• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    قطوف من سيرة ذي النورين (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    خطبة: حقيقة الصهاينة كما في القرآن
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    الطاعة والاتباع (خطبة)
    السيد مراد سلامة
  •  
    تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (4)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تفسير قوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    عمارة المساجد حسا ومعنى (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    إطلالة على مشارف السبع المثاني (1) بين يدي ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    مكانة التوحيد في حياة المسلم
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    وقفات مع اسم الله الرحمن الرحيم (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    فقه الجهاد في الإسلام
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    شموع (116)
    أ. د. عبدالحكيم الأنيس
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (10) هدايات سورة الفاتحة: يوم ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    ثنائيات أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج ...
    د. عبدالهادي بن زياد الضميري
  •  
    طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة المحاسبة: ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    نعمة الإسلام وإسلام أهل اليمن (خطبة)
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    فضائل قضاء حوائج الناس (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / العلم والدعوة
علامة باركود

الطاعة والاتباع (خطبة)

الطاعة والاتباع (خطبة)
السيد مراد سلامة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/2/2026 ميلادي - 14/8/1447 هجري

الزيارات: 36

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الطاعة والاتباع


الخطبة الأولى

الحمد لله العليم الحكيم العزيز الغفار، القهَّار الذي لا تَخفى معرفتُه على مَن نظر في بدائع مملكته بعين الاعتبار، القدوس الصمد التعالي عن مشابه الأغيار، الغني عن جميع الموجودات، فلا تَحويه الجهات والأقطار، الكبير الذي تحيَّرت العقول في وصف كبريائه فلا تُحيط به الأفكار، الواحد الأحد المنفرد بالخلق والاختيار، الحي العليم الذي تساوى في علمه الجهرُ والإسرار، السميع البصير الذي لا تُدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

 

وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيُّه من خلقه وحبيبه.

بأبي وأمي أنت يا خيرَ الوَرى
وصلاةُ ربي والسلام مُعطَّرا
يا خاتمَ الرسل الكِرام محمد
بالوحي والقرآن كنتَ مُطهَّرَا
لك يا رسول الله صدقُ محبةٍ
وبفيضها شهِد اللسان وعبَّرا
لك يا رسول الله صِدقُ محبةٍ
فاقت محبةَ مَن على وجه الثَّرى
لك يا رسول الله صدقُ محبة
لا تنتهي أبدًا ولن تتغيَّرا

 

وعلى آله وأصحابه ومَن سار على نهجه، وتمسَّك بسنته، واقتدى بهديه، واتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين؛ أما بعد:

فأحبتي في الله يتجدَّد اللقاء مع سيرة إمام الأتقياء صلى الله عليه وسلم، ونقف اليوم مع الحق الرابع من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ألا وهو حق الطاعة والاتباع؛ قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: "نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعًا".

 

وقال الآجُرِّي: "فرض على الخلق طاعته صلى الله عليه وسلم في نيف وثلاثين موضعًا من كتابه عز وجل".

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد أمر الله بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن، وقرَن طاعته بطاعته، وقرَّن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يُذكَر الله إلا ذُكر معه".

 

قلت: إن الآيات الواردة في الأمر بطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه، والاقتداء به، جاءت في مواطن متعددة من القرآن الكريم، واتصفت تلك الآيات بتنوع أساليبها وتعدُّد صِيَغها، مع اتحادها جميعها في الأمر؛ بالاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وطاعته في جميع ما جاء به من شرائع وأحكام من عند الله عز وجل، وسوف أعرض لهذه الآيات بعد تقسيمها على حسب ما اتَّحدت به في السياق على النحو التالي:

الآيات التي جاء فيها الأمر بطاعته - صلى الله عليه وسلم - ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80].

 

جعل الله طاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من طاعته، فلا يَقبَل الله طاع من أحدٍ حتى يُطيع رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية ضمن سلسلة من الآيات ربَطت بين طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقد جعل الله طاعته وطاعة رسوله شيئًا واحدًا، وجعل الأمر بطاعة رسوله مندرجًا في الأمر بطاعته سبحانه، وفي ذلك بيان للعباد بأن طاعته سبحانه لا تتحقق إلا بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم.

 

ومن تلك الآيات الواردة بهذه الصيغة:

1- قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 32]، أمر الله نبيه أن يأمُرنا بطاعة الله وطاعته، وأن مَن أعرَض ولم يُطع، فقد كفر، والله تعالى يبغضه ولا يُحبه.

 

2- وقوله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132]، وعد الله تعالى من أطاعه وأطاع رسوله بأن ينال رحمته التي وسِعت كلَّ شيء.

 

3-وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 31].

 

4- وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور: 52]، واعلموا أن من ثمار الطاعة الفوز العظيم، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].

 

أ- الآيات التي جاء فيها الأمر باتباعه والتأسي به والأخذ بما شرعه:

جاء الأمر من الله تبارك وتعالى باتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتأسي به في مواطن متعددة من كتابه العزيز.

 

ب- قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31].

 

2-وقال تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون ﴾ [الأعراف: 158].

 

3- وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].

 

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

 

وهذه الآيات تضمنت توجيهات عظيمة يجب على المسلم تدبُّرها، ففي الآية الأولى جعل الله الاتباع سبيلًا إلى نيْل حبِّه، ووسيلة إلى تحقيق رضاه، وحصول غُفرانه؛ إذ باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يَحصُل حبُّ الله تعالى ورضاه ومثوبته، فالخير كلُّ الخير في اتباعه، والشر كل الشر في مخالفته والابتعاد عن سنته.

 

فالاتباع هو دليل المحبة وبُرهانها، وبتحقُّقه تكون المحبة التي هي إحدى ثمراته؛ كما قال تعالى: ﴿ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: 31]، كما أن من ثمراته غفران الذنوب؛ كما جاء في هذه الآية نفسها: ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: 31].

 

ج- الآيات التي جاء فيها وجوب التسليم لحكمه والانقياد له:

قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

 

وفي هذه الآية أقسم سبحانه بأجلِّ مُقسَمٍ به - وهو نفسه عز وجل - على أنه لا يثبت لهم إيمانٌ، ولا يكونون من أهله؛ حتى يحكموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع موارد النزاع، وفي جميع أبواب الدين، فإن لفظة "ما" مِن صِيَغ العموم، ولم يقتصر الأمر على مجرد التحاكم، بل ضمَّ إليه انشراحَ صدورهم بحكمه، بحيث لا يجدون في أنفسهم حرجًا - وهو الضيق والحصر - مِن حُكمه، بل يُقبلون حكمَه بالانشراح، ويقابلونه بالتسليم، لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويَشربونه على قذًى، فإن هذا منافٍ للإيمان، بل لابد أن يكون أخذه بقَبول ورضا وانشراح صدرٍ.

 

إن اتباعه سببٌ من أعظم أسباب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157]، ما ورَد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهديه[1].

 

وأما ما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهدْيه وسيرته، فحدثنا... عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر، ولا نجد صلاة السفر؟ فقال: ابن عمر: يا بن أخي، إن الله بعث إلينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم شيئًا، فإنما نفعل كما رأيناه يفعل [2].

 

وقال عمر بن عبد العزيز: سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننًا للأخذ بها؛ تصديقًا بكتاب الله، واستعمالًا بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي مَن خالفها، مَن اقتدى بها فهو مهتدٍ، ومن انتصر بها منصورٌ، ومن خالَفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين، ولَّاه الله تعالى ما تولَّى، وأصلاه جهنَّمَ وساءت مصيرًا[3].

 

وقال الحسن بن أبي الحسن: عملٌ قليل في سُنَّة خيرٌ من عمل كثير في بدعة[4].

 

وقال ابن شهاب: بلغنا عن رجال من أهل العلم قالوا: الاعتصام بالسنة نجاة [5].

 

وكتب عمر بن الخطاب إلى عمَّاله: بتعليم السنة والفرائض واللحن؛ أي: اللغة[6].

 

وقال: إن ناسًا يُجادلونكم - يعني بالقرآن - فخُذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله[7].

 

قال ابن حبَّان: "طاعة الرسول هي الانقيادُ لسُنته، مع رفْض قول كلِّ مَن قال شيئًا في دين الله عز وجل بخلاف سُنته، دون الاحتيال في دفْع السنن بالتأويلات المضمحلَّة والمخترعات الداحضة... "[8].

 

أولًا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قالوا: يا رسول الله، ومَن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"[9].

 

ثانيًا: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله …"؛ الحديث[10].

 

ثالثًا: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده، لتَدخُلُنَّ الجنة كلُّكم، إلا مَن أبى وشرَد على الله كشراد [11] البعير؛ قال: يا رسول الله، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"[12].

 

ضربه - صلى الله عليه وسلم - الأمثال في الحث على طاعته:

أولًا: عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا [13]، فانطلقوا على مَهلهم فنجوا، وكذَّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبَّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتَّبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق"[14].

 

ثانيًا: وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "جاءت الملائكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نائمٌ، فقال بعضهم: إنه نائمٌ، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلًا، قال: فاضربوا له مثلان، فقال بعضهم: إنه نائمٌ، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يَقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارًا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يُجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوَّلوها له يَفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا، فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس"[15].

 

ثالثًا: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يَقعن فيها، فجعل الرجل يَزَعُهُنَّ[16]ويَغلبنَه، فيَقتحمن فيها، فأنا آخذ بِحُجَزِكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها"[17].

 

فهذه ثلاثةُ أحاديث اشتَمل كلُّ حديثٍ منها على مثل مُعين، والأمثال كما هو معلوم توضع لتقريب المعنى وتوضيحه في ذهن السامع؛ ليكون أسهلَ في فَهْم المعنى، وأبلغ في ترسخه في ذهنه، والمتأمل في هذه الأحاديث الثلاثة، وما ضُرب فيها من أمثال يُدرك - إن كان له قلب وسمع سَلِيمان - ما في هذه الأحاديث من الحثِّ على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، واتباعه والأجر العظيم المترتِّب على ذلك، كما يُدرك عظم العقوبة والخسارة المترتبة على عصيانه ومخالفته، وعدم الانقياد له.

 

والسؤال الذي يَفرض نفسه ها هنا هو التالي:

هل أنت ممن أطاع البشير النذير - صلى الله عليه وسلم؟

وهل أنت ممن أجاب الداعي - صلى الله عليه وسلم؟

وهل أنت ممن استجاب لتحذيره - صلى الله عليه وسلم - فحمى نفسه من نار جهنم؟

 

وقبل أن تَعجل بالإجابة انظُر إلى أعمالك وأقوالك، هل هي وفق شريعته وما جاء به صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فها هنا يَكمُن الجواب، فيا سعادة من أطاعه واتَّبعه.

 

ويا خزي وندامة مَن خالفه وعصى أمره، والله تعالى يقول: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 27]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴾ [الأحزاب: 66].

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

أما بعد، فهذه صورٌ مُشرقة من طاعة واتباع الصحابة، والتابعين للنبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

 

حرص عمر رضي الله عنه على اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم:

مِن صُور حِرص السلف على الاتباع والاقتداء: حرصُ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فها هو يَحُج بيت الله الحرام، ويطوف به حتى إذا وقف على الحجر الأسود، فقال: كما عند البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبَّل الحجر الأسود، وقال: لو لا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُقبلك ما قبَّلتك [18].

 

وفي رواية أخري قال: أما والله، أني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفَع، ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أستلمك ما استلمتك.

 

حرص عبد الله بن عمر رضي الله عنه على الاتباع:

تقول السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - وهي تصف حِرص عبد الله بن عمر الشديد على اتباع أثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما رأيت أحدًا ألزمَ للأمر الأول من ابن عمر [19].

 

وعن ابن وهب عن مالك عمَّن حدَّثه أن ابن عمر كان يتَّبع أمر أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثاره وحاله، ويهتم به، حتى كان قد خِيف على عقله من اهتمامه بذلك[20].

 

ومن شدة حرصه أيضًا أنه سمع رجلًا عطَس، فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، فقال له: ما هكذا علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل قال: إذا عطس أحدكم فليحمِد الله، ولم يقُل وليُصلِّ على رسول الله.

 

ومن المواقف الدالة على حرصه على الاعتصام بالسنة، واتباع منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الموقف المشرِّف؛ جاء رجل إلى الإمام مالك - رحمه الله - فقال: يا أبا عبد الله، من أين أُحرم، فقال: من ذي الحليفة؛ من حيث أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أني أريد أن أُحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: أي فتنة هذه؛ إنما هي أميال أَزيدها، قال: وأي فتنةٍ أعظمَ من أن ترى أنك سبَقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63][21].

 

‌اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

 

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].

 

سبحان ربِّنا ربِّ العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.



[1] الشفا ج2 ص 18 – 21 باختصار.

[2] الأوسط لابن المنذر - (رقم 2206)، وغوامض الأسماء المبهمة - (2 / 606).

[3] الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، (رقم 449)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، (رقم 118)، وإبطال التأويلات - (رقم 26).

[4] بلوغ الأرب بتقريب كتاب الشعب - (2 / 116)، وجامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (2 / 374)؛ رواه القضاعي في مسند الشهاب "1270" 2/ 239، وابن بطة في الإبانة "151" 1/ 315، و"243-244" 1/ 357، عن الحسن مرسلًا.

[5] المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي - (2 / 230) رقم 708)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي - (رقم 11)، والعواصم من القواصم - (ص 267).

[6] أخرجه الدارمي (2/441 ، رقم 2850)، وجامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (2 / 244)، رقم 981)، والبيهقي: السنن: 6/209، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين مروق وعمر، وابن الجوزي: مناقب ص 201، والمتقي الهندي: كنْز العمَّال، 10/252، وأخرجه ابن أبي شيبة: المصنف 11/234، وسعيد: السنن 1/28، عن إبراهيم النخعي مرسلًا.

[7] جامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (2 / 245)؛ رواه الدارمي "119" 1/ 62، واللالكائي في أصول الاعتقاد "202" 2/ 123، والأصبهاني في الحجة 1/ 312-313، والآجري في الشريعة ص74، وابن بطة في الإبانة "790" 2/ 610 "الكتاب الأول"، وابن أبي زمنين في أصول السنة "7" ص50.

[8] صحيح ابن حبان (1/ 153).

[9] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: فتح الباري (13/ 249) ح 7285

[10] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام: باب قول الله تعالى {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} ،.

[11] يقال: شرد البعير، يشرد، شُرودًا، وشِرادًا: إذا نفر وذهب في الأرض؛ النهاية (2/ 457).

[12] أخرجه ابن حبان في صحيحه (1/ 153)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 80)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وله شاهد من طريق أبي هريرة بنحوه؛ أخرجه الحاكم في مستدركه (4/ 247)، وقال صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي، وله شاهدٌ آخر من طريق أبي أمامة بنحوه؛ أخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 247)، وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي.

[13] أي ساروا بالليل. النهاية (2/ 129).

[14] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم، انظر: فتح الباري (13/ 250) ح 7283، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته. انظر: (7/ 63).

[15] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ انظر: فتح الباري (13/ 249) ح 7281.

[16] بفتح التحتانية والزاي وضم العين المهملة: أي يدفعهن؛ فتح الباري (13/ 318).

[17] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق: باب الانتهاء عن المعاصي. انظر فتح الباري (11/ 316) خ 6483، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته... (7/ 64).

[18] ومسلم (2/925، رقم 1270)، والنسائي في الكبرى (2/400، رقم 3918)، وابن ماجه (2/981، رقم 2943)؛ أخرجه الطيالسي (ص 11، رقم 50)، وأحمد (1/34، رقم 229).

[19] أخرجه الحاكم ح 6365، وتاريخ الإسلام ص 457، وسير أعلام النبلاء ج4 ص323.

[20] سير أعلام النبلاء ج4 ص325. وأخرجه ابن عساكر (31/121).

[21] الفتنة والمتفقه، ج1، ص 148.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الورد والآس من مناقب ابن عباس (خطبة)
  • النبي القدوة -صلى الله عليه وسلم- في الرد على من أساء إليه (خطبة)
  • الرسول صلى الله عليه وسلم معلما (خطبة)
  • الوصف الشجي لصبر الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)
  • جمال الإحسان إلى الجيران (خطبة)
  • محبة النبي صلى الله عليه وسلم

مختارات من الشبكة

  • طاعة الزوج من طاعة المعبود، فهل أديت العهد المعقود؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • الرد الجميل المجمل على شبهات المشككين في السنة النبوية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • برد الشتاء ودفء الطاعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرف الطاعة وعز الاستغناء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة آفات على الطريق (1): الفتور في الطاعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الاتباع لا الابتداع في شهر رجب (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • محبة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباع لا ابتداع (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • وقفة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بطاعة الله ورسوله نفوز بمرافقة الحبيب (صلى الله عليه وسلم) في الجنة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة أفلا يتدبرون القرآن (5): خطر اتباع الهوى وعمى القلب(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • فعالية خيرية إسلامية لتعبئة آلاف الوجبات الغذائية في ولاية فرجينيا
  • فعاليات علمية للاستعداد لشهر رمضان في عاصمة الأرجنتين
  • تقدم أعمال بناء مشروع المركز الإسلامي في ماستيك - شيرلي بنيويورك
  • جهود إسلامية خيرية واسعة لدعم الأمن الغذائي وسط كنتاكي
  • مشروع تعليمي يهدف لتعزيز الوعي بالذكاء الاصطناعي والإعلام للطلاب المسلمين في البوسنة
  • موافقة رسمية على توسعة مسجد الفاروق بمدينة غلاسكو الأسكتلندية
  • يناير شهر التراث الإسلامي بولاية ميشيغان الأمريكية
  • تطوير أساليب تدريس التربية الدينية محور ندوة علمية للمعلمين في سراييفو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 13/8/1447هـ - الساعة: 12:33
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب