• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    فضل العلم والتعليم (خطبة)
    يحيى بن إبراهيم الشيخي
  •  
    بلاغة أسلوب الحوار التعليمية في القرآن الكريم
    د. أيمن أبو مصطفى
  •  
    التعايش مع الآخر منهج إسلامي أصيل (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    الماء حياة فلا تقتلوه بالإسراف (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الإيمان بالقضاء والقدر: أهميته ومراتبه (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    الماء نعمة ونماء (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    الأمن أمانة فلا تبدده الشائعات (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    آداب الاستئذان (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    كيفية الإيمان بالملائكة والكتب والرسل
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    {ولمن خاف مقام ربه جنتان}
    نايف عبوش
  •  
    مرور المرأة أمام المصلي
    د. خالد النجار
  •  
    ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون (خطبة)
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    ضبط كتب السنة بين الرواية والرأي - لفظة "لأراه ...
    شوقي محمد البنا
  •  
    أقسام العقود من حيث الصحة والبطلان والفساد
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    تخريج حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تفسير: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ...
    تفسير القرآن الكريم
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الأسرة والمجتمع / قضايا المجتمع
علامة باركود

التعايش مع الآخر منهج إسلامي أصيل (خطبة)

التعايش مع الآخر منهج إسلامي أصيل (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 14/9/2026 ميلادي - 3/4/1448 هجري

الزيارات: 53

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

التعايش مع الآخر منهج إسلامي أصيل (خطبة)

 

الحمدُ للهِ الذي دعا إلى التعايشِ والوئامِ، وأقامَ حياةَ الناسِ على العدلِ والنظامِ، ونهى عن الفرقةِ والشقاقِ والخصامِ ونشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له،أمرَ بالبرِّوالرحمةِ والإكرامِ، وجعلَ حسنَ الخُلُقِ من كمالِ الإسلامِ ،ونشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسلهُ ربُّه رحمةً للأنامِ،وأرسى بالعدلِ والإحسانِ دعائمَ الأمنِ والسلامِ؛ صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه وعلى آلِه وصحبِه الكرامِ.


أهمية الحديث عن التعايش:

أيها المسلمونَ: إنَّ الحديثَ عن التعايشِ مع الآخرِ لم يَعُدْ ترفًا فكريًّا، ولا قضيةً هامشيةً، بل أصبحَ ضرورةً تفرضُها طبيعةُ الحياةِ في عالمٍ تقاربتْ فيه الشعوبُ، وتداخلتْ فيه المجتمعاتُ، وأصبحَ المسلمُ يعيشُ ويعملُ ويتعلمُ إلى جانبِ أناسٍ يختلفونَ معه في الدينِ والثقافةِ والفكرِ.


ولقد جاءتْ رسالةُ الإسلامِ رسالةً عالميةً تخاطبُ الأسرةَ الإنسانيةَ كلَّها؛ تأمرُ بالعدلِ، وتنهى عن الظلمِ، وتدعو إلى الرحمةِ والبرِّ والإحسانِ، وتحفظُ للإنسانِ حقَّه وكرامتَه، مهما اختلفَ دينُه أو جنسُه أو لونُه.


وقد أولى الإسلامُ عنايةً خاصةً بتنظيمِ العلاقةِ مع غيرِ المسلمينَ، ولا سيما أهلَ الكتابِ، فأقامَها على ميزانٍ دقيقٍ لا إفراطَ فيه ولا تفريطَ؛ ثباتٌ على العقيدةِ دونَ انغلاقٍ، واعتزازٌ بالهويةِ دونَ تعالٍ، وعدلٌ مع المخالفِ دونَ تمييزٍ، وإحسانٌ إليه دونَ ذوبانٍ أو تنازلٍ.


فالتعايشُ مع الآخرِ ليس فكرةً وافدةً على الإسلامِ، ولا استجابةً لضغوطِ الواقعِ، وإنما هو منهجٌ إسلاميٌّ أصيلٌ، يجمعُ بين الثباتِ على الدينِ، والعدلِ مع المخالفِ، والرحمةِ بالإنسانِ.


حديث القرآن والسنة عن التعايش

أيها المسلمونَ:لقد وضعَ القرآنُ الكريمُ للتعايشِ بينَ الناسِ أُسسًا واضحةً، تحفظُ للإنسانِ حقَّه وكرامتَه، وتُمكِّنُ الناسَ على اختلافِ أديانِهم وأجناسِهم من أن يعيشوا في أمنٍ وعدلٍ وسلامٍ، دونَ أن يتنازلَ المسلمُ عن عقيدتِه أو هويتِه. فالتعايشُ يبدأُ بإدراكِ حقيقةِ الاختلافِ والتنوعِ بينَ البشرِ؛ فقد جعلَ اللهُ الناسَ شعوبًا وقبائلَ، ولم يجعلْ هذا التنوعَ سببًا للتنازعِ والقطيعةِ، بل سبيلًا للتعارفِ،، فقالَ الله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].


وإذا كانَ التعايشُ يبدأُ بالتعارفِ، فإنَّه لا يستقيمُ من غيرِ حوارٍ وتواصلٍ؛ ولذلك قالَ سبحانهُ:﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 64].فالتعايشُ لا يعني إلغاءَ الاختلافِ، وإنما يعني أن نتحاورَ مع وضوحِ العقيدةِ واحترامِ الإنسانِ.


ولا تعايشَ حقيقيًّا من غيرِ عدلٍ؛ ولذلك أمرَ اللهُ بالعدلِ حتى مع المخالفِ والخصمِ،، فقالَ الله تعالى:﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8].


فالاختلافُ لا يُسقطُ العدلَ، والخصومةُ لا تُبيحُ الظلمَ.


ثم ارتقى الإسلامُ بالتعايشِ من مجردِ العدلِ إلى البرِّ والإحسانِ وحسنِ المعاملةِ، فقالَ سبحانهُ:

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8] وما قررَه القرآنُ منهجًا للتعايشِ، جسَّدَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم سلوكًا عمليًّا؛فعن سهل بن حنيف وقيس بن سعد رضي الله عنهما قالا مَرَّتْ جنازةٌ على رسولِ اللهِ فقام لها واقِفًا، فقيل له : يا رسولَ اللهِ إنها جنازةُ يَهُودِيِّ، فقال : أَلَيْسَتْ نَفْسًا ؟) البخاري وهكذا يقومُ التعايشُ في الإسلامِ على الاعترافِ بالاختلافِ، والتعارفِ، والحوارِ، والعدلِ، والبرِّ والإحسانِ، مع الثباتِ على العقيدةِ وحفظِ الهويةِ.

 

التعايش مع الآخر منهج إسلامي أصيل:

أيها المسلمونَ:إنَّ المسلمَ يستطيعُ أن يعيشَ في أيِّ بقعةٍ من الأرضِ، ومع أيِّ شعبٍ من الشعوبِ، ما دامَ آمنًا على عقيدتِه، قادرًا على إقامةِ شعائرِه، محفوظًا في حقِّه وكرامتِه؛ فالإسلامُ لم يأمرْنا أن نهجرَ الناسَ، بل أن نُريَهم أثرَ الإسلامِ في أخلاقِنا، ولم يدعُنا إلى العزلةِ عن المجتمعِ، بل إلى الحضورِ فيه بلا ذوبانٍ، والتفاعلِ معه بلا تنازلٍ، والإحسانِ إليه بلا تفريطٍ في الدينِ.


ونحنُ نعيشُ اليومَ في مجتمعٍ أمريكيٍّ تتعددُ فيه الأديانُ، وتتنوعُ فيه الأعراقُ، وتتباينُ فيه الثقافاتُ والأفكارُ، ونلتقي كلَّ يومٍ في الحيِّ والعملِ والمدرسةِ والجامعةِ بأناسٍ يختلفونَ معنا في الدينِ والفكرِ ونمطِ الحياةِ؛ فنختلفُ ولا نتخاصمُ، ونتعاملُ ولا نتنازلُ، ونتعاونُ على الخيرِ ولا نذوبُ في الغيرِ.


فالاختلافُ بينَ البشرِ حقيقةٌ باقيةٌ، وسنةٌ ماضيةٌ، قالَ الله تعالى:﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ [هود: 118].


ومن هنا فإنَّ الإسلامَ لا يريدُ المسلمَ منعزلًا عن مجتمعِه، غريبًا عن قضايا الناسِ وهمومِهم، وإنما يريدُه صالحًا في نفسِه، مصلحًا في مجتمعِه، صادقًا في قولِه، أمينًا في عملِه، وفيًّا بعهدِه، رحيمًا بجارِه فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ما زالَ يوصيني جِبريلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنتُ أنَّه سَيورِّثُه) متفقٌ عليه.


ولم يجعلِ الإسلامُ اختلافَ الدينِ حاجزًا يمنعُ البرَّ والإحسانَ؛ فقد سألتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهما النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أمِّها وكانتْ مشركةً: قالت :قدِمَت عليَّ أُمِّي وهي مُشرِكةٌ في عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فاستَفتَيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قُلتُ: وهي راغِبةٌ، أفَأصِلُ أُمِّي؟ قال: نَعَم، صِلي أُمَّكِ) متفقٌ عليه.فاختلافُ العقيدةِ لم يمنعْ صلةَ الرحمِ، ومخالفةُ الدينِ لم تُسقطْ حقَّ الإحسانِ.


إنَّ مسؤوليتَنا في هذا المجتمعِ عظيمةٌ؛ فقد لا يقرأُ جارُكَ القرآنَ، ولكنَّه يقرأُ أخلاقَكَ، وقد لا يدخلُ زميلُكَ المسجدَ، ولكنَّه يرى أثرَ الإسلامِ في صدقِكَ وأمانتِكَ، وقد لا يسمعُ عن دينِكَ محاضرةً، ولكنَّه يشاهدُ أثرَه في معاملتِكَ وسلوكِكَ.


ولكنَّنا لا نصدقُ لننالَ إعجابَ الناسِ، ولا نحسنُ لنجمِّلَ صورتَنا أمامَ المجتمعِ، ولا نحفظُ الحقوقَ خوفًا من القانونِ فحسبُ؛ وإنما نفعلُ ذلك لأنَّ لنا ربًّا يرانا، ودينًا يهدينا، وأخلاقًا نتعبدُ للهِ بها.


فكونوا ـ عبادَ اللهِ ـ حيثما كنتم عنوانًا للصدقِ لا للكذبِ، وللأمانةِ لا للخيانةِ، وللبناءِ لا للهدمِ، وللوئامِ لا للخصامِ؛ ثابتينَ على الدينِ، معتزينَ بالهويةِ، نافعينَ للناسِ، مساهمينَ في خيرِ المجتمعِ الذي تعيشونَ فيه.


فالتعايشُ الذي يريده الإسلامُ ليس ذوبانًا يُضيِّعُ الهويةَ، ولا انعزالًا يقطعُ الصلةَ؛ وإنما ثباتٌ بلا انغلاقٍ، وتواصلٌ بلا ذوبانٍ، وتعاونٌ بلا تنازلٍ، وأخلاقٌ تُرضي الخالقَ وتنفعُ الخلقَ.


خطورة الانقسام في المجتمع الواحد:

أيها المسلمونَ: إنَّ من أخطرِ ما يهددُ التعايشَ في المجتمعِ الواحدِ أن يعيشَ أبناؤُه متجاورينَ في المكانِ، متباعدينَ في القلوبِ؛ تجمعُهم مدينةٌ واحدةٌ، وتفصلُ بينهم جدرانُ الخوفِ والشكِّ وسوءِ الظنِّ.


ومن الخطأِ أن ننظرَ إلى المجتمعِ الذي نعيشُ فيه نظرةً سلبيةً مطلقةً، أو أن ننظرَ إلى كلِّ مَن يخالفُنا في الدينِ بعينِ الريبةِ والحذرِ؛ كما أنَّه من الخطأِ أن ينظرَ الآخرونَ إلى المسلمينَ من خلالِ صورةٍ نمطيةٍ، أو حادثةٍ فرديةٍ، أو خطابٍ متطرفٍ، ثم يُعمَّمَ ذلكَ على ملايينِ المسلمينَ.


وتزدادُ خطورةُ الانقسامِ في المجتمع حينَ يتحولُ الخوفُ من الآخرِ إلى مادةٍ للاستثمارِ؛ فقد تجدُ بعضُ الخطاباتِ السياسيةِ في تخويفِ الناسِ بعضِهم من بعضٍ وسيلةً للحشدِ وكسبِ التأييدِ، وقد تجدُ بعضُ وسائلِ الإعلامِ في الإثارةِ والتضخيمِ طريقًا لجذبِ الأنظارِ، وتأتي منصاتُ التواصلِ الاجتماعيِّ فتزيدُ الصورةَ انتشارًا؛ حيثُ تنتشرُ الكلمةُ في لحظاتٍ، وتُقتطعُ المواقفُ من سياقِها، وتُعمَّمُ الأخطاءُ الفرديةُ، وقد تتحولُ الشائعةُ إلى حقيقةٍ في أذهانِ الناسِ بكثرةِ تداولِها.


وحينئذٍ تكبرُ المخاوفُ، وتتسعُ الفجوةُ، ويصبحُ الجارُ متوجسًا من جارِه، والمواطنُ خائفًا من شريكِه في الوطنِ؛ وهكذا يبدأُ الانقسامُ بصورةٍ أو كلمةٍ أو منشورٍ، ثم يتحولُ إلى حاجزٍ بينَ القلوبِ والمجتمعاتِ.


وهنا تأتي مسؤوليتُنا نحنُ المسلمينَ؛ فلا يكفي أن نشكوَ من الصورةِ الخاطئةِ، ولا أن نغضبَ من خطابِ الكراهيةِ، بل علينا أن نُسهمَ في إزالةِ أسبابِ التوجسِ بأخلاقِنا قبلَ أقوالِنا، وبمعاملتِنا قبلَ شعاراتِنا، وبحضورِنا الإيجابيِّ قبلَ لومِ الآخرينَ.


فقد يسمعُ جارُكَ عن الإسلامِ في الإعلامِ، ويرى عنه شيئًا في منصاتِ التواصلِ، ولكنَّه يراكَ أنتَ كلَّ يومٍ؛ وقد لا يقرأُ القرآنَ، ولكنَّه يقرأُ أخلاقَكَ؛ فليجدْ فيكَ جارًا يحترمُه، وإنسانًا يحبُّ له الخيرَ، ومواطنًا يحرصُ على أمنِ المجتمعِ واستقرارِه، ومسلمًا يختلفُ معه في العقيدةِ دونَ أن يظلمَه أو يحتقرَه أو يسيءَ إليه.


ولنكنْ كذلكَ على منصاتِ التواصلِ دعاةَ جمعٍ لا فرقةٍ، وأصحابَ كلمةٍ طيبةٍ لا كلمةٍ جارحةٍ، نتحققُ قبلَ أن ننشرَ، ونعدلُ حينَ نختلفُ، ولا نُسهمُ في نشرِ الشائعةِ أو الكراهيةِ أو السخريةِ من الآخرينَ؛ فإنَّ المسلمَ مسؤولٌ عن كلمتِه في مجلسِه، ومسؤولٌ عنها كذلكَ حينَ يكتبُها وينشرُها للآلافِ.


فكنْ أنتَ الحقيقةَ التي تُصحِّحُ الصورةَ، والخُلُقَ الذي يُزيلُ التوجسَ، والجسرَ الذي يقطعُ طريقَ الانقسامِ؛ فإنَّ المعرفةَ تُبدِّدُ المخاوفَ، والتواصلَ يبني الثقةَ، وحسنَ المعاملةِ يهدمُ كثيرًا من الصورِ النمطيةِ.


فلا تجعلوا الاختلافَ وقودًا للانقسامِ، ولا تتركوا بينَكم وبينَ الآخرينَ فراغًا يملؤُه الخوفُ أو التحريضُ؛ بل املؤوه بالتعارفِ، والاحترامِ، وحسنِ الجوارِ، والتعاونِ على الخيرِ؛ فحيثُ تُبنى الثقةُ يضعفُ التوجسُ، وحيثُ يقوى التعايشُ تضيقُ مساحةُ الفرقةِ والانقسامِ. والله تعالى يقول ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [ فصلت: 34].


كيف نحقق التعايش في مجتمعاتنا؟

أيها المسلمونَ:بعدَ أن عرفنا أنَّ التعايشَ منهجٌ إسلاميٌّ أصيلٌ، وأنَّه ضرورةٌ لأمنِ المجتمعِ واستقرارِه، يبقى السؤالُ الأهمُّ: كيف نحوِّلُ التعايشَ من شعارٍ نرفعُه إلى خُلُقٍ نمارسُه، ومن كلماتٍ نقولُها إلى واقعٍ نعيشُه؟


يبدأُ التعايشُ بمعرفةِ الآخرِ والتواصلِ معه؛ فتعرَّفْ إلى جارِكَ، وأحسنْ إلى زميلِكَ، وشاركْ مجتمعَكَ أفراحَه وآلامَه ووجوهَ الخيرِ فيه؛ فكثيرٌ من المخاوفِ يولدُ من الجهلِ، وكثيرٌ من الصورِ النمطيةِ يسقطُ عندَ اللقاءِ.


ويقومُ التعايشُ على احترامِ الاختلافِ وحفظِ الحقوقِ؛ فنختلفُ بلا كراهيةٍ، ونتحاورُ بلا إساءةٍ، ونتمسكُ بدينِنا بلا استعلاءٍ، ونحترمُ الآخرينَ بلا ذوبانٍ؛ فالتعايشُ لا يطلبُ منَّا أن نتنازلَ عن عقيدتِنا، وإنما أن نحسنَ العيشَ مع مَن يختلفُ معنا.


ومن دعائمِ التعايشِ احترامُ القانونِ والنظامِ العامِّ؛ فنحنُ نعيشُ في مجتمعٍ يحفظُ فيه الدستورُ والقانونُ حقوقَ الناسِ جميعًا، فعلينا أن نحترمَ النظامَ، ونحفظَ حقوقَ الآخرينَ، ونؤديَ ما علينا كما نطالبُ بما لنا؛ فلا يستقيمُ أن نطالبَ بحقوقِنا ثم نتهاونَ في واجباتِنا.


ومن التعايشِ المشاركةُ الفاعلةُ في المجتمعِ؛ بخدمةِ الناسِ، والعملِ التطوعيِّ، والمساهمةِ في الشأنِ العامِّ، والمشاركةِ الواعيةِ في الانتخاباتِ؛ فالمسلمُ لا يعيشُ على هامشِ المجتمعِ، وإنما يكونُ حاضرًا بصوتِه، نافعًا بعملِه، مساهمًا في خيرِ وطنِه وأمنِه واستقرارِه.


ومن حقِّنا أن نعبِّرَ عن آرائِنا، وأن ندافعَ عن حقوقِنا وقضايانا، وأن نجتمعَ ونتظاهرَ بالوسائلِ السلميةِ المشروعةِ، وهذا حقٌّ يكفلُه الدستورُ والقانونُ؛ ولكنَّ ممارسةَ الحقِّ لا تكونُ بانتهاكِ حقوقِ الآخرينَ، فلا قطعَ للطرقِ وتعطيلَ لمصالحِ الناسِ، ولا اعتداءَ على الممتلكاتِ، ولا شعاراتِ عداوةٍ وكراهيةٍ تُثيرُ الخوفَ والانقسامَ.


فلنا أن نعبِّرَ، ولكنْ بمسؤوليةٍ؛ وأن نختلفَ، ولكنْ بأخلاقٍ؛ وأن ننصرَ قضيةً، ولكنْ بعدلٍ؛ فالعدالةُ لا تُنصرُ بالظلمِ.


وكذلكَ على منصاتِ التواصلِ الاجتماعيِّ؛ لا شائعةً ننشرُ، ولا كراهيةً نؤججُ، ولا إساءةً نعممُ؛ بل نجعلُ الكلمةَ جسرًا للتواصلِ، لا وقودًا للخصامِ والانقسامِ.


وربُّوا أبناءَكم على هذا الفقهِ؛ علِّموهم أنَّ الاعتزازَ بالإسلامِ لا يعني احتقارَ الآخرينَ، والمحافظةَ على الهويةِ لا تعني العزلةَ عن المجتمعِ؛ فالمسلمُ ثابتٌ في دينِه، حسنٌ في خُلُقِه، فاعلٌ في مجتمعِه، نافعٌ لوطنِه.


وهكذا يتحققُ التعايشُ: تعارفٌ يبني الثقةَ، وعدلٌ يحفظُ الحقوقَ، وقانونٌ يحمي الجميعَ، ومشاركةٌ تبني الوطنَ، وأخلاقٌ تجمعُ القلوبَ؛ فيصبحُ التعايشُ خُلُقًا لا شعارًا، وممارسةً لا كلامًا، وحياةً نعيشُها لا كلماتٍ نردِّدُها.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • صناعة الحياة بين الإقبال والإهمال (خطبة)
  • الملامح الإيمانية والتربوية من الإسراء والمعراج (خطبة)
  • رمضان سباق نحو الجنان (خطبة)
  • نفحات الذاكرين (خطبة)
  • الزواج بين هدي الإسلام وعادات الناس (خطبة)
  • البركة سر الحياة الطيبة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • التوازن في العلاقة مع الجنس الآخر(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • أثر الحوار في التعايش مع الآخر (PDF)(كتاب - ثقافة ومعرفة)
  • التعايش (أنواعه، نماذج تطبيقية: التعايش الوطني والحضاري)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • من مائدة العقيدة: الإيمان باليوم الآخر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • جدلية التاريخ والإنسان.. من يصنع منهما الآخر؟(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • معنى (ما) النافية ومعاني (ما) الأخر(مقالة - حضارة الكلمة)
  • معنى (ما) المصدرية ومعاني (ما) الأخر (2)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الإيمان باليوم الآخر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • معنى (ما) الموصولة ومعاني (ما) الأخر(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الإيمان باليوم الآخر: هدايات إيمانية ومحكمات ربانية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 3/4/1448هـ - الساعة: 9:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب