• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / بوابة النثر / كُتاب الألوكة


علامة باركود

خمسون عاما في معية الله: قصة طفل آواه ربه، وهداه، وأغناه

خمسون عاما في معية الله: قصة طفل آواه ربه، وهداه، وأغناه
أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي


تاريخ الإضافة: 9/9/2026 ميلادي - 28/3/1448 هجري

الزيارات: 131

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خمسون عامًا في معية الله: قصة طفلٍ آواه ربّه، وهداه، وأغناه

 

هل يمكن للقلب أن ينفطر مرارًا وتكرارًا، ثم يظل ينبض بالحمد؟ هل يمكن لجسدٍ غضٍّ صغير أن يتحمل ضربات الأقدار المتلاحقة، وهي تهوي عليه واحدة تلو الأخرى قبل أن يتعلم معنى الحياة؟

 

أكتب هذه الكلمات اليوم، والغصّة تخنق حلقي، والدمع يغمر مآقيّ، بمناسبةٍ تئنّ تحت وطأتها الروح.. لقد مرّ نصف قرن. خمسون عامًا كاملة على رحيل أمي. خمسون عامًا مذ جفّ نبع الحنان الأول، وتركتُ وحيدًا في هذا العالم الموحش، أصارع عواصف الحياة بلا درعٍ ولا سند.

 

الطفولة المبتورة: ضربات الأقدار المتلاحقة

ولدتُ في السادس عشر من يناير لعام 1971، وكأنّ ميلادي كان إيذانًا ببدء ملحمةٍ من الألم لا تنتهي. لم أكد أخطو خطواتي الأولى في هذا الوجود، ولم تتجاوز سني الثالثة، حتى داهم جسدي النحيل شلل الأطفال. سلبني هذا المرض اللعين القدرة على السير، وحرمني متعة الركض كبقية الأطفال، لتصبح قدماي الاثنتان قيدًا يربطني بالأرض ويحجّم أحلامي الصغيرة.

 

ولم يكد قلبي الصغير يستوعب معنى العجز والعرج الشديد فى سن مبكرة، حتى جاءت الصفعة الثانية التي زلزلت كياني؛ ففي الخامس من يناير لعام 1975، وقبل أن أتمّ الرابعة من عمري، توفي أبي. رحل السند، وغاب الرجل الذي كنت أرجو أن أتوكأ عليه حين يخذلني جسدي. بقيت مكسور الجناح، ملقىً في أحضان أمي الضعيفة.

 

لكنّ كان للقدر رأى آخر، ففي التاسع والعشرين من يونيو لعام 1976، وحين أتممت الخامسة من عمري، انطفأت الشمعة الأخيرة في ليل طفولتي الدامس؛ توفيت أمي. غادرني الحضن الدافئ والوجه الروؤف، وذهبت لتلبية نداء الحق العدل سبحانه وتعالي.

 

خمس سنواتٍ فقط، كانت كفيلة بأن تجعل مني طفلًا مشلولًا، يتيمًا، لطيمًا (فقد الأب والأم معًا). نشأتُ غريبًا بين الأقران، أنظر إلى الأطفال وهم يركضون نحو أمهاتهم وآبائهم، بينما ألتفت يمنة ويسرة فلا أجد إلا فراغًا قاتلًا، وجسدًا عليلًا، وقلبًا مفطورًا يئن في صمت.

 

الصوت المجروح: ألمٌ فوق ألم

ظننتُ يومًا أن الآلام ستنتهي، لكن الألم كان له فصولٌ أخرى لم تُكتب بعد. بعد أعوامٍ قلائل من فقدي لوالديّ، أصبت بورم في الأحبال الصوتية. لم يسرق المرض حياتي، لكنه سرق صوتي؛ نتج عن ذلك الورم بحة شديدة حادة، جعلت الكلمات تخرج من حنجرتي متهدجة، مجروحة، كأنها تعكس تمامًا انكسار روحي وجسدي.

 

كيف لطفلٍ لا يقوى على السير، ولا يجد أمًا يلوذ بحماها، ولا أبًا يستند إلى كتفه، ويفتقد حتى صوته الطبيعي الذي يعبر به عن أوجاعه، كيف له أن يعيش؟ لقد اجتمعت عليّ نوائب الدهر في سنٍّ لا يتحمل فيها العقل بؤس الحياة. كنتُ طفلًا موجوع القلب، مفطور الفؤاد، تسيل دموعي في خلواتي، لكن ربي سبحانه وتعالى كان دومًا وأبدًا يغمرنى بعطفه وحنانه، وحفظه ورعايته، وكان دائما أبدًا يربت على كتفى، ويمسح على قلبي، فأجدنى أردد دومًا أبدًا الحمد لله الحمد لله، فى كل ضربة تلقانى، وكل عقبة تعرقل مسيري، وكل قسوة أصادفها كان ربي يلهمنى الحمد والشكر كما يلهمنى النفس، بفضل محض منه وحده، لا يد لي فيه.

 

معجزة اليقين: فآواني، وهداني، وأغناني

وسط هذه الظلمات الحوالك، وبينما كان اليأس يمدّ أطرافه ليخنق ما تبقى من روحي، بزغ نورٌ إلهي عجيب. شعرتُ بيدٍ خفية، رحيمة، تمتد لتربت على كتفي المائل. إنه الله. الودود الذي لا يترك منكسرًا إلا جبره.

 

تجلّت عظمة الخالق في حياتي، فصارت الآية القرآنية تحيط بوجداني: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ ﴾. نعم، لقد آواني ربي في حماه، وهداني إلى طريقه، وأغناني بفضله عن العالمين.

 

لقد توجّه قلبي المنكسر نحو كتاب الله. أردت أن أحفظ القرآن، لكن كيف لعليل الصوت، ذي البحة الشديدة، أن يرتل آيات الله؟ هنا تكمن المعاناة التي لا يدركها إلا من عاشها؛ كنت أجلس أمام شيخي ومعلمي، وجسدي يرتجف تهيبًا، ولعدم قدرتي على إخراج الحروف بوضوح يسمعه الحاضرون، كنت أضطر أحيانًا إلى الاقتراب الشديد منه، فأضع فمي مباشرة على أذن معلمي وشيخي!

 

نعم، كنت أتنفس في أذنه، وأقذف بالكلمات المتهدجة الخارجة من جوفي الموجوع مباشرة إلى سمعه، حتى يتمكن من تصحيح تلاوتي ومتابعة حفظي. يا لها من لحظات كانت تمتزج فيها دموع العجز بعزيمة التحدي! وبحمد الله وفضله، حفظت القرآن كاملًا، وصار نوري في الظلمات، وأنيسي في الوحدة.

 

منصات التتويج من رحم المعاناة

لم ينتهِ الشغف هنا، بل دفعتني تلك القوة الإلهية لخوض غمار المسابقات الكثيرة في حفظ القرآن الكريم. وفي قاعات المسابقات، كان المشهد يتكرر ويثير أشجان الحاضرين؛ طفلٌ أعرج، يتيم لطيم بلا أم ولا أب، لا يكاد يبين صوته، يتقدم نحو أستاذ التحكيم، يضع فمه على أذن الأستاذ، ويبدأ في تلاوة آيات الله.

 

كانت تلاوتي تخرج من قلبٍ خَبِرَ الألم وعاش اليتم، فكانت الحروف تلامس شغاف قلوب المحكمين. ولأن تلك المسابقات كانت تشترط الحفظ المتقن فقط لا جمال الصوت، فقد أكرمني ربي وحصلت في العديد منها على المركز الأول. كنت أتربع على عرش الصدارة بفضل الله، وأنا الجسد العليل والصوت الجريح. كان هذا الفوز بمثابة بلسمٍ يوضع على جراحي الغائرة، وكأن الله يقول لي: "إن كنت قد فقدتَ أبويك وصوتك وقدميك، فإني قد اصطفيتك لتكون من أهل قرآني".

 

خمسون عامًا.. وما زال الطيف باقيًا

اليوم، وأنا أسترجع هذه الذكرى الأليمة لمرور نصف قرن على رحيل أمي، أشعر وكأن رحيلها كان بالأمس. خمسون عامًا لم تمحُ من ذاكرتي ملامح وجهها، ولم تنسني مرارة اليتم الأول. أقف اليوم متأملًا في هذا الجانب اليسير من حياتي، فأتنهد تنهيدةً تخرج من أعماق فؤادي المفطور، لكنها تنهيدة ممزوجة بالرضا التام والحمد المطلق.

 

لقد عشتُ يتيمًا مشلولًا ذا بحة شديدة، قابَلَتني من الآلام والمنغصات ما يهدّ الجبال الرواسي، وظللت طوال حياتي إنسانًا موجوع القلب، يبكيه تذكر الماضي ويضنيه الحنين إلى أمٍ لم يشبع من حنانها، وأبٍ لم يتفيأ بظلاله.

 

لكنني، ورغم كل هذا الشجن الغامر والحزن الممتد، أرفع رأسي إلى السماء بقلبٍ خاشع وأقول: الحمد لله رب العالمين. الحمد لله الذي جعل من المحنة منحة، ومن العجز قوة، ومن بحة الصوت ترتيلًا يلامس القلوب. خمسون عامًا مضت، وسأظل ما حييت أرددها بدموع الشكر واليقين: أواني ربي، وهداني، وأغناني، ولسان حالي دائما:

﴿ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ﴾

 

اللهم اجمعنى مع أمى وأبي فى الفردوس الأعلى والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة