• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    المروءة جوهرة الأخلاق
    د. سعد الله المحمدي
  •  
    فعل (الإشادة)؛ دلالتها ولزومها وتعديها (في ضوء ...
    د. أورنك زيب الأعظمي
  •  
    عمر الفاروق رضي الله عنه (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    ماهية العقيدة الإسلامية: تعريفها وحدودها ومعالمها
    محمد ونيس
  •  
    من هدايات السنة النبوية (23) ذكر يسير.. وثواب
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الإعجاز الطبي في سورة الكهف من القرآن
    أبو خالد بن ناظر الدين القاسمي
  •  
    وقفات ودروس من سورة آل عمران (9)
    ميسون عبدالرحمن النحلاوي
  •  
    تنزيه الله عن الولد وعن وجود إله معه
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    تعريف النسخ
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    الإخلاص التام
    إبراهيم الدميجي
  •  
    شهر شعبان فوائد وأحكام.. شهر ترفع فيه الأعمال إلى ...
    الشيخ حسن حفني
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (6) هدايات سورة الفاتحة: كلمة ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    فضل القرآن وقراءته
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    جلسة محاسبة (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    قضاء الحوائج: فضائل ونماذج (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / رجالات الإسلام
علامة باركود

عمر الفاروق رضي الله عنه (خطبة)

عمر الفاروق رضي الله عنه (خطبة)
د. محمود بن أحمد الدوسري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 21/1/2026 ميلادي - 3/8/1447 هجري

الزيارات: 96

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

عُمَر الفاروق رضي الله عنه

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَبَيْنَ أَيْدِينَا قُطُوفٌ مِنْ سِيرَةِ رَجُلٍ عَظِيمٍ، وَخَلِيفَةٍ عَزَّ نَظِيرُهُ، زَلْزَلَ عُرُوشَ الظَّالِمِينَ، وَدَكَّ قِلَاعَ الْغَاشِمِينَ، وَهَوَتْ أَمَامَهُ عَنَاكِبُ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ؛ إِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثَانِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَارُوقُ الْأُمَّةِ، وَأَحَدُ وَزِيرَيْ نَبِيِّ الْأُمَّةِ، وَثَانِي كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَشَدُّ الْأُمَّةِ فِي دِينِهَا.

 

كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَلَّعُ إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ بِإِسْلَامِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ وَأَعْيَانِهَا، فَكَانَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ؛ بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ. صَحِيحٌ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

قَدْ كُنْتَ أَعْدَى أَعَادِيهَا فَصِرْتَ لَهَا
بِفَضْلِ رَبِّكَ حِصْنًا مِنْ أَعَادِيهَا

وَمِمَّا جَاءَ فِي فَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَنَاقِبِهِ:

1- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» صَحِيحٌ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ أَيْضًا: «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ[1]، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

2- وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيهٍ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا[2]؛ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ» صَحِيحٌ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

 

3- وَقَالَ أَيْضًا: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ؛ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ[3]، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

 

4- وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فُرْقَانًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ وَأَفْقَهِهِمْ، أَيَّدَهُ الْوَحْيُ فِي كَثِيرٍ مِنْ آرَائِهِ الْفِقْهِيَّةِ؛ كَمَا فِي أَسْرَى غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَمَشْرُوعِيَّةِ الْحِجَابِ، وَغَيْرِهَا.

 

5- وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا» فَبَكَى عُمَرُ، وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

وَلَمَّا أَذِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ هَاجَرَ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ خُفْيَةً وَسِرًّا، وَهَاجَرَ عُمَرُ جَهَارًا نَهَارًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «‌كَانَ ‌إِسْلَامُ ‌عُمَرَ ‌فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ رَحْمَةً، لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنَّ نُصَلِّيَ بِالْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّيْنَا»[4]. وَقَالَ أَيْضًا: «وَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نُصَلِّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ظَاهِرِينَ ‌حَتَّى ‌أَسْلَمَ ‌عُمَرُ»[5].

 

وَمَعَ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَالْبِشَارَاتِ الْكَرِيمَةِ، وَالْأَوْسِمَةِ الْفَرِيدَةِ؛ فَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى دَرَجَةٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالتَّوَاضُعِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيَا، وَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ حُكْمُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ دَوْلَةً، وَرَغِبَتْ فِيهِ الدُّنْيَا، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ كُنُوزُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَأَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَزَهِدَ فِيهِ؛ طَلَبًا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: «‌كَفَى ‌بِالْمَوْتِ ‌وَاعِظًا ‌يَا ‌عُمَرُ»[6].

 

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَسَرَّ إِلَى حُذَيْفَةَ أَسْمَاءَ الْمُنَافِقِينَ؛ فَنَاشَدَهُ عُمَرُ: «أَأَنَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: لَا، ‌وَلَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَكَ»[7].

 

فَهَذَا صَنِيعُ عُمَرَ، وَهُوَ الْمُبَشَّرُ بِالْجَنَّةِ، وَثَالِثُ رَجُلٍ فِي الْأُمَّةِ، فَمَاذَا يَصْنَعُ الضُّعَفَاءُ، الْغَارِقُونَ فِي الْمَعَاصِي، الْمُحْتَجُّونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، الْمُتَنَاسُونَ سَطْوَتَهُ وَعِقَابَهُ؟!

 

وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ، يَسْتَمِعُ لِلنَّصِيحَةِ، وَيَقْبَلُ الْحَقَّ مِمَّنْ ذَكَّرَهُ بِهِ؛ دَخَلَ عَلَيْهِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَقَالَ: «هِي يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ[8]، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ - لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 199]. وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ[9]» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

وَمِنْ أَعْظَمِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَمَيَّزَ بِهَا: حِرْصُهُ عَلَى سِيَاسَةِ رَعِيَّتِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَاهْتِمَامُهُ بِحَاجَاتِهِمْ، وَقِيَامُهُ بِمَصَالِحِهِمْ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ عَجَبًا.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ... عِبَادَ اللَّهِ.. وَأَمَّا زُهْدُ عُمَرَ فَحَدِّثْ عَنْهُ وَلَا حَرَجَ، فَهُوَ إِمَامُ الزَّاهِدِينَ:

1- عَنْ أَسْلَمَ الْعَدَوِيِّ قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ ‌سَنَةٌ ‌غَلَا ‌فِيهَا ‌السَّمْنُ، وَكَانَ عُمَرُ يَأْكُلُ الزَّيْتَ؛ فَيُقَرْقِرُ بَطْنُهُ، فَيَقُولُ: «قَرْقِرْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ، لَا تَأْكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَأْكُلَهُ النَّاسُ»، ثُمَّ قَالَ: «اكْسِرْ عَنِّي حَرَّهُ بِالنَّارِ، فَكُنْتُ أَطْبُخُهُ لَهُ فَيَأْكُلُهُ»[10].

 

2- قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَقَدْ رَقَّعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ‌أُرَاهُ ‌أَرْبَعَ ‌رِقَاعٍ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ»[11].

 

3- قَالَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ لَبِسْتَ ثَوْبًا ‌هُوَ ‌أَلْيَنُ ‌مِنْ ‌ثَوْبِكَ، وَأَكَلْتَ طَعَامًا هُوَ أَطْيَبُ مِنْ طَعَامِكَ؛ فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرِّزْقِ، وَأَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ. قَالَ: «إِنِّي سَأَخْصِمُكِ إِلَى نَفْسِكِ، أَمَا تَذْكُرِينَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ؟» فَمَا زَالَ يُذَكِّرُهَا حَتَّى أَبْكَاهَا، فَقَالَ لَهَا: «إِنْ قُلْتُ لَكِ ذَاكَ، إِنِّي وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأُشَارِكَنَّهُمَا بِمِثْلِ عَيْشِهِمَا الشَّدِيدِ؛ لِعَلِّي أُدْرِكُ مَعَهُمَا عَيْشَهُمَا الرَّخَيَّ»[12].

 

وَمَكَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعُمَرَ فِي الْأَرْضِ، وَفَتَحَ عَلَى يَدَيْهِ الْفُتُوحَاتِ الْعَظِيمَةَ، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتُهُ، وَكَبُرَتْ سِنُّهُ، فَأَحَسَّ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، وَانْقِضَاءِ أَيَّامِهِ، فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا قَفَلَ مِنْ آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا: «‌اللَّهُمَّ ‌كَبُرَتْ ‌سِنِّي، ‌وَضَعُفَتْ ‌قُوَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُفَرِّطٍ، وَلَا مُضَيِّعٍ»[13]. وَكَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ: «‌اللَّهُمَّ ‌تَوَفَّنِي ‌مَعَ ‌الْأَبْرَارِ، وَلَا تُخَلِّفْنِي فِي الْأَشْرَارِ، وَأَلْحِقْنِي بِالْأَخْيَارِ»[14]. وَمِنْ دُعَائِهِ أَيْضًا: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

وَدَنَتْ سَاعَةُ الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ الَّتِي أُصِيبَ فِيهَا الْخَلِيفَةُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَبَاغَتَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيُّ - لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُ - بِيَدِهِ الْغَادِرَةِ، فَطَعَنَهُ بِسِكِّينٍ ذِي طَرَفَيْنِ[15].

 

وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ بِعَدْلِهِ فِي إِمَارَتِهِ، وَقِيَامِهِ بِحُقُوقِ رَعِيَّتِهِ، فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَبِالْإِمَارَةِ تَغْبِطُونِي؟! فَوَاللَّهِ ‌لَوَدِدْتُ ‌أَنِّي ‌نَجَوْتُ ‌مِنْهَا ‌كَفَافًا لَا لِي، وَلَا عَلَيَّ»[16]. وَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ‌أَسْلَمْتَ ‌حِينَ ‌كَفَرَ ‌النَّاسُ وَجَاهَدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ خَذَلَهُ النَّاسُ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي خِلَافَتِكَ اثْنَانِ، وَقُتِلْتَ شَهِيدًا، فَقَالَ: «أَعِدْ عَلَيَّ»، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؛ لَوْ أَنَّ لِي مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ[17]»[18].

 

فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَجَزَاهُ عَنْ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي دَارِ الْكَرَامَةِ، وَجَنَّاتِ النَّعِيمِ.



[1] مُحَدَّثُونَ: أي: مُلْهَمُون للصواب، يقولون قولًا فيكون موافقًا للحق، والمُحَدَّثُ: هو الرجل الصادق الظن، وهو مَنْ أُلْقِيَ في روعه شيء، فيكون كالذي حدَّثَه غيرُه به. انظر: فتح المنعم شرح صحيح مسلم، (9/ 605).

[2] الفَجُّ: هو الطريق الواسع. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (3/ 412).

[3] الثُّدِيَّ: جَمْعُ ثَدْيٍ، وهو على وزن فَعْلٍ كفَلْس يُجمع على فُعُول كفلوس. انظر: البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج، (38/ 427).

[4] حسنٌ – رواه ابن شبة في (تاريخ المدينة)، (2/ 661)؛ وابن سعد في (الطبقات الكبرى)، (3/ 270).

[5] رواه الطبرانيُّ في (الكبير)، (9/ 162). رجاله رجال الصحيح إلَّا أن القاسم لم يُدرِك جَدَّه ابنَ مسعود. انظر: مجمع الزوائد، (9/ 63).

[6] انظر: موطأ مالك، (6/ 85)؛ معرفة الصحابة، لأبي نُعيم (1/ 54)، (رقم220)؛ البداية والنهاية، لابن كثير (7/ 151).

[7] انظر: معرفة الصحابة، (2/ 686)؛ أُسد الغابة، (1/ 706)؛ سير أعلام النبلاء، (2/ 361)؛ الإصابة في تمييز الصحابة، (2/ 496).

[8] الْجَزْلَ: أي: الكثير. يُقال: عَطَاءٌ ‌جَزْلٌ وجَزيل؛ إِذا كَانَ كَثِيرًا. انظر: لسان العرب، (11/ 109).

[9] وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ: أي: يَعمل بما فيه، وَلَا يتجاوزه. انظر: فتح الباري، (13/ 273).

[10] صحيح – رواه أحمد في (الزهد)، (ص99)، (رقم636)؛ والبيهقي في (السنن الكبرى)، (9/ 73)، (رقم17909).

[11] صحيح – رواه أبو داود في (الزهد)، (ص54)، (رقم56).

[12] صحيح – رواه أحمد في (الزهد)، (ص103)، (رقم660)؛ والبيهقي في (شعب الإيمان)، (13/ 168)، (رقم10121).

[13] حسن لغيره – رواه مالك في (الموطأ)، (2/ 21)؛ وابن سعد في (الطبقات)، 0(3/ 324)؛ وابن أبي شيبة في (المصنف)، (7/ 96).

[14] صحيح – رواه ابن سعد في (الطبقات)، (3/ 331)؛ والبخاري في (الأدب المفرد)، (ص220).

[15] انظر: تهذيب التهذيب، (3/ 222).

[16] صحيح – رواه ابن سعد في (الطبقات)، (3/ 351)؛ والحميدي في (المسند)، (1/ 17).

[17] المُطَّلَع: يُرِيدُ بِهِ الْمَوْقِفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَو ‌مَا ‌يُشْرِفُ ‌عَلَيْهِ ‌مِنْ ‌أَمرِ ‌الْآخِرَةِ بعد الْمَوْتِ، فشبَّهَهُ بالمُطَّلَعِ الَّذِي يُشْرَفُ عَلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ عالٍ. انظر: لسان العرب، (8/ 239).

[18] صحيح – رواه ابن شيبة في (المصنف)، (7/ 100)؛ وابن سعد في (الطبقات)، (3/ 351)؛ وأحمد في (الزهد)، (ص154).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خصائص الفكر الديني عند الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه
  • الفاروق (قصيدة)
  • الفاروق عمر رضي الله عنه (خطبة)
  • بين يدي الفاروق رضي الله عنه (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه: وداعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه (10)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه في القضاء (PDF)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • لماذا اختار أبو بكر الصديق رضي الله عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أميرا للمؤمنين؟(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • عمر بن الخطاب وعبدالله بن عمر(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه: عمر بن الخطاب وموافقة القرآن له (7)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه: إذا ذكر عمر ذكر العدل (4)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه وأسلم عمر (2)(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • مخطوطة مسند الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (ج1) (النسخة 2)(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • مخطوطة مسند الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه (النسخة 2)(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • مخطوطة مسند الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه(مخطوط - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • يناير شهر التراث الإسلامي بولاية ميشيغان الأمريكية
  • تطوير أساليب تدريس التربية الدينية محور ندوة علمية للمعلمين في سراييفو
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/8/1447هـ - الساعة: 17:31
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب