• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    المخرج من الفتن
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    معاني أسماء الله الحسنى من أقوال العلامة ابن
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    قرة أعين الآباء بصلاح الأبناء (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} ...
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    تقديم المفضول على الفاضل لداعي المصلحة
    د. عبدالله بن يوسف الأحمد
  •  
    مواقف إيمانية - الرسالة الأولى: لماذا خلقنا
    زينب محمد عبدالغني فايد
  •  
    حفظ اللسان
    د. عامر حسين صالح الجندي
  •  
    النهي عن السفر بكتب التفسير والحديث وغيرها إلى ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    شفقة الرسول وغفلة العقول (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    تنقضي الشعائر وتبقى شعيرة واحدة هي الخالدة (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    تبسم (خطبة)
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    إضاءات منهجية من بعض مواقف الإمام مالك العقدية
    محفوظ بن ضيف الله شيحاني
  •  
    باب فضل الزواج بنية العفاف
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {إذ تصعدون ولا تلوون ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    استغلال الفرص (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    وحدة الأمة في ضوء مناسك الحج (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

تبسم (خطبة)

تبسم (خطبة)
عبدالله بن عبده نعمان العواضي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/6/2026 ميلادي - 29/12/1447 هجري

الزيارات: 254

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تَبَسَّمْ [1]


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:

أيها المسلمون، إن الحياة الإنسانية حياة اجتماعية، مَبْناها على الأُنْس والتعارُف، والحُب والتآلُف، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [الحجرات: 13].

 

ولن تستقر هذه الحياة وتسعد حتى تُبْنى على الوسائل المعينة على تحقيق تلك الغاية الحميدة.

 

وغير خافٍ عنكم- معشر المسلمين- أن الحياة في ظل الإسلام هي أرقى حياة إنسانية وأزكاها، وأرسخها وأبقاها، ولقد كان من أسباب ذلك: وجود وسائل كثيرة في هذا الدين العظيم تُعمِّق الترابط والود بين المسلمين؛ حتى تكون حياتهم مفعمة بالتآلف والمحبة، والتلاحم والأُلْفة.

 

ألا وإن من تلك الوسائل المساعدة على الوصول إلى المجتمع الإسلامي المتآلف المتحابِّ: وسيلةَ التبسُّم في الوجوه.

 

غير أنه ينبغي لنا أن نعلم أن التبسُّم ليس نوعًا واحدًا، بل أنواع، منها: تبسُّم السخرية والاستهزاء، وتبسُّم الخجل، وتبسُّم الوجل، وتبسُّم العَجَب؛ كما قال تعالى عن سليمان عليه السلام عندما سمع خطاب النملة: ﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا ﴾ [النمل: 19]، وتبسُّم الغَضب؛ كما في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه في الصحيحين عقب غزوة تبوك وفيها: قال كعب: (فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ).

 

وهناك نوع آخر هو مقصود حديثنا إليكم اليوم، هذا النوع هو: التبَسُّم الدافئ الذي ينطلق من الوجوه البسَّامة انطلاق الصباح الذي يمحو ما أمامه من الظلمات، ويرسل إلى النفوس رُسُل الإسعاد بلا إجهاد، وطلائع السرور من تلك الثغور، فتصل إلى القلوب مضامين الأُلْفة والمحبة، وتباشير الأمان والاطمئنان.

 

إن هذا التبَسُّم- أيها الكرام- لغة حية يفهمها جميع الناظرين، لا تحتاج إلى بيان مترجمين، بل هي لغة فصيحة تقرؤها النفوس قبل العيون، وتخترق أنوارها القلوب فتنفسح لها طرقها، وتستنير بضيائها جوانبها، وتعود إلى الحياة نشاطها.

 

ولو تأملتم في حقيقة التبَسُّم الصادق لوجدتموه بوابةً مفتوحةً لحُسْن النية، وإعلانًا واضحًا للاستعداد للتواصل، وكسر حواجز الخوف والتوتُّر.

 

انظروا إلى تلك الابتسامة التي تحبُّونها عندما تشرق من تلك الوجوه التي تنظرون إليها سترونها بقلوبكم- قبل نواظركم- لوحةً فنيةً جميلةً منقوشةً بحروف الحب، مزينةً بألوان تدعو إلى الاقتراب والحديث.

 

فما أعظم الابتسام من نعمة تنوب في حسن أثرها عن أعمال كثيرة، وألفاظ غزيرة! مع أنها لا تكلف المبتسم كبير عناء لإهدائها إلى الناظرين.

 

عباد الله، إن هذا التبَسُّم خُلُق حسن من أخلاق الإنسان، وعطاء جزيل يفوق كثيرًا من وجوه الإحسان، ولما كان كذلك كان من الأخلاق الراسخة لنبيِّنا الكريم عليه الصلاة والسلام؛ فقد جاء في شمائله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان "دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ وَلَا فَحَّاشٍ"[2].

 

ولو قرأتم في سُنَّة رسول الله الشريفة، وسيرته العطرة المنيفة ستجدون نصوصًا كثيرة فيها: "فتبَسَّم رسول الله" وغير ذلك من الألفاظ الدالة على وقوع الابتسامة من رسولنا عليه الصلاة والسلام.

 

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [3].

 

واسمعوا إلى قول جرير بن عبدالله رضي الله عنه وهو يخبركم عن هذا الخُلُق النبوي الكريم الذي شهده من رسول الله عليه الصلاة والسلام في كل لقاء به؛ قال جرير: (مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي)[4].

 

قال بعض العلماء في فوائد هذا الحديث: "وفيه: أن لقاء الناس بالتبَسُّم، وطلاقة الوجه من أخلاق النبوَّة، وهو مُنافٍ للتكَبُّر، وجالب المودة"[5].

 

هذا- يا عباد الله- مع كثرة انشغالات رسول الله وهمومه، وعظم مسؤولياته وتبعات رسالته، ومع وفور هيبته وسمو جلاله، فما منعه ذلك من كثرة الابتسامة في وجوه الناس.

 

ففي هذا رسالة لك- أيها المسلم- أن دوام العبوس وتقطيب الجبين ليس من الأخلاق الحسنة، حتى ولو كنت ذا شأن ومكانة سامية بين الناس، فإن تبَسُّمَك لن ينزلك عن قدرك، ولن يسقط هيبتك من قلوب الناس، بل إن القدر سيسمو، والمحبة لك في صدورهم ستربو.

 

فمن كان دائم العبوس فليعالج نفسه بالابتسام ولو تكلُّفًا، حتى يصبح فيه خلقًا لازمًا بعد ذلك؛ قال الإمام الذهبي رحمه الله: "وَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ عَبُوسًا مُنْقَبِضًا أَنْ يَتَبَسَّمَ، وَيُحسِّنَ خُلُقَهُ، وَيَمْقُتَ نَفْسَهُ عَلَى رَدَاءةِ خُلُقِهِ"[6].

 

أيها المؤمنون، هناك مواضع يحسن فيها الابتسام، لحسن أثره فيها بين الأنام؛ لهذا ينبغي الاستعداد بالتبَسُّم العذب لها، فمن تلك المواضع:

عند التهنئة بما يَسُرُّ.

 

فمتى لقيت أحدًا تهنئه بما حصل له من سرور، فعليك أن تبتسم في وجهه، ويصحب تهنئتَك اللفظية حُسْنُ البَسْمة التي تكون تهنئة أخرى، فالتهنئة بغير ابتسامة تهنئة ناقصة.

 

ففي قصة كعب بن مالك رضي الله عنه- لما تِيبَ عليه- قال: (فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ). وكان قد قال له: (أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)[7].

 

ومن مواضع التهنئة: عند مصافحة الناس والسلام عليهم ولقائهم.

 

فمن ألقيت عليه السلام من بعيد فألقِ مع سلامك عليه حسن تبَسُّم يدل على حُبِّك واحترامك.

 

ومن لقيته فصافحته فلتكن بسَّام الثغر له؛ فإن الابتسام عند المصافحة واللقاء يغرس الحب في النفوس غرسًا.

 

قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِنَ الصَّدَقَةِ: أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ وَأَنْتَ طليق الوجه)[8].

 

قال النووي رحمه الله: "ويُستحبُّ مع المصافحة: البشاشة بالوجه، والدعاء بالمغفرة وغيرها"[9].

 

وكيف سيكون شعورك لو قيل فيك:

فتى مثلُ صفوِ الماءِ أما لقاؤُهُ
فبِشْرٌ وأما وعدُه فجميلُ
يسرُّكَ مُفترًّا ويشرِقُ وجههُ
إِذا اعتلَّ مذمومُ الفعالِ بخيلُ
عييٌّ عن الفحشاءِ أما لسانُهُ
فعفٌّ وأما طرفُه فكليلُ"[10]

 

وإياك والعبوس عند اللقاء؛ فإنه من أخلاق المتكبِّرين، ويزرع الضغينة، ويزهد عن المصافحة في قادم الأيام.

 

ومن مواضع التهنئة: عند الكلام مع الناس؛ فعَن حبيب بْن أَبِي ثابت قَالَ: "من حسن خلق الرجل: أن يحدث صاحبه وهو يبتسم"[11].

 

ومن مواضعها المهمة أيضًا: عند العطية، فمتى قدمت لإنسان زكاة، أو صدقة، أو هدية، فلا تعبس في وجهه؛ فإن ذلك يكدر ما قدمت، وينقص ما بذلت، ولكن ابتسم عند العطاء؛ فإنه عطاء آخر. قال الشاعر:

لن تستتِمَّ جميلًا أنتَ فاعلُهُ
إِلا وأنتَ طليقُ الوجهِ بهلولُ[12]

وقال آخر:

تَلْقَى الْكَرِيمَ فَتَسْتَدِلُّ بِبِشْرِهِ
وَتَرَى الْعُبُوسَ عَلَى اللَّئِيمِ دَلِيلا[13]

ومن مواضعها كذلك: عند مجيء الضيف والجلوس معه.

 

فحين ينزل بك الضيف فاستقبله بالشر والابتسامة، واجلس معه من غير عبوس ولا سآمة.

 

سئل الأوزاعي: مَا إكرام الضيف؟ قَالَ: طلاقة الوجه، وطيب الكلام[14].

 

وقالت العرب: "تمام الضيافة: الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة"[15].

 

وقيل: "البشاشة أول قِرَى الأضياف"[16].

 

قال الشاعر:

إذَا الْمَرْءُ وَافَى مَنْزِلًا مِنْكَ طَالِبًا
قِرَاكَ وَأَرْمَتْهُ إلَيْكَ الْمَسَالِكُ
فَكُنْ بَاسِمًا فِي وَجْهِهِ مُتَهَلِّلًا
وَقُلْ مَرْحَبًا أَهْلًا وَيَوْمٌ مُبَارَكُ
وَقَدِّمْ لَهُ مَا تَسْتَطِيعُ مِن الْقِرَى
عُجُولًا وَلَا تَبْخَلْ بِمَا هُوَ هَالِكُ
فَقَدْ قِيلَ بَيْتٌ سَالِفٌ مُتَقَدِّمٌ
تَدَاوَلَهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَمَالِكُ
بَشَاشَةُ وَجْهِ الْمَرْءِ خَيْرٌ مِن الْقِرَى
فَكَيْفَ بِمَنْ يَأْتِي بِهِ وَهُوَ ضَاحِكُ[17]


أيها الإخوة الكرام، إن التبَسُّم النقيُّ جميل من كل أحد، لكنه أكثر جمالًا وحُسْنًا إذا جاء من شخص له مكانته بين الناس:

فتبَسُّم العالم والداعي إلى الله في وجوه المتلقين والمصافحين والمحبين، له أثر حسن في نفوسهم.

 

وتبَسُّم المعلم بين تلاميذه يحببه إليهم، ويفتح لتعليمه أبواب القبول في عقولهم.

 

وتبَسُّم إمام المسجد ومؤذنه في وجوه المصلين- ولا سيما الحدثاء منهم- يحبب لهم المسجد وروَّاده، فيصبحون من الملازمين للصلاة فيه.

 

وتبَسُّم الوالد والوالدة في وجوه الأبناء والبنات؛ يقوِّي رابطة محبتهما، ويعين على بِرِّهما.

 

وتبَسُّم الأولاد في وجه الأب والأم من أعظم البر والإحسان، وأما التجَهُّم في وجوههما فهو من أعظم العقوق والعصيان.

 

والتبَسُّم في وجوه الأيتام يشعرهم بالأمان والسعادة، وتبَسُّم الأغنياء في وجوه الفقراء يشعرهم بقربهم منهم وتواضعهم لهم، ويحببهم إليهم، ويذهب عن قلوبهم الحقد عليهم.

 

وتبَسُّم الزوج في وجه زوجته، والزوجة في وجه زوجها من أسباب الود، وتقوية رابطة الزوجية، وحل مشكلاتها.

 

وتبَسُّم البائع في وجه المشتري يحبب له الشراء منه، فيكسب بذلك التاجر ويربح، وقد قالوا في الحكمة الصينية: "إذا لم تحسن الابتسامة فلا تفتح متجرًا".

 

نسأل الله أن يصلح أعمالنا وأخلاقنا، وأن يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، إن التبَسُّم الناعم في وجوه الناس عبادة من العبادات، وقربة إلى الله من أعظم القربات؛ فقد عَدَّه النبي عليه الصلاة والسلام من الصدقات؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ)[18].

 

"يعني: إظهارك له البشاشة والبشر إذا لقيته تؤجر عليه كما تؤجر على الصدقة"[19].

 

وجعله صلى الله عليه وآله وسلم من المعروف الذي ينتفع به صاحبه والناس؛ فقال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ)[20].

 

وأضافه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحب الأعمال إلى الله تعالى؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُور تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ...) [21].

 

إنك عندما تبتسم- أيها المسلم- في وجوه الناس؛ تحبب نفسك إليهم، وتصنع لها مكانة معظمة ومحببة في قلوبهم.

 

فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّكُمْ لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحُسْن الخُلُق)[22].

 

وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: فَلْيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا، وَكَلِمَتُكَ طَيِّبَةً؛ تَكُنْ أَحَبَّ إِلَى النَّاسِ مِنَ الَّذِي يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ"[23].

 

وقال الشاعر:

أخو البِشْرِ محبوبٌ على حسن بِشرِهِ
ولن يعدمَ البغضاءَ من كان عابسا"[24]

وأنت بابتسامك قد تدفع عنك كراهية الناس، وتطفئ نار عداوتهم، وتكتسب صداقة جديدة؛ فقد قيل لبعضهم: "إنَّك تَلْقَى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالْبِشْرِ! قَالَ: دَفْعُ ضَغِينَةٍ بِأَيْسَرِ مُؤْنَةٍ، وَاكْتِسَابُ إخْوَانٍ بِأَيْسَرِ مَبْذُول"[25].

 

عباد الله، إن بعض الناس ينقاد لأوامر الأطباء ونواهيهم أكثر من انقياده لأوامر الشريعة ونواهيها؛ حرصًا على سلامة بدنه، وصحة جسده، فمن كان كذلك قيل له: إن التبَسُّم في الوجوه له آثار إيجابية على الصحية النفسية، والصحة الجسدية، كما تحدث أهل الاختصاص عن ذلك؛ ففي الابتسامة تحسين المزاج، وتقليل الاكتئاب، وتخفيف التوتر، وزيادة للشعور بالهدوء، وزيادة في الإنتاجية، وتوسيع لدائرة الروابط الاجتماعية، وتقوية العلاقات الإنسانية.

 

كما أن التبَسُّم يزيد من صحة القلب، وتقوية جهاز المناعة، ويخفف من حدة الآلام الجسدية، وغير ذلك.

 

فتبَسَّموا- يا عباد الله- ولا تعبسوا، واطلبوا بذلك الأجر عند الله واحتسبوا، واحرصوا على الابتسامة في ميادينها المحبوبة، وابذلوها للقريب والبعيد، والحبيب والبغيض، فإن لم تجعلوها تدينًا مع من تكرهون فاجعلوها حكمةً وكياسةً، وتأملوا في ثمراتها العاجلة والآجلة، والدينية والدنيوية؛ ففي ذلك مدعاة للتحلي بها، والحرص على صنعها أو تصَنُّعها، حتى ولو كنتم في غَمٍّ قائم، وحزن جاثم؛ ففي التبَسُّم تخفيف من وجع الضراء، وتفويت لشماتة الحُسَّاد والأعداء.

 

تَبَسَّمْ إنْ دهاكَ الحُزنُ والغَمْ
وطوَّحَ بالَك الهمُّ المعظَّمْ
فتلِكَ مضايقٌ تَعدو وتَمضي
ويُصبِحُ بعدَها الشاكي مُنعَّمْ
ويومَ يَضيقُ أُفْقُك بالبلايا
تَبَسَّمْ فالنَّجا منها سيَقْدَمْ
تَبَسَّمْ إن هفا موجٌ عنيفٌ
فَهدهدَ زورقَ النُّعمى وحطَّمْ
ففي حِضْنِ الضِّفافِ تَرى أمانًا
سيُضحِك قلبَك الباكي ويَرحمْ


نسأل الله أن يسعدنا في دنيانا، ويرضى عنا في أُخْرانا.

 

هذا وصلوا وسلموا على خير البشرية...



[1] ألقيت في جامع الشوكاني في: 7/11/1447هـ، 24/4/2026م.

[2] مختصر الشمائل (ص: 24).

[3] رواه أحمد، والترمذي، والبيهقي في الشعب، وهو حسن.

[4] متفق عليه.

[5] التوضيح لشرح الجامع الصحيح (18/ 238).

[6] سير أعلام النبلاء (10/ 141).

[7] متفق عليه.

[8] رواه ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف (26)، وذكر الألباني أنه صحيح لغيره، وأنه يشهد له ما بعده من الأحاديث؛ بسبب كونه مرسلًا. صحيح الترغيب والترهيب (3/ 19).

[9] الأذكار للنووي (ص: 266).

[10] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 76).

[11] المصدر السابق (ص: 77).

[12] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 76).

[13] أدب الدنيا والدين (ص: 195).

[14] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 261).

[15] المستطرف في كل فن مستظرف (ص: 192).

[16] ربيع الأبرار ونصوص الأخيار (2/ 428).

[17] غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (2/ 151).

[18] رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي، والبيهقي في الشعب، وابن حبان، والبزار، وهو صحيح.

[19] فيض القدير (3/ 226).

[20] رواه مسلم.

[21] رواه الطبراني، وهو حسن.

[22] رواه البزار، وأبو يعلى، والطبراني في مكارم الأخلاق، والبيهقي في الشعب، والحاكم، وهو حسن.

[23] شعب الإيمان (10/ 404).

[24] روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 75).

[25] الآداب الشرعية والمنح المرعية (3/ 470).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • دعوة للتبسم...!
  • تبسم.. لك رب كريم
  • تفسير: (فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك...)
  • فضل التبسم في وجوه المسلمين
  • تبسم وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • قرة أعين الآباء بصلاح الأبناء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شفقة الرسول وغفلة العقول (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تنقضي الشعائر وتبقى شعيرة واحدة هي الخالدة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استغلال الفرص (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وحدة الأمة في ضوء مناسك الحج (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • يوم عاشوراء يوم النصر للحق وأهله (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تربية الأبناء في الإسلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حين يكبر معنى الرزق في قلب الإنسان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 28/12/1447هـ - الساعة: 15:34
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب