• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | الثقافة الإعلامية   التاريخ والتراجم   فكر   إدارة واقتصاد   طب وعلوم ومعلوماتية   عالم الكتب   ثقافة عامة وأرشيف   تقارير وحوارات   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الإسلام... حضارة العدل المشرق وسمو التعامل مع ...
    د. مصطفى طاهر رضوان
  •  
    من مشكاة النبوة في المال والاقتصاد (1)
    د. باسم عامر
  •  
    العقيدة سفينة النجاة
    محمد ونيس
  •  
    الملامح التربوية والدعوية في سيرة عثمان وعلي رضي ...
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    أثر الفيضانات والزلازل على السكان والمجتمع في ...
    بدر شاشا
  •  
    الفقه والقانون
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    جرأة الجاهلين على الوحيين
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    الاقتصاد الدائري وورش معالجة النفايات بالمغرب
    بدر شاشا
  •  
    الذكاء الاصطناعي: المفهوم، النشأة، الإيجابيات، ...
    عباس سبتي
  •  
    أثر التعامل بالفائدة الربوية في الأزمات
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    ارتفاع مستوى سطح البحر وتحديات المدن الساحلية في ...
    بدر شاشا
  •  
    قراءات اقتصادية (73) حروب العملات افتعال الأزمة ...
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    دعاوى المستشرقين
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    الإلحاد الناعم: حين يتسلل الشك من نوافذ الجمال ...
    أ. محمد كمال الدلكي
  •  
    أخطاء الموارد البشرية: رؤى مع بدر شاشا
    بدر شاشا
  •  
    كيف تنطلق نهضة الاقتصاد الإسلامي في المجتمعات؟!
    د. زيد بن محمد الرماني
شبكة الألوكة / ثقافة ومعرفة / فكر
علامة باركود

الإسلام... حضارة العدل المشرق وسمو التعامل مع الإنسان أيا كان دينه

الإسلام... حضارة العدل المشرق وسمو التعامل مع الإنسان أيا كان دينه
د. مصطفى طاهر رضوان

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/1/2026 ميلادي - 13/7/1447 هجري

الزيارات: 48

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الإسلام حضارةُ العدلِ المشرق وسُمُوُّ التعامل مع الإنسان أيًّا كان دينُه

 

لقد كان الإسْلامُ - في قمَّة إشراقه، ونقاء رُوحه، وسُمو رسالته - المثالَ الأسمى في كيفية التَّعامل مع الآخر، لا تعامُلَ المتعالِي على مَن دونه، ولا تعامُلَ المنعزلِ خلف أسوارٍ من الريبة والخصومة، بل كان تعامُلَ الواثق برسالته، المطمئن لربِّه، المتفتح على الناس جميعًا، فقد كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَحْضُرُ ولائمَ أهلِ الكتاب، ويغشى مجالسهم، ويُواسي مُصابَهم، ويُجري معهم كلَّ المعاملات التي يُجريها أبناءُ المجتمع الواحد، الخاضعون لقانونٍ مشتركٍ، والمشغولون بمصيرٍ مشترك، وكان صلى الله عليه وسلم يَقْتَرِضُ منهم نقودًا، ويَرْهَنُ لديهم متاعًا، ولم يكن يفعل ذلك عجزًا عن أصحابهِ - وفيهم الثريُّ السخيُّ الَّذي يتمنَّى أن يُقرض رسولَ الله - ولكنَّه كان يفعل ذلك ليعلِّم الأمَّةَ درسًا حيًّا في التَّعامل، وليَغْرِسَ في ضميرها حقيقةَ السِّلم والوئام، وليُعلن أن الإسلام لا يقطع حبالَ الناس بعضهم ببعض، ولا يمنع المسلمين أن يعيشوا مع غيرهم في كَنَفِ الوطن الواحد، والمصلحة الواحدة.

 

وحينما كان عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه في الشام، وحانت الصلاة وهو في كنيسة القيامة، طلب إليه البطريق أن يصلِّي فيها، وكاد عمر أن يفعل، ثم اعتذر، لا لأنَّ الكنيسةَ مكانٌ لا يُصلَّى فيه، ولكن لأنَّه خَشِيَ أن يُصلِّي فيها، فيأتيَ مَن بعدَه مِن المسلمين، فيدَّعيَ أن المكان صار مسجدًا، فيأخذوه من النصارى ظلمًا وعدوانًا، وكتب للمسلمين كتابًا يوصيهم فيه ألَّا يُصلُّوا على الدرجة التي صلَّى عليها إلا واحدًا واحدًا، غير مؤذِّنين ولا مجتمعين[1].

 

تلك ليست سماحةً فحسب، بل هي سماحةٌ مضاعفة، سماحةٌ تتخطَّى حدود اللحظة إلى آفاق المستقبل، وتنطلق من رُوحٍ طاهرةٍ وبصيرةٍ نافذةٍ، تُدرك آثار الفعل اليوم على أجيال غدٍ بعيدة المدى، سماحةٌ مضاعفة؛ لأن صاحبها لا يرضى أن يتحمَّل تَبِعةَ يومه، ثم يترك للأجيال القادمة عبءَ سوء التأويل، بل يريد لهم أن يكونوا سُمَحاءَ كما كان، وأن يَبرؤوا من الظلم كما بَرِئ، وإن لم يكن له في المخالفة ضِلَعٌ، ولا في الظلم شُبهة.

 

وهو يسير في الشام إذ لَقِي قومًا من نصارى أذرعات يلعَبون بالسيوف والرَّيحان أمامه كما يفعلون في استقبال العظماء، فقال: «رُدُّوهُم وامنَعُوهم»؛ لأنَّه كان يَكره الأُبَّهة ومظاهر الملك، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: «يا أمير المؤمنين، هذه عادتهم، وإنك إن تَمنعهم يروا أن في نفسك نقضًا لعهدهم»، فابتسَم عمر وقال: «دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة».

 

أتدري لماذا استجاب عمر لرأي أبي عبيدة؟ لقد خشي أن يُظَنَّ أنه يُبغضهم، أو أن نفسه تُضمر نقضَ عهدهم، وهذا الظنُّ وحده كافٍ لأن يجعل الفاروق يغيِّر عادته، ويغضُّ طَرْفه عن مظاهر كان يَكرَهُها، لكيلا يُضَام ذميٌّ ولا يُخدَش عهدٌ، فرضي أن يلعبوا بالسيوف والرَّيحان أمامه؛ لأن كرامة العهد عنده أرفعُ من كراهة المظاهر.

 

واشتَهر عنه أيضًا أنه كان يُنصِف مَن يشكو إليه من النصارى واليهود؛ فقد بلغه أن الوليد بن عقبة واليه على بني تغلب النصارى، قد توعَّدهم، فخشِي أن يُوقِع بهم ظلمًا، فعزله وولَّى غيره، ومرَّ برجلٍ ضريرٍ يسأل على الأبواب، فقال له عمر: من أيِّ أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما الذي أَلْجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله، وأعطاه مما وجَد، ثم أرسَل إلى خازن بيت المال وقال: انظر هذا وضُرَبَاءَه، فوالله ما أنصَفنا إن أكَلنا شَبيبتَه، ثم نَخذله عند الهرَم، فوضَع عنه الجزية[2].

 

وأمَر كذلك أن يُعطى من الصدقات قومٌ من النصارى أصابهم الجذامُ، وأن يُرتَّب لهم القوت[3].

 

وكان عبدالله بن عمر على نهج أبيه؛ فقد روى مجاهد أنه كان عند عبدالله بنِ عمر وغلامٌ له يَسلُخ شاةً، فقال له: «إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي»، قالها مرارًا، فسألوه: لِمَ تقول هذا؟ قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يوصينا بالجار، حتى خشينا أنه سيُورثه».

 

كان ابن عمر يريد من غلامه أن يكون جاره اليهودي أولَ مَن ينال هذا المعروف، لا يسأله عن دينه، بل ينظر إلى حق الجوار الذي رفَعه الإسلام حتى جاوز حدود الدين والملَّة.

 

وكان عثمانُ بن عفان رضي الله عنه يَعطف على شاعرٍ نصرانيٍّ هو أبو زبيد[4]، ولم يكن اختلاف الدين مانعًا من توظيف أهل الذمة في الدولة، فقد اتَّخذ عمرُ بنُ الخطاب بعض أسارى قيصرية كتَّابًا له، وولَّاهم مناصب في الدولة[5]، وإذا كان قد رفض أن يولي نصرانيًّا من أهل الحيرة[6]، فلم يكن ذلك لاختلاف الدين، بل لأنه لم يَطمئن إليه، وقد كان يرفض تولية المسلم نفسه إذا خشِي ظلمَه أو خيانته.

 

ثم اتخذ أبو موسى الأشعري كاتبًا نصرانيًّا[7]، وتوسَّع معاوية في إلحاق النصارى بخدمته، وكان له طبيب نصراني هو ابن أثال، فأكرَمه بوضع الخراج عنه، وولاه خراج حمص[8].

 

وطالَما شغل المسيحيون مناصب عالية في بلاط الخلافة، فالأخطل كان شاعر البلاط، ويوحنا الدمشقي كان مستشار عبدالملك بن مروان، ثم اختار عبدالملك عالِمًا مسيحيًّا من الرها يُدعى "أثناس" مؤدِّبًا لأخيه عبدالعزيز، فلما تولَّى عبدالعزيز ولاية مصر رافَقه أستاذه، وجمع من مصر ثروةً عظيمة، وقد ظل كُتَّاب الدواوين حتى زمن عبدالملك بن مروان من غير المسلمين، في القضاء والحقوق.

 

وفي القضاءِ والحقوقِ:

وفي القضاءِ والحقوقِ كان الإسلامُ يمشي في الأرضِ كأنَّه ميزانٌ من نور، يُسوِّي بين الرِّقاب، ويجعل الناسَ أمام شريعةِ الله سواءً؛ لا يرفع مسلمًا لِمُجرَّد إسلامه، ولا يَخفض ذمِّيًّا لِمُجرَّد دِينه، إنما هي عدالةٌ ربانيَّة تُجرِّدُ الإنسانَ من عصبيَّته وهواه، وتُعيده إلى حقيقةٍ كبرى: أن الجميع عبيدٌ لله، والحقُّ فوقَ الجميع.

 

وقد تجلَّت هذه الروحُ يومَ وقف يهوديٌّ يشتكي عليًّا رضي الله عنه، أمام أمير المؤمنين عمر، فالتفت عمرُ إلى الإمامِ علي ذلك الجبلِ الشامخ، وقال له: قُمْ يا أبا الحسن، فاجلِس إلى جوار خَصمك، فجلس عليٌّ كما يُؤمَر، وعلى وجهه أثرُ انقباضٍ خفيفٍ، فلما انتهت القضية، سأله عمر: أوجدتَ يا عليَّ أنْ سوَّيتُكَ بِخَصمك؟ قال: لا، ولكنك نادَيْتني بكُنيتي، ولم تُسَوِّ بيننا، وخشيتُ أن يظنَّ اليهوديُّ أن العدل يَضيع عند المسلمين، يا ألله! أيُّ ميزانٍ هذا؟! هل وَعَتِ البشريَّةُ في تاريخها كله عدالةً تبلغ هذا المبلغ من الحساسية، حتى يخشى الإمامُ أن تَشيَ نبرةُ الخليفة بشبهةِ ميلٍ؟!

 

وتكرَّرت الصورةُ ذاتها في عهد العباسيين، حين تنازَع الأمير إبراهيم بن المهدي وبُخْتِيشوع الطبيب بين يدي القاضي أحمد بن أبي داؤد، فاستعلى الأميرُ بصوتِه، وزرَى على الطبيب النصراني، فغضب القاضي، وقال: يا إبراهيم، إذا وقفتَ في مجلس القضاء فلا ترفع صوتك، ولا تُشِر بيدك، واجعل قصدك قصدًا، وطريقك نهجًا، وكلامك عدلًا، فإن لمجلس الحكم حُرمته، فأطرق الأمير خجلًا وقال: لقد أمرتَ بالرشاد … وقد نزعتُ عن الغلظة، وها أنا أهبُ هذا العقار لبختيشوع، لعلَّ ذلك يَمحو زلَّتي.

 

ما أعظَمَها مِن لحظة! أميرٌ مسلمٌ من آل المهدي يتواضع لقاضٍ، ويتنازل عن حقٍّ لرجُلٍ نصراني، لا لأن الحقَّ معه، بل لأن نفسه استحيَت من صورةٍ لا تليق بالعدل، ولم تكن هذه وقائعَ نادرة، بل هي قواعدُ مضطردةٌ في الفقه والقضاء:

أولًا: المسلمُ والذمِّي سواءٌ في القصاص؛ النفسُ بالنفس، والعينُ بالعين، والأنفُ بالأنف، والأذنُ بالأذن.

 

وكذلك الدِّيَات والضمانات والتعازير؛ فما يجري على المسلم يجري على الذمِّي سواءً.

 

ثانيًا: وفي الأحوال الشخصية، تُتركُ المللُ لشرائعها، فلهم ما يُجيزه دينُهم من زواجٍ أو طلاق، وإن خالف الإسلام، ولا يُعرَض ذلك على المحكمة الإسلامية إلا إذا احتكموا بأنفسهم إليها.

 

ثالثًا: وسوَّى الإسلام بين المسلم والذمِّي في منع الإرث باختلاف الدِّين؛ فلا يرث المسلمُ الذمِّيَّ، ولا الذمِّيُّ المسلمَ، ولا ترثُ الزوجةُ الكتابية زوجها المسلم، ولا يرثها، وما كان ذلك ظلمًا، بل عدالةٌ مطلقة؛ لأن الإسلام أبطَل حقَّ الزوج كما أبطَل حقَّ الزوجة، فاستوى الجميع في الحكم.

 

رابعًا: وأباح الله طعام أهل الكتاب وذبائحهم، بشرط حلِّها، فقال تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ [المائدة: ٥]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل من طعامهم.

 

خامسًا: وأحلَّ للمسلم أن يتزوَّج نصرانيَّةً أو يهوديَّةً، تبقى على دينها، مكرَّمة الحقوق، مَصونة الحرمة؛ لأن المسلم يؤمن بنبوَّة موسى وعيسى عليهما السلام، فلا يحملها على الإسلام قسرًا، ولا يرى في دينها مهانةً أو ضِعة.

 

أما المسلمة فلا يتزوَّجها كتابي؛ إذ لا يؤمن بنبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يصون لها دينها، ولا يأمَن عليها ولا على أولادها من الفتنة، ولأن الإسلام لا يجعل لغير المسلم ولايةً على المسلمة.

 

وعلى هذا الأساسِ المتين، لم يكن الإسلام يُفضِّل دينًا على دينٍ في باب المواريث، بل جعل اختلاف الدين مانعًا مطلقًا، مساوِيًا بين الجميع، فلا يُقدِّم مسلمًا على نصرانيٍّ ويَمنعه، ولا يَمنح يهوديًّا ما يَحرِمه من غيره.

 

أما الشريعةُ اليهوديةُ، فتعطي الزوج اليهوديَّ حقَّ ميراث الزوجة غير اليهودية، ولا تعطيه الزوجة، ومع ذلك تُحرِّم الزواج من غير اليهوديَّات إلا في حالاتٍ مخصوصة.

 

أما الإسلام فقد ساوى وعدل، وارتفع فوق العصبيات، فلم يجعل للمسلم مَزيَّةً على الذمِّي في هذا الباب، فاستوى الجميع أمام القضاء، وأمام الحق، وأمام ربِّ الناس جميعًا.

 

سادسًا: وأما الحريَّةُ الدينيَّةُ، فذلك بابٌ فتَحه الإسلام على مصراعيه لأهل الكتاب، لا مِنَّةً ولا مجاملة، بل إيمانًا بأن الإكراهَ على العقيدة خيانةٌ لجوهر الإيمان، وأن الله لم يُرِدْ لعباده أن يسجدوا تحت سوط، بل أن يخضعوا لوجهه اختيارًا، لذلك تركهم الإسلام أحرارًا في كنائسهم وصُلبانهم وشعائرهم يرفَعون النواقيس إذا حانت صلواتهم، ويُجدِّدون ما تهدَّم من كنائسهم، ويبنون ما استجدَّ مِن دُور عبادتهم، لا يَمنعهم سلطان، ولا يُطاردهم سيفٌ.

 

ولم يُسجِّل التاريخُ - زمن الفتوح - حادثةً واحدةً هدم فيها المسلمون كنيسةً لأهل الكتاب، أو أكرهوهم على الإسلام، أو حَمَّلوهم اضطهادًا دينيًّا أو سياسيًّا يُرغِمهم على الدخول في الإسلام صيانةً لأنفسهم، بل على العكس كانت عهودُ المسلمين الأولى شهاداتِ عدلٍ مكتوبةً بنورٍ لا يَخبو؛ فهذا عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه يُعطي أهل الكتاب الأمان على كنائسهم وصُلُبِهم.

 

وفي معاهدات الفتح مع فارس نصٌّ صريحٌ على حرية أهلها في شعائرهم، وفي مصر حين دخلها عمرو بن العاص، منح أهلها الأمان على كنائسهم وصُلبانهم[9].

 

ويروي «حنا النيقي» أن المسلمين في مصر تعهَّدوا ألا يَحتلُّوا كنيسة، ولا يتدخلوا في شؤون الأقباط قيدَ شَعرة، وأن عمرو بن العاص جَبَى ما على القوم من ضرائب، لكنه لم يَمُدَّ يده يومًا إلى مال كنيسةٍ، ولا أمَر بنهبٍ ولا بتدميرٍ، بل بقي محافظًا على الكنائس إلى آخر أيامه[10]، وفي أرجاء الدولة الإسلامية، كانت الكنائس تُبنى بحرية، وتُشيَّد بموافقة الحكَّام، وأحيانًا بمعونتهم.

 

وأمَّا ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز من منعِ بناء الكنائس، فهو خبرٌ ضعيفٌ لا يُسنده إلا مؤرِّخٌ واحد، ولم تُشر إليه المراجع النصرانية؛ مما يدلُّ على أنه لم يقع[11].

 

وذكر ابن العبري أن بطريرك النسطوريين أبرَم مع العرب اتفاقًا يقضي بأن يمدَّ العرب يد المساعدة للنساطرة في تجديد كنائسهم القديمة[12].

 

ويقول السير توماس أرنولد: إن بعض الخلفاء أَمروا ببناء الكنائس في الشام والعراق وشمالي الجزيرة ومصر، وأنفقوا عليها من بيت المال، ولا تزال بعض تلك الكنائس قائمةً إلى اليوم، مثل كنيسة أبو سرجة في الفسطاط.

 

وبنَى خالد القسري ـ والي بني أمية على العراق وفارس ـ لأمِّه المسيحية كنيسة تتعبَّد فيها، في العهد الأول للدعوة الإسلامية، زمن كانت الحرب بين المسلمين والروم والمسيحيين على أشدِّها[13].

 

أما الأستاذ تريتون، فعلى الرغم من غمزاته للمسلمين، فإنه حين أطال الحديث عن الاعتداء على بعض الكنائس بعد القرن الثالث الهجري، أغفل السبب الرئيس، وهو أن بعض النصارى أو اليهود كانوا يوغرون صدور المسلمين ويعتدون، فيثور الناس، فيعتصم المعتدون بالكنائس، فيُضطَرُّ المسلمون إلى اقتحامها لا لهدمها، بل لتأديب المعتدين.

 

سابعًا: مالُ الذمِّي مصونٌ كمالِ المسلم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقَّه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طِيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة»[14].

 

وأوصى بهم أبو بكرٍ وعمرُ مرارًا؛ إذ علموا أن الذمِّيَّ أمانةُ الله في أعناق المسلمين، وأباح الإسلامُ للمسلمين معاملةَ الذمِّيِّين في كلِّ المعاملات المباحة، يَزورونهم ويضيفونهم، ويتبادلون معهم الهدايا، فلا جَفوة ولا قطيعة، بل تعارفٌ ورحمة.

 

وللمسلم أن يدفع صدقةَ الفطر والتطوُّع للفقير الذمِّي من أهل بلده، فالجوع لا يعرف دينًا، والرحمة لا تُقَيَّد بملَّة.

 

وللمسلم أو الذمِّي في الركاز الخُمسُ إذا وُجِدَ في غير ملك أحدٍ، تأخذه الدولة ويُملَك الباقي؛ لا تمييز بين مسلمٍ وذمِّي، لأن حقَّ الأرض واحد، وحقَّ الدولة واحد.

 

وهذه النماذج - وغيرها كثير محفوظٌ في بطون الكتب الإسلامية وغير الإسلامية - تشهد شهادةً لا يَقدِر أحدٌ على طمْسها.

 

إن الإسلام دينٌ حضاريٌّ في نصوصه، حضاريٌّ في تطبيقه، حضاريٌّ في أثره، شهِد بذلك العدوُّ قبل الصديق، والمنصف قبل المتعصِّب، فلا وَقْعَ لكلماتٍ فاسدةٍ تَصرُخ من هنا وهناك تَزعُم أن الإسلام يعادي المدنية، أو يُحارب الحضارة، فالإسلام هو الذي أنشأ حضارةً كانت قِبلة الأمم، ونورَ العالم، وعقلَ التاريخ، حضارة لم تكن صورةً منسوخةً من غيرها، وإن احترمت حضارات الآخرين، لكنها تميَّزت بخصائص لم تجتمع في حضارةٍ من حضارات البشر.

 

وهكذا - في ضوء هذه الشواهد الساطعة، والنقول الثابتة، والحقائق التي لا ينكرها إلا مكابرٌ غلبه الهوى - يتبيَّن لكل ذي بصرٍ أن الإسلام لم يكن يومًا دين قهرٍ وإكراه، ولا مشروع طمسٍ للهويات، بل كان وما يزال دعوةً ربانيةً تحمِل نور العدل، وتَبسُط جناح الرحمة، وتَمنح المخالف قبل الموافق حقَّه في أن يعيش آمنًا تحت ظلالها.

 

إن حضارةً كهذه الحضارة التي فتحت صدورَها لأهل الملل جميعًا، وأعطتهم من العدل ما لم يُعطه لهم غيرُها، وأمنَّت لهم كنائسهم وصُلبانهم وأوقافَهم، وأطلقت لهم حرية العبادة، وقاسَمتهم الأمن والرزق والحقوق؛ لحضارةٌ يشهد تاريخُ البشرية أنه لم يكن لها نظيرٌ، فليقُل بعد ذلك مَن شاء ما شاء، ولتُشعِل الأقلامُ المأجورة ضجيجَها ما استطاعت؛ فهذه الأمة تحمل في جوهر رسالتها ما هو أَبقى مِن ضوضاء المتقوِّلين، وأرسخُ من حملات التشويه، إنها حضارةُ الإيمان حين يَصنَع الإنسان، وحضارةُ الوحي حين يبني العالم...

 

وما كان للضوء أن يُحجَبَ، ولا للحق أن يُدفَن، ولا لحضارةٍ ربانيةٍ كهذه إلا أن تُشرق على الدهر مهما ادْلَهَمَّتْ حولها الظلماتُ.



[1] تاريخ الطبري (4/ 167).

[2] كتاب الخراج لأبي يوسف ص71.

[3] فتوح البلدان، للبلاذري ص129.

[4] الأغاني، للأصفهاني (19/ 102).

[5] فتوح البلدان، ص142.

[6] عيون الأخبار، (2/ 42).

[7] نفس المصدر السابق (1/ 43).

[8] تاريخ الطبري (6/128).

[9] تاريخ الطبري (4/ 339).

[10] أهل الذمة في الإسلام، لتريتون ص41.

[11] نفس المصدر ص53.

[12] نفس المصدر السابق.

[13] انتشار الإسلام، لتوماس أورنولد ص61.

[14] أخرجه أبو داود.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • صدام الحضارات بين زيف الهيمنة الغربية وخلود الرسالة الإسلامية: قراءة فكرية في جذور الصراع ومآلاته

مختارات من الشبكة

  • خطبة: وقفات مع اسم الله العدل(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرح كتاب فضل الإسلام - باب فضل الإسلام: باب وجوب الدخول في الإسلام (مترجما للغة الإندونيسية)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • حديث القرآن الكريم عن الماء أو حضارة الماء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العدل في الرضا والغضب (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العدل بين الأبناء في الهبات(استشارة - الاستشارات)
  • تخريج أحاديث البزدوي لأبي العدل قاسم بن قطلوبغا(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • خطبة: العدل ضمان والخير أمان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرح كتاب فضل الإسلام - الدرس الثاني: باب فضل الإسلام (ب) (مترجما للغة الإندونيسية)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • شرح كتاب فضل الإسلام - الدرس الثاني: باب فضل الإسلام (أ) (مترجما للغة الإندونيسية)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • الحضارات والمناهج التنويرية(مقالة - ثقافة ومعرفة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن بزينيتسا
  • قازان تستضيف المؤتمر الخامس لدراسة العقيدة الإسلامية
  • تعليم القرآن والتجويد في دورة قرآنية للأطفال في ساو باولو
  • ورشة توعوية في فاريش تناقش مخاطر الكحول والمخدرات
  • المحاضرات الإسلامية الشتوية تجمع المسلمين في فيليكو تارنوفو وغابروفو
  • ندوة قرآنية في سراييفو تجمع حفاظ البوسنة حول جمال العيش بالقرآن
  • سلسلة ورش قرآنية جديدة لتعزيز فهم القرآن في حياة الشباب
  • أمسية إسلامية تعزز قيم الإيمان والأخوة في مدينة كورتشا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 13/7/1447هـ - الساعة: 8:45
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب