• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: العليم جل وعلا
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (2) الصدق مع ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    فضل العفو والصفح من السنة النبوية
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    فقه السير إلى الله (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    أسباب انتشار الإسلام (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    حسن الظن بالله تعالى: حكمه، مواطنه، ثمراته (خطبة)
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    أهمية التمييز بين الأعلام المتشابهة في التراث ...
    أبو خالد بن ناظر الدين القاسمي
  •  
    شرف العبودية وعزها (خطبة)
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    التواضع رفعة.. والكبر سقوط (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    أساليب الأعداء في محاربة القرآن
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    كيف نسمو بأخلاقنا؟
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    علامات صاحب القلب السليم (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    تفسير قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
    السيد مراد سلامة
  •  
    خطبة: الثقافة وتداخل الحضارات
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    أحكام الحج
    تركي بن إبراهيم الخنيزان
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

حسن الظن بالله تعالى: حكمه، مواطنه، ثمراته (خطبة)

حسن الظن بالله تعالى: حكمه، مواطنه، ثمراته (خطبة)
عبدالله بن عبده نعمان العواضي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 2/4/2026 ميلادي - 14/10/1447 هجري

الزيارات: 60

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

حسن الظن بالله تعالى: (حكمه، مواطنه، ثمراته)

 

الحمد لله الحكيم العليم، الرحيم الحليم، الغني الحميد، العظيم المجيد، المنزَّه عن كل سوء ونقص، بيده كل شيء، يدبر الأمر في السماء والأرض وهو كل شيء قدير، سبحانه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

 

أحمده على جميع النعم، ودفع سيئ النقم، وأصلي وأسلم على خير خلقه محمد بن عبدالله، الذي عبده فأحسن عبادته، وأدَّى إلى خلقه رسالته وأمانته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]،

أما بعد:

أيها المسلمون، اعلموا- رحمنا الله وإياكم- أنه لا أرحم بالعبد من ربه، ولا أكرم من خالقه ومالك أمره، يريد لعبده الظفر بالنعيم المقيم، والسلامة من العذاب الأليم، فيبتليه في هذه الدنيا بحكمته؛ ليُقبِل عليه بكُليِّته، ويلجأ إليه في بليَّته.

 

فضيقُ حياةِ عبده المؤمن هنا سعةُ حياته هناك، وحزنها اليوم سرورها غدًا يوم لقائه، فمتى انسدَّت الطرق أمام الرغبات، وتكدَّرت الآفاق في وجه الراغب؛ فلا ضجر ولا سآمة، ولا يأس ولا سوء ظن؛ فالمقدر حكيم رحيم، فما ظنك- أيها المسلم- بربِّك وهو كذلك؟

 

إن مما يجب على الإنسان- يا عباد الله- اعتقاده: حسنَ الظن بربه؛ باعتقاد عظمة حكمته، وحسنِ فعله، وسعةِ رحمته، وفضله بعفوه ومغفرته.

 

وهذا الاعتقاد القلبي عمل إيماني ذو أهمية كبيرة في الإسلام، وركن من أركان السلامة العظام، حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: "عمود الدين، وغاية مجده، وذروة سنامه: حسن الظن بالله"[1].

 

عباد الله، يجب على الإنسان أن يحسن الظن بالله تعالى في كل شيء، غير أن هناك مواطن معينة يكون حسن الظن بالله تعالى فيها أهم من غيرها، فمن تلك المواطن:

عند حصول البلاء ونزول المكروه بالإنسان أو بمن يحب؛ فهذه الحياة لا يسلم صاحبها من مصائب ومحن، وشدائد وفتن، وفي ظل هذه المكروهات يجب على المؤمن أن يكون حسن الظن بالله تعالى؛ فيعتقد أن الله عز وجل لم يبتلِه إلا لخير يريده له، وأن مآل ذلك البلاء إلى عاقبة حسنة، وأن الله سيرفع ما نزل به وإن طال زمن مكثه.

 

وحاله:

وَإِنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ حَتَّى كَأَنَّنِي       أَرَى بِجَمِيلِ الظَّنِّ مَا اللَّهُ صَانِعُ [2]

 

وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة مهاجرًا، فيطارده المشركون حتى يصلوا إلى باب الغار في يوم من الأيام، وبينه وبين الموت أو الأَسر نظرةٌ مشركةٌ إلى تحت الأقدام، ومع ذلك كله كان حسن الظن بصرف الله هذا البلاء عنه وعن صاحبه الصدِّيق، قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40].

 

عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رؤوسنا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا)) [3]"أي: بالنصرة والإعانة، أفتظن أن يخذلهما؟!"[4].

 

ومن البلاء: العجز عن قضاء الدين؛ فإن حَسَن الظن بالله الراغب في أداء الحق لأهله يوقن بأن الله سيعينه على قضاء دينه، وتفريج هذا الغم عنه؛ فهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه يوصي ابنه عبدالله قبل موته بقضاء دينه: "قَالَ عَبْدُاللَّهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَيّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ، فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلايَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ، حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَنْ مَوْلاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ، إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ"[5].

 

ومن هذا أيضًا: حسن الظن بالله في شفاء مريض اشتد مرضه، وفي عودة غائب طال غيابه، وفي رجوع مسافر عظم الشوق إلى لقائه.

 

أيها الأحبة، ومن مواطن حسن الظن بالله جل جلاله: عند العصيان.

 

فكم يعصي العبد ربه، وكم يسرف على نفسه في مخالفته! وربما بقي على اقتراف بعض الكبائر سنوات وسنوات.

 

ولكن ليحذر المرء العاصي من أن ينتصر الشيطان عليه مرتين: الأولى: في طاعته الشيطان لاقتراف الذنوب، والثانية: استماعه لتقنيطه له من التوبة إلى الله سبحانه.

 

بل الواجب عليه أن يعصي الشيطان ويكذبه، ويحسن ظنه بالله في قبوله والعفو عنه، فيرجو منه غفران ذنوبه مهما بلغت، ويقبل على الله مستغفرًا تائبًا، وقد قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

 

وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا بْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلا أُبَالِي، يَا بْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلا أُبَالِي)) [6].

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي)) [7]. وفي رواية: ((إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ)) [8].

 

"وقوله: ((أنا عند ظن عبدي بي)): قيل: معناه: بالغفران له إذا استغفرني، والقَبول إذا أناب إليَّ، والإجابة إذا دعاني، والكفاية إذا استكفاني؛ لأن هذه الصفات لا تظهر من العبد إلا إذا أَحسن ظنه بالله وقوي يقينه"[9].

 

وعن سهيل أخي حزم القطعي قال: "رأيت مالك بن دينار رحمه الله في منامي، فقلت: يا أبا يحيى، ليت شعري! ماذا قدمت به على الله عز وجل؟ قال: قدمت بذنوب كثيرة، محاها عني حسن الظن بالله"[10].

 

غير أنه ينبغي لنا أن نفهم- معشر المسلمين- أن حسن الظن بالله لا يعني التمادي في العصيان مع ترك التوبة النصوح، والاتكال على سعة رحمة الله؛ فإن هذا ليس بصحيح، بل حسن الظن بالله حقًّا أن يثق العاصي برحمة الله ومغفرته، فيدع الخطايا مهما كثرت، ويقبل بالتوبة على ربه الكريم.

عَنِ الْحَسَنِ رحمه الله قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ أَسَاءَ الظَّنَّ فَأَسَاءَ الْعَمَلَ"[11].

 

وقال معروف رحمه الله: "رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخِذلان والحمق"[12].

 

وقال بعض العلماء: "وكيف يكون محسن الظن بربه من هو شارد عنه، حالٌّ مرتحل في مساخطه وما يغضبه، متعرض للعنته قد هان حقه وأمره عليه فأضاعه، وهان نهيه عليه فارتكبه وأصرَّ عليه؟"[13].

 

"فإن السالك إذا حسن الظن بالله على سبيل الرجاء حسَّن العبادة في الخلا والملا، فيستحسن مأموله، ويرجى قبوله، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 218]، وأما من يترك العبادة، ويدعي حسن الظن بالمعبود؛ فهو مغرور ومخدوع ومردود"[14].

 

أيها الإخوة الفضلاء، ومن مواطن حسن الظن بالله أيضًا: عند الدعاء.

 

فإذا دعوت ربك- أيها المسلم- بعد أن تستوفي شروط الدعاء وآدابه، والسلامة من موانع الإجابة؛ فعليك أن تحسن الظن بالله تعالى بأنه سيجيبك؛ فإنه سميع كريم، قريب رحيم.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ)) [15].

 

ولا تستبعد على كرم الله وغناه وقدرته أن ينيلك فوق ما تطلبه نفسك، وتحمله دعوتك، ولتعظم الرغبة في قبول دعائك، وتحقيق مشروع مطالبك؛ فأنت تسأل الغني الحميد، الذي بيده كل شيء، ولا ينقص من خزائنه كل ما طلب عباده منه جل جلاله.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ)) [16].

 

ومن مواطن حسن الظن بالله كذلك: عند طلب الرزق.

 

فالإنسان يسعى في طلب رزقه من أوجهه المشروعة، متوكلًا على ربه، حسن الظن به، موقنًا أن الله سينيله رزقه المقسوم له، من غير أن يصحبه يأس وسوء ظن بالله بأنه يمنع عنه ما كُتب له.

 

وكم يرى الناس- معشر الكرام- من يسوء ظنه بربه في طلب الرزق، فيعتقد أن الله لن ييسر له وسيلة رزق، فيحمله ذلك على السخط على ربه، والمسارعة إلى سبل الحرام للحصول على المال، وهذا من الوبال الكبير.

 

فَلا تَجْزَعْ وَإِنْ أعْسَرَتَ يَومًا
فَقَدْ أيْسَرْتَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيْلِ
وَلا تَيْأسْ فَإنَّ اليَأْسَ كُفْرٌ
لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِي عَنْ قَلِيْلِ
وَإنَّ العُسْرَ يَتْبَعُهُ يَسَارٌ
وَقَوْلُ اللَّهِ أصدَقُ كُلِّ قِيْلِ
وَلا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنَّ سوءٍ
فَإنَّ اللَّهَ أوْلَى بِالجمِيْلِ [17]

 

وما أجمل أن يحسن المسلم الظن بالله تعالى في تقسيم الأرزاق، وتفاوت الناس فيها بين غني وفقير، فيعتقد أن الله تعالى حكيم في هذا القضاء، فلا يقول: لماذا كنت فقيرًا، وفلان كان غنيًّا!، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: 27]. وقال: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 32].

 

ومن مواطن حسن الظن بالله تعالى أيضًا: عند الموت:

إن على العبد في حال استقرار حاله في حياته من غير علامة موت تظهر عليه؛ أن يعيش خائفًا من ذنوبه، راجيًا رحمة ربه.

 

وأما في حال انتقاله إلى ربه، بوصوله إلى آخر لحظات الدنيا وهو ما زال في وعيه؛ فإنه ينبغي في هذه الحال أن يغلب جانب الرجاء وحسن الظن بالله تعالى بأن يظن أنه يرحمه، ويعفو عنه؛ لأنه إذا حضر أجله، وأتت رحلته لم يبق لخوفه معنى، بل يؤدي إلى القنوط وهو تضييق لمجاري الرحمة والإفضال.. فحسنُ الظن، وعظمُ الرجاء أحسن ما تزوده المؤمن لقدومه على ربه" [18].

 

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) [19].

 

وهذه الحال كانت دأب السلف في أقوالهم وأفعالهم:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إذا رأيتم بالرجل الموت فبشِّروه؛ ليلقى ربه وهو حسن الظن به، وإذا كان حيًّا فخوِّفوه" [20].

 

وقال المعتمر: قال أبي حين حضرته الوفاة: "يا معتمر، حدثني بالرخص؛ لعلي ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظن به"[21].

 

وعن إبراهيم، قال: "كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته؛ لكي يحسن ظنه بربه عز وجل"[22].

 

غير أن حسن الظن في هذا الموطن ينبغي أن يكون مصحوبًا بشيء من الخوف من عواقب الذنوب؛ لحديث أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: (كَيْفَ تَجِدُكَ؟)، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ)) [23].

 

نسأل الله أن يجعلنا من أهل حسن الظن به، وأن يسلكنا في زمرة أوليائه وأحبابه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أيها المسلمون، إن حسن الظن بالله تعالى عبادة عظيمة تُورِث ثمرات حسنة جليلة، فإذا كان المرء من أهل حسن الظن بالله فيا لسعادته بهذه الثمرات اليانعة!

 

فمن ذلك:

أن حسن الظن بالله طريق إلى نيل المطالب، والظفر بالرغائب؛ قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "والذي لا إله غيره، ما أُعطي عبد مؤمن شيئًا خيرًا من حسن الظن بالله عز وجل، والذي لا إله غيره، لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه؛ ذلك بأن الخير في يده"[24].

 

وقال بعض العلماء: "وكلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكل عليه؛ فإن الله لا يخيب أمله فيه البتة؛ فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل، ولا يضيع عمل عامل"[25].

 

ومن ثمرات حسن الظن بالله: الراحة والاطمئنان.

 

وكم يبحث الناس اليوم عن هذه الثمرة، وكم يبذلون لأجل الوصول إليها!

 

وقد "قيل: قتلَ القنوطُ صاحبَه، وفي حسن الظن بالله راحة القلوب"[26].

 

فأحسن الناس عيشًا، وأسعدهم قلبًا، وأفسحهم صدرًا، وأنقاهم بالًا؛ أهل حسن الظن بالله تعالى.

ومن ثمرات حسن الظن بالله أيضًا: إجابة الدعاء.

 

قال بعض أهل العلم: "وحسن الظن بالله لقاح الافتقار والاضطرار إليه، فإذا اجتمعا أثمرا إجابة الدعاء"[27].

 

فحَسَنُ الظنِّ لا ييأس من تأخُّر الإجابة فيدَعُ الدعاء، بل يستمر موقنًا بأن الله سيجيبه، ويعطيه خيرًا على دعوته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: ((يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ)) [28].

 

ومن ثمرات حسن الظن بالله كذلك: غفران الذنوب:

ففي الحديث القدسي المتقدم: ((يا بْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي)).

 

عباد الله، ألا فظنوا بربكم العظيم الحكيم ظنًّا حسنًا في أفعاله وأقداره، وكونوا من أهل حسن الظن به تعالى في المكروهات، وعند التوبة من ارتكاب الخطيئات، وعند التقرب إليه بالأعمال الصالحات، وعند دعائه وسؤاله، وطلب رزقه ونواله، وعند وداع الدنيا بالانتقال إليه.

 

وإياكم وسوء الظن بالله؛ فإنه بوابة الشقاء، وداعية العناء.

 

فمن ظن أن لن ينصر الله دينه وعباده المؤمنين المخلصين، ويسلط عليهم أعداء الدين تسليطًا مستمرًّا، يذهب معه الدين؛ فقد ظن بربه ظن السوء.

 

ومن قنط من رحمة الله ومغفرته، وأيس من فَرَجِه وإنجائه؛ فقد ظن به ظن السوء.

 

ومن جوَّز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم، ويسوِّي بينهم وبين أعدائه؛ فقد ظن به ظن السوء.

 

ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يقدر على إيجاده وتكوينه؛ فقد ظن به ظن السوء.

 

ومن ظن به أنه إذا ترك لأجل الله شيئًا لم يعوضه خيرًا منه، أو من فعل لأجله شيئًا لم يعطه أفضل منه؛ فقد ظن به ظن السوء [29].

 

فمن وقع- يا عباد الله- في شيء من سوء الظن بربه فليتُبْ منه قبل لقائه، وليستغفره مما طرأ على قلبه مما لا يليق به.

 

نسأل الله أن يعمر قلوبنا بحبه، وأن يجعلنا من أهل معيته وقربه.

 

هذا وصلوا وسلموا على خير البشرية...



[1] التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 174).

[2] حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا (ص: 100).

[3] متفق عليه.

[4] كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 14).

[5] رواه البخاري.

[6] رواه أحمد، والترمذي، والطبراني، وهو صحيح.

[7] متفق عليه.

[8] رواه أحمد.

[9] إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 172).

[10] حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا (ص: 23).

[11] الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 231).

[12] الداء والدواء (1/ 51).

[13] الداء والدواء (ص: 25).

[14] تحفة الأحوذي (10/ 50).

[15] رواه الترمذي، والطبراني، والبزار، وهو حسن.

[16] رواه مسلم.

[17] الدر الفريد وبيت القصيد (8/ 154).

[18] فيض القدير (6/ 455).

[19] رواه مسلم.

[20] التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 175).

[21] حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا (ص: 40).

[22] حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا (ص: 40).

[23] رواه الترمذي، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه، وهو حسن.

[24] حسن الظن بالله (ص: 96).

[25] مدارج السالكين (1/ 468).

[26] أدب الدنيا والدين (ص: 221).

[27] الفوائد لابن القيم (ص: 199).

[28] رواه مسلم.

[29] ينظر: زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 209).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • هل نغلب الرجاء وحسن الظن بالله تعالى أم الخوف والخشية؟
  • حسن الظن بالله تعالى (خطبة)
  • حسن الظن بالله بلسم لعلاج المشاكل الزوجية
  • إحسان الظن بالله عدة في الشدائد (خطبة)
  • خطبة: حسن الظن بالله
  • إحسان الظن بالله تعالى (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • حسن الظن بالعلماء (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة الأخلاق الإسلامية أقسام الأخلاق الإسلامية (حسن الظن بالله)(مقالة - مكتبة الألوكة)
  • حسن الظن بالله من أخلاق المؤمنين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حسن الظن بالله(مقالة - موقع الشيخ أحمد بن عبدالرحمن الزومان)
  • تقديم سوء الظن على حسن الظن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حسن الظن واجتناب سوء الظن(مقالة - موقع عرب القرآن)
  • حسن الظن بالله تعالى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حسن الظن بالله تعالى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بعض الظن إثم: دراسة تفسيرية تحليلية لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ...} (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الاكتفاء بغلبة الظن في أمور الدنيا والدين عند تعذر اليقين(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • خبراء يناقشون معايير تطوير جودة التعليم الإسلامي في ندوة بموسكو
  • مسابقة قرآنية لاكتشاف حافظات القرآن في تتارستان
  • مسلمو غورنيا بينيا يسعدون بمسجدهم الجديد بعد 10 أشهر من البناء
  • إفطار رمضاني يعزز ارتباط الشباب بالمسجد في ألكازار دي سان خوان
  • مسلمون جدد يجتمعون في إفطار رمضاني جنوب سيدني
  • مسابقة رمضانية في يايسي لتعريف الطلاب بسيرة النبي محمد
  • سلسلة محاضرات رمضان "المعرفة - منفعة عامة" تواصل فعالياتها في تيشان
  • طلاب القرم يتعلمون قيم الرحمة عبر حملة خيرية تعليمية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/10/1447هـ - الساعة: 16:30
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب