• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / اللغة .. والقلم / الوعي اللغوي


علامة باركود

العربية المبينة.. والعربية غير المبينة!

العربية المبينة.. والعربية غير المبينة!
الشيخ أبو سهل خالد


تاريخ الإضافة: 16/8/2026 ميلادي - 4/3/1448 هجري

الزيارات: 133

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

العربية المبينة.. والعربية غير المبينة!

 

تأملٌ في حقيقة العربية.. بين اللسان والبيان:

قال الله تعالى: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 195]، وهذه الآية العظيمة ليست مجرد وصفٍ لُغويٍّ للعربية؛ بل هي تقريرٌ لحقيقةٍ أعمق؛ وهي أن العربية التي نزل بها الوحي ليست مجرد كلمات عربية النسبة؛ بل عربيةٌ موصوفةٌ بالإبانة والبيان والوضوح والاستقامة على سنن العرب.

 

ومن هنا؛ فإن من أدقِّ ما يُلتَفت إليه: أن العربية ليست مرتبةً واحدةً؛ بل منها ما هو عربيٌّ مُبين.. ومنها ما يضعف فيه البيان حتى يخرج- جزئيًّا أو كليًّا- عن سنن العربية الصحيحة؛ وإن بقيت فيه كلمات عربية.

 

وهذا المعنى الذي ذكرتُه معنى دقيق قوي، ويمكن توسيعه تأصيلًا وتحليلًا وبيانًا.

 

أولًا: معنى "العربية المبينة":

العربية المبينة هي: اللغة الجارية على سنن العرب في: الكلمات، والتراكيب، والدلالات، والأصوات، والأساليب، ومقاصد التخاطُب.

 

فليست العربية مجرد مفرداتٍ معجميةٍ؛ بل نظامٌ كاملٌ من البيان؛ ولهذا قد يتكلَّم الإنسان بكلمات عربية؛ ولكن كلامه لا يكون عربيًّا مبينًا.

 

كما قد يقرأ القرآن بحروفه؛ ولكن على وجهٍ يزيل إبانته الصوتية والدلالية.

 

ثانيًا: الفرق بين "العربية" و"العربية المبينة":

وليس كل ما نُسِب إلى العربية يكون من العربية المبينة، فالانتساب إلى العربية أوْسَعُ من تحقيق البيان العربي الكامل؛ ولهذا فالعربية المبينة: هي العربية المحققة لسنن البيان العربي، وأما العربية غير المبينة: فهي التي دخلها ما يفسد صفاء العربية أو يضعف قوانينها أو يزيل خصائصها.

 

وهذا لا يعني دائمًا خروجها الكامل من العربية؛ بل قد يكون: نقصًا، أو تشويهًا، أو عُجْمةً، أو اضطرابًا في البيان، كما أن الفقهاء يفرقون بين: صحة الشيء، وكماله.

 

ثالثًا: العُجْمة ليست مقصورة على الألفاظ الأجنبية:

وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ فكثير من الناس يظنون أن العُجْمة لا تكون إلا باستعمال كلمات أعجمية، والحقُّ أن العُجْمةَ أوْسَعُ من ذلك بكثير؛ فقد تكون العُجْمة: في الكلمة، أو التركيب، أو النطق، أو المعنى، أو طريقة التفكير نفسها؛ ولهذا قال بعض السلف: "ما تكَلَّم رجل العربية؛ إلا وجدنا ذلك في عقله"؛ لأن العربية ليست أصواتًا فقط؛ بل طريقة بناء المعاني.

 

رابعًا: جهات العربية غير المبينة:

وهذا التقسيم قد يكون حسن جدًّا، ويمكن توسيعه إلى جهات متعدِّدة:

(1) العُجْمة من جهة الكلمة:

وذلك حين يفسد اللفظ العربي، أو يُستبدَل بغير سننه.

 

ويدخل في ذلك:

أ ـ الكلمات المولَّدة:

وهي الألفاظ الحادثة التي لم تجرِ على طرائق العرب في الوضع والاشتقاق، وليس كل مولَّدٍ مذمومًا؛ فإن اللغة تتوسَّع، لكن المذموم: ما كسر قوانين العربية، أو شوَّه أوزانها، أو أفسد دلالاتها.

 

ب ـ الاشتقاق الفاسد:

كأن تُشتق الكلمات بغير قوانين العرب، فالعربية ليست ألفاظًا اعتباطيةً؛ بل لها: أوزان، وعلل، وطرائق تصريف، ومناسبات دلالية؛ ولهذا كان علماء العربية يعدُّون فساد الاشتقاق فسادًا في اللِّسان نفسه.

 

ج ـ غلبة الدخيل الأعجمي:

فإذا طغت الألفاظ الأعجمية حتى أزاحت البنية العربية، ضعفت الإبانة؛ ولذلك كانت الأمم إذا غُلبت لُغويًّا، غُلبت فكريًّا وحضاريًّا؛ لأن اللغة وعاء التصوُّر.

 

(2) العُجْمة من جهة التركيب:

وهذا من أخطر أنواع العُجْمة؛ لأنه قد يخفى، فقد تكون الكلماتُ عربيةً صحيحةً؛ ولكن نَظْمها ليس عربيًّا، وهذا ظاهر اليوم في كثير من الكتابات المعاصرة المترجمة ترجمةً حرفيةً عن اللُّغات الأجنبية.

 

فتجد: جُمَلًا طويلة متراكبة، وتقديمًا وتأخيرًا غير عربي، وعلاقات معنوية ليست من سنن العرب، وإيقاعًا لُغَويًّا غريبًا عن العربية، حتَّى كأنَّ الكاتب يُفكِّر بلُغةٍ أجنبيةٍ، ثم يصبُّها في قوالب عربية، وهذا ليس من العربية المبينة.

 

العربية ليست مُعْجمًا فقط، وهذه قاعدة عظيمة، فلو كانت العربية مجرد مفردات؛ لأمْكَنَ لأيِّ مترجم آليٍّ أن يصير أديبًا عربيًّا، لكن العربية: ذوق، ونَفَس، ونظم، وإيقاع، وتناسب، وسنن تركيب؛ ولهذا كان عبدالقاهر الجرجاني يجعل سِرَّ البلاغة في "النظم" لا في مجرد المفردات.

 

(3) العُجْمة من جهة الأداء الصوتي:

وهذا الذي ذكرته مُهِمٌّ جدًّا، خصوصًا في القرآن، فاللُّغة ليست كتابةً فقط؛ بل صوت كذلك؛ ولهذا كانت العربيةُ تُؤخَذ سماعًا، ومن هنا فإن تغيير المخارج والصفات والنَّبْر والإيقاع قد يُزيل إبانة العربية؛ ولذلك كان التجويد حفظًا للعربية أيضًا، فالتجويد ليس مجرد تحسين صوتي؛ بل هو: حفظٌ للنظام الصوتي العربي، وصيانةٌ للإبانة القرآنية، فالذي يبدل: الضاد دالًا، أو الحاء هاءً، أو القافَ همزةً، فقد أزالَ شيئًا من العربية المبينة.

 

(4) العُجْمة من جهة الدلالة:

وقد تُستعمَل الكلمة العربية نفسها؛ لكن بدلالة أجنبية عن روح العربية، وهذا كثير في المصطلحات المترجمة، فتُنقل مفاهيم الحضارات الأخرى إلى العربية نقلًا حرفيًّا، ثم تُحمَّل الكلمات العربية معاني ليست من بنيتها الأصلية، وهنا يقع: اضطراب المفاهيم، وتشوُّش البيان؛ ولهذا كانت الترجمة أحيانًا بابًا من أبواب العُجْمة الفكرية.

 

(5) العُجْمة من جهة التصوُّر العقلي:

وهذا أعمق الأنواع، فاللُّغة ليست أداة محايدة تمامًا؛ بل تؤثر في تشكيل الرؤية؛ ولهذا فإن فساد العربية قد يقود إلى فساد التصوُّر.

 

فإذا ضعفت العربية: ضعفت الدقة، وضعفت الفروق، وضعفت ملكة البيان، وضعفت القدرة على فهم الوحي نفسه؛ ولذلك ارتبط فساد اللسان عند كثير من العلماء بفساد الفهم.

 

خامسًا: لماذا وصف الله تعالى العربية بأنها "مبينة"؟

لأن البيان هو الغاية العظمى من اللغة، فاللُّغة التي لا تبين: لا تهدي، ولا تشرح، ولا تكشف المعنى كشفًا صحيحًا؛ ولهذا كان القرآن: في غاية الفصاحة، وغاية البيان، وغاية الإحكام.

 

فكلما اقتربت العربية من الإبانة؛ اقتربت من روح القرآن، وكلما اقتربت من العُجْمة؛ ابتعدت عن نور البيان.

 

سادسًا: العربية المبينة ليست مقصورة على القدماء:

وهذه مسألة مهمة، فليس المقصود أن العربية توقَّفت عند القرن الأول، بل العربية قابلة للتوسُّع والتجدُّد، لكن بشرط:

• ألا تُهدم قوانينها.

• ولا تُكسر روحها.

• ولا تُفقد إبانتها.

فالعبرة ليست بالقِدم الزمني؛ بل بسلامة السنن العربية.

 

سابعًا: من آثار ضياع العربية المبينة

إذا ضعفت العربية المبينة ظهرت آثار كثيرة، منها:

• ضعف فهم القرآن والسُّنَّة.

• اضطراب الاستدلال.

• فساد الذوق البياني.

• ضياع الفروق الدقيقة.

• التبعية الفكرية للأُمَم الأخرى.

• ضعف الملكة العقلية في التعبير والتحليل.

• انفصال الأمة عن تُراثِها.

ولهذا كانت حماية العربية من أعظم أبواب حماية الدين والعقل والثقافة.

 

ثامنًا: العربية المبينة ليست تشدُّدًا لغويًّا متكلفًا

فينبغي التفريق بين: حفظ العربية، والتكلُّف المتعسِّف، فليس المقصود: التعقيد، ولا التقَعُّر، ولا إحياء الغريب المهجور بلا حاجة، بل المقصود: سلامة البيان، واستقامة التركيب، ووضوح الدلالة، وجريان الكلام على سنن العربية، فالبيان العربي الحق يجمع: الفصاحة، والوضوح، والعذوبة، والدِّقَّة.

 

تاسعًا: قانون جامع

ويمكن أن يُقال: العربية المبينة هي: العربية التي تحفظ سنن العرب؛ في اللفظ والتركيب والدلالة والأداء، وتؤدي المعنى بوضوح واستقامة.

 

وأما العربية غير المبينة: فهي ما دخلها من العُجْمة أو الاضطراب أو فساد السنن؛ ما يُضعف بيانها، وإن بقي فيها شيء من صورة العربية.

 

خاتمة:

إن أخطر ما يصيب اللُّغات ليس موت الألفاظ؛ بل موت البيان، فقد تبقى الحروفُ عربيةً، لكن: يضيع النظم، وتفسد الدلالة، ويضعف الذوق، ويغيب المعنى، وحينئذٍ تتحوَّل العربية من لغةٍ مُبينةٍ إلى مجرد وعاء صوتي مفرغ من روح البيان؛ ولهذا كانت العناية بالعربية: عنايةً بالدين، وبالعقل، وبالهوية، وبمنهج التفكير نفسه.

 

فالعربية ليست لغةَ قومٍ فقط؛ بل لغةُ بيانٍ جعَلَها الله تعالى وعاءً لآخر كتبه، وأداةً لخاتم رسالاته، ولسانًا لخطابه الخالد إلى العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة