• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | اللغة .. والقلم   أدبنا   من روائع الماضي   روافد  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    جامعة العبادات
    عمير الجنباز
  •  
    النكرة التامة (التعجبية)
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    راعي الغنم
    أسامة طبش
  •  
    حذف (ما) المعطوفة
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    اليقين في النجاح (قصة)
    أسامة طبش
  •  
    حذف (ما) غير المعطوفة
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    إلى لفتة الكبد (قصيدة)
    ماهر مصطفى عليمات
  •  
    ملخص بحث: بلاغة الحجاج في قصة نوح عليه السلام في ...
    د. نرمين محمد عمر إسماعيل
  •  
    تعاليق على نصوص من كتاب: "دلائل الإعجاز" للإمام ...
    الغالي الخياري
  •  
    نزيف أسري: رواية جديدة للكاتب عبد الباقي يوسف
    آسيا جمال
  •  
    النكرة الناقصة الموصوفة
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    ألم وستشفى
    عبدالرحيم الصبري
  •  
    اللغة العربية: تحديات حالية وحلول مستقبلية
    د. نرمين محمد عمر إسماعيل
  •  
    معنى (ما) الموصولة ومعاني (ما) الأخر
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
  •  
    حميم (قصيدة)
    رياض منصور
  •  
    (ما) ومعنى الشيء
    د. عبدالجبار فتحي زيدان
شبكة الألوكة / حضارة الكلمة / اللغة .. والقلم / الوعي اللغوي
علامة باركود

النكرة التامة (التعجبية)

النكرة التامة (التعجبية)
د. عبدالجبار فتحي زيدان

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 19/5/2026 ميلادي - 2/12/1447 هجري

الزيارات: 85

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

النكرة التامة (التعجبية)

 

وردت (ما) التعجبية في القرآن الكريم بصيغة (ما أفعله) في موضعين: هما قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ [البقرة: 175]، وقوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾ [عبس: 17]، وقرأ سعيد بن جبير: (ما أَغَرَّكَ بِرَبِّكَ)، وهي قراءة شاذة[1]، بدلًا من القراءة المشهورة المجمع عليها ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ﴾ [الانفطار: 6].

 

وعُرِف التعجب بأنه استعظامُ زيادةٍ في وصف الفاعل، ويكون فيما خَفِيَ سببُه، ((وقد قيل: إذا ظهر السبب بطَل العجب))[2] ، على أن التعجب لا يصح صدورُه من الله عز وجل؛ لأنه لا يَعزُب عن علمه شيءٌ، فالله يُعجِبُ المخلوقين ولا يَعجَبُ هو، فإن ورد ما ظاهره ذلك، صُرِف إلى المخاطَب، فيكون قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾؛ معناه: أن الله يُعجِبَ المؤمنين مِن جرأة الكفار على عمل يقرِّبهم من النار، أو هم ممن يستحقون أن يقال فيهم ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾، هو ممن يُتعجَّب مِن كفره[3].

 

وأُعربت (ما) في صيغة (ما أفعله) نحو: ما أحسنَ عبدَ الله، نكرة تامة بغير صفة ولا صلة في محل رفع مبتدأ، وأٌعرب (أحسنَ) فعلًا ماضيًا و(عبد الله) مفعولًا به، وفي (أحسن) فاعل مستتر يعود على (ما)، والفعل ومعمولاه في محل رفع خبر، والتقدير: شيء أحسنَ عبدَ الله، أي: شيء جعله حسنًا، وهذا هو مذهب سيبويه وجمهور النحاة[4].

 

ونُسب إلى الأخفش أنه أجاز جعل (ما) موصولة، والفعل صلتها والخبر محذوف، فيكون (ما أحسنَ عبدَ الله)، بتقدير: الذي أحسنَ عبدَ الله شيءٌ عظيم، أو نكرة موصوفة، والتقدير: شيء أحسنَ عبدَ الله عظيم[5].

 

وقد رجَّح جمهور النحاة مذهب سيبويه، وجعلوا (ما) نكرة تامة غير موصوفة، ذلك أن التعجب في الإبهام بمنزلة الشرط والاستفهام، فجعل (ما) موصولة أو موصوفة، يُخرجها عن الإبهام اللازم لمعنى التعجب الذي عُرف بأنه ما خَفِي سببُه؛ إذ الصلة تبين الموصول، والصفة تبيًّن الموصوف[6].

 

وقيل: إن جعل (ما) موصولة لا يُزيلها عن إبهامها؛ لأن خبرها واجبُ الحذف، والتزام حذف الخبر كاف في الإبهام، ورُدَّ بأن الخبر هنا وإن ادُّعِيَ حذفُه، فإنه معلوم تقديرًا، فلا يكون هناك إبهام، وإن قيل: إنه مجهول فحذفُ المجهول لا يجوز[7]، وجُعل المذهب الذي نُسِبَ إلى الأخفش أقربَ إلى قواعد اللغة من مذهب سيبويه وجمهور النحاة؛ لكون حذف الخبر شائعًا في اللغة العربية، في حين أن الابتداء بالنكرة التامة مخالفٌ للأصل[8].

 

أما معنى هذه الصيغة في القرآن الكريم، فقد ذكر الفراء في قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النارِ ﴾ - أن فيه وجهين؛ أحدهما: معناه: فما الذي صبَّرهم على النار؟ والآخر معناه: فما أجرأهم على النار، ورأى أن في قوله تعالى: ﴿ قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾ (يكون تعجبًا ويكون: ما الذي أكفَره؟))، ثم بيَّن أنه ((بهذا الوجه الآخر جاء التفسير))[9].

 

فقد أجاز الفراء أن تكون (ما) تعجبية بتقدير (شيء)، والمعنى: شيءٌ أصبَرهم، وشيء أكفره، وأجاز كذلك أن تكون استفهامية، وجعل هذا المعنى بتقدير: ما الذي صبَّرهم؟ وما الذي أكفَره؟ أي: جعل (ما) استفهامية مَشوبة بالتعجب، وقد يستفاد من الاستفهام معنى التعجب[10].

 

ويُشعر كلام الفراء في وصف الوجه الثاني بأنه به جاء التفسير باستحسانه، وقد أشار إلى جواز هذين الوجهين الأخفش[11]، والطبري[12]، والنحاس[13]، وغيرهم[14]، وذهب أبو عبيدة إلى أن (ما) في قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ استفهامية، وصرَّح بأنها ((ليس بتعجب))[15] ؛ لأن التعجب لا يَصِحُّ صدورُه من الله برأيه، ويبدو أنه رأى أيضًا ألا[16] يكون هذا الاستفهام مرادًا به التعجب، بل هو كما قال المبرد: ((استفهام يُراد به التقرير والتوبيخ))[17] ، ونقل هذا الوجه أبو جعفر الطوسي[18]، والقرطبي[19]، وأبو حيان[20]، وغيرهم[21]، ولم يُجز الزجاج الوجه الذي يذهب إلى التعجب، إلا عند جعله ((مما يؤمَر به الآدميون؛ أي: اعجَبوا أنتم))[22].

 

ويذهب الكوفيون إلى أن مذهب سيبويه وجمهور النحاة في صيغة (ما أفعله)، غير صحيح، يوضحون ذلك من قول القائل: ما أعظمَ اللهَ! إذ لا يصح أن يكون بتقدير: شيء أعظمَ اللهَ؛ أي: جعله عظيمًا؛ لأن الله عظيم بذاته سبحانه، لا بجعْل جاعلٍ[23].

 

وذكر الصبان أن من النحاة مَن لا يُجيز التعجب من صفات الله قياسًا، فلا يقال: ما أعظمَ اللهَ؛ لأنها لا تقبل الزيادة، وأنه شذَّ قول العرب: ما أعظمَ اللهَ! وما أقدره! وما أجله! ثم بيَّن أن المختار جواز ذلك[24].

 

ورد البصريون على الكوفيين بأن قول القائل: ما أعظمَ اللهَ، هو بتقدير: شيء عظمَ اللهَ ((وذلك الشيء الناسُ الذين يصفونه بالعظمة، كقولك: كبرتُ كبيرًا وعظمتُ عظيمًا... وليس شيء يُخبر به عن الله عز وجل، إلا على خلاف ما يُخبر به عن غيره في المعنى))[25].

 

وقال أبو البركات ابن الأنباري: إن لهذا الشيء الذي عاد عليه الفاعل المستتر في (أعظمَ)) ثلاثةَ معانٍ: ((أحدها: أن يعني بالشيء مَن يعظِّمه من عباده، والثاني: أن يعني بالشيء ما يدل على عظمة الله تعالى وقدرته من مصنوعاته، والثالث: أن يعني به نفسه؛ أي: إنه عظيم بنفسه، لا لشيء جعله عظيمًا فرقًا بينه وبين خلقه))[26].

 

وورد في حاشية الخضري أن معنى الجعل ليس في صيغة (ما أفعله)، بل هو في تقديرها[27]، ويبدو أن (ما) ليست استفهامية كما يذهب الكوفيون، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه وجمهور النحاة من أن (ما) تعجبية، إلا أن الإشكال في هذا الوجه نشأ من قولهم: إن منصوب (ما أفعله) مفعول به حقيقة، وهذا القول اضطرَّهم إلى أن يبحثوا عن الفاعل، فجعلوه ضميرًا مستترًا في (أفعلَ)، ولَما كان الضمير لا بد من عوده على شيء، لم يجد النحاة ما يعيدونه عليه إلا (ما)، فاقتضى أن تكون اسمًا؛ لأن الضمير لا يعود إلا على الأسماء[28]، وهذا مما جعل المثل: ما أعظمَ اللهَ، يكون بتقدير: شيء جعل اللهَ عظيمًا، فكان الإشكال.

 

والتكلف ظاهر في هذا الإعراب والتقدير، لذلك استبعدهما باحثون، وذكروا أنهما لا يطابقان معنى التعجب في صيغة (ما أفعله)[29]، وآثر بعضُهم أن تسمى (ما) في هذه الصيغة أداة تعجُّب، وأن يقتصر على إعراب (أفعلَ) بأنه اسم منصوب متعجَّب به، أو فعل التعجب لا فاعل له، وأن يُعرب المنصوب متعجبًا منه[30].

 

على أية حال، فإن النحاة وإن أعربوا منصوب (ما أفعله) مفعولًا به، ذهبوا إلى أنه فاعل في الأصل والمعنى، فقد مرَّ قولُهم في تعريف التعجب بأنه استعظام زيادة في وصف الفاعل، وفي ذلك يقول الزجاجي: (واعلَم أن التعجب إنما هو من الفاعل، ولا يجوز التعجب من المفعول)[31] ، وذهبوا إلى أن أحكامه وافقت أحكام كلِّ فاعل، وخالفت أحكام كل مفعول[32]، بل ذكر ابن السراج بأنه ليس ثمة في (أفعل) فاعل مستتر يمكن تحديده وتلخيصه؛ لأن هذا الفاعل هو المنصوب نفسه الذي أُعرب مفعولًا به[33]، وهذه حقيقة صرح بها النحاة، وأكَّدوها، ولهذا قال الأستاذ عباس حسن: إن فاعل (أفعل) ((ضمير مستتر وجوبًا يعود على (ما)، وبعده اسم منصوب هو في ظاهره وإعرابه مفعول به، ولكنه في المعنى فاعل))[34] ، فإذا كانت هذه هي الحقيقة، فهذا يعني أن منصوب (ما أفعله) هو الفاعل، ولا فاعل مستتر في (أفعلَ)، فلا تكون (ما) عندئذ اسمًا لعدم وجود ما يدل على اسميتها، بل هي حرف أو أداة استُعملت للتعجب، شأنها شأن حروف الاستفهام والنداء والاستغاثة.

 

تبيَّن أن صيغة (ما أفعله) التي وردت في القرآن الكريم أُريد بها معنى التعجب، وقد توافر فيها كلُّ ما يحقق هذا المعنى، فقد استُعملت (ما) لإنشاء التعجب[35]، والدليل على ذلك أنها استُعملت لهذا المعنى في صيغة سماعية؛ يقول أبو حيان: (وقد يجيء عن العرب ألفاظ مختلفة مضمنة معنى التعجب، من ذلك قولهم: ما أنت مِن رجل))[36]، وهمزة (أفعل) همزة قطع، سماها المزني[37] في كتابه (الحروف) ألف التعجب.

 

وهناك كثير من الأفعال المتعدية تَرِدُ بصيغة (فعل) و(أفعل)، والمعنى واحد؛ مثل: (حبَّ) و(أَحَبَّ)، تقول: حبَّه وأَحبَّه[38].

 

ولعل صيغة (أفعلَ) أقوى في المعنى من (فعلَ)؛ إذ فيها زيادة في المبني، فمجيء الفعل في صيغة (ما أفعله) بوزن (أفعل) لا بوزن (فعل)، إنما هو لتقوية معنى التعجب وتعظيم الصفة.

 

ومما قوَّى معنى التعجب: نصب ما هو فاعل في المعنى، فقد تبيَّن سالفًا أن النحاة أكدوا أن منصوب (ما أفعله) هو فاعل في معناه وأحكامه وأصله، ومن الواضح أنهم لم يُعربوه فاعلًا؛ لأنهم رأوا أن هذا الإعراب يَكسِر القاعدة النحوية التي أجمعوا عليها، وهي أن الفاعل لا يكون إلا مرفوعًا، والحقيقة أن الإعراب الذي يُعد كسرًا للقاعدة يكون فيما شذ عن إعراب نظائره، من ذلك ما استشهَد به النحاة من نصب الفاعل ورفع المفعول في المواضع التي لم يرد فيها الفاعل إلا مرفوعًا، ولم يَرِد فيها المفعول إلا منصوبًا؛ نحو: خرق الثوبُ المسمارَ[39]، وأما إعراب منصوب (ما أفعله) فاعلًا، فلا يُعد شاذًّا، ذلك أن نصب الفاعل في صيغة (ما أفعله) قياسي، فكل فاعل في هذه الصيغة قد ثبت نصبُه، بل يُعد رفعه شذوذًا؛ أي كما ورد رفع الفاعل قياسًا، ورد نصبُه قياسًا، ولا يكون هناك التباس بين القياسين؛ لأن الثاني يكون خاصًّا بصيغة (ما أفعله) التعجبية، ويكون الأول فيما عدا هذه الصيغة، فمنصوب (ما أفعله) هو فاعل في الحقيقة، كما صرَّح بذلك النحاة، فإذا كان إعرابه فاعلًا يُعد مخالفًا للقاعدة النحوية من جهة اللفظ، فإن إعرابه مفعولًا به يُعد مخالفًا للقاعدة النحوية من جهة المعنى، والمعنى لا اللفظ هو الذي يُعد أساس الإعراب، وكثيرًا ما أكَّد النحاة هذه الحقيقة.

 

ويبدو أن لهذه المسالة نظائرَ في اللغة العربية، فالمبتدأ مثلًا من مرفوعات الأسماء، إلا أنه يُنصب إذا دخلت عليه (إن)، أو إحدى أخواتها، وكذلك الخبر، فهو من مرفوعات الأسماء، إلا أنه يُنصب إذا وقع خبرًا لكان أو إحدى أخواتها، والعرب اتَّبعوا هذا في لغتهم، فقد جعلوا تغيير المعنى يَتبعه تغييرٌ في اللفظ، ومن أوضح الأمثلة في هذا الباب ما يسمى أسلوب القطع في العربية، فإذا أرادوا زيادة معنى الذم أو المدح، أو الترحم في المعطوف أو الصفة أو الخبر، قطعوه إلى حركة مغايرة للمتبوع؛ نحو: مررتُ بزيد الكريمَ أو الكريمُ، ومررتُ بزيد البخيلَ أو البخيلُ، ومررتُ بزيد المسكينَ او المسكينُ، ويُسمون التابع هنا صفة مقطوعة[40]، وهذا أسلوب معروف في العربية، وله أمثلة في القرآن الكريم.

 

ومثل هذا فعلوا في أسلوب التعجب (ما أفعله)، فقد نصبوا فيه ما هو فاعل في المعنى؛ لأنهم أرادوا المبالغة في مدحه أو ذمه، فلفظ الجلالة (الله) في قولنا: ما أعظمَ اللهَ؛ فاعل، لكنه نصب لمعنى التعجب، ومن النحاة من أشار إلى هذا النوع من النصب، فقد ذكر ابن كيسان (ت 299هـ) أن منصوب (ما أفعله) منصوب بالتعجب[41]، وجعل ابن شقير (ت 317هـ) نصب هذا الاسم في باب (النصب بالتعجب)[42].

 

وقد مرَّ أن النحاة أجازوا في (ما) في (ما أفعله) أن تكون تعجبية، وهو اختيار جمهور النحاة، أو استفهامية يراد بها التعجب، وهو اختيار الفراء والكوفيين، وثمة فرق أساسي بين الوجهين، فعند جعل (ما) تعجبية في نحو: ما أشجعَ زيدًا! يكون المعنى: إن زيدًا أشجعُ الناس، ونحن نَعجَب مِن عِظَمِ شجاعته، أما عند جعلها في المثال نفسه استفهامية تعجبية، فلا يكون المراد هذا المعنى، بل من الجائز أن يكون أقل الناس شجاعة، بل يكون المراد أن نعجب من خفاء السبب الذي جعله شجاعًا، وقد عهِدناه مِن قَبلُ جبانًا، فالذي أثار العجب في الوجه الأول عِظمُ الصفة، والذي أثاره في الوجه الثاني خفاءُ السبب المحدِث للصفة، والمراد من ذلك إنكاره وعدم الإقرار به، ولهذا فإن تعريف النحاة للتعجب بأنه يكون فيما خفِي سببُه، حتى قالوا: ومن هنا قيل: إذا ظهر السبب بطَل العجب، لا ينطبق على (ما أفعله) بالمعنى الذي ذهب إليه سيبويه وجمهور النحاة، بل ينطبق عليها بالمعنى الذي استحسنه الفراء، ونُسبَ إلى الكوفيين، وقد يرد هذا الوجه في غير هذه الصيغة؛ كقوله تعالى: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ [الأعراف: 12]، وقوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي ﴾ [ص: 75]، ففي هاتين الآيتين استفهام أفاد معنى الإنكار، والمعنى: لِمَ لَمْ تسجد ولا شيء منعك من السجود؟! وكذلك قوله تعالى: ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ [الانفطار: 6]، والمعنى: ما الذي دعاك إلى الاغترار به؟! ففي صلة (ما) في هذه الآيات ضمير مستتر يعود على (ما)، وهو الفاعل الذي أُريد إنكارُه، وهذا ما ذهب إليه أصحاب هذا الوجه، فيكون قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النارِ ﴾، معناه عندهم: ما الذي دعاهم إلى الصبر على موجبات النار؟! أي: لا شيء دعاهم إلى ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿ مَا أَكْفَرَهُ ﴾؛ معناه: أي شيء حمَل الإنسان على الكفر، مع ما يرى من الآيات الدالة على التوحيد؟! أي: لا شيء هناك يدعوه إلى الكفر، فكلُّ ما حوله يدل على وجود الله ووحدانيَّته[43].

 

ففي معنى الاستفهام إنكار للفاعل، من غير أن يكون هناك تعظيم للصفة، وليس في التعجب إنكار للفاعل، بل فيه إثبات له، وتعظيم لصفته، فالله سبحانه في هاتين الآيتين ما أراد أن نَعجَب من خفاء السبب الذي صبَّر أهل النار، وكفر الإنسان، بل أراد سبحانه أن نَعجَب مِن عِظَم صبر أهل النار على النار، ومِن عِظَم كُفر الإنسان بربِّه!

 

وقد ذهب البصريون إلى أن (أفعلَ) فعل، ولهم في ذلك أدلتهم، على حين ذهب الكوفيون إلى أنه اسم، ولهم في ذلك أدلتهم أيضًا، ومنها أن (ما أفعله) يصاغ من (قام) و(باع) على وزن (ما أقْوَمَهُ) و(ما أبْيَعَهُ)، لا على وزن (ما أقامه)، و(ما أباعه)؛ أي: يصاغ منهما على وزن اسم التفضيل، لا على وزن الفعل المتعدي بالهمزة[44].

 

وذهب الدكتور مصطفى جواد إلى أن همزة (أفعل) منقطعة من اسم التفضيل (أفعل)[45].

 

ويبدو أن ما استدلَّ به الكوفيون صحيحٌ من جهة أن (أفعل) صِيغَ من اسم التفضيل وليس صحيحًا عدُّهم (أفعل) اسمًا؛ إذ هو فعل أُريد أن يُصاغ كما يصاغ اسم التفضيل؛ ليؤدي بذلك معنى التعجب الذي فيه معنى التفضيل والتعظيم، وقد أكَّد أبو البركات ابن الأنباري وجود مشابهة في هذا المعنى بين أسلوب التعجب (ما أفعله)، وأسلوب التفضيل، فقال: ((ألا ترى أنك لا تقول: ما أحسن زيدًا! إلا لمن بلَغ غايةَ الحُسن، كما لا تقول: زيد أحسن القوم إلا لمن كان أفضلَهم في الحسن))[46]؛ أي: إن الصفة في (ما أفعله) أَخذتْ تَعظُم، (حتى وصلت إلى حد فظيع يُتعجَّب منه)[47] ، وهذا هو المعنى المراد من هذه الصيغة في قوله تعالى: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)، فهو تعجُّب بمعنى: يا لهم من صابرين شديدي الصبر؛ أي: عظُم صبرُهم، وليس استفهامًا بمعنى: أي شيءٍ جعلهم يصبرون؟ وكذلك قوله تعالى: (مَا أَكْفَرَهُ)، هو بمعنى: يا له من كافرٍ، شديد الكفر؛ أي عظُم كفرُه، وليس بمعنى، أي شيءٍ جعَله كافرًا؟!



[1] المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لابن جني 2/ 353-354، والبرهان في علوم القرآن 4/ 404، والإتقان في علوم القرآن 2/ 288.

[2] المرتجل لابن الخشاب نص145- 146، والغرَة المخفية لابن الخباز 2/  466.

[3] البغداديات ص 353، ومشكل إعراب القرآن 1/ 117، 2/ 801-802، وشرح اللمع لابن بَرْهان العكبري 2/ 142، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 1/  177، واللباب في علل البناء والإعراب لأبي البقاء العكبري 2/  146، وشرح المفصل لابن يعيش 4/ 5، وشرح ألفية ابن مالك لابن الناظم ص185، وكاشف الخصاصة عن ألفاظ الخلاصة لابن الجوزي ص211، وحاشية الصبان على شرح الأشموني 3/ 12، 16.

[4] الكتاب 1/ 37، 72، والمقتضب 4/ 173، والأصول في النحو لابن السراج 1/ 115، والجمل للزجاجي ص99، 112، وشرح المفصل 7/ 146، والإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب 2/ 108.

[5] الأمالي الشجرية 2/ 237، والمرتجل ص146-147، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 138، وشرح الكافية الشافية 2/ 108، والجنى الداني ص335، ومغني اللبيب 1/ 297، وشرح ابن عقيل 2/ 150، وحاشية الصبان 3/ 17-18.

[6] المصادر السابقة والبغداديات ص255، والمقتصد في شرح الإيضاح لعبد القاهر الجرجاني 1/ 375، وقواعد المطارحة لابن إياز النحوي ص216.

[7] شرح الكافية الشافية 2/  1080 -1081.

[8] خطى متعثرة على طريق تجديد النحو العربي، عفيف دمشقية، ص18-20.

[9] معاني القرآن 1/ 103، 3/ 237.

[10] حاشية الصبان 3/ 17.

[11] معاني القرآن 1/ 155- 156، 2/  528.

[12] جامع البيان 2/  332- 333، 3/  54.

[13] إعراب القرآن 3/  628.

[14] مشكل إعراب القرآن 1/  117، 2/  801- 802، والتبيان في تفسير القرآن 2/  91، والكشاف 1/  216، 4/ 734، وزاد المسير 1/  177، والتبيان في إعراب القرآن 1/  142، 2/  1272، وفتح القدير 1/  171.

[15] مجاز القرآن 1/  64.

[16] ألا: أصلها: أن لا، أُدغمت النون باللام لفظًا ورسمًا.

[17] المقتضب 4/  183.

[18] التبيان في تفسير القرآن 1/  272- 273، 2/  91.

[19] الجامع لأحكام القرآن 2/  36.

[20] البحر المحيط 1/  495.

[21] زاد المسر 1/  177، وفتح القدير 1/  171.

[22] معاني القرآن وإعرابه، 1/  245، 5/  284- 285.

[23] المُحلى: وجوه النصب لابن شقير، ص20 ومفاتيح الغيب 5/  29-32، والأشباه والنظائر للسيوطي 4/  107.

[24] حاشية الصبان 3/  16.

[25] المقتضب 4/ 176، ومجالس العلماء للزجاجي ص125-126.

[26] الإنصاف في مسائل الخلاف 1/ 146-147.

[27] حاشية الخضري على شرح ابن عقيل 2/ 39.

[28] كتاب الجمل للزجاجي ص112، وأسرار العربية لأبي البركات ابن الأنباري 51، وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام 2/ 272، وحاشية الصبان 3/ 17 وحاشية السجاعي على قطر الندى ص129.

[29] في النحو العربي: قواعد وتطبيق ص215-216، والفعل زمانه وأبنيته للدكتور إبراهيم السامرائي ص73، وينظر (التعجب بين البصريين والكوفيين)، وهو بحث للدكتور محيي الدين توفيق إبراهيم، مجلة آداب الرافدين، العدد الخامس 1974م ص3-9.

[30] معاني النحو 4/ 653.

[31] كتاب الجمل ص113.

[32] حاشية الصبان 3/ 13، وحاشية الخضري 2/ 39.

[33] الأصول في النحو 1/ 118-119.

[34] النحو الوافي 3/ 276-277.

[35] شرح الرضي على الكافية 4/ 227.

[36] تذكرة النحاة ص466.

[37] الحروف ص 44.

[38] فعلت وأفعلت للسجستاني ص94، والمعجم الوسيط 1/ 151.

[39] شرح ابن عقيل 1/ 535.

[40] شرح ابن عقيل 1/ 255.

[41] الموفقي في النحو، مجلة المورد، المجلد الرابع العدد الثاني ص114.

[42] المحلى: وجوه النصب ص20.

[43] مشكل إعراب القرآن 2/ 801-802، والكشاف 4/ 715، وتفسير القرآن العظيم 4/ 471، والإتقان في علوم القرآن 2/ 288.

[44] أسرار العربية لأبي البركات ابن الأنباري ص115.

[45] فعلت وأفعلت، الحاشية كلام المحقق ص61.

[46] أسرار العربية لابن الأنباري ص117.

[47] معاني النحو 4/ 662.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • معنى الحال ورفع المضارع بعد الواو
  • واو الحال بين إعرابها وتفسيرها
  • معنى (ما) الموصولة ومعاني (ما) الأخر
  • النكرة الناقصة الموصوفة
  • حذف (ما) غير المعطوفة
  • حذف (ما) المعطوفة

مختارات من الشبكة

  • مجيء الحال من النكرة(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الحال والصفة من نسب واحد(مقالة - حضارة الكلمة)
  • بر وعقوق الوالدين (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • الإسلام والحث على النظافة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل التعوذ بكلمات الله التامات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل ذكر الله بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس(مقالة - آفاق الشريعة)
  • (ما) الموصولة بين التعريف والتنكير(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الإخلاص التام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحديث السابع عشر: تحريم التسخّط من أقدار الله مهما كانت(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المرأة بين تكريم الإسلام وامتهان الغرب (3)(مقالة - ملفات خاصة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية
  • دورة متقدمة في الذكاء الاصطناعي والمواطنة الرقمية للطلاب المسلمين في البوسنة
  • بدء تشييد مسجد جديد بمدينة ياكورودا جنوب غرب بلغاريا
  • ندوة متكاملة في القرم لإعداد حجاج 2026
  • دورة لتأهيل الأئمة والمعلمين للتعامل النفسي والتربوي مع الشباب المسلم في روسيا
  • مشاركة 150 طالبا في منتدى حول القيم الإسلامية والوقاية الفكرية بداغستان
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/12/1447هـ - الساعة: 12:5
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب