• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الإخلاص طريق الفلاح وميزان القبول (خطبة)
    د إبراهيم الجوني
  •  
    الاستغفار يمحو الذنوب
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )
    نايف عبوش
  •  
    خُطبة: الحث على تيسير الزواج والتحذير من العزوف ...
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    فقه التسامح (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    خطبة: مواقف من حياة الصحابي عمر بن الخطاب رضي ...
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    النضار في تخريج حديث الغار "ما ظنك باثنين الله ...
    الشيخ نشأت كمال
  •  
    دورة السنين سنة متجددة (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    النور الخفي
    محمد ونيس
  •  
    القواعد الأصولية المتعلقة بالإجماع وتطبيقاتها عند ...
    محمد أمين بن عبدالله بن الهادي الحبيبي
  •  
    المفهم في ستر المسلم (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    ذكر النساء في المجالس
    الشيخ عايد بن محمد التميمي
  •  
    المروءة جوهرة الأخلاق
    د. سعد الله المحمدي
  •  
    فعل (الإشادة)؛ دلالتها ولزومها وتعديها (في ضوء ...
    د. أورنك زيب الأعظمي
  •  
    عمر الفاروق رضي الله عنه (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ...
    سعيد مصطفى دياب
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

فقه التسامح (خطبة)

فقه التسامح (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 22/1/2026 ميلادي - 4/8/1447 هجري

الزيارات: 87

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

فقه التسامح

 

الحمد لله الذي تكرَّم علينا بدين الإسلام، وجعل التسامح فيه منهجًا للأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شرَّفنا بهذا الدين، وأمرنا باتباع هديِه المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بعثه ربه رحمةً للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله في الأولين والآخرين، وصحابته الغرِّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

 

أهمية الحديث عن التسامح:

أيها المسلمون: حديثنا اليوم عن قيمة فاضلةٍ، وخلق عالٍ، وأدب غالٍ، يجعل النفوس صافية، والقلوب سليمة، إنه خُلُق التسامح، والتسامح طِيبٌ في النفس عن كرم وسخاء، وانشراح في الصدر عن تُقًى ونقاء، ولين في الجانب عن سهولة ويُسر، وبشاشة في الوجه عن طلاقة وبِشر، ذلةٌ على المؤمنين دون ضعف ومهانة، وصدق في التعامل دون غبن وخيانة، تيسير في الدعوة إلى الله دون مجاملة ومداهنة، وانقياد لدين الله دون تشدُّدٍ ورَهْبَنَةٍ، يعزز السلام الداخلي، ويكسب محبة الناس وثقتهم، ويحقق التيسير في المعاملات، ويقرِّب بين القلوب، ويخفِّف الصراعات الاجتماعية، ويبني مجتمعاتٍ متماسكة، ويُظهر وسطية الإسلام ويُسره، ويحمل في ثناياه معانيَ نبيلة، ويتربَّع على عرش القيم كلها.

 

حديث القرآن والسُّنة عن التسامح:

أيها المسلمون: يُعد التسامح في القرآن الكريم والسنة النبوية منهجَ حياة للمسلم، وهو أحد القيم الأساسية التي تدعو إلى بناء مجتمع متماسك، يقوم على الرحمة والتفاهم بين أفراده؛ يقول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]، ويذكر القرآن أن التسامح والعفوَ من صفات المتقين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133، 134]، ويعلمنا القرآن أن التسامح من أسباب مغفرة الله للإنسان؛ قوله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [النور: 22]، ويبين لنا القرآن أن التسامح قد يحوِّل العدو إلى صديق مقرَّب؛ في قوله تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34]، ويدعو القرآن إلى التسامح في دعوة غير المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، وفي السنة النبوية عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمح، يُسمح لك))؛ [مسند أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع]، وعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دخل رجلٌ الجنةَ بسماحته قاضيًا ومقتضيًا))؛ [صحيح الترغيب].

 

التسامح رِفعة في الدنيا والآخرة:

أيها المسلمون: إن الدين الإسلامي دين التسامح، فهو مبنيٌّ في تشريعاته وأحكامه على اليُسر والمسامحة، وقد أمر الشارع الحكيم أفرادَه بأخذ العفو والمسامحة في كل الأمور والتعاملات؛ قال الله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، والتسامح خُلُقُ الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمصلحين في الأمم على مرِّ التاريخ؛ فهذا نبي الله يوسف عليه السلام جسَّد التسامح في أعظم صوره، بعد ظلم القريب وأذيَّة البعيد؛ ليقول لإخوانه: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]، والتسامح كَنز غائبٌ، وخُلق محبوب، وجوهرة ثمينة، وزهرة تنمو داخل القلب، وأصحاب هذه الزهرة يسعدون من حولهم، ويُريحون قلوبهم وأنفسهم بالرضا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40]، والإيمان مقرونٌ بالصبر والسماحة؛ فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: ((لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، قال: الإيمان الصبر والسماحة))؛ [صحيح الجامع]، ومن التسامح التسامحُ في البيع والشراء، فيتحلَّى كلٌّ من البائع والمشتري بالسماحة؛ فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رحِم الله عبدًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى))؛ [البخاري]، والسماحة في القضاء والاقتضاء، بأن يتَّسم المسلم بالسماحة في اقتضائه دَينَه، وأن يُسقطه عن غريمه إن كان مُعسرًا؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أنظر مُعسرًا أو وضع له، أظلَّه الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يومَ لا ظلَّ إلا ظله))؛ [الترمذي]، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))؛ [البخاري]، والتسامح منزلة سامية معتدلة بين العجز أو الفجور، وقد يُوسوس الشيطان للمسلم: إنك لو تسامحت وصَفَك الناس بالعجز، وظنوا فيك الضعف، ولكن حسب السَّموح والصَّفوح ما ورد من حديث أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله))؛ [مسلم]، ومن التسامح بين الزوجين أن يبحثا عن المحاسن، لا أن يتربص أحدهما لأخطاء الآخر، فمن التسامح حَملُ الكلام أو الفعل على المحمَل الحَسن، وبهذا تسود الأُلفة والمحبة، ويذهب الكَيد وتصيُّد الأخطاء؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنةً، إن كرِه منها خُلقًا رضيَ منها آخر))؛ [مسلم]، ولا بد من توسيع دائرة التسامح لتشمل كل الأقارب، وكثيرًا ما يتعرض الإنسان إلى أذية أحد أقاربه، بل ربما يأتي الأذى من القريب دون البعيد، ومبدأ الشريعة هو تقويم المخطئ برفقٍ، مع مسامحته عند الخطأ بل والإحسان إليه بعد الخطأ، وهذا مسلك الأنبياء وأعلى درجات الصالحين، ولا شكَّ أن هذا من أشقِّ الأمور على النفس، ولكن أذية الناس تهون عليك إذا علِمتَ أن الجزاء من جنس العمل، فكما تُسامح الخلق يسامحك الله، وكما تعفو عنهم يعفو عنك الله، وإن عاملت الخلق بالعدل عاملك الله تعالى بالعدل، وإن عاملتهم بالإحسان عاملك الله تعالى بالإحسان، فالمتفضِّل على الخَلق متفضَّل عليه من ربه.

 

أيها الأحِبة: إن التسامح هو قبَول الآخر، واحترام حقوقه وحرياته الأساسية، دون أي تمييز قائم على العنصر أو الجنس، أو اللغة أو الدين، أو بسبب عجز أو إعاقة، وهو بهذا مطلب أخلاقيٌّ إنساني، ومبدأ إسلامي، وواجب سياسي وقانوني ضروريٌّ لإحلال السلام، وللتقدم الاقتصادي والاجتماعي لكل الشعوب.

 

إن التسامح لا يعني التنازل عن المبادئ، أو التغاضي عن الحقوق، أو الذوبان في ثقافة الآخر، ولا يعني إطلاقًا التخلي عن العقائد وثوابت الدين، وإنما هو العدل والإنصاف مع الآخرين؛ فالتسامح نابعٌ من صفاء القلوب وقوة الإرادة، وقيمة أساسية تمكِّن الأفراد من تخطِّي الأخطاء والصراعات، وتساهم في بناء مجتمعات قوية ومتماسكة، تسودها المحبة والتعايش السلميُّ.

 

عندما يضيع التسامح بيننا:

أيها المسلمون: في عالم اليوم تظل قضية عدم التسامح وضيق الأفق من أكبر التحديات التي تعوق التقدم الاجتماعي بين المسلمين وغير المسلمين، وسبب ذلك الجهلُ وضعف الوعي، فالجهل هو أرض خصبة لنمو التعصب وغياب التسامح، والتربية المنغلقة وانعدام الحوار، فإذا نشأ الفرد في بيئةٍ تشجِّع على التعصب، وتُقلِّل من شأن الآخر المختلف، فسيكون من الصعب عليه تبنِّي قِيم التسامح والانفتاح في الكِبَر، ثم يأتي الاستقطاب السياسي والديني في بعض المجتمعات، الذي تستغله النخب السياسية أو الدينية كخطاب الكراهية؛ لتحقيق مصالحها، مما يزيد من حِدَّة الانقسامات ويدفع الناس إلى تبني مواقف متطرفة، وحين يستخدم فهم الدين الخاطئ أو الإعلام لتغذية الكراهية، أو تكريس صورة نمطية عن جماعة أو فئة، فإن النتيجة تكون مزيدًا من التعصب، وغيابَ خُلق التسامح بين أفراد المجتمع، وقد يكون في بعض الأحيان للعناد؛ لأن العناد عدوُّ التسامح، وليس المعاند سمحًا ولا السمحُ معاندًا، فالسمح مرحوم والمعاند مذموم، وإننا نرى العناد ضاربًا بأطنابه في قلوب كثير من الناس، يرَون في العناد نشوةً وزهوًا، غايتهم الانتصار للنفس لا للحق، تطفَح بأمثالهم وسائلُ التواصل المقروءة والمسموعة، ويهدمون بالعناد ولا يبنون، ويبعدون به ولا يقرِّبون، ويفرِّقون ولا يجمِّعون، فلن تجدوا معاندًا يمكن أن يكون عاملَ بناء في مجتمعه ما دام العناد رائده، والاستكبار حاديه.

 

إن التسامح هو أعلى مراتب القوة، والانتقام من أكبر مظاهر الضعف، التسامح ليس ضعفًا، ونقاء القلب ليس عيبًا، والتغافل ليس غباءً، بل ذلك كله تربية، وعقل، وقوة، وهو مع حسن النية عبادةً ودينًا.

 

اكسب أهلك ولو خسرت الموقف، من سامح ارتاح قلبه، ومن رضيَ بالقدر بات سعيدًا، إن الأصل في علاقة الناس بعضهم ببعضٍ ألَّا يقع الإنسان فيما يحتاج فيه للاعتذار وطلب المسامحة، وهذا منهج نبوي دلَّنا عليه وأوصانا به نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني وأوجِز، قال: إذا قمتَ في صلاتك، فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تكلَّمْ بكلام تعتذر منه، وأجْمِعِ اليأسَ عما في أيدي الناس))؛ [صحيح ابن ماجه].

 

أيها الإخوة: إن الإسلام وضع للتسامح أُسسًا راسخةً، وعقد له حوارات بنَّاءة متينة، سواء تعلَّق ذلك بواجب المسلمين بعضهم تجاه بعض، من تضامن وتوادٍّ، وتآخٍ وتآزر، أو فيما يتعلق بحسن تعاملهم مع غيرهم ممن تقتضي الأحوال والظروف مخالطتهم، والتعامل معهم من أهل الملل والنِّحل الأخرى، والتسامح يُعد في الرسالة المحمدية منحةً إلهيةً رفع الله بها شأن هذه الرسالة الخالدة، وسمةً بارزة من سماتها، بل هو سلوك حضاري إسلامي، يحفظ للأمة المحمدية توازنها، واعتدالها وخيريتها، وقد جسَّده النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، مع أصحابه، والمشركين، واليهود والنصارى، وعموم أعدائه، فكان تعامله صلى الله عليه وسلم مع البشرية جمعاء مثالًا يُضرب في العفو والصفح والإحسان، والعدل والتسامح؛ لذا اكتسبت رسالته صفةَ القبول والمحبة لدى الناس الذين لمسوا منه هذه الأخلاق الرفيعة؛ لذلك نفى الله عن رسوله الفظاظةَ وغِلظة القلب؛ فقال الله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159].

 

كيف نتخلَّق بخُلق التسامح؟

أيها المسلمون، تتطلع النفوس الصافية والقلوب السليمة إلى الرقيِّ والسمو في التعامل مع النفس والناس؛ من أجل تحصيل المنافع، والفوز بالسعادة والطمأنينة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة.

 

ومن الصفات المعبِّرة عن هذا السموِّ أن يكون المسلم سمحًا؛ فإن ذلك يُسهم في تحقيق محبة الله عز وجل ورحمته ورضاه وجنته، ثم محبة الناس ومعونتهم وحسن التعايش معهم، فكيف يكون المسلم سمحًا؟

أولًا: طلاقة الوجه والابتسام في وجوه الناس: فإذا لقيَ المسلم أحدًا؛ تبسم في وجهه؛ إذ التبسُّم في وجوه الناس صدقة؛ فقد أخرج الترمذي عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة))، وفي صحيح مسلم عن أبي ذرٍّ الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق))، روى البخاري عن جرير بن عبدالله أنه قال: ((ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمتُ، ولا رآني إلا تبسَّم في وجهي)).

 

ثانيًا: مبادرة الناس بالسلام: وخير ما نبدأ به الكلام أن نُلقي السلام؛ فإن إلقاء السلام فيه الأمن والأمان، والمحبة والاطمئنان؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلَا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)).

 

ثالثًا: العطاء بلا انتظار مقابلٍ: وقد دعا الإسلام إلى وجوه العطاء المتنوعة حتى يحرِّر النفس الشحيحة من البخل، فمن انتصر على شُحِّ نفسه، فقد نال السماحة والفلاح؛ قال تعالى في وصف الأنصار: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

 

رابعًا: الاعتذار عن الخطأ: لا يوجد إنسانٌ لا يُخطئ، فالإنسان السليم هو الذي لا يتمادى في خطئه، بل يتوب منه ويعتذر لمن أخطأ في حقه؛ فقد أخرج الترمذي عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون)).

 

خامسًا: قبول العذر من المعتذرين: من عظيم أخلاق المؤمن أنه يقبل العذر من المعتذر، ويسامح ويصفح عن المتعمِّد للخطأ في حقه، وهو من كمال أخلاق المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [البقرة: 237]، وقال تعالى: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [النور: 22]، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • التسامح المذموم (خطبة)
  • العفو والتسامح فضيلة ومكرمة (خطبة)
  • التعايش، التسامح، عيد ميلاد سعيد: ليست كلمات بسيطة
  • المحطة الثالثة عشرة: التسامح
  • خطبة: العفو والتسامح شيمة الأتقياء الأنقياء
  • صور التسامح عند الفاتحين المسلمين

مختارات من الشبكة

  • فقه الأولويات في القصص القرآني (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • فقه العمل الصالح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة في فقه الجزية وأحكام أهل الذمة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نظرية البدائل بين فقه الأولويات وفقه الضرورة(مقالة - موقع د. طالب بن عمر بن حيدرة الكثيري)
  • المقدمات في أصول الفقه: دراسة تأصيلية لمبادئ علم أصول الفقه (WORD)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • خصائص ومميزات علم أصول الفقه: الخصيصة (3) علم أصول الفقه علم إسلامي خالص(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خصائص ومميزات علم أصول الفقه: الخصيصة (1) علم أصول الفقه يجمع بين العقل والنقل (PDF)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • الفقهاء والأخذ بالسنة (رسالة موجزة في بيان مكانة السنة عند الفقهاء وأعذارهم في ترك العمل ببعضها)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • فقه الدعوة وفقه الرفق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العالم بالفقه دون أصوله، والعالم بأصول الفقه دون فروعه: هل يعتد بقولهما في الإجماع؟(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • موافقة رسمية على توسعة مسجد الفاروق بمدينة غلاسكو الأسكتلندية
  • يناير شهر التراث الإسلامي بولاية ميشيغان الأمريكية
  • تطوير أساليب تدريس التربية الدينية محور ندوة علمية للمعلمين في سراييفو
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 3/8/1447هـ - الساعة: 16:45
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب