• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | الثقافة الإعلامية   التاريخ والتراجم   فكر   إدارة واقتصاد   طب وعلوم ومعلوماتية   عالم الكتب   ثقافة عامة وأرشيف   تقارير وحوارات   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أصدق الناس لهجة.. أبو ذر الغفاري
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    الفكر واللغة: التصادم الفكري
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    ميراث الأزمنة الصعبة.. سنوات الحنابلة في بغداد ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    القدس لنا
    أسامة الفاروق بن شمس الحق
  •  
    صحابة منسيون (9) الصحابي الجليل: أبان بن سعيد بن ...
    د. أحمد سيد محمد عمار
  •  
    من مشكاة النبوة في المال والاقتصاد (10)
    أ. د. باسم عامر
  •  
    قراءات اقتصادية (89) اقتصاد الفقر.. بؤس وأزمات
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    من مائدة الصحابة: أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    تراجع الدور الحضاري للأمة الإسلامية: قراءة في ...
    عربي محمد بكر إسماعيل
  •  
    الإسلام والإنسانية: حوار لتصحيح الوهم القائل بأن ...
    ريحان محمدوي
  •  
    الفكر والثقافة
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    أحاديث المازني- من قصص الحياة طبعة دار روائع
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    قضايا مجتمعية عصرية: ما فائدة الذكاء الاصطناعي إن ...
    محمد حسين حسن
  •  
    من مشكاة النبوة في المال والاقتصاد (9)
    أ. د. باسم عامر
  •  
    عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه
    د. أمير بن محمد المدري
شبكة الألوكة / ثقافة ومعرفة / التاريخ والتراجم / سير وتراجم / سير وتراجم وأعلام
علامة باركود

أصدق الناس لهجة.. أبو ذر الغفاري

أصدق الناس لهجة.. أبو ذر الغفاري
أ. د. وجيه يعقوب السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 29/10/2026 ميلادي - 19/5/1448 هجري

الزيارات: 157

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أصدق الناس لهجة ... أبو ذر الغفاري


هذا الفتى نموذج فذٌّ لرفض الواقع القبيح والتمرد عليه، حيث لم يدخر جهدًا من أجل الوصول إلى الحق، بل سعى بكل ما أوتي من رجاحة عقل وفطنة لتحقيق هذا الهدف، فمنذ طفولته كان رافضًا لما كان عليه قومه من عبادة الأوثان، وكان يتطلع إلى اللحظة التي يتحرر فيها من هذه القيود وتلك الأوهام، وما أن لاح نور في الأفق ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى رست سفينة قلقه وسكن شراع خوفه وهدأت نفسه وتوقفت عن طرح الأسئلة التي لا يوجد لها إجابات.

 

إنه الصحابي الجليل (أبو ذر الغفاري)، واسمه جندب بن جنادة، أحد أبناء قبيلة غفار، التي عرف أبناؤها في الجاهلية بالشجاعة والقوة والفروسية، وكانت ديارهم تتوسط طريقًا مميزًا تمر به القوافل والمسافرون؛ فكان بعض أبناء القبيلة يستغلون هذا الموقع الجغرافي الحيوي فيأخذون المال من المارة مقابل السماح لهم بالعبور بأمان، ولهذا عرفت قبيلة غفار بين العرب بقوتها وسيطرتها على هذا الطريق الحيوي والمهم.

 

كبر أبو ذر وهو يرى قومه يعبدون الأصنام، ويأخذون أموال الناس بدون حق، مستغلين قوتهم وموقعهم المميز، وكان يتساءل بينه وبين نفسه في دهشة: ما هذه الحجارة الصماء التي ينحتها الناس بأيديهم ثم يعبدونها من دون الله؟

 

ومع مرور الأيام قاده تفكيره إلى ترك ما كان عليه قومه، والبحث عن الطريق الصحيح، فاتبع دين إبراهيم عليه السلام الذي كان يدين به عدد قليل من الناس في ذلك الزمان، واتجه أبو ذر إلى عبادة الله وحده حتى قبل أن يسمع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أكد ذلك بعد إسلامه فقال: لقد صليت قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم حيث وجهني الله.

 

اتخذ أبو ذر طريقا مختلفًا عن معظم أفراد قبيلته، بسبب رجاحة عقله، وحبه للخير، والدفاع عن المظلوم، والجرأة في قول الحق، لذلك لم يشارك أفراد قبيلته في السطو على المسافرين أو التعرض لهم بسوء، ولهذا كان قومه يثقون بحكمته وسداد رأيه فكانوا يلجؤون إليه عندما يختلفون، أو عندما تواجههم مشكلة يعجزون عن حلها.

 

وكان أبو ذر يشبه إلى حد كبير الصحابي الجليل سلمانَ الفارسي؛ حيث لم ينتظر حتى يطرق النور قلبه، ولكنه سعى يبحث عن النور في داخله وحوله وفي كل مكان، وعندما سمع بظهور نبي يدعو الناس إلى الإيمان بإله واحد، ويحثهم على التحلي بمكارم الأخلاق، طلب من أخيه أُنيسٍ الذهاب إلى مكة لمعرفة حقيقة هذا النبي وما يدعو إليه.

 

لم يتأخر أنيس عن تلبية طلب أخيه فشد الرحال إلى مكة، ومكث بها بضعة أيام سمع خلالها كل ما يقال عن محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، وعاد بعدها ليخبر أخاه بما لديه من أخبار، قال أنيس: يا أبا ذر، لقد سمعت رجلًا يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، والتحلي بمكارم الأخلاق، ويتلو عليهم كلامًا لا يشبه الشعر ولا سجع الكهان، فسأله أبو ذر في لهفة: وماذا يقول الناس عنه؟ فقال: يقولون: إنه ساحر، ويقولون: إنه كاهن، ويقولون: إنه شاعر.

 

أثار كلام أنيس في نفس أخيه الرغبة الشديدة للالتقاء بمحمد صلى الله عليه وسلم، والاستماع إليه مباشرةً، حتى يحكم بنفسه على كلامه وما يدعو الناس إليه، فإن وجده صادقًا اتبعه وآمن به، وإن لم يكن كذلك عاد إلى أهله وقبيلته، وكأن شيئًا لم يكن.

 

عقد أبو ذر العزم على الرحيل إلى مكة، والالتقاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، فحمل قربة ماء وقليلًا من الطعام والتمر، ومضى إلى مكة في الخفاء حتى لا يعلم بأمره أحد، مكث أبو ذر في المسجد الحرام عدة أيام يراقب النبي صلى الله عليه وسلم ويتسمع أخباره، عسى أن يستطيع تكوين صورة صحيحة عنه بنفسه، وكان أول من لاحظ وجوده على هذه الحال هو علي بن أبي طالب، فعلم أن وراءه خبرًا وسرًّا يخفيه، فاقترب منه عليَّ وحياه، واصطحبه معه إلى بيته، واستضافه عنده لعدة أيام، ثم سأله عن سبب مكوثه في المسجد، وما الذي يريده؟

 

بعد تردد أخبر أبو ذر عليًّا عن سبب مجيئه إلى مكة، فهش عليٌّ له حين سمع منه ذلك، وراح يحدثه عن محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، وما يدعو الناس إليه من الإيمان بالله واليوم الآخر، والتحلي بمكارم الأخلاق، وأن ما جاء به هو الصدق الذي دعا إليه الأنبياء والمرسلون من قبله، ولم يكتفِ عليٌّ بذلك، بل صحب معه هذا الوافد الكريم إلى دار الأرقم، وهناك التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبادره بتحية الإسلام التي لم تكن معروفة آنذاك، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

 

كان لدى أبي ذر شغف شديد ورغبة جامحة في معرفة حقيقة هذا الدين، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدني مما تقول، فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: ما هو بشعر فأنشدك، ولكنه قرآن كريم، فقال أبو ذر: اقرأ عليَّ، فقرأ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن الكريم، لم تطرق مسامع أبي ذر مثيل لها من قبل، وما أسرع ما لامست هذه الآيات قلبه، وشعر بأنه يولد من جديد، بعد أن ظل لسنوات يعيش في قلق، ويبحث عن الهداية.

 

لم يتمالك أبو ذر نفسه فهتف من أعماق قلبه بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام أبي ذر فرحًا كبيرًا، وزادت سعادته حين علم أنه من قبيلة غفار، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله يهدي من يشاء.

 

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر قبل أن يغادر مكة، أن يكتم إسلامه، وأمره بالعودة إلى ديار قبيلته، منتظرًا ما يأمره به، وأوصاه وهو يودعه: لا تخبر بإسلامك أحدًا في مكة، فإني أخاف عليك أن يقتلوك، لكن أبا ذر صاحب الشخصية القوية والواضحة والصريحة قال في قوة وأدب: والذي نفسي بيده، لا أغادر مكة حتى آتي المسجد، وأجهر بدعوة الحق بين قريش.

 

دخل أبو ذر بيت الله الحرام، وهناك رأى الناس مجتمعين، فنادى بأعلى صوته: يا معشر قريش، هلم إليَّ لأخبركم بنبأ عظيم، فلما اجتمعوا إليه صاح قائلًا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأحست قريش بأن طعنةً كبيرةً قد أصابت كبرياءها في الصميم، فانهالوا عليه ضربًا حتى كاد يشرف على الموت، ولم يتركوه وينصرفوا عنه إلا بعد أن أسرع العباس بن عبدالمطلب نحوه، وأحاطه بجسده وأبعدهم عنه بكل ما أُوتي من قوة، وراح يخوفهم من عاقبة فعلهم؛ وذكرهم بأن قبيلة غفار لن تسكت على مقتل أحد أبنائها، وأنه لن يكون بمقدور قريش المرور من طريقهم بعد ذلك، عندها توقفوا عن ضربه وتركوه يغادر وهو مثخن بالجراح.

 

وأقبل أبو ذر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما لقيَ من أذى على يد أهل مكة، كان يسير في خطى ثابتة ومطمئنة، تكشف عن صدق إيمانه وقوة يقينه، وتنبئ أن هذا البطل سيكون له شأن كبير في نصرة هذا الدين الجديد، وأشفق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى آثار الجراح على وجه أبي ذر وفي مواضع متفرقة من جسده، فقال صلى الله عليه وسلم في حنو وشفقة: ألم أنهَك؟ لكن أبا ذر تطلع إلى وجه النبي الكريم وقال في ثبات: يا رسول الله، كانت حاجة في نفسي فقضيتها.

 

بقي أبو ذر في مكة بضعة أيام بعد هذا الحادث، لازم خلالها النبي صلى الله عليه وسلم، يسمع منه آيات الذكر الحكيم، ويرى فيه مثالًا حيًّا تتجسد فيه مكارم الأخلاق، وعندما حان موعد رحيله عن مكة، ودعه النبي صلى الله عليه وسلم، وأوصاه أن يبقى بين أهله، وينتظر هناك حتى يصله خبر ظهوره، وقال وهو يودعه: الحق بقومك، فإذا بلغك ظهوري فائتني.

 

رجع أبو ذر إلى أهله وقبيلته وقد امتلأ قلبه بالإيمان، وتغيرت نظرته إلى الحياة والناس، لم يعد هناك ما يشغله سوى دعوة الناس للدخول في الإسلام، وسعى بكل ما يملك إلى تغيير سلوكهم تجاه القوافل التي تمر بطريقهم، وعدم التعرض لها بأذًى أو ترويع أصحابها، بدأ أبو ذر بدعوة أخيه أنيس إلى الإسلام، وسرعان ما استجاب لدعوته، فقد رأى بنفسه أمارات صدق محمد صلى الله عليه وسلم عندما زار مكة قبل أخيه، لذلك كانت استجابته سريعة، فقال لأخيه: إني على دينك، فوالله إن قلبي حدثني عندما كنت في مكة أن ما يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، ثم دعا أبو ذر بعد ذلك أمه فاستجابت له، وقالت: إذا كنتما قد أسلمتما أنت وأخوك، فأنا على دينكما.

 

اتخذ أبو ذر من نشر الإسلام بين أبناء قبيلته هدفًا ساميًا له بعد عودته من مكة، وراح يعرف الناس بحقيقة هذا الدين وما يدعو إليه نبي الإسلام من مكارم الأخلاق، وبسبب طريقته المحببة إلى النفوس دخل في الإسلام كثير من أبناء قبيلته، وكأنهم كانوا كالغرقى الذين يتلهفون إلى من يلقي إليهم بطوق النجاة، ولم يكتفِ أبو ذر بدعوة أبناء قبيلته، بل انتقل إلى قبيلة أسلم المجاورة، وأخذ يدعو أهلها للإسلام فأسلم على يديه عدد كبير منهم، وأقام بينهم فترة من الزمان يشرح لهم تعاليم الإسلام، وكان يذكرهم بالمحافظة على إقامة الصلاة، وقد وعى من النبي صلى الله عليه وسلم أنها عماد الدين وأعظم شعائره.

 

هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وهناك بدأ المسلمون يبنون مجتمعهم الجديد الذي أخذ يزداد قوة ومنعة يومًا بعد يوم، ومع مرور الوقت أخذت الوفود والقبائل تتوافد على المدينة للقاء النبي الكريم، لإعلان دخولها في الإسلام، وما أعظم فرحة الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأى قبيلتي غفار وأسلم، ومعهما أبو ذر الغفاري، يدخلون المدينة مسلمين بعد سنوات من الدعوة والصبر، فدعا لهما قائلًا: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله.

 

كان ذلك بعد غزوة أحد، ومنذ ذلك الوقت لم يفارق أبو ذر الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ظل قريبًا منه، ملازمًا له، يقوم على خدمته، ويشارك المسلمين في غزواتهم ضد الأعداء، ويحرص على حفظ ما يسمعه من أحاديث النبي الكريم، ثم ينقلها إلى قومه، وقد عرف أبو ذر بين الناس بصدقه ووضوحه وبعده التام عن الرياء والمجاملة، لا يعرف المراوغة وتزيين الكلام، وكأن الصدق أصبح منهج حياته الذي يسير عليه في كل شأن من شؤونه، وسفينته التي يبحر بها في خضم هذه الحياة، ولم يكن ذلك وصفًا يطلقه الناس عليه فحسب، بل لقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المنزلة العظيمة فقال عنه: ((ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء، من رجل أصدق لهجةً من أبي ذر)).

 

كان أبو ذر رضي الله عنه شديد الوضوح، وكان يدرك أن هذه الصفة قد تجر على صاحبها العديد من المتاعب، لكنه آثر ألا يتخلى عنها مهما كلفته، إن كثيرًا من الناس قد لا يروقهم سماع الحق خاصة حين يصطدم بأهوائهم أو يكشف أخطاءهم، حيث تميل النفوس إلى التصنع والمجاملة في كثير من الأحيان، لكن الإنسان المجبول على الصدق والصراحة مثل أبي ذر لا يستطيع مخالفة طبعه وما جبل عليه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف هذا الطبع في أبي ذر، فقد كان يوصيه صلى الله عليه وسلم بأن يقرن ذلك بالصبر على أذى الناس، والتسامح معهم، واللين في معاملتهم.

 

سأله الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم: ((يا أبا ذر، كيف أنت إذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء؟ فأجابه أبو ذر بصراحته المعهودة: إذًا لأضربن بسيفي هذا حتى آخذ حقي، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ فقال أبو ذر: بلى يا رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اصبر حتى تلقاني)).

 

وقد كشف هذا الموقف عن طبيعة أبي ذر التي تأبى الظلم وتسارع إلى مقاومته، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى ما هو خير وأفضل: الصبر، واجتناب ما يفضي إلى الفتنة وسفك الدماء.

 

وإذا أردت أن تعرف حقيقة هذا الصحابي الجليل، فانظر إلى موقفه في غزوة تبوك، ذلك الموقف الذي جسد فيه أروع معاني الصدق والثبات؛ فقد كانت غزوة تبوك من أشد الغزوات على المسلمين، فقد خرجوا للقاء العدو في الصيف القائظ، وكانت المسافة بين المدينة المنورة ومنازل العدو بعيدة، كما كان الزاد قليلًا، وكان جيش الروم عظيمَ العدد والعُدة، لذلك لم يستجب إلى نداء النبي صلى الله عليه وسلم إلا المؤمنون الصادقون، أما المنافقون فتخلفوا واختلقوا الأعذار، فلم يعبأ بهم النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وكان الصحابة وهم في طريقهم للقاء العدو يلاحظون من يتخلف عن الالتحاق بالجيش، فإذا افتقدوا أحدًا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: ((دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه))، ولاحظ الصحابة غياب أبي ذر، فأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: إن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم.

 

كان أبو ذر قد تأخر عن اللحاق بجيش المسلمين لأسباب خارجة عن إرادته؛ إذ كان بعيره هزيلًا ضعيفًا، أعياه السير، فلم يعد قادرًا على مجاراة بقية الإبل، فلما أدرك أبو ذر أن بقاءه معه سيحرمه من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، حمل متاعه على ظهره، وترك بعيره خلفه، ثم مضى يشق طريقه سيرًا على قدميه تحت حرارة الصحراء اللاهبة، غير عابئ بما يلقاه من تعب ومشقة.

 

وبينما كان بعض المسلمين في مؤخرة الجيش، لمح أحدهم شبح رجل يتقدم من بعيد، يحمل متاعه فوق ظهره، ويواصل السير وحده مسرعًا، فقال الرجل: يا رسول الله، لقد لمحت رجلًا من بعيد يمشي على الطريق يحمل متاعه على ظهره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كن أبا ذر)).

 

وأخذ المسلمون يتطلعون إلى هذا القادم من بعيد، يترقبون وصوله بشوق ولهفة، وما أن دنا منهم حتى غمرتهم الفرحة؛ إذ كان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أبا ذر رضي الله عنه، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يرحم الله أبا ذر، يعيش وحده، ويموت وحده، ويُحشر وحده))، وأدى أبو ذر دوره في هذه الغزوة وفي كل المعارك التي شارك فيها على أكمل وجه، ولم يتخلف عن القيام بواجبه تجاه المجتمع والناس أبدًا.

 

ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، فعاش أبو ذر بعده متمسكًا بما أوصاه به دون تبديل أو تغيير، كان يشعر بالوحدة بعد فقد مؤنسه وحبيبه، ونظر حوله فوجد المدينة المنورة على ما حباها الله بها من نور وضياء، تظلم بعد رحيل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لنفسه: فيم الإقامة في أرض رحل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وانتهز أبو ذر فرصة خروج المجاهدين إلى بلاد الشام في عهد عمر بن الخطاب فالتحق بهم، وشهد رضي الله عنه فتح بيت المقدس وأقام هناك، وراح أبو ذر يعلم الناس صحيح دينهم بعد أن اختلطت المفاهيم لدى عدد كبير منهم، وأخذ يفتيهم ويعلمهم ما تعلمه من الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

كان أبو ذر زاهدًا في الدنيا، قليل الرغبة في متاعها، عاش متقشفًا لا يسعى لكسب المال أو الوصول على المناصب، وكان يرى أن التعلق بالدنيا قد يصرف الإنسان عن أمر آخرته، والغاية التي خُلق من أجلها، كما كان رضي الله عنه ينكر على بعض الصحابة توسعهم في المباحات وكثرة اقتنائهم للمال، وكان يعبر عن رأيه هذا بصراحته المعهودة، ويذكر الناس بضرورة التخفف من الدنيا والاستعداد للآخرة.

 

وتذكر المصادر التاريخية أن خلافًا كبيرًا وقع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان حين كان واليًا على الشام في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ إذ كان أبو ذر يحث الناس على الزهد، وينتقد معاوية لتشبهه بالملوك، وما رآه من مظاهر الترف التي لا يراها مناسبة ولا متفقة مع ما كان عليه المسلمون الأوائل، بينما كان لمعاوية منطقه ورؤيته الخاصة في إدارة شؤون البلاد وما تقتضيه من هيبة وتنظيم واهتمام بالمظهر والهيئة، وقد كتب معاوية إلى عثمان رضي الله عنه يذكر له ما أثاره أبو ذر من جدل بين الناس، وما قد يتسبب فيه من اضطراب بين أهل الشام، وهنا طلب منه عثمان العودة إلى المدينة.

 

استجاب أبو ذر إلى طلب عثمان وعاد إلى المدينة، وواصل دعوته وتذكيره للناس باتباع نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وظل يحدثهم بكل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكرهم بأن الدنيا دار عبور لا دار قرار، مستحضرًا دائمًا وصية الرسول صلى الله عليه وسلم، التي لم تفارقه يومًا ما، بل كانت تشكل منهج حياة بالنسبة له؛ حيث أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)).

 

في الواقع، كان أبو ذر رضي الله عنه يتطلع إلى أن يبقى المسلمون على ما كانوا عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من بساطة وزهد وعدم تعلق بالدنيا، وقد بدأ بنفسه، فأخذها بأشد مراتب الزهد، وحملها على التخفف من متاع الحياة، غير أن الإنصاف يقتضي أن نقول: إنه ليس من السهل أن تلزم الناس جميعًا بما تلزم به نفسك، فليس كل الناس يقدرون على ذلك، فطاقات الناس تختلف وقدراتهم تتفاوت، وليس كل أحد يستطيع الزهد في الحياة والعزوف عن مباهجها وطيباتها، خاصة بعدما اتسعت الفتوحات وأقبلت الخيرات على المسلمين، وهم يتحرون الحلال في مأكلهم ومشربهم وأموالهم.

 

ولذلك، قرر أبو ذر في أخريات حياته وبعد مناقشات ومراجعات مع الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن يبتعد عن مواطن الجدل وأن ينأى بنفسه عن أي خلاف، فاختار الإقامة في الربذة، وهي بلدة تبعد عن المدينة المنورة بنحو 170 كيلومترًا، فعاش فيها حياة بسيطة هادئة، وكان بعض أصحابه المقربين يزورونه من وقت لآخر، فيشفقون عليه بسبب تقشفه الشديد، ويقولون له: ألا تتخذ ضيعةً كما اتخذ فلان وفلان؟ فكان يقول لهم: وما أصنع بأن أكون أميرًا وإنما يكفيني كل يوم شربة ماء أو لبن، وفي الجمعة قدر يسير من القمح، فقد كان قوتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا، فلا أزيد عليه حتى ألقى الله عز وجل.

 

ولعل في هذه المواقف التي تنقلها المصادر عن أبي ذر رضي الله عنه، ما يكشف عن منهجه في الحياة والطريق الذي اختار أن يسير فيه، فقد زاره ذات يوم أحد أصحابه، فنظر في بيته، فلم يجد فيه شيئًا من متاع الدنيا، فقال له: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ فقال أبو ذر: إن لنا بيتًا هناك، نرسل إليه صالح متاعنا، فقال الرجل: ولكن لا بد من متاع ما دمت في هذه الدار، فقال أبو ذر: ولكن صاحب الدار لا يتركنا فيها.

 

وكثيرًا ما كان الناس يرونه مرتديًا جلبابًا باليًا لا يغيره، فيسألونه: أليس لك ثوب غير هذا؟ لقد رأينا معك منذ أيام ثوبين جديدين؟ فيجيبهم أبو ذر: لقد أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني، فيقولون: ولكنك أحوج ما تكون إليهما، فيقول أبو ذر: اللهم اغفر لأصحابي، ثم يقول: إنكم تعظمون الدنيا، ألستم ترون عليَّ هذه البردة؟ ولي أخرى لصلاة الجمعة، ولي عنزة أحلبها، وأتانٍ أركبها، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟

 

ويروى أن أحد الولاة حين علم بشدة فقره، أرسل إليه ثلاثمائة دينار ليستعين بها على قضاء حاجته، لكن أبا ذر ردها إليه وقال لمن حملها إليه: أما وجد أميركم عبدًا لله أهون عليه مني؟

 

وقد حاول بعض دعاة الفتنة، ممن خرجوا على عثمان بن عفان رضي الله عنه، أن يحرضوا أبا ذر ضد عثمان، مستغلين ما كان بينه وبين الخليفة من خلاف في بعض الآراء ووجهات النظر، غير أن أبا ذر الذي تربى على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم والوفاء بعهوده، أبى أن يكون أداة لشق صف المسلمين أو تأجيج الفتنة بينهم.

 

يروى أن بعض أصحابه قابلوه في موسم الحج، فأخبروه أن عثمان بن عفان صلى الظهر والعصر أربع ركعات ولم يقصر الصلاة، فقال لهم: لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم قام فصلى أربع ركعات، فتعجب الحاضرون وأبدوا دهشتهم من فعله وقالوا: لقد عبت على أمير المؤمنين شيئًا ثم تصنعه؟ فقال أبو ذر: الخلاف أشد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بعدم مخالفة السلطان أو الخروج عليه.

 

ولما اشتدت الفتنة، وحاول بعضهم تحريضه على عثمان، قال: والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو جبل، لسمعت له وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرًا لي، ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق، لسمعت له وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيًرا لي، ولو ردني إلى منزلي لسمعت له وأطعت وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرًا لي، ورفض أبو ذر تماما الخروج على عثمان رضي الله عنه أو التحريض ضده.

 

ولما حضرت أبا ذر الوفاة، أوصى زوجته وغلامه أن يغسلاه ويكفناه، ثم يضعاه على قارعة الطريق، انتظارًا لأول ركب قادم من المدينة أو العراق، فلما مات فعلًا ما أوصاهما به، فإذا بركب قادم من الكوفة، وفيهم عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فلما علم أنه أبو ذر الغفاري، بكى وقال: رحم الله أخي أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • هل كان الصحابي أبو ذر الغفاري اشتراكيا؟
  • أبو ذر الغفاري

مختارات من الشبكة

  • إن تصدق الله يصدقك (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعريف الصديقية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (26) «كل سلامى من الناس عليه صدقة» (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • جمع فوائد العلم والعمل من رؤيا ظلة السمن والعسل ((أصبت بعضا وأخطأت بعضا))(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تخريج حديث: من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا فلا تصدقوه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العبادة.. ميزان الأخلاق وروح الحياة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ... }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التسبيح فرصة للحصول على ثواب الصدقات بدون إنفاق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من مائدة التفسير: سورة الناس(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • نوفا سكوشا تحتفي بالتراث الإسلامي وتفتح أبواب التعرف على الإسلام
  • للعام الرابع .. المجتمع المسلم في كورنوال يحتفي بالتراث والثقافة الإسلامية
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية
  • مبادرة خيرية لمركز إسلامي في فلوريدا لأكثر من 200 مستفيد
  • «الاستعداد للحياة الزوجية»: ورشة إسلامية لتعزيز الاستقرار الأسري في فيينا
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/5/1448هـ - الساعة: 10:5
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب