• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    توبوا إلى الله (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    الحديث السابع عشر: تحريم التسخّط من أقدار الله ...
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    أسماء ليست من أسماء الله الحسنى
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    سلسلة الآداب الشرعية (آداب الطعام والشراب)
    علي بن حسين بن أحمد فقيهي
  •  
    من مائدة العقيدة: أول الأركان الستة: الإيمان ...
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    حقوق الفقراء والمساكين في الإسلام
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    تكوة أهل الجنة وأناسها (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    أصول الفضيلة
    مالك بن محمد بن أحمد أبو دية
  •  
    حديث: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    المجيء والإتيان
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    أحكام صلاة العاري
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    الغفلة أثرها وضررها (خطبة)
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    من أدله صدقه عليه الصلاة والسلام الشواهد الواقعية ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    استراتيجية ذاتية لمواجهة أذى الناس
    د. محمود حسن محمد
  •  
    خطبة: إدمان المخدرات
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    دور المسلم في محيطه (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / الآداب والأخلاق
علامة باركود

سلسلة الآداب الشرعية (آداب الطعام والشراب)

سلسلة الآداب الشرعية (آداب الطعام والشراب)
علي بن حسين بن أحمد فقيهي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 30/11/2025 ميلادي - 10/6/1447 هجري

الزيارات: 35

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سلسلة الآداب الشرعية

(آداب الطعام والشراب)

 

الطعام والشراب من أخص وأعظم نِعمِ الله جل وعلا الظاهرة، ومِنَنِه السابغة، فبه استمرار الحياة، وبقاء المخلوقات، وهذه الأطعمة والأشربة المتنوعة توجب النظر والاعتبار؛ قال مجاهد في: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ [عبس: 24]، قال: "إلى مأكله ومشربه"، كما أنها تقتضي القيام بواجب النعمة بالتزام الأحكام الشرعية، والآداب المرعية التي زخرت بها نصوص الوحي للدلالة على كمال الديانة، وعظمة الملة؛ قال تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [النحل: 114].

 

1- التسمية في أول الطعام:

ففي الصحيحين عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، قال: كنت غلامًا في حِجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا غلامُ، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك))، فما زالت تلك طعمتي بعد؛ [رواه البخاري (5376)، ومسلم (2022)].


والأمر بالتسمية عند الأكل محمول على الندب عند الجمهور، وحمله بعضهم على الوجوب لظاهر الأمر؛ قال ابن حجر: "قال النووي: أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أُريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك"؛ [فتح الباري (9/ 522)]، ورجَّح القول بالوجوب ابن القيم؛ فقال: "والصحيح وجوب التسمية عند الأكل، وهو أحد الوجهين لأصحاب أحمد، وأحاديث الأمر بها صحيحة صريحة، ولا معارض لها، ولا إجماع يسوغ مخالفتها، ويُخرجها عن ظاهرها، وتاركها شريكه الشيطان في طعامه وشرابه"؛ [زاد المعاد (2/ 397)، ورجحه ابن باز في التعليق على الزاد، وابن عثيمين في الشرح الممتع (12/ 358)].


2- إذا نسيَ أن يسمِّيَ في أول الأكل والشرب،فليقل: بسم الله أوله وآخره؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أكل أحدكم طعامًا، فليقل: بسم الله، فإن نسيَ في أوله، فليقل: بسم الله في أوله وآخره))؛ [رواه أحمد وأبو داود (3767)، والترمذي (1858)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (3264)، وصححه الألباني في الصحيحة (198)].


وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه لو سمَّى لَكفاكم))؛[ رواه الترمذي (1858)، وقال: حسن صحيح].


الصيغة المشروعة للتسمية عند الأكل: (بسم الله)؛ لما روته عائشة رضي الله عنها: ((فليقل: بسم الله))، واختلف العلماء فيما إذا قال: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فأكثر العلماء على أنه لا بأس بهذه الزيادة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا قال عند الأكل: بسم الله الرحمن الرحيم، كان حسنًا، فإنه أكمل"؛ [الفتاوى الكبرى (5/ 480)]، وقال النووي: "من أهم ما ينبغي أن يُعرف صفة التسمية... والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله، كفاه وحصلت السنة"؛ [الأذكار (1/ 231)]؛ قال الشيخ ابن باز في التعليق على زاد المعاد: "الأصل في الأوامر الوجوب، فكما يجب الأكل باليمين تجب التسمية عند الأكل، وإذا قال: (بسم الله) عند الأكل والوضوء، كفى، وإن زاد: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فهو أكمل فيُطلِق بسم الله ويُراد بها الزيادة، فتُشرع: (بسم الله الرحمن الرحيم) في كل شيء وهو أكمل إلا عند الذبح، ورجحه ابن عثيمين فقال: "إذا زاد: الرحمن الرحيم، فهذا حسن"؛ [الشرح الممتع (12/ 359)]، وتعقب الحافظ ابن حجر النوويَّ بقوله: "وأما قول النووي في أدب الأكل من الأذكار صفة التسمية، والأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال: بسم الله، كفاه وحصلت السنة، فلم أرَ لِما ادعاه من الأفضلية دليلًا خاصًّا، وأما ما ذكره الغزالي في آداب الأكل من (الإحياء)، أنه لو قال في كل لقمة: بسم الله، كان حسنًا، وأنه يُستحب أن يقول مع الأولى: بسم الله، ومع الثانية: بسم الله الرحمن، ومع الثالثة: بسم الله الرحمن الرحيم، فلم أرَ لاستحباب ذلك دليلًا"؛ [فتح الباري (9/ 521)]، وقال الشيخ الألباني: "وأقول: لا أفضل من سنته صلى الله عليه وسلم، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يثبت في التسمية على الطعام إلا (بسم الله)، فلا يجوز الزيادة عليها، فضلًا عن أن تكون الزيادة أفضل منها، لأن القول بذلك خلاف ما أشرنا إليه من الحديث: ((وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم))"؛ [السلسلة الصحيحة (1/ 343)].

 

غسل اليدين قبل الطعام وبعده:

له حالتان:

الحالة الأولى: غسل اليدين قبل الطعام إذا كان فيهما أذًى أو قذر، وبعده إذا بقيَ عليهما بعد الفراغ من الطعام رائحة:

اتفق الفقهاء على مشروعية غسل اليدين قبل الطعام وبعده، إذا كان فيهما أذًى أو قذر، أو بقيَ عليهما بعد الفراغ من الطعام رائحة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من بات وفي يده ريح غمرٍ، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه))؛ [أخرجه أبو داود (3852)، وأحمد (7569)، والترمذي (1860)، والنسائي (6905)، وابن ماجه (3297)، وصححه الألباني]، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من نام وفي يده غمر)) هي: بعض آثار اللحم من دسم وغيره؛ نتيجة عدم غسل اليد، ((ولم يغسله فأصابه شيء))؛ من الحيوانات المؤذية أو غيرها، ((فلا يلومن إلا نفسه))؛ لأنه قد فوت ما عليه فعله، من النظافة وإزالة ما يسبِّب له الضرر والأذى.

 

الحالة الثانية: غسل اليدين قبل الطعام إذا كانتا نظيفتين:

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: الاستحباب؛ وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة، في الصحيح من المذهب؛ لحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: ((قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء قبله، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده))؛ [رواه أحمد وأبو داود (3761)، والترمذي (1846)، وضعَّفه الألباني في السلسلة الضعيفة (168)]، وعن أنس بن مالك، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يكثر الله خيرَ بيته، فليتوضأ إذا حضر غداؤه، وإذا رُفع))؛ [رواه ابن ماجه، وضعفه الألباني في الضعيفة (117)].


القول الثاني: الكراهة؛ وهو قول المالكية، وهو رواية عند الحنابلة، وهو قول سفيان الثوري؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنه: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته من الخلاء، فقُرِّب إليه طعام فأكل ولم يمسَّ ماء))؛ [رواه مسلم (374)]، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يغسل يديه قبل تناول الطعام، فدلَّ ذلك على كراهة أن يتعمد الإنسان غسل يديه عند تناول طعامه.

 

القول الراجح: إن غسل اليدين قبل الأكل مباح، ويُستحب ويتأكد إذا ظن أنهما تُلاقيان من الأدران والأوساخ والغبار، ما يقذر الطعام، أو يضر الأكل، ويؤثر على سلامته وصحته؛ قال ابن قدامة: "يُستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وإن كان على وضوء، قال المروذي: رأيت أبا عبدالله يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وإن كان على وضوء"؛ [المغني (7/ 289)]؛ قال أبو العباس القرطبي: "وقد ذهب قوم إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده؛ لما رواه الترمذي من حديث سلمان: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((بركة الطعام الوضوء قبله وبعده))، ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبَعدَه ينفي اللَّمم))، ولا يصح شيء منهما، وكرهه قبله: كثير من أهل العلم؛ منهم: سفيان، ومالك، والليث، وقال مالك: هو من فعل الأعاجم، واستحدثوه بعده، وقد رُوي عن مالك: أنه كره ذلك، وقال: وقد تؤول على أن يتخذ ذلك سُنة، أو في طعام لا دسم فيه"؛ [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (17/ 27)].


وقال ابن تيمية: "وتنازع العلماء في غسل اليدين قبل الأكل: هل يُكره، أو يُستحب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، فمن استحب ذلك: احتجَّ بحديث سلمان أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((قرأت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده))، ومن كرهه قال: لأن هذا خلاف سنة المسلمين، فإنهم لم يكونوا يتوضؤون قبل الأكل، وإنما كان هذا من فعل اليهود فيُكره التشبه بهم، وأما حديث سلمان: فقد ضعَّفه بعضهم، وقد يُقال: كان هذا في أول الإسلام، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمَر فيه بشيء؛ ولهذا كان يسدل شعره موافقةً، ثم فرق بعد ذلك، ولهذا صام عاشوراء لما قدم المدينة، ثم إنه قال قبل موته: ((لئن عشت إلى قابل لأصومنَّ التاسع))؛ يعني مع العاشر؛ لأجل مخالفة اليهود"؛ [مجموع الفتاوى (22/ 319)]، وقال ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود: "في هذه المسألة قولان لأهل العلم: أحدهما: يُستحب غسل اليدين قبل الطعام، والثاني لا يُستحب، وهما في مذهب أحمد وغيره، والصحيح: أنه لا يُستحب"؛ [(10/ 166)].


غسل اليد بعد الطعام:

وهذا لا شك في مشروعيته كأن يكون في هذا الطعام دسم، سواء نام أو لم ينم، وعند النوم أشد؛ لحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان، من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من بات وفي يده غمر فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه))، وهذا الحديث في إسناده اختلاف كثير واضطراب، وقد ذكره ابن أبي حاتم في العلل، والدارقطني في علله، وأعرض عنه صاحبا الصحيح، وقد أومأ أبو حاتم إلى أنه موقوف، وجاء أيضًا في معنى هذا الحديث أخبار، وهو يدل على التحذير من كون الإنسان ينام، وفي يده دسومة طعام؛ وقد روى البخاري من حديث جابر رضي الله عنه قال: ((كنا إذا طعمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لنا مناديل إلا أكفَّنا وسواعدنا))، وهذا محمول على قلة الماء أو له أسباب اقتضت ذلك.


الأكل باليمين:

روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله))؛ [رواه مسلم (2020)].


ورويَ عن إياس بن سلمة بن الأكوع أن أباه حدثه: ((أن رجلًا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: كُل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكِبر، قال: فما رفعها إلى فيه))؛ [رواه مسلم (2021)].


قال الإمام المرداوي: "وتُستحب التسمية عليهما، والأكل باليمين، ويُكره ترك التسمية والأكل بشماله إلا من ضرورة، على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وذكره النووي في الشرب إجماعًا، وقيل: يَجِبَان"؛ [الإنصاف (8/ 327)]، وقال الشيخ عبدالله الفوزان: "ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الأكل والشرب باليمين مندوب، لأن النهيَّ فيه من باب الأدب والإرشاد، ولأنه من باب تكريم اليمين وتشريفها، وذهب جماعة من أهل العلم منهم ابن عبدالبر، وابن حزم، وابن أبي موسى، وابن القيم، إلى وجوب الأكل والشرب باليمين، وتحريم الأكل والشرب بالشمال"؛ [الفوائد المجموعة شرح فصول الآداب (ص98)]، ورجح وجوب الأكل باليمين ابن باز وابن عثيمين في الفتاوى.


تحرير المسألة:

اتفقت المذاهب الأربعة على أن الأكل باليمين من الآداب وليس من الواجبات، وذهب ابن حزم إلى وجوب الأكل باليمين استنادًا لظاهر الأخبار.


حكاية أقوال المذاهب الأربعة:

مذهب الحنفية: قال الإمام ابن نجيم الحنفي: "المواظبة لا تفيد السُّنِّيَّة، إلا إذا كانت على سبيل العبادة، وأما إذا كانت على سبيل العادة فتفيد الاستحباب والندب لا السنية، كلبس الثوب والأكل باليمين، ومواظبة النبي على التيامن كانت من قبيل الثاني – أي العادة - فلا تفيد السنية"؛ [شرح الوقاية (1/ 30)، وكذا قال في السراج الوهاج: إن البداءة باليمنى فضيلة على الأصح].


مذهب المالكية: قال العلامة النفراوي في الفواكه الدواني: "(و) الآداب المقارنة أن (تتناول) المأكول والمشروب (بيمينك) على جهة الندب لخبر: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله))"؛ ا.هـ، والقول بندب الأكل باليمين هو المنصوص عليه عند المالكية في مختصر خليل، وشروحه، بل في عامة كتب المذهب.


المذهب الشافعي: قال الإمام الشربيني: "ويُكره نفض يده في القصعة والشرب من فم القربة، والأكل بالشمال والتنفس والنفخ في الإناء"؛ [مغني المحتاج (4/ 412)]، وهذا هو المنصوص في كتب المذهب كأسنى المطالب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وتحفة المحتاج للإمام ابن حجر الهيتمي، وغيرهم.


مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة: "تُستحب التسمية عند الأكل، وأن يأكل بيمينه مما يليه؛ لِما روى عمر بن أبي سلمة قال: كنت يتيمًا في حِجر رسول الله فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي النبي: ((يا غلامُ، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك))؛ [متفق عليه]"؛ [المغني (7/ 222)].


القائلون بوجوب الأكل باليمين، وحرمة الأكل بالشمال:

ذهب إلى ذلك الظاهرية، واختاره الإمام ابن العربي المالكي كما ذكر ذلك الحافظ في الفتح، واختاره تقي الدين السبكي من الشافعية، حكى عنه ذلك ولده الإمام التاج السبكي، وكلام الإمام العراقي في شرح الترمذي يميل إليه، واستدل من قال بالوجوب بما في الصحيحين من حديث عمر بن أبي سلمة وفيه: أن النبي قال: ((وكُل بيمينك))، والحديث متفق عليه، وبما رواه مسلم وأحمد وغيرهما من حديث جابر أن النبي قال: ((لا تأكلوا بالشمال؛ فإن الشيطان يأكل بالشمال))، وبما رواه مسلم وأحمد وغيرهما عن سلمة بن الأكوع: ((أن رجلًا أكل عند رسول الله بشماله، فقال: كُل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعتَ، ما منعه إلا الكبر قال: فما رفعها إلى فيه))، وقالوا: إن في الأحاديث ثلاث دلالات تفيد الوجوب: الأولى: أمر النبي بالأكل باليمين، والأمر يفيد الوجوب، الثانية: أن الأكل بالشمال تشبُّه بالشيطان، الثالثة: دعاء النبي عليه، إذ لو كان الأكل باليمين سُنة لما ناسب الدعاء عليه بسبب تركها، وردَّ الجماهير من العلماء على ذلك بما يلي:

أما الأمر: فإن الأصوليين ذكروا من صوارف صيغة الأمر عن الوجوب إلى الندب، أن يكون الأمر واردًا في باب الأدب؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ [البقرة: 237]، ومثَّل له العلماء أيضًا بقوله: ((كُل بيمينك، وكُل مما يليك))، ولا شكَّ أن الأكل باليمين داخل تحت الأدب.


قال الإمام ابن عبدالبر: "وأصل النهي أن تنظر إلى ما ورد منه، وطرأ على ملكك، أو على ما ليس في ملكك، فما كان منه واردًا على ملكك فهو يمين آداب وإرشاد واختيار، وما طرأ على غير ملكك فهو على التحريم، وعلى هذا ورد النهي في القرآن والسنة، ثم قال: والاستنجاء باليمين دون الشمال والأكل بالشمال دون اليمين... فهذا كله وما كان مثله نهي أدب وإرشاد؛ لأنه طرأ على ما في ملك الإنسان، فمن واقَعَ شيئًا من ذلك لم يحرم عليه فعله"؛ [الاستذكار (5/ 288)]، وأما التشبيه بالشيطان فلا يفيد الحرمة، فقد أخبرنا النبي بأن المجلس بين الظل والشمس مجلس الشيطان؛ [رواه أحمد]، وأخبرنا في أمر القيلولة بقوله: ((قيلوا؛ فإن الشيطان لا يقيل))؛ [رواه الطبراني في الأوسط، وصححه بعض المحدثين بتعدد طرقه وإن ضعَّفه البعض الآخر]، وفي سنن ابن ماجه: ((وليُعطِ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله))؛ قال المنذري: إسناده صحيح، وصححه المناوي، ولا أعلم قائلًا بوجوب القيلولة، والجماهير من العلماء على عدم وجوب المناولة باليمين، إلى غير ذلك، وأما دعاء النبي على من أكل بالشمال، فقيل في الجواب عنه أجوبة من ذلك:

الجواب الأول: أن الرجل كان منافقًا، بدليل رده أمر رسول الله كبرًا واستعلاءً، فالدعاء عليه لنفاقه الباعث له على التكبر على حكم الشرع؛ جزم بذلك القاضي عياض، ويتفق أهل العلم والنظر على أن من ترك سنة من سنن الشريعة تكبرًا عليها، وازدراء لها أنه قد انحط إلى دركة بعيدة، ولا يكون حاله كحال من ترك سُنة من السنن تكاسلًا وتفريطًا.


الجواب الثاني: أن الدعاء عليه لمخالفة الحكم الشرعي عمومًا، جزم بذلك الإمام النووي، ولا يلزم أن يكون الدعاء على ترك الواجبات أو فِعل المحرمات.


الجواب الثالث: أن الدعاء عليه لكِبره؛ قال المناوي في (فيض القدير): "ودعاؤه على الرجل إنما هو لكبره الحامل له على ترك الامتثال"؛ ا.هـ؛ كما هو مبين في قول الراوي: ((ما منعه إلا الكبر))، ولا يلزم على هذا الجواب أن يكون الرجل منافقًا، إذ الكِبر كبيرة لا تُخرج صاحبها من الإسلام.


تنبيه: نصَّ الشافعي على إثمِ مَن ترك الأكل مما يليه محمولٌ على حالة يتأذى فيها الأكلة بذلك، كما نص على ذلك الإمام جلال الدين المحلي في شرح جمع الجوامع؛ قال النووي عند ذكره لحديث النهي عن الأكل بالشمال: "فيه استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهتهما بالشمال، وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء، وهذا إذا لم يكن عذر، فإن كان عذرٌ يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك، فلا كراهة في الشمال، وفيه أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين"؛ [شرح مسلم (13/ 191)].


الأكل من الجانب الذي يليه:

عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، قال: كنت غلامًا في حِجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا غلام، سمِّ الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك))، فما زالت تلك طعمتي بعد؛ [رواه البخاري (3576) ومسلم (2022)]؛ قال النووي في شرح مسلم: "والثالثة: الأكل مما يليه؛ لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشـرة، وترك مروءة، فقد يتقذره صاحبه، لا سـيما في الأمراق وشبهها"؛ قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: "باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه، إذا لم يعرف منه كراهيةً": عن أنس بن مالك، يقول: ((إن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته يتتبع الدُّبَّاء من حوالي القصعة، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذٍ))؛ [(5379)].


قال الإمام ابن بطال المالكي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح البخاري: "هذا الحديث يفسر قوله عليه الصلاة السلام في حديث عمر بن أبي سلمة: ((كُل مما يليك))، ويدل على أن المراد بذلك: إذا كان يأكل مع غير عياله ومن يتقذر جَوَلانَ يده في الطعام، فأما إذا أكل مع أهله ومن لا مؤنة عليه منهم من خالص إخوانه، فلا بأس أن تجول يده في الطعام استدلالًا بهذا الحديث"، قال ابن حجر في الجواب عن هذا التعارض: يمكن أن يُقال: إن المسألة فيها تفصيل: "أنه إذا كان لونًا واحدًا فلا يتعدى ما يليه، وإذا كان أكثر من لون فيجوز"؛ [فتح الباري (9/ 435)، ورجحه البغوي في شرح السنة (11/ 304)].


قال ابن باز: "إذا كان الطعام مختلفًا متنوعًا فلا بأس بالتنقل بين هذا وهذا، والأكل مما يليه في النوع الواحد"؛ [التعليق على صحيح البخاري بشرحه فتح الباري (9/ 434)].


الأكل من جوانب القصعة أو الطبق:

روى أبو داود بسند حسن، عن عبدالله بن بسر رضي الله عنه قال: ((كان للنبي صلى الله عليه وسلم قصعة يُقال لها الغرَّاء، يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا وسجدوا الضحى، أُتيَ بتلك القصعة، يعني وقد ثرد فيها، فالتفوا عليها، فلما كثُروا حثا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أعرابي: ما هذه الجلسة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جعلني عبدًا كريمًا، ولم يجعلني جبارًا عنيدًا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُلُوا من حواليها، ودعوا ذُروتها يُبارَك فيها))؛ [رواه أبو داود (3773)]، وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كلوا في القصعة من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها؛ فإن البركة تنزل في وسطها))؛ [رواه أبو داود (3772)، والترمذي (1805)، وابن ماجه (3277)، وصححه الألباني]؛ قال الحافظ العراقي رحمه الله: "وجه النهي عن الأكل من الوسط أن وجه الطعام أفضله وأطيبه، فإذا قصده بالأكل استأثر به على رفقته، وهو ترك أدبٍ وسوء عشرة، والمراد بالبركة هنا الإمداد من الله"؛ [فيض القدير (5/ 58)].



الآداب الشرعية:

الأكل متكئًا:

عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا آكل متكئًا))؛ [رواه البخاري (5399)].


قال ابن حجر: "واختُلف في صفة الاتكاء فقيل: أن يتمكن في الجلوس للأكل على أي صفة كان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى من الأرض، قال الخطابي: تحسَب العامة أن المتكئ هو الآكِل على أحد شقيه، وليس كذلك بل هو المعتمد على الوطاء الذي تحته، قال: ومعنى الحديث إني لا أقعد متكئًا على الوطاء عند الأكل، فِعْل من يستكثر من الطعام فإني لا آكل إلا البُلغة من الزاد، فلذلك أقعد مستوفزًا، وأخرج ابن عدي بسند ضعيف: ((زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يده اليسرى عند الأكل))؛ قال مالك: هو نوع من الاتكاء، قلت: وفي هذا إشارة من مالك إلى كراهة كل ما يعد الأكل فيه متكئًا، ولا يختص بصفة بعينها، وجزم ابن الجوزي في تفسير الاتكاء بأنه المَيل على أحد الشقين، ولم يلتفت لإنكار الخطابي ذلك، وحكى ابن الأثير في النهاية: إن من فسر الاتكاء بالميل على أحد الشقين تأوله على مذهب الطب، بأنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يسيغه هنيئًا، وربما تأذى به"؛ [فتح الباري (9/ 541)]، واختلف الفقهاء في الأكل متكئًا على قولين:

الأول: مكروه كراهة تنزيه؛ وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، وقول عند الأحناف.


الثاني: الإباحة؛ وهو المشهور عند الحنفية، فالأكل متكئًا لم يرِد فيه نهي، وإنما نفى النبي عليه الصلاة والسلام أن يأكل متكئًا، فمثل هذا يُقال فيه: خلاف الأولى، فلم يرِد فيه نهي يصل إلى حد الكراهة أو المنع، وسُئل ابن باز: إن أكل متكئًا يأثم؟ فقال: "لا ما يأثم، لكن تركه أفضل".


والخلاصة أن الأكل متكئًا خلاف الأولى والأفضل والأكمل، وقد يعبر عنه بكراهة التنزيه، ورجحه ابن باز وابن عثيمين والألباني.


عدم النفخ في الطعام والشراب:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الطعام والشراب))؛ [رواه أحمد (2917)، والترمذي (1887)، وابن ماجه (3288)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6913)]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((نهى أن يُتنفس في الإناء أو يُنفخ فيه))؛ [رواه الترمذي (1810)، وأبو داود (3240)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6820)].


النفخ في الطعام مكروه؛ جاء في الموسوعة الفقهية: "ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يُكره النفخ في الطعام، والشراب، أما عن علة هذا النهي، فمدارها على حمله صلى الله عليه وسلم لأمته على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات".


قال الحافظ ابن حجر: "وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث، وكذا النهي عن التنفس في الإناء؛ لأنه ربما حصل له تغير من النَّفَس، إما لكَون المتنفِّس كان متغيرَ الفم بمأكول مثلًا، أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس"؛ [فتح الباري (10/ 92)].


وإذا كانت هناك حاجة تدعو إلى النفخ في الطعام أو الشراب لتبريده، وكان يحتاج إلى أن يأكل أو يشرب ويشق عليه أن ينتظره ليبرد، فإن الكراهة تزول حينئذٍ كما صرح بذلك بعض أهل العلم؛ قال العلامة المرداوي الحنبلي: "قال الآمدي: لا يكره النفخ في الطعام إذا كان حارًّا، قلت (المرداوي): وهو الصواب، إن كان ثَم حاجة إلى الأكل حينئذٍ"؛ [الإنصاف (8/ 328)]، وقال الشيخ ابن عثيمين: "إلا أن بعض العلماء استثنى من ذلك ما دعت إليه الحاجة، كما لو كان الشراب حارًّا ويحتاج إلى السرعة، فرخص في هذا بعض العلماء، ولكن الأولى ألَّا ينفخ حتى لو كان حارًّا؛ إذا كان حارًّا وعنده إناء آخر، فإنه يصبه في الإناء ثم يعيده ثانية حتى يبرد"؛ [شرح رياض الصالحين" (2/ 457)].


ألَّا يعيب الطعام:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه))؛ [رواه البخاري (3563) ومسلم (2064)].


عدم ترك اللقمة الساقطة:

عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليُمِطْ ما كان بها من أذًى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة))؛ [رواه مسلم (2034)].


ثُلُث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفَسه:

عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدم أُكُلاتٌ يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه))؛ [رواه الترمذي (2380)، والنسائي (6769)، وابن ماجه (3349)، وأحمد (17186)، وصححه الألباني]؛ قال ابن رجب: "هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد رُوِيَ أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت دكاكين الصيادلة؛ وذلك لأن أصل كل داء التخمة، وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء، والبطنة رأس الداء؛ قال الغزالي: ذُكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة، فقال: ما سمعت كلامًا في قلة الأكل أحكم من هذا"؛ [جامع العلوم والحكم (503)، وفتح الباري (9/ 528].


عدم القران (الجمع) في التمر والعنب والفواكه ونحوها، إذا كان يأكل مع أحد إلا بإذنه:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه))؛ [رواه البخاري (2455)، ومسلم (2045)].


النهي في الحديث محمول على الاستحباب عند الجمهور؛ لأن ما كان من باب الآداب ومكارم الأخلاق، فإن الأمر فيها يكون للاستحباب، والنهي فيها للكراهة لا للتحريم؛ قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الشيء الذي جرت العادة أن يؤكل واحدةً واحدةً، كالتمر؛ إذا كان معك جماعة فلا تأكل تمرتين جميعًا، لأن هذا يضر بإخوانك الذين معك، فلا تأكل أكثر منهم إلا إذا استأذنت، وقلت: تأذنون لي أن آكل تمرتين في آن واحد؟ فإن أذِنوا لك، فلا بأس، وكذلك ما جاء في العادة بأنه يؤكل أفرادًا، كبعض الفواكه الصغيرة التي يلتقطها الناس حبة حبة، ويأكلونها؛ فإن الإنسان لا يجمع بين اثنتين إلا بإذن صاحبه الذي معه، مخافة أن يأكل أكثر مما يأكل صاحبه، أما إذا كان الإنسان وحده فلا بأس أن يأكل التمرتين جميعًا، أو الحبتين مما يؤكل أفرادًا جميعًا، لأنه لا يضر بذلك أحدًا، إلا أن يخشى على نفسه من الشرق أو الغصص"؛ [شرح رياض الصالحين (4/ 217)].


المضمضة بعد الطعام:

المضمضة بعد الفراغ من الطعام مستحبة؛ لِما روى بشير بن يسار عن سويد بن النعمان، أنه أخبره: ((أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالصهباء - وهي على روحة من خيبر - فحضرت الصلاة، فدعا بطعام فلم يجده إلا سويقًا فلاك منه، فلكنا معه، ثم دعا بماء فمضمض، ثم صلى وصلينا ولم يتوضأ))؛ [رواه البخاري (5390)]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل عرقًا من شاة ثم صلى، ولم يمضمض ولم يمس ماءً))؛ [رواه أحمد (2541) وصححه الألباني]، وعن أنس رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنًا فلم يمضمض ولم يتوضأ، وصلى))؛ [رواه أبو داود (197) وحسنه الألباني].


قال العظيم أبادي في (عون المعبود): "فيه دليل على أن المضمضة من اللبن وغيره من الأشياء التي فيها الدسومة ليس فيها أمر ضروري، بل على سبيل الاختيار"؛ [(1/ 229)]؛ قال ابن باز رحمه الله: "المضمضة مستحبة من آثار الطعام، ولا يضر بقاء شيء من ذلك في أسنانك"؛ [مجموع الفتاوى (29/ 52)].



الأكل بثلاث أصابع:

عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعِقها))؛ [رواه مسلم (2032)]، فالمُستحب أن يكون الأكل بثلاث أصابع، إلا إذا كان الطعام لا يمكن تناوله بثلاث أصابع، فيأكل بما يتيسر.


قال عياض: "والأكل بأكثر منها من الشَّرَهِ وسوء الأدب، ولأنه غير مضطر لذلك، لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث، وإن اضطر إلى الأكل بأكثر من ثلاث أصابع، لخفة الطعام وعدم تلفيقه بالثلاث يدعمه بالرابعة أو الخامسة"؛ [فتح الباري (9/ 578)].


لعق اليد والإناء بعد الأكل:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أكل أحدكم طعامًا، فلا يمسح أصابعه حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها))؛ [رواه البخاري (5456) ومسلم (2031)].


عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: ((إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة))؛ [رواه مسلم (2033)]، وعن أنس: ((وأمرنا أن نسلت القصعة))؛ [رواه مسلم (2034)].


قال النووي: "والسلت: هو المسح وتتبع ما بقيَ في القصعة من الطعام"؛ [(13/ 207)].


لعق الأصابع تنظيفٌ لها قبل أن تُمسح بالمنديل ونحوه، وهو يكون بعد الانتهاء من الأكل، وأما في أثناء تناول الطعام فيُكره لعق الأصابع، لأن الريق سيخالط ما في الإناء، والنفوس تعاف ذلك، وقد يكون وسيلةً لنقل بعض الأمراض؛ [شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (4/ 342)، وغذاء الألباب للسفاريني (1/ 209)].


أما لعق الصحفة؛ أي الإناء الذي فيه الطعام كالثريد الذي كانوا يأكلونه بأصابعهم، فيُصوَّر بصورتين؛ الأولى أن يكون باللسان، والثانية أن يكون بطريقة السلت؛ أي مسح ما بقي من الطعام في الإناء، ثم لعقه بالإصبع، وإذا كان الأكل شخصًا واحدًا من إناء خاصٍّ، وليس طعامًا لجماعة، فيمكن أن يلعق الإناء بلسانه، ويمكن أن يمسحه بالإصبع، ثم يلعق إصبعه؛ أي إن اللعق يمكن أن يكون بإحدى الصورتين، ولا عيب في ذلك ولا ضرر.


أما إذا كان الإناء فيه طعام لجماعة يأكلونه، فإن اللعق باللسان لا يُتصور منهم جميعًا، بل يكون من شخص واحد بعد انتهائهم جميعًا من الأكل، وأما السلت بالأصابع فيُتصور أن يكون من أكثر من شخص؛ حيث يتتبع كل آكلٍ بإصبعه ما توارى أو بقيَ في جوانب الصحفة أو الإناء، فيأخذه ويأكله، وهذا أمر تعودوا عليه ولا يرَون فيه بأسًا، وإن كان تعافُه بعض النفوس الأخرى.


والمهم هو تنفيذ المطلوب بالوسيلة التي يتواضع عليها الناس، فلا يبقى في الإناء طعام يُلقى ويضيع، أو يُترك ليتعفن ويفسد، إن لم يُغسل، بل نلتقطه بالمعلقة أو الشوكة أو السكين ونحو ذلك، بل يُندب أن يُلتقط ما وقع من الطعام ويُنظَّف ويُؤكل، ولا يُترك للشيطان، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن لعق الأصابع بعد انتهاء الأكل مفيد للصحة، عند اللعق تفرز الأصابع سائل الأميليز، الذي يقوم بتسهيل عملية الهضم ويمنع حالة الخمول.


حكم الأكل والشرب قائمًا:

عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا، قال قتادة: فقلنا: فالأكل، فقال: ذاك أشرُّ، أو أخبث))؛ [رواه مسلم (2024)]، وعن علي رضي الله عنه: ((أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أُتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه، ثم قام فشرِب فضله وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قيامًا، وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت))؛ [رواه البخاري (5616)]، وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: ((شرِب النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا من زمزم))؛ [رواه البخاري (5617) ومسلم (2027)]، أحاديث الشرب قائمًا في الصحيحين، وأحاديث النهي عن الشرب قائمًا أعرض عنها البخاري ومالك في الموطأ، فلم يُوردوها، وأخرج مسلم منها ما رواه من حديث أنس وأبي هريرة وأبي سعيد، وكل هذه الأحاديث الثلاثة قد تكلم فيها العلماء.


واختلف أهل العلم في الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإباحة؛ فمن أهل العلم من غلَّب أحاديث الجواز، وطعن في أحاديث النهي، ومنهم من قال: إن النهي كان متقدمًا، والإباحة جاءت بعدُ، فهي منسوخة، وقيل: تُحمل أحاديث الشرب قائمًا على حال الحاجة، وأحاديث النهي مع عدمها؛ قال به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم؛ قال ابن تيمية: "ويُكره الأكل والشرب قائمًا لغير حاجة"؛ [الفتاوى الكبرى (5/ 477)]، وقيل بالجمع؛ فأحاديث النهي جاءت على كراهة التنزيه، وأحاديث الإباحة دلت على الجواز، وهذا أصح ما جاء في المسألة، وقال به الطبري والبيهقي، والخطابي والنووي، وابن حجر وابن الجوزي، والسخاوي ومحمد بن أحمد السفاريني، وابن مفلح وابن باز؛ قال ابن حجر: "وسلك آخرون في الجمع حمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي وابن بطال في آخرين، وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرًا، فقال: إن ثبتت الكراهة، حُملت على الإرشاد والتأديب لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري وأيَّده بأنه لو كان جائزًا ثم حرمه، أو كان حرامًا ثم جوَّزه، لبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بيانًا واضحًا، فلما تعارضت الأخبار بذلك، جمعنا بينها بهذا"؛ [الفتح (10/ 84)].


وبناء عليه اختلف العلماء في الشرب قائمًا على أقوال:

1- الجواز: وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.


2- كراهة التنزيه: وهو مذهب الأحناف ورواية للحنابلة.


3- التحريم: وهو قول ابن حزم؛ قال ابن باز: "ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عليٍّ رضي الله عنه أنه شرب قائمًا وقاعدًا، والأمر في هذا واسع، والشرب قاعدًا والأكل قاعدًا أفضل وأهنأ، وإن شرب قائمًا فلا حرج، وهكذا إن أكل قائمًا فلا حرج"؛ [مجموع الفتاوى (25/ 275)].

 

حكم الأكل قائمًا:

قال القاضي عياض: "لا خلاف في جواز الأكل قائمًا وإن كان قتادة قال: فقلنا: فالأكل، قال: ذلك أشر وأخبث، لكن حكى بعض شيوخنا أنه لا خلاف في جواز الأكل قائمًا"؛ [إكمال المعلم شرح مسلم (6/ 491)]، وقال القرطبي: "لا خلاف في جواز الأكل قائمًا، وإن كان قتادة قال: (أشر وأخبث)"؛ [المفهم شرح مسلم (5/ 286)]، وابن حزم يرى جواز الأكل قائمًا؛ حيث قال: "لا يحل الشرب قائمًا، وأما الأكل قائمًا فمباح"؛ [المحلى (6/ 519)].


وتُوجَّه الكراهة عند الحنابلة؛ قال ابن مفلح: "ظاهر كلامهم لا يُكره أكله قائمًا، ويتوجه كشرب، قاله شيخنا"؛ [الفروع (5/ 302)، الآداب الشرعية (3/ 174)].


تقديم الأيمن:

عن سهل بن سعد، قال: ((أُتيَ النبي صلى الله عليه وسلم بقدح، فشرب منه وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: يا غلامُ، أتأذن أن أعطيَه الأشياخ، فقال: ما كنت لأُوثِرَ بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه))؛ [رواه البخاري (2351)، ومسلم (2030)]، وعن أنس رضي الله عنه قال: ((أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارنا هذه فاستسقى، فحلبنا له شاة لنا، ثم شبته من ماء بئرنا هذه، فأعطيته، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه، وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ، قال عمر: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابي فضله، ثم قال: الأيمنون الأيمنون، ألَا فيمِّنوا، قال أنس: فهي سنة، فهي سنة؛ ثلاث مرات))؛ [رواه البخاري (2571)، ومسلم (2029)]؛ قال النووي رحمه الله: "في هذه الأحاديث بيان هذه السنة الواضحة، وهو موافق لما تظاهرت عليه دلائل الشـرع من استحباب التيامن في كل ما كان من أنواع الإكرام، وفيه: أن الأيمن في الشـراب ونحوه يقدَّم، وإن كان صغيرًا أو مفضولًا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم الأعرابي، والغلام على أبي بكر رضي الله عنه، وأما تقديم الأفاضل، والكبار فهو عند التساوي في باقي الأوصاف، ولهذا يقدَّم الأعلم، والأقرأ، على الأسنِّ النسـيب في الإمامة في الصلاة".


النهي عن الشرب من فم القربة ونحوها:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية))؛ [رواه البخاري (5625)]، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُشرب من في السقاء أو القربة))؛ [متفق عليه؛ رواه البخاري (5628)].


عن أم ثابت كبشة بنت ثابت أخت حسان بن ثابت رضي الله عنهما، قالت: ((دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة قائمًا، فقمت إلى فيها فقطعته))؛ [رواه الترمذي (1892) وابن ماجه (2780)].


واختلف أهل العلم في علة النهي، فقيل: لعدم رؤية ما فيها، فإنه قد يختنث ويشرب، وقد يكون فيها قذًى أو قذر، ورُوي أن رجلًا شرب من قربة، فانساب جان في بطنه، والجان هي الحية الصغيرة، وقيل: لانصباب الماء عليه بكثرة، لأن هذا الفم واسع، وإن ثناه وضغط عليه، أصبح المخرج ضيقًا، فربما تدفق عليه الماء فشرق به وتأذى، وقيل: العلة أنه ينتن فم القربة.


والنهي للكراهة جمعًا بين فعله صلى الله عليه وسلم ونهيه.


وعلى هذا، فهل يجوز للإنسان أن يشرب الآن من القوارير التي أفواهها ملساء، ويرى ما فيها لشفافية الزجاج أو البلاستيك؟ نقول: لا بأس حينئذٍ من الشرب من فم هذه القوارير؛ لأنه:

أولًا: يرى ما فيها.

وثانيًا: أنه يأمن من تناثر الماء عليه.

وثالثًا: أنه لا يحصل نتن في الغالب في أفواههم.


تغطية أواني الطعام والشراب:

عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أطفؤوا المصابيح إذا رقدتم، وغلِّقوا الأبواب، وأوكُوا الأسقية، وخمِّروا الطعام والشراب، وأحسبه قال: ولو بعودٍ تعرضه عليه))؛ [أخرجه البخاري (5624)، ومسلم (2012)].


وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في السَّنة ليلةً ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء، إلا نزل فيه من ذلك الوباء))؛ [رواه مسلم (2014)].


قال أبو العباس القرطبي: "قوله: ((غطوا الإناء، وأوكوا السقاء))، جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، وليس الأمر الذي قُصد به الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب"؛ [المفهم شرح صحيح مسلم (5/ 284)]، وقال النووي: "وذكر العلماء للأمر بالتغطية فوائد، منها الفائدتان اللتان وردتا في هذه الأحاديث؛ وهما: صيانته من الشيطان؛ فإن الشيطان لا يكشف غطاءً، ولا يحل سقاء، وصيانته من الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة، والفائدة الثالثة: صيانته من النجاسة والمقذرات، والرابعة: صيانته من الحشرات والهوام، فربما وقع شيء منها فيه، فشربه وهو غافل، أو في الليل؛ فيتضرر به"؛ [شرح مسلم (13/ 265)].


إذا بات الطعام مكشوفًا، فهل يأكل أو يشرب منه؟

إذا نسيَ المسلم الإناءَ بدون غطاء، فإنه يستعمل ما فيه من طعام أو شراب ولا يرميه، وهذا ما يشير إليه حديث جابر بن عبدالله، قال: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستسقى، فقال رجل: يا رسول الله، ألَا نسقيك نبيذًا؟ فقال: بلى، قال: فخرج الرجل يسعى، فجاء بقدح فيه نبيذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألَا خمرته، ولو تعرض عليه عودًا، قال: فشرب))؛ [رواه مسلم (2011)]؛ قال القرطبي: "وشُربه صلى الله عليه وسلم من الإناء الذي لم يخمر دليل على أن ما بات غير مخمر، ولا مغطًّى، أنه لا يحرم شربه، ولا يكره"؛ [المفهم (5/ 284)]، ولأن السُّنَّة لم تأمر إلا بتغطية الأواني؛ قال أبو داود رحمه الله تعالى: "قلت لأحمد: الماء المكشوف يُتوضأ منه؟ قال: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطَّى - يعني: الإناء - لم يقل: لا يُتوضأ به"؛ [مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني، ص (9)]، وسُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في الأسئلة الثلاثية، الجزء الثاني، بداية الشريط الثاني هذا السؤال: سمعنا أن هناك داءً ينزل مرة في السنة فيقع على الإناء الذي لم يتم تغطيته، فما صحة ذلك؟ فقال الشيخ رحمه الله: "نعم هذا صحيح، هناك داء ينزل في يوم معين من السنة، فيقع على الإناء الذي لم يتم تغطيته، وهذا اليوم غير معلوم؛ لذلك يحرص المسلم على تغطية الإناء دائمًا، ويجوز الأكل من الإناء الذي لم يغطَّ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينهَنا عن الأكل، ولكن حثنا على تغطية الآنية".

 

إجابة دعوة المضيف للطعام:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((حق المسلم على المسلم خمسٌ: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس))؛ [رواه البخاري (1164)، ومسلم (4022)]، وقد قسم العلماء الدعوة التي أُمر المسلم بإجابتها إلى قسمين:

الأول: الدعوة إلى وليمة العرس: فجماهير العلماء على وجوب إجابتها إلا لعذر شرعي، والدليل على وجوب الإجابة ما جاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويُدعى إليها من يأباها، ومن لم يُجِبِ الدعوة فقد عصى الله ورسوله))؛ [رواه البخاري (4779) ومسلم (2585)]؛ قال النووي: "نقل القاضي اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس"؛ [شرح النووي على مسلم (9/ 234)].


الثاني: الدعوة لغير وليمة العرس على اختلاف أنواعها، فجماهير العلماء يرَون أن إجابتها مستحبة، ولم يخالف إلا بعض الشافعية والظاهرية، فأوجبوها.

 

حكم الأكل من الوليمة:

يُستحب الأكل من الوليمة باتفاق المذاهب الأربعة؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دُعِيَ أحدكم إلى طعام فليُجب، فإن شاء طعِم، وإن شاء ترك))؛ [رواه مسلم (1430)].

غسل اليد بعد الطعام:

بوَّب أبو داود في سننه: (باب في غسل اليدين بعد الطعام)؛ أي: إنه مستحب؛ وذلك لإزالة الدسومة والشيء الذي علق باليد بعد الطعام، فهو يغسله؛ لئلا يتعرض لما لا يُحمد عاقبته.


عن جابر رضي الله عنه قال: ((كنا إذا طعمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن لنا مناديلُ إلا أكفَّنا وسواعدنا))؛ [رواه البخاري (5457)].


وهذا محمول على قلة الماء، أو له أسباب اقتضت ذلك، ويتأكد غسل اليدين إذا أكل طعامًا فيه زهومة ودسومة، سواء نام أو لم ينَم، وعند النوم أشد؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من بات وفي يده غمر فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه))؛ [رواه أبو داود (3852)، وأحمد (7569)، والترمذي (1860)، والنسائي في السنن الكبرى (6905)، وابن ماجه (3297)، وصححه الألباني]، وهو يدل على التحذير من كون الإنسان ينام وفي يده دسومة طعام.


الحمد بعد الطعام والشراب:

الحمد بعد الطعام من أسباب رضا الله عن العبد؛ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله لَيرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، فيحمده عليها، ويشرب الشربة، فيحمده عليها))؛ [رواه مسلم (2734)].



من صيغ الحمد بعد الطعام:

للحمد صيغ متعددة وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم:

1- عن أبي أمامة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع مائدته قال: ((الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه ربنا))؛ [رواه البخاري (5458)]؛ قال ابن حجر: "قوله: ((غير مكفي))، قيل: أي غير محتاج إلى أحد من عباده، لكنه هو الذي يطعم عباده ويكفيهم، قوله: ((ولا مودع))؛ أي غير متروك".


2- عن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه، من غير حولٍ مني ولا قوة، غُفر له ما تقدم من ذنبه))؛ [رواه الترمذي (3458)، وابن ماجه (3285)، وحسنه الألباني].


3- عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه، وجعل له مخرجًا))؛ [رواه أبو داود (3851) وصححه الألباني].


4- عن عبدالرحمن بن جبير أنه حدثه رجلٌ خدم النبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنين، أنه كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قُرب إليه الطعام يقول: ((بسم الله، فإذا فرغ قال: اللهم أطعمتَ وأسقيتَ، وهديت وأحييت، فلك الحمد على ما أعطيت))؛ [رواه أحمد (16159)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 111)].


يُستحب الإتيان بألفاظ الحمد الواردة بعد الفراغ من الطعام جميعها، فيقول هذا مرة، وهذا مرة حتى يحصل له حفظ السنة من جميع وجوهها، وتناله بركة هذه الأدعية، مع ما يشعر به المرء في قرارة نفسه من استحضار هذه المعاني، عندما يقول هذا اللفظ تارة، وهذا اللفظ تارة أخرى؛ لأن النفس إذا اعتادت على ذكر معين فإنه مع كثرة التكرار، يقل معها استحضار المعاني لكثرة الترداد.


الدعاء للمضيف:

عن أنس: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة))؛ [رواه أبو داود (3854) وصححه الألباني]، وعن عبدالله بن بسر قال: ((نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي، فقربنا إليه طعامًا فأكله، ثم أُتي بتمر فكان يأكل ويلقي النوى بإصبعيه - جمع السبابة والوسطى - ثم أُتي بشراب فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه قال: فقال أبي وأخذ بلجام دابته: ادعُ لنا، فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم))؛ [رواه مسلم (2042)].





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • سنن وآداب الطعام والشراب (آداب الأكل)

مختارات من الشبكة

  • سلسلة الآداب الشرعية (آداب البشارة والتهنئة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة تذكير الأمة بشرح حديث: "كل أمتي يدخلون الجنة" = الجزء العاشر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة دروب النجاح (10) الحافز الداخلي: سر الاستمرارية والنجاح الحقيقي(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • انطلاق سلسلة محاضرات "ثمار الإيمان" لتعزيز القيم الدينية في ألبانيا(مقالة - المسلمون في العالم)
  • سلسلة دروب النجاح (8) التوازن بين الدراسة والحياة(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • سلسلة آفات على الطريق (2): الإسراف في حياتنا (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة دروب النجاح (7) بناء شبكة العلاقات الداعمة(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • سلسلة آفات على الطريق (1): الفتور في الطاعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (33) «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة دروب النجاح (6) العقلية النامية: مفاتيح النمو الشخصي(مقالة - مجتمع وإصلاح)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • اختتام دورة علمية لتأهيل الشباب لبناء أسر إسلامية قوية في قازان
  • تكريم 540 خريجا من مسار تعليمي امتد من الطفولة حتى الشباب في سنغافورة
  • ولاية بارانا تشهد افتتاح مسجد كاسكافيل الجديد في البرازيل
  • الشباب المسلم والذكاء الاصطناعي محور المؤتمر الدولي الـ38 لمسلمي أمريكا اللاتينية
  • مدينة كارجلي تحتفل بافتتاح أحد أكبر مساجد البلقان
  • متطوعو أورورا المسلمون يتحركون لدعم مئات الأسر عبر مبادرة غذائية خيرية
  • قازان تحتضن أكبر مسابقة دولية للعلوم الإسلامية واللغة العربية في روسيا
  • 215 عاما من التاريخ.. مسجد غمباري النيجيري يعود للحياة بعد ترميم شامل

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2025م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 10/6/1447هـ - الساعة: 2:23
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب