• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    جراح المهور وبذخ القصور (خطبة)
    محمد الوجيه
  •  
    آخر العمر
    عامر الخميسي
  •  
    أدب الخطاب في نداءات الأنبياء من وشيجة القربى إلى ...
    عبد الرازق فالح جرار
  •  
    تحريم الجحود بآيات الله أو رسله أو شيء من دينه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    اسم الله الوهاب
    د. محمد أحمد صبري النبتيتي
  •  
    دعاء يحفظك الله به من الهوام
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    فضل العفو والصفح من أقوال وأفعال السلف والعلماء ...
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    معركة القلوب في زمن الفتن (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (4) قراءة ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    خطبة: وقفات مع آية ﴿إن الله يأمر بالعدل الإحسان﴾
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    خطبة: فضل الحج والمسارعة في الحصول على التصاريح
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    ختم الأعمار والأعمال
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    خطبة: علامات الساعة
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    عوائق الثبات وكيف نثبت بعد انتهاء شهر رمضان؟ ...
    د. محمود حمدي العاصي
  •  
    حاجة البشر إلى الرسل (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    القلب بين الصفا والاسفنجة (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / رجالات الإسلام
علامة باركود

من أخبار الشباب (15) شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

من أخبار الشباب (15) شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 14/1/2026 ميلادي - 25/7/1447 هجري

الزيارات: 5006

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من أخبار الشباب (15)

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَجَعَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَئِمَّةً مُجَدِّدِينَ. نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ جَاءَ بِالنُّورِ الْمُبِينِ، وَدَلَّ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَمَنْ تَبِعَهُ هُدِيَ وَفَازَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ضَلَّ وَخَسِرَ وَخَابَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ؛ فَإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، وَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ * وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 6-9].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: مَرْحَلَةُ الشَّبَابِ هِيَ مَرْحَلَةُ الْعِلْمِ وَالتَّحْصِيلِ، وَالْحِفْظِ وَالتَّقْعِيدِ. وَفِي شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ نَوَابِغُ، إِنِ اسْتَثْمَرُوا نُبُوغَهُمْ بَرَزُوا فِي مَعَارِفِهِمْ، وَفَاقُوا أَقْرَانَهُمْ، وَانْتَفَعَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ. وَإِنْ قَصُرَتْ هِمَمُهُمْ عَنْ نُبُوغِهِمْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا يُذْكَرُ، وَكَانَ نُبُوغُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَلَمْ تَنْتَفِعِ الْأُمَّةُ بِهِمْ.

 

وَثَمَّةَ شَخْصِيَّةٌ فِي التَّارِيخِ الْبَشَرِيِّ، ظَهَرَتْ عَبْقَرِيَّتُهُ فِي طُفُولَتِهِ، فَاسْتَثْمَرَهَا مُنْذُ صِغَرِهِ، وَطَبَّقَ الْآفَاقَ ذِكْرُهُ، وَامْتَلَأَتْ بِالْأَحْدَاثِ الْمُثِيرَةِ حَيَاتُهُ، وَمَا فَارَقَ الدُّنْيَا إِلَّا وَقَدْ مَلَأَهَا ضَجِيجًا بِسِيرَتِهِ، وَخَلَّفَ إِرْثًا ضَخْمًا مِنْ تَآلِيفِهِ؛ غَرَفَ مِنْ بَحْرِهِ الْعُلَمَاءُ عَبْرَ الْقُرُونِ، وَمَا خَرَجَ فِي الْأُمَّةِ بَعْدَهُ مِثْلُهُ؛ ذَلِكُمْ هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، أُنْمُوذَجٌ لِنَابِغَةٍ قَضَى حَيَاتَهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ مُتَعِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، حَلَالِهَا وَحَرَامِهَا، حَتَّى إِنَّهُ مَا تَزَوَّجَ وَلَا تَسَرَّى، لَا عُزُوفًا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا قَصْدًا لَهُ؛ وَلَكِنْ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ. وُلِدَ بِحَرَّانَ مِنَ الشَّامِ، وَحِينَ بَلَغَ سِتَّ سَنَوَاتٍ غَزَاهُمُ التَّتَرُ فَهَاجَرُوا هَرَبًا مِنْ ظُلْمِهِمْ وَسُيُوفِهِمْ إِلَى دِمَشْقَ، فَتَعَلَّمَ فِيهَا وَهُوَ طِفْلٌ، وَشَبَّ فِيهَا عَلَى الْعِلْمِ.

 

حَفِظَ الْقُرْآنَ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فَفَاقَ أَقْرَانَهُ، وَاشْتُهِرَ حِفْظُهُ وَضَبْطُهُ، وَجَاءَ إِلَى دِمَشْقَ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ حَلَبَ، وَقَصَدَ كُتَّابًا لِلصِّبْيَانِ، وَمَرَّ بِخَيَّاطٍ فَسَأَلَهُ: سَمِعْتُ عَنْ صَبِيٍّ سَرِيعِ الْحِفْظِ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فَهَلْ تَعْرِفُهُ؟ فَقَالَ الْخَيَّاطُ: اجْلِسْ، الْآنَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْكُتَّابِ وَأُرِيكَ إِيَّاهُ، فَمَرَّ الصَّبِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَاخْتَبَرَهُ ذَلِكَ الْعَالِمُ فِي سُرْعَةِ الْحِفْظِ، فَرَآهُ فَوْقَ مَا وُصِفَ لَهُ فَقَالَ: «إِنْ عَاشَ هَذَا الصَّبِيُّ لَيَكُونَنَّ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ». فَكَانَ كَمَا تَوَقَّعَ هَذَا الْعَالِمُ الْحَلَبِيُّ.

 

وَتَوَافَرَ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ مَعَ شِدَّةِ ذَكَائِهِ، وَقُوَّةِ حِفْظِهِ؛ جِدُّهُ وَاجْتِهَادُهُ، فَهُوَ جَادٌّ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَلَا يَتَلَفَّتُ إِلَى اللَّعِبِ وَاللَّهْوِ كَعَادَةِ الصِّبْيَانِ؛ كَأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْحِفْظَ لُعْبَتَهُ وَلَهْوَهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّرْمَرِيُّ: «وَمِنْ عَجَائِبِ مَا وَقَعَ فِي الْحِفْظِ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا... ابْنُ تَيْمِيَّةَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَمُرُّ بِالْكِتَابِ، فَيُطَالِعُهُ مَرَّةً فَيَنْتَقِشُ فِي ذِهْنِهِ، فَيُذَاكِرُ بِهِ، وَيَنْقُلُهُ فِي مُصَنَّفَاتِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ. وَمِنْ أَعْجَبِ مَا سَمِعْتُهُ عَنْهُ: مَا حَدَّثَنِي بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَبِيًّا فِي بِدَايَةِ أَمْرِهِ؛ أَرَادَ وَالِدُهُ أَنْ يَخْرُجَ بِأَوْلَادِهِ يَوْمًا إِلَى الْبُسْتَانِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَحْمَدُ تَخْرُجُ مَعَ ‌إِخْوَتِكَ ‌تَسْتَرِيحُ، فَاعْتَلَّ عَلَيْهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ وَالِدُهُ، فَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، فَقَالَ: أَشْتَهِي أَنْ تُعْفِيَنِي مِنَ الْخُرُوجِ، فَتَرَكَهُ وَخَرَجَ بِإِخْوَتِهِ، فَظَلُّوا يَوْمَهُمْ فِي الْبُسْتَانِ، وَرَجَعُوا آخِرَ النَّهَارِ، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، أَوْحَشْتَ إِخْوَتَكَ الْيَوْمَ، وَتَكَدَّرَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ غَيْبَتِكَ عَنْهُمْ، فَمَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، إِنَّنِي الْيَوْمَ حَفِظْتُ هَذَا الْكِتَابَ، لِكِتَابٍ مَعَهُ. فَقَالَ: حَفِظْتَهُ؟ كَالْمُنْكِرِ الْمُتَعَجِّبِ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَعْرِضْهُ عَلَيَّ، فَاسْتَعْرَضَهُ؛ فَإِذَا بِهِ قَدْ حَفِظَهُ جَمِيعَهُ، فَأَخَذَهُ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، لَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِمَا قَدْ فَعَلْتَ؛ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْعَيْنِ».

 

وَهُنَا يُخْضَعُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا آثَرَ الْعِلْمَ عَلَى اللَّهْوِ، وَحَفِظَ كِتَابًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى خَافَ أَبُوهُ عَلَيْهِ الْعَيْنَ. وَيَشْتَدُّ عَجَبُنَا حِينَ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي حَفِظَهُ هُوَ «رَوْضَةُ النَّاظِرِ» لِابْنِ قُدَامَةَ، وَهُوَ كِتَابٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، الَّذِي هُوَ أَعْسَرُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي حَفِظَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي يَوْمٍ يُدَرَّسُ الْآنَ فِي كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ فِي أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ، وَلَا يَحْفَظُهُ الطُّلَّابُ. وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

 

لَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ مَعَ الْجِدِّ فِي الطَّلَبِ وَالْعِلْمِ: قُوَّةَ الْحِفْظِ؛ فَيَحْفَظُ الْكِتَابَ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَقُوَّةَ الِاسْتِحْضَارِ، بِحَيْثُ يَسْتَحْضِرُ مَا حَفِظَ كَأَنَّهُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَقُوَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ وَالتَّحْلِيلِ، وَقُوَّةَ الْجَدَلِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَسُرْعَةَ التَّأْلِيفِ وَالْكِتَابَةِ، مَعَ مَوْسُوعِيَّةٍ نَادِرَةٍ فِي شَتَّى الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَزُهْدٍ فِي الدُّنْيَا وَمَنَاصِبِهَا وَمَرَاتِبِهَا وَزِينَتِهَا. وَلَقَدْ كَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ بَيْتِ عِلْمٍ وَفَضْلٍ، فَأَبُوهُ وَجَدُّهُ عَالِمَانِ، وَعَمُّ جَدِّهِ عَالِمٌ، وَعَمَّتُهُ عَالِمَةٌ، لَكِنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ فَاقَهُمْ جَمِيعًا عِلْمًا وَصِيتًا وَنَفْعًا لِلْأُمَّةِ.

 

كَبِرَ الصَّبِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَعِلْمُهُ أَكْبَرُ مِنْ سِنِّهِ فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ طُفُولَتِهِ وَشَبَابِهِ، وَشُهْرَتُهُ تَتَّسِعُ بِاتِّسَاعِ عِلْمِهِ وَنُبُوغِهِ، حَتَّى إِنَّهُ بَدَأَ بِالتَّأْلِيفِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ عَامًا، وَأَكْثَرُ مُؤَلَّفَاتِهِ مِنْ حِفْظِهِ، وَإِذَا رُوجِعَتْ أَحَادِيثُهَا وَنُقُولُهَا وَجَدُوهَا صَحِيحَةً مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَاكِرَةٍ خَارِقَةٍ، وَضَبْطٍ عَجِيبٍ. وَأُجْلِسَ لِلتَّدْرِيسِ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَيَحْضُرُ دُرُوسَهُ أَكَابِرُ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ مِنْ مُخْتَلِفِ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ، فَيَعْجَبُونَ مِنْ غَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَيُسَلِّمُونَ لَهُ بِالْإِمَامَةِ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ.

 

وَأَمْضَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ عُمْرَهُ كُلَّهُ فِي التَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ وَالْمُنَاظَرَاتِ؛ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ، وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، حَتَّى كَانَتْ مُؤَلَّفَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ كِتَابٍ، وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ بَلَغُوا هَذَا الْمَبْلَغَ فِي التَّأْلِيفِ، لَكِنَّهُ فَاقَهُمْ فِي الْإِجَادَةِ وَالتَّحْقِيقِ؛ فَكَانَ إِذَا تَكَلَّمَ أَوْ كَتَبَ كَأَنَّهُ سَيْلٌ يَتَدَفَّقُ وَلَا يَتَوَقَّفُ. وَقَدْ كَتَبَ الْعَقِيدَةَ الْوَاسِطِيَّةَ فِي قَعْدَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَمْلَى الْعَقِيدَةَ الْحَمَوِيَّةَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ، وَهُمَا الْآنَ تُدَرَّسَانِ فِي سَنَوَاتٍ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سُرْعَتِهِ فِي الْكِتَابَةِ، وَاسْتِحْضَارِهِ لِلْمَعْلُومَاتِ.

 

عَاشَ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً فِي الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالْجِهَادِ وَالْعِبَادَةِ، وَنَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْأُمَّةَ، فَعَلَى شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ وَنَابِغَتِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْعِبْرَةَ مِنْ سِيرَتِهِ الَّتِي انْتَشَرَتْ بِالذِّكْرِ الْحَسَنِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَإِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا خَلَّفَهُ مِنْ عِلْمٍ غَزِيرٍ، وَتَحْقِيقٍ دَقِيقٍ. رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَمَعَنَا بِهِ فِي مُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ نَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ اسْتَوْعَبُوا عُلُومَ الشَّرِيعَةِ بِشَتَّى فُرُوعِهَا، وَنَظَرُوا فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ، كَالْفَلْسَفَةِ وَالْمَنْطِقِ وَعِلْمِ الْكَلَامِ؛ فَطَوَّعُوهَا لِلشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يُخْضِعُوا الشَّرِيعَةَ لَهَا. وَعَامَّةُ مَنْ خَاضَ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ، تَاهُوا فِي مَهَامِهِهَا، وَغَرِقُوا فِي لُجَجِهَا، فَانْحَرَفُوا عَنِ الشَّرِيعَةِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ عَارَضَهَا وَخَرَجَ مِنْهَا -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- وَمِنْهُمْ مَنْ لَوَّثَهَا بِبِدَعِهِ الْكَلَامِيَّةِ.

 

وَكَانَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ شِدَّةِ غَيْرَتِهِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِالْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ؛ يُنَاظِرُ كِبَارَ الْفَلَاسِفَةِ السَّابِقِينَ فِي مَنَامِهِ، ثُمَّ يُنَاظِرُ أَتْبَاعَ مَدَارِسِهِمْ فِي يَقَظَتِهِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَقَدْ كُنْتُ فِي أَوَائِلِ مَعْرِفَتِي بِأَقْوَالِهِمْ بَعْدَ بُلُوغِي بِقَرِيبٍ، وَعِنْدِي مِنَ الرَّغْبَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَتَحْقِيقِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا أَوْجَبَ أَنِّي كُنْتُ أَرَى فِي مَنَامِي ابْنَ سِينَاءَ وَأَنَا أُنَاظِرُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَقُولُ لَهُ: أَنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عُقَلَاءُ الْعَالَمِ، وَأَذْكِيَاءُ الْخَلْقِ، وَتَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ أَضْعَفُ النَّاسِ عَقْلًا». وَلَمَّا رَأَى كَثِيرًا مِنَ الطُّلَّابِ مُنْبَهِرِينَ بِفَلْسَفَةِ أَرِسْطُو وَمَنْطِقِهِ؛ أَلَّفَ فِي نَقْضِهِ كِتَابًا فِي جَلْسَةٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَمَّا كُنْتُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ اجْتَمَعَ بِي مَنْ رَأَيْتُهُ يُعَظِّمُ الْمُتَفَلْسِفَةَ بِالتَّهْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ، فَذَكَرْتُ لَهُ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ التَّجْهِيلِ وَالتَّضْلِيلِ. وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنِّي كَتَبْتُ ‌فِي ‌قَعْدَةٍ ‌بَيْنَ ‌الظُّهْرِ ‌وَالْعَصْرِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْطِقِ مَا عَلَّقْتُهُ تِلْكَ السَّاعَةَ. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هِمَّتِي...».

 

وَنَقْضُهُ لِلْمَنْطِقِ الَّذِي كَتَبَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِنْ أَهَمِّ الْمَرَاجِعِ لِطَلَبَةِ الدِّرَاسَاتِ الْعُلْيَا فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ. وَأَقَرَّ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ الْمُعَاصِرِينَ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي نَقَضَ الْمَنْطِقَ الْأَرُسْطِيَّ، وَأَصَّلَ لِقَوَاعِدِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْعَجِيبَةَ فِي وَصْفِهِ: «إِنِّي كُنْتُ دَائِمًا أَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْطِقَ الْيُونَانِيَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الذَّكِيُّ، ‌وَلَا ‌يَنْتَفِعُ ‌بِهِ ‌الْبَلِيدُ».

 

وَلَا عَجَبَ أَنْ يَعْتَنِيَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ فَلَاسِفَةِ الْغَرْبِ وَنُظَّارِهِمْ وَمِنَ الْمُسْتَشْرِقِينَ بِدِرَاسَةِ تُرَاثِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْمَجَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِيهِ تَأْسِيسًا لِلْحَقَائِقِ بِأَحْسَنِ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَخْصَرِهَا.

 

هَذَا نَزْرٌ يَسِيرٌ مِنْ سِيرَةِ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الَّذِي قَضَى صِبَاهُ وَشَبَابَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، حَتَّى بَلَغَ مَرْتَبَةَ الْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ، وَمَا أَجْدَرَهَا مِنْ سِيرَةٍ لَوْ قَرَأَهَا شَبَابُ الْمُسْلِمِينَ فَانْتَفَعُوا بِهَا.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • من أخبار الشباب (9) ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى
  • من أخبار الشباب (10) سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى
  • من أخبار الشباب (11): الإمام الليث بن سعد رحمه الله تعالى
  • من أخبار الشباب (12) الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى
  • من أخبار الشباب (13) الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى
  • من أخبار الشباب (14) الإمام ابن مهدي رحمه الله تعالى

مختارات من الشبكة

  • عمدة الراغبين في أخبار الجن والشياطين (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الحسن البصري - أخباره وأشهر أقواله(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • أدب التثبت في الأخبار (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • زعموا وسمعنا.. ونقل الأخبار..(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • مخطوطة إخبار الأحياء بأخبار الإحياء(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • كتاب أخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي (ت 646هـ / 1248م)(مقالة - موقع د. أنور محمود زناتي)
  • مخطوطة إخبار المستفيد بأخبار خالد بن الوليد(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • كتاب أخبار البحتري لمحمد بن يحيى الصولي (ت 335هـ / 946م)(مقالة - موقع د. أنور محمود زناتي)
  • لماذا الشباب أكثر عرضة للإدمان؟(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • من أخبار الشباب (8) أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسلمو تتارستان يطلقون حملة تبرعات لدعم ضحايا فيضانات داغستان
  • برنامج شبابي في تزولا وأوراسيي يدمج التعليم بالتكنولوجيا الحديثة
  • النسخة الثالثة عشرة من مسابقة "نور المعرفة" في تتارستان
  • موستار وبانيا لوكا تستضيفان مسابقتين في التربية الإسلامية بمشاركة طلاب مسلمين
  • بعد 9 سنوات من البناء افتتاح مسجد جديد بمدينة شومن
  • قازان تحتضن منافسات قرآنية للفتيات في أربع فئات
  • خبراء يناقشون معايير تطوير جودة التعليم الإسلامي في ندوة بموسكو
  • مسابقة قرآنية لاكتشاف حافظات القرآن في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/10/1447هـ - الساعة: 11:27
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب