هم؟!
    صلاح خليل
  •  
    السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (1) لماذا ندرس ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    هل نصرنا الله لينصرنا الله؟! (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    التربية والعشرة الزوجية سكن ومودة (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    الأدب مع الزوج (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    مداخل الشيطان (خطبة)
    ساير بن هليل المسباح
  •  
    تحريم قول القائل: ما المانع أن يخلق الخالق نفسه!؟ ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    آثار تصحيح العقود: أثر تصحيح العقد على الضمان
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    شرح حديث: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل ...
    أ. د. كامل صبحي صلاح
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    كفالة اليتيم تقربك من النبي صلى الله عليه وسلم في ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    قاعدة: يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء
    معاذ بن عبدالله بن فهد السلوم
  •  
    قطرة الماء.. شريان الحياة وأمانة الاستخلاف (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / سيرة
علامة باركود

معاملة الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه

معاملة الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه
د. محمود مقاط

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/10/2026 ميلادي - 9/5/1448 هجري

الزيارات: 463

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

معاملة الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه ربي رحمةً للعالمين، بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وصفه ربُّه- جلَّ وعلا- بصفات الجلال والكمال، وأعظم صفاته التي وصفه الله تبارك وتعالى بها في سورة القلم، فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، فسُرَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- بهذا المدح الجميل والثناء الحسن، ولا سيما هذا المدح جاء من ملك الملوك وقيوم السماوات والأرض الذي يعلم السر وما يخفى، فكان شعار النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك "إنما بُعِثتُ لأُتمِّم صالح الأخلاق"، وروى مثل هذا أبو هريرة-رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما بُعِثتُ لأُتمِّم صالح الأخلاق»[1]، فكان هذا هديه وشعاره وصفاته، فذكره الناس بهذه الصفة الحميدة، كما روى ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي- صلى الله عليه وسلم: «كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان»، وقال أبو ذر، لما بلغه مبعث النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاسمع من قوله، فرجع فقال: «رأيته يأمر بمكارم الأخلاق»[2]، فأحببت أن أكتب مقالًا تَذْكِرة لنفسي وعبرة لغيري، أوسمته بمعاملة النبي- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه، مستعينًا بالله للتوفيق والسداد.

 

أولًا: معاملة النبي- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه قبل الهجرة:

فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- مرَّ بأحوال عصيبة في بداية الدعوة، فلاقى من كفار قريش شتى أنواع الأذى بجميع فنونه وصوره وأحواله وحالته، فلم يتركوا شيئًا إلا وجربوه معه، ولكنه- صلى الله عليه وسلم- كان يقابل إساءتهم بإحسان، ونظرتهم الحاقدة بابتسامة رقيقة وقلبٍ صافٍ، وجلادة كلامهم بأحسن الكلام وأرقه وألطفه، لعل الله يخرج من أصلابهم من يقول: "لا إله إلا الله"، فهذا عتبة بن ربيعة كان من أشد الناس عداوة للنبي- صلى الله عليه وسلم- فتعامل معه النبي-صلى الله عليه وسلم- بالأخلاق الحميدة، والكلام الحسن؛ فغيَّر فكره، وأبطل نكره، وجعله يعترف بأن ما أرسل به هو الحق، لكن الكِبر أعماه، فأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن كعب، قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة- وكان سيدًا حليمًا- قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورًا؛ لعله أن يقبل منها بعضها ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك، فلما فرغ عتبة، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [فصلت: 1 - 3]"، فمضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه حتى انتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى السجدة، فسجد فيها، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟"، قال: سمعت، قال: فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني والله لقد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه؛ فوالله، ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ"[3].

 

أما أبو جهل فقد كان الحقد يملأ عينيه، والبغض يفيض من قلبه، والقبح يتدفق من فكره، فكان من أشد الناس قهرًا للمسلمين وأكثرهم تعذيبًا، يسير في الطرقات محذرًا الناس من اتِّباع النبي- صلى الله عليه وسلم- ولا سيَّما في مواسم الحج، وبلغ به من الحقد والأذى مبلغًا عظيمًا حتى أثر ذلك على شكله من عبوس وجهه وسواد بشرته، لكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- احتوى كل فكره ومكره وإيذائه للمسلمين وقهره، فكان يناديه بأحب الأسماء إليه، ويذكره في دعائه "اللهم أعِزَّ الإسلام بأحب العمرين إليك: عمرو بن هشام، وعمر بن الخطاب" ورغم ذلك خرج أبو جهل غاضبًا ذات يوم؛ لأن عدد المسلمين في زيادة مستمرة فهدَّد بأعلى صوته، كما روي عن ابن عباس، عن عباس بن عبد المطلب- رضي الله عنهما- قال: كنت يومًا في المسجد، فأقبل أبو جهل فقال: إن لله عليَّ إن رأيت محمدًا ساجدًا أن أطأ على رقبته، «فخرجت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضبانًا حتى جاء المسجد»، فعجل قبل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط، فقلت: هذا يوم شر، فاتَّزَرْتُ، ثم اتَّبعته فدخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: 1، 2]، فلما بلغ شأن أبي جهل: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7]، قال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم، هذا محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فقال أبو جهل: ألا ترون ما أرى، والله لقد سد أفق السماء علي، «فلما بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- آخر السورة سجد» [4].

 

ورغم سوء خلقه، وقسوة قلبه، وشدة بأسه، وفيض حقده، وجلالة مكره، وأذاه، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعامله بلُطْف أخلاقه وحسن ملفظه؛ يناديه بأبي الحكم؛ ليقيم عليه الحُجَّة، وقد فعل، إلا أن الكِبرَ أعمى قلبه عن اتِّباع الحق، فروى المغيرة بن شعبة- رضي الله عنه- قال: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أني كنت أمشي مع أبي جهل بمكة، فلقينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له: يا أبا الحكم، "هلم إلى الله، وإلى رسوله، وإلى كتابه، أدعوك إلى الله، فقال: يا محمد، ما أنت بمنتهٍ عن سبِّ آلهتنا، هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت، فنحن نشهد أن قد بلغت، قال: فانصرف عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا القرى، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي والله لا أفعل"[5].

 

ثم لم يتوقف أبو جهل عند هذا الحد رغم أنه يعرف أن ما جاء به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو الحق، بل كان يحارب ويعادي ويمكر ويحقد على كل من آمن أو أوشك أن يؤمن برسول الله- صلى الله عليه وسلم- فروى ابن عباس- رضي الله عنهما-، أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدًا لتعرض لما قبله قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له أو أنك كاره له قال: وماذا أقول «فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة مني ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته» قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال: "هذا سحر يؤثر؛ يأثره من غيره، فنزلت ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾ [المدثر: 11][6].

 

ويخرج عتبة وشيبة وأبو جهل والوليد بن المغيرة وعقبة بن أبي معيط وكفار قريش يشتمون الرسول- صلى الله عليه وسلم- ويصفوه بأرذل الصفات وأقبح العبارات، فقالوا عنه: مُذَمَّمًا من الذَّمِّ؛ لأن محمدًا من الحمد، ويغضب الصحابة وليس في أيديهم شيء يفعلونه؛ لضعفهم وقلة عددهم وعتادهم، فكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يغير هذا الغضب بكلماته وابتسامته، فيقول: إنهم يلعنون مُذَمَّمًا وأنا محمد، كما جاء في البخاري عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مُذَمَّمًا، ويلعنون مُذَمَّمًا وأنا محمد»[7].

 

تميَّزت علاقة النبي- صلى الله عليه وسلم- بعقبة بن أبي معيط في مكة بالعداء الشديد والحقد الدفين من جهة عقبة، فهو أشقى القوم وألعنهم، والصبر واللين من جانب النبي- صلى الله عليه وسلم- ورغم الود واللين فإن الشقي عُرف بإيذائه المتكرر للنبي- صلى الله عليه وسلم- كما جاء في صحيح البخاري عن عروة بن الزبير، قال: سألت عبدالله بن عمرو، عن أشد ما صنع المشركون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: رأيت عقبة بن أبي معيط، جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي، "فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه، فقال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [غافر: 28][8]، ولما بلغ الأذى مبلغ لا تُطيقه الجبال، ويعجز عن تحَمُّله الصخر، ويضيق به الصدر، فأصبح ثِقلًا مشيدًا وبأسًا شديدًا، فهو كرب يهدد الأركان، ويزلزل النفس والكيان، دعا عليهم النبي- صلى الله عليه وسلم- متألمًا كما جاء في صحيح البخاري عن عبدالله- رضي الله عنه-، قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يصلي في ظل الكعبة، فقال أبو جهل وناسٌ من قريش، ونحرت جزور بناحية مكة، فأرسلوا فجاءوا من سلاها وطرحوه عليه، فجاءت فاطمة، فألقته عنه، فقال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» لأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأُبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، قال عبدالله: فلقد رأيتهم في قليب بدر قتلى، قال أبو إسحاق ونسيت السابع، قال أبو عبدالله: وقال يوسف بن إسحاق، عن أبي إسحاق: أمية بن خلف، وقال شعبة: أمية أو أُبي «والصحيح أمية»[9].

 

إن من أشد الناس حقدًا وعنفوانًا وتألٍّ على الله ورسوله الشقي القتيل أُبيّ بن خلف، تجاوز حدوده، وخسر مبتغاه، وركب مركبًا صعبًا، تجرَّأ على قدرة الخالق- جل وعلا- فحق عليه العقاب في الدنيا والآخرة، فتجاوز المدى، وأسرف في العِدا، كما روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما-، قال: جاء العاص بن وائل، "وقيل أُبي" إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعظم حائل ففته، فقال: يا محمد، أيبعث الله هذا بعد ما أرم؟ قال: «نعم، يبعث الله هذا، يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم» قال: فنزلت الآيات ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [يس: 77] إلى آخر السورة"[10]، ثم تطاول على سيد البرية- صلى الله عليه وسلم- وهدَّده بالقتل؛ فكان الجزاء من جنس العمل، فلم يرد عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قتل رجلًا غير أُبي بن خلف، كما ورد عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: أقبل أُبَي بن خلف يوم أُحُد إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يريده، فاعترض رجال من المؤمنين، "فأمرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فخلوا سبيله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ورأى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ترقوة أبي من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته فسقط أُبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فكسر ضلعًا من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «بل أنا أقتل أُبيًّا»، ثم قال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين. فمات أُبي إلى النار، فسُحقًا لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة، فأنزل الله ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17][11].

 

ويوم الطائف هو أشد ما لقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أهل البلدة، فلاقى منهم الشتم واللعن والضرب والرجم بالحجارة حتى سال دمُه الشريف، فرُوي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن جعفر، قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف ماشيًا على قدميه، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه فانصرف، فأتى ظل شجرة فصلَّى ركعتين، ثم قال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أرحمَ الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني؟ إلى عدوٍّ يتجهمني، أم إلى قريب ملَّكْتَه أمري، إن لم تكن غضبانًا عليَّ، فلا أُبالي، إن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي غضبك، أو تحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، لا قوة إلا بك» [12].

 

ورغم الأذى الذي تعرَّض له النبي- صلى الله عليه وسلم- ما قابله إلا بالأخلاق العالية والدعاء الحسن، ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عائشة- رضي الله عنها-، زوج النبي- صلى الله عليه وسلم-، قالت للنبي- صلى الله عليه وسلم-: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد، قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي-صلى الله عليه وسلم-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا"[13].

 

ثانيًا: تعامل الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه بعد الهجرة:

لم تنتهِ رحلة الأذى التي ظن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنها قد تتلاشى في يثرب، بل استمرت على نحو أخف مما كانت عليه في مكة؛ لوجود قوة وجمهور إسلامي جاهز للتضحية بالنفس والمال والولد من أجل حفظ كرامة النبي- صلى الله عليه وسلم-، لكنه- صلى الله عليه وسلم- ظل صابرًا صامدًا محافظًا على أخلاقه الحميدة التي مُدحت في القرآن الكريم مؤمنًا بقول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ [الأنعام: 112]، فأدار جبهة الأذى في يثرب عبدالله بن أُبيّ بن سلول دفة النفاق بعد هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان يُعرف برأس المنافقين، فكانت لديه طموحات سياسية كبيرة، حيث كان الأوس والخزرج يستعدون لتتويجه ملكًا عليهم، فلما جاء الإسلام سحب البساط من تحت قدميه، فأضمر الحقد والعداء، وبرزت له مواقف ومكايد شهيرة في السيرة، منها ما جاء عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: مرَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عبدالله بن أبي بن سلول وهو في ظل أجمة، فقال: قد غبر علينا ابن أبي كبشة، فقال ابنه عبدالله بن عبدالله- وكان مؤمنًا-: والذي أكرمك، والذي أنزل عليك الكتاب، لئن شئت لآتيتك برأسه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا، ولكن بِرَّ أباك، وأحسِنْ صحبته»[14]، فتظهر جليةً بيِّنةً ظاهرةً ناصعةً أخلاقُه- صلى الله عليه وسلم- في التعامُل مع ألدِّ خصومه، بل وصبر أكثر من ذلك وأكبر، ويدل على ذلك ما رواه عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد- رضي الله عنهما-، أخبره: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد- رضي الله عنهما- وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بَدْر، قال: حتى مرَّ بمجلس فيه عبدالله بن أُبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبدالله بن أُبيّ، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبدالله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أُبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عليهم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبدالله بن أُبي بن سلول: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصُص عليه، فقال عبدالله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستَبَّ المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي- صلى الله عليه وسلم- يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي- صلى الله عليه وسلم- دابَّته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: "يا سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟- يريد عبدالله بن أُبيّ- قال: كذا وكذا"، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، اعْفُ عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوَّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ [آل عمران: 186]، وقال الله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [البقرة: 109]، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يتأوَّل العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بَدْرًا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أُبيّ بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول- صلى الله عليه وسلم- على الإسلام فأسلموا"[15]، ورغم صفح النبي- صلى الله عليه وسلم- عنه إلا أنه لم يزدد إلا خبالًا وحقدًا ومكرًا، ولا يحق المكر السيئ إلا بأهله، هذه سنة الله تعالى في كونه، فوصل به الحال رغبة منه بإخراج الرسول- صلى الله عليه وسلم- من المدينة المنورة، كما جاء عن عمرو بن دينار، أنه سمع جابرًا- رضي الله عنه-، يقول: غزونا مع النبي-صلى الله عليه وسلم-، وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريًّا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية؟"، ثم قال: "ما شأنهم"، فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «دعوها فإنها خبيثة»، وقال عبدالله بن أُبيّ بن سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟ لعبدالله، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «لا يتحدَّث الناس أنه كان يقتل أصحابه»[16]، ورغم ما لقي منه من أذى وحقد إلا أنه لما مات أخرج من قبره وألبسه قميصه،- لله درك يا رسول الله- كما ورد عن عمرو، أنه سمع جابرًا، يقول: «أتى النبي-صلى الله عليه وسلم- قبر عبدالله بن أُبيّ، فأخرجه من قبره فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه»، فالله أعلم [17].

 

وممن عادى النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة بلدان عدة وقبائل شتى ومنهم اليمامة، وكان من بطونها بنو حنيفة من قبيلة بكر بن وائل العدنانية، فقد كانوا يتربَّصون بالمسلمين لإيقاع الأذى بهم وسلب أموالهم ومتاعهم، وكانوا يحرضون الناس على النبي- صلى الله عليه وسلم- وذات يوم وقع أميرُهم أسيرًا بين يدي النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو ثمامة ابن أثال، فعامله النبي- صلى الله عليه وسلم- بأخلاقه الكريمة، فكان سببًا في إسلامه، كما ورد عن سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة- رضي الله عنه-، قال: بعث النبي- صلى الله عليه وسلم- خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسَلْ منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة؟»، قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلت لك، فقال: «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسولُ الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينُك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدُك أحبَّ البلاد إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي- صلى الله عليه وسلم- [18]، وهذا من نهج النبي- صلى الله عليه وسلم- في التعامل مع الخصوم مطبقًا قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 34، 35].

 

ثالثًا: إحسانه إلى أهل مكة والمدينة:

في فتح مكة وفي شهر رمضان في العام الثامن من الهجرة تجسَّد مفهوم "رغم الأذى" في أعلى مراتب العفو الإنساني، حيث دخل النبي- صلى الله عليه وسلم- مكة فاتحًا منتصرًا بعد سنوات من الشتم، والأذى والطرد، والتعذيب، والحروب التي شنتها قريش ضد المسلمين، والتحالفات التي نظمتها، والحصار الذي فرضته يوم الأحزاب، لكنه جسَّد معنى مكارم الأخلاق رغم الأذى، فالعظماء لا يُغيِّرون أخلاقَهم وإن تغيَّرت أخلاقُ من حولهم، فيقابلون السيئة بالحسنة، ليس ضعفًا ولا جُبنًا، ولكن ترفُّعًا وأصالة، فالعظمة المتمثلة في فتح مكة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- ظل غيثًا نقيًّا يسقي قلوب العالمين حُبًّا وأخلاقًا، كما جاء عن عبدالله بن رباح، قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، فكان كل رجل منا يصنع طعامًا يومًا لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة، اليوم نوبتي، فجاءوا إلى المنزل ولم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة، لو حدثتنا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى يدرك طعامنا، فقال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة، وبطن الوادي، فقال: «يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار»، فدعوتهم، فجاءوا يهرولون، فقال: «يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟» قالوا: نعم، قال: «انظروا، إذا لقيتموهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا»، وأخفى بيده ووضع يمينه على شماله، وقال: «موعدكم الصفا»، قال: فما أشرف يومئذٍ لهم أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الصفا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن»، فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، قال: "قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ألا فما اسمي إذا؟- ثلاث مرات- أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم"، قالوا: والله، ما قلنا إلا ظنًّا بالله ورسوله، قال: «فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم»[19]، ها هي أخلاق النبي- صلى الله عليه وسلم- تتجلَّى وفاءً، فمن شيم الكرام العفو وهو ما تجسد هنا من النبي- صلى الله عليه وسلم- كما جاء عن أبي التياح، قال: سمعت أَنَسًا- رضي الله عنه-، يقول: قالت الأنصار يوم فتح مكة، وأعطى قريشًا: والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك النبي- صلى الله عليه وسلم-، فدعا الأنصار، قال: فقال: «ما الذي بلغني عنكم»، وكانوا لا يكذبون، فقالوا: هو الذي بلغك، قال: «أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بيوتكم؟ لو سلكت الأنصار واديًا، أو شِعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شِعبهم» [20].

 

فهذه هي أخلاق النبي- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه، فكيف هي مع أصحابه وأمته؟

 

والحمد لله ربِّ العالمين.



[1] الأدب المفرد، باب حسن الخلق: (ص: 104)، وصححه الألباني في الموضع نفسه.

[2] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل (8/ 13).

[3] مصنف ابن أبي شيبة، كتاب المغازي، في أذى قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وما لقي منهم (7/ 330)، برقم (36560)، الاعتقاد للبيهقي (ص: 267).

[4] المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب معرفة الصحابة، ذكر إسلام العباس رضي الله عنه، واختلاف الروايات في وقت إسلامه (3/ 368)، برقم (5413)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

[5] مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الأوائل، باب أول ما فعل ومن فعله (7/ 255)، برقم (35829)، وصححه الألباني، صحيح السيرة النبوية (ص: 162).

[6] المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة المدثر بسم الله الرحمن الرحيم (2/ 550)، برقم (3872)، الاعتقاد للبيهقي، باب القول في إثبات نبوة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم (ص: 268)، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه».

[7] صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم (4/ 185)، برقم (3533).

[8] صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا» (5/ 10)، برقم (3678).

[9] صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة (4/ 44)، برقم (2934).

[10] المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة يس (2/ 466)، برقم (3606)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.

[11] المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال: (2/ 357)، برقم (3263)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.

[12] المعجم الكبير للطبراني، باب العين، ما انتهى إلينا من مسند عبدالله بن جعفر (13/ 73)، برقم (181)، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (6/ 487).

[13] صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء، آمين فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه (4/ 115)، برقم (3231)، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي- صلى الله عليه وسلم- من أذى المشركين والمنافقين: (3/ 1420)، برقم (1795).

[14] صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب حق الوالدين، ذكر استحباب بر المرء والده، وإن كان مشركًا فيما لا يكون فيه سخط الله جل وعلا (2/ 170)، برقم: (428).

[15] صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ [آل عمران: 186] (6/ 39)، برقم (4566).

[16] صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوة الجاهلية (4/ 183).

[17] صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص (2/ 76)، برقم: (1270)، صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (4/ 2140)، برقم: 2 - (2773).

[18] صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال [ص: 170] (5/ 170)، برقم (4372)، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، 19 - باب ربط الأسير وحبسه، وجواز المن عليه (3/ 1386)، برقم 59 - (1764).

[19] صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة (3/ 1407)، برقم 86 - (1780).

[20] صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب الأنصار (5/ 30)، برقم (3778).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • معاملة الرسول لأزواجه

مختارات من الشبكة

  • {وإنك لعلى خلق عظيم} معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع المخطئين (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة أزواج بناته للسيد إبراهيم المتولي(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • السماحة سبب للنجاة من النار(مقالة - آفاق الشريعة)
  • القرآن ميزان المعاملات – 100 فائدة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أخت زوجي تحرض علي(استشارة - الاستشارات)
  • مرض الرشوة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قاعدة: الأصل في العقود والشروط الصحة واللزوم من نظام المعاملات المدنية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • خمسون حديثا من رياض السنة النبوية: في السلوك والأخلاق والمعاملات (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التحذير من المعاملات الربوية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فقه الإحسان (6) الإحسان في المعاملات(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)

 


تعليقات الزوار
1- خير الكلام ما قل ودل
محمد إسماعيل مصطفى خضر - فلسطين 19/10/2026 04:07 PM

أعانكم الله شيخنا وحبيبنا، وكتب لكم أجر هذا إن شاء الله.

1 

أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 9/5/1448هـ - الساعة: 14:16
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب