• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / اللغة .. والقلم / الوعي اللغوي


علامة باركود

معنى (ما) الموصولة ومعاني (ما) الأخر

معنى (ما) الموصولة ومعاني (ما) الأخر
د. عبدالجبار فتحي زيدان


تاريخ الإضافة: 21/4/2026 ميلادي - 4/11/1447 هجري

الزيارات: 137

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

معنى (ما) الموصولة ومعاني (ما) الأُخَر

 

تحتمل (ما) الموصولة لمعان أُخَرَ في آيات من القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102].

 

فمن ذهب إلى إنزال السحر أو الشرع على الملكين، جعل (ما) موصولة في قوله تعالى: (وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)، وإلا جعلها نافية[1]، واختار الطبري (ت 310هـ)[2]، والزجاج (ت 311هـ)[3]، ومكي القيسي (437هـ)[4]، والزمخشري[5] - أن تكون (ما) موصولة، ومنَع الطبري أن تكون نافية، وقال: ((لو كانت نافية لَما كان في قوله تعالى: (وَمَا يُعَلمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتى يَقُولاَ إِنمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) معنى))[6] ؛ لأن الملكين كانا يعلمان الناس السحر، وهذا هو الوجه، وعند جعل (ما) موصولة جاز أن تكون معطوفة على (ما) الأولى، أو على السحر، والمعنى: أن الملكين كانا يعلمان الناس السحر من أجل اجتنابه، وأن الله جعلهما فتنة للناس، فمن اتَّبعهما كفر، ومَن اجتنبهما نجا[7].

 

وذهب الفراء (ت207هـ)[8] ، والطبري[9]، والنحاس (ت 337هـ)[10]، والرازي[11] - إلى أن (ما) الثانية في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30] - موصولة، معطوفة على (ما) الأولى، و(تود) حال لها، أو مرفوعة على الابتداء، و(تود) خبرها، وذكروا أنهم لم يعلموا أحدًا قرأ (تود) بالجزم، وإن كان هذا جائزًا في النحو، وأجاز مكي القيسي[12]، والزمخشري[13] وجهًا ثانيًا، وهو الشرطية، وعلى تقدير (فاء) محذوفة في الجواب؛ أي: فهي تود، وأجاز العكبري (ت616هـ) رفع (تود) من غير تقدير (فاء) محذوفة؛ لأن الشرط هنا ماض، وإذا لم يظهر لفظ الجزم في الشرط، جاز في الجواب الجزم والرفع[14]، وأثبت أبو حيان الأندلسي مجيء جواب (ما) الشرطية مرفوعًا كثيرًا، مستشهدًا بالفصيح من كلام العرب[15]، ويقوي هذا الوجه عندهم قراءة عبد الله بن مسعود (ودت) بالماضي.

 

والوجه أن (ما) موصولة لكون (تود) مرفوعة، ورفع جواب (ما) الشرطية إن جاز في كلام العرب، فإنه لم يرد في القرآن الكريم.

 

ومن النحاة والمفسرين من أجاز أن تكون (ما) استفهامية في قوله تعالى: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ [يونس: 81]، وهو عندهم استفهام يُراد به التوبيخ والتحقير، أو التقرير، وليس هو باستخبار حقيقي؛ لأن موسى (عليه السلام) قد علِم أنه سحر، وإنما وبَّخهم بما فعلوا، ولم يستخبر عن شيء لم يَعلمه[16]، وتكون (ما) بهذا الوجه في موضع رفع مبتدأ، و(جئتم به) خبره، و(السحر) مرفوعة على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو السحر، أو مبتدأ والخبر محذوف، تقديره: السحر هو، أو تكون مرفوعة على البدلية من (ما)[17].

 

وأجاز الفراء[18] أن تكون (ما) شرطية، و(جئتم به) في موضع جزم، وفاء جواب الشرط محذوفة بتقدير: ما جئتم به السحر، فإن الله سيُبطله على أن حذف فاء الشرطية لا يجيزه الكثير من النحاة إلا في ضرورة الشعر، ومنهم من أجازه[19].

 

والوجه أن (ما) موصولة بتقدير: الذي جئتم به السحر، يُعضد ذلك قراءة عبد الله بن مسعود: ما جئتم به سحر، وقراءة أُبَي بن كعب: ما أتيتم به سحر[20].

 

وقرأ أبو عمرو ومجاهد وأصحابه (آلسحر) بالمد؛ أي: على الاستفهام، فعلى هذه القراءة تكون (ما) استفهامية، ولا يجوز أن تكون بمنزلة (الذي)؛ إذ لا خبر لها[21].

 

وأجاز الفراء[22]، والزمخشري[23]- أن تكون (ما) موصولة في قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ [الكهف: 16]، بتقدير: وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم من الآلهة إلا الله، أو أن تكون نافية، وهو كلام معترض إخبارٌ من الله تعالى عن الفتية المؤمنة أنهم لم يعبدوا إلا الله بتقدير: وإذ اعتزلتموهم غير عابدين إلا الله، فيكون هناك التفات من الخطاب إلى الغيبة، واقتصر الزجاج[24] على ذكر الوجه الأول، وأجاز الأنباري[25] والعكبري[26]وجهًا ثالثًا، وهو أن تكون مصدرية بتقدير: وإذا اعتزلتموهم وعبادتهم إلا الله، أو بتقدير: وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، والوجه أن تكون (ما) موصولة؛ لأن المراد اعتزال الآلهة من المعبودين بدلالة استثناء الله منهم، فيكون الاستثناء متصلًا.

 

وتحتمل (ما) في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللهُ ﴾ [الكهف: 39] - أن تكون موصولة في موضع رفع خبرًا لمبتدأ محذوف بتقدير: هو ما شاء الله، أو: الأمر ما شاء الله، أو مبتدأ والخبر محذوف بتقدير: الذي شاءه الله كائن، أو أن تكون شرطية بتقدير: ما شاء الله كان، وجاز حذف الجواب لكونه معروفًا[27].

 

وجاز أن تكون (ما) مصدرية في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ﴾ [طه: 73]، بتقدير: ليغفر لنا خطايانا وإكراهك إيانا على السحر، وقيل: إنها نافية بتقدير: ليغفر لنا خطايانا من السحر، ولم تُكرهنا عليه[28]، ولا يخفى تكلف هذا الوجه، والصحيح أنها موصولة، والمعنى: ليغفر لنا خطايانا وخطيئة السحر الذي أكرهتنا على تعلُّمه لإضلال الناس[29].

 

وقُرئ قوله تعالى: ﴿ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ﴾[يس: 35]، وما عمِلت أيديهم، فعلى القراءة الأولى أجاز الفراء أن تكون (ما) موصولة بتقدير: والذي عمِلته أيديهم، وأجاز أن تكون نافية بتقدير: ولم تَعمله أيديهم، وكذلك أجاز الوجهين في القراءة الثانية، ثم رجَّح الموصولية؛ لأنه عند جعلها نافية تحتاج إلى تقدير مفعول محذوف لـ(عملت)، في حين أن حذف العائد من الصلة مستساغ[30].

 

وأشار إلى جواز هذين الوجهين الطبري[31] والزجاج[32]، والنحاس[33] ومكي القيسي[34]، والزمخشري[35]، وفسَّر الأخير معنى الموصولية بقوله: ((من الغرس والسقي والإبار[36]، وغير ذلك من الأعمال، يعني أن الثمر نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كد بني آدم، وهذا هو الوجه والمعنى المراد من الآية، فنحن مما خلق الله من الزرع والأثمار، نصنع بأيدينا ما لذ وطاب من الأشربة والأطعمة.

 

والوجه في (ما) أن تكون موصولة إذا دخلت على أداة من أدوات النفي؛ كدخولها على (لا) في قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]، و(ليس) في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36]، و(إن) في قوله تعالى: ﴿ ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ﴾ [الأحقاف: 26]، و(إن) هنا نافية، والمعنى: أن الله أعطى القوم من قبلكم ما لم يُعطكم، هذا ما قال به الفراء[37]، والطبري[38]، والأخفش[39]، وغيرهم[40].

 

وذكر الزجاج أن (إن) في النفي مع (ما) التي في معنى (الذي)، أحسن في اللفظ من (ما)، ألا ترى أنك لو قلت: رغبتُ فيما ما رغبت فيه، لكان الأحسن أن تقول: رغبت فيما إن رغبت فيه، لاختلاف اللفظين[41]، ومثل هذا قال الزمخشري: إنه استعمل (إن) دون (ما) مخالفة ما قبلها في التكرير المستبشع، وقال: ((ولقد أغث أبو الطيب بقوله:

لعمرك ما ما بان منك لضارب

 

وما ضر لو اقتدى بعذوبة التنزيل، فقال: (لعمرُك ما إن بان منك لضارب))[42].

 

فقد جعل الزمخشري (ما) الأولى موصولة، والثانية نافية في بيت المتنبي، على حين أنهما على العكس من ذلك، وهذا البيت في ديوانه:

يرى أن ما ما بان منك لضاربٌ
بأقتلَ مما بان منك لعائب

وذُكر في شرحه أن اسم (إن) ضمير الشأن محذوف، وإن (ما) الأولى نافية، والثانية بمعنى (الذي)، والتقدير: يرى أنه ليس الذي ظهر منك للضارب؛ يعني السيف أو السنان بأقتل؛ أي: بأسرع من الذي ظهر منك للعائب، يعني اللسان، بل هما سواء في الحدة؛ أي: لا يرى القتل أشد من العيب[43].

 

وقيل: إن (إن) في الآية زائدة، وأشار العكبري إلى هذا الوجه بالتضعيف[44]، وقال به الرضي[45]، والصحيح أنها نافية، وقد دلت عليه غير آيةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ﴾ [مريم: 74]، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ [الأنعام: 6]، (وهو أبلغ في التوبيخ وأدخل في الحث على الاعتبار)) [46].

 

وأجازوا أن تكون استفهامية إذا وقعت بعد (علم) و(درى) و(نظر)؛ كقوله تعالى: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 33]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ﴾ [الأحقاف: 9]، وقوله تعالى: ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ ما قَدمَتْ لِغَدٍ ﴾ [الحشر: 18][47].

 

وأجازوا كذلك لها هذا المعنى بعد أفعال أُخَرَ؛ كقوله تعالى: ﴿ قلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام: 151][48]، والوجه أنها موصولة في هذه المواضع كلها.

 

وكثيرًا ما تحتمل (ما) الموصولة معنى المصدرية، ويَلزَم أن تُعرَب موصولة إذا كانت صلتها جملة فعلية فيها ضمير يعود على (ما)؛ لأن المصدرية لا يَصح أن يعود عليها الضمير، ويكون فاعلًا مستترًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي الليْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ [الأنعام: 13]، ويكون ظاهرًا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ [البقرة: 27].

 

وتلزم الموصولية كذلك إذا كانت صلتها شبه جملة ظرفًا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ [البقرة: 91]، أو جارًّا ومجرورًا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]، ذلك أن شبه الجملة متعلقة بعامل يقدِّره النحاة بـ(استقرَّ)، وفي هذا الفعل ضمير مستتر يعود على (ما).

 

وكذلك إذا كانت صلتها جملة اسمية؛ كقوله تعالى: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ﴾ [طه: 72]؛ لأن المصدرية لا تدخل على الجملة الاسمية عند جمهور النحاة[49].

 

ومن ذلك دخولها على (إن) ومعموليها في قوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِن مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوةِ ﴾ [القصص: 76].

 

وتلزم كذلك الموصولية عند فساد المعنى بالمصدرية؛ كقوله تعالى: ﴿ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاء ﴾ [النور: 45]، فإن (ما) هنا موصولة، ولا يصح أن تكون مصدرية؛ لأنه لا يصح أن يكون التقدير: يخلق الله مشيئته.

 

وإذا كانت صلة (ما) جملة فعلية، فيها ضمير محذوف، يصح عوده عليها، جاز أن تكون موصولة عند تقدير هذا العائد، وجاز أن تكون مصدرية عند عدم تقديره، وكثُر احتمال (ما) لهذين الوجهين في القرآن الكريم؛ إذ كثيرًا ما يُحذف الضمير العائد عليها؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ ﴾ [آل عمران: 49]، فجاز أن تكون (ما) موصولة، بتقدير: وأنبئكم بالذي تأكلونه وتدَّخرونه، أو مصدرية بتقدير: وأُنبئكم بأكلكم وادخاركم[50]، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ [الحجر: 94]، فـ(ما) موصولة عند تقدير (به)؛ أي: فاصدَع بالذي تُؤمَر به، ومصدرية عند عدم تقديره، والمعنى: فاصدع بالأمر[51].

 

وإذا جاز الوجهان، فلا بد من أن يكون المراد أحدهما، ويترجَّح من خلال السياق؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: 96]، فمن النحاة مَن حمل (ما) على المصدرية، وردَّ بشدة على مَن قال بأنها موصولة، فقد نسَب مكي القيسي إلى المعتزلة أنهم لم يعربوا (ما) مصدرية؛ لأن الآية بهذا الإعراب تُفيد خلق الله للأعمال شرها وخيرها، وهو خلاف ما يعتقدون به بأن الله خلق الخير ولم يخلق الشر؛ لذلك جعلوها بمنزلة (الذي) فرارًا من أن يُقروا بعموم الخلق لله))، ونسب إلى شيخهم عمرو بن عبيد أبي عثمان البصري (ت144هـ) أنه قرأ قوله تعالى: ﴿ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ [الفلق: 2] بالتنوين، وهي قراءة شاذة لجعل الآية بمعنى: من شرِّ لم يَخلقه الله[52].

 

وإذا كان إعراب (ما) هنا مصدرية يُثبت خلق الله للأعمال جميعها، فإعرابها موصولة لا ينفي ذلك، بل هذا هو الوجه الذي يَقتضيه المعنى والسياق؛ ذلك لتكون على نسق ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴾ [الصافات: 95]، الذي فيه (ما) موصولة بلا خلاف، والمعنى: أتعبدون الأصنام التي تَنحتونها؟ ولكون الآية في سياق توبيخ الله للمشركين، في أنه كيف يَصح أن يعبدوا الأصنام التي صنَعوها بأيديهم، ولا يصح أن تكون مصدرية؛ لأنه لا يصح أن يوبِّخهم الله على عبادتهم للأصنام، ثم يبيِّن لهم أنه قد خلق عبادتهم هذه، فالآية بهذا المعنى تكون حجةً لهم لا عليهم، والمراد من خلق الأصنام خلقُ جواهرها لا أشكالها، فخالق جوهرها هو الله، وصانعو أشكالها هم الذين يشكِّلونها بنَحْتهم، وعمل أيديهم، فالوجه أن تكون الآية بمعنى: والله خلقكم وخلقَ ما تعملونه من الأصنام، وليست بمعنى: والله خلقكم وخلق عملكم[53].

 

ومما يرجِّح موصولية (ما) التي حُذف فيها الضمير العائد عليها - عودُ هذا الضمير على نظيرها؛ كما في قوله تعالى: ﴿ يَأْكُلُ مِما تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِما تَشْرَبُونَ ﴾ [المؤمنون: 33].

 

فقد ذهب الفراء إلى أن (ما) الثانية في هذه الآية موصولة، والعائد محذوف، والتقدير: ويَشرب مما تشربون منه[54]، ورد النحاس عليه بأنه لا يجوز حذف (منه)، وأن (ما) مصدرية، لا تحتاج إلى عائد[55]، والوجه أنها موصولة، فهو أدلُّ على نسق النظم.

 

وفيما يتعلق بالضمير العائد على (ما)، فإن النحاة قد وضعوا شروطًا لحذفه، إلا أنه يمكن جمعها بمسوغ عام، وهو أنه يجوز حذف الضمير، إذا دل عليه دليلٌ، ولم يَلتبس حذفه بغيره[56].

 

والغرض من حذف الضمير إعمام معناه؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدعُونَ ﴾ [فصلت: 31]، ولا يذكر إلا عند تخصيص معناه لوجه بلاغي، فالمؤمن يجد في الجنة، جعَلنا الله من أهلها، كل ما تشتهي نفسه، وما لم يَعْهَده من قبلُ، إلا أن نفس الإنسان تشتهي أحيانًا شيئًا بعينه، بأوصاف معينة، فإذا طلب أهل الجنة مثل هذا الشيء كائنًا ما كان، فإن الله سبحانه يُعطيهم إياه بلا زيادةٍ أو نقصان، فالصورة الذهنية التي تستحضرها النفس، يجعلها الله ماثلةً في الواقع، وهذا ما عناه ذكر الضمير العائد في قوله تعالى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴾ [الزخرف: 71].

 

إلا أن الله سبحانه أعدَّ لأهل الجنة أسمى مما يتَّمنونه مما لم تستطع أنفسُهم إدراكَ أوصافه؛ لذلك كثُر حذف الضمير، ولم يذكر في مادة الاشتهاء والادعاء إلا في هذه الآية، وذكرُه هنا يُرجِّح موصولية (ما) في الآية التي سبقتها.



[1] المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات، 354، ومفاتيح الغيب، تفسير الرازي 3/ 218، والتبيان في إعراب القرآن 1/ 99، والجامع لأحكام القرآن /  تفسير القرطبي 2/ 50-51.

[2] جامع البيان عن تأويل آي القرآن 2/ 424.

[3] معاني القرآن وإعرابه 1/ 183-184.

[4] مشكل إعراب القرآن 1/ 106.

[5] الكشاف 1/ 172.

[6] جامع البيان عن تأويل آي القرآن 2/ 424.

[7] زاد المسير في علم التفسير 1/ 122-123.

[8] معاني القرآن 1/ 207.

[9] جامع البيان 6/ 319-320.

[10] إعراب القرآن 1/ 321.

[11] مفاتيح الغيب للرازي (تفسيره) 8/ 16.

[12] مشكل إعراب القرآن 1/ 155.

[13] الكشاف 1/ 352.

[14] التبيان في إعراب القرآن 1/ 253.

[15] البحر المحيط 2/ 426-430.

[16] معاني القرآن وإعرابه 2/ 30، والتبيان في تفسير القرآن تفسير الطوسي 4/ 417، ومجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي 50/ 126.

[17] إعراب القرآن للنحاس 2/ 70، ومشكل إعراب القرآن 1/ 351-352، والأمالي الشجرية 2/ 234-235، ومغني اللبيب 1/ 298.

[18] معاني القرآن 1/ 475.

[19] مشكل إعراب القرآن 1/ 351.

[20] معاني القرآن للفراء 1/ 475، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 280، وجامع البيان 15/ 162، والمحلى لابن شقير ص 289، والأزهية للهروي ص73، والكشف عن وجوه القراءات لمكي القيسي 1/ 522، والكشاف 2/ 362-363.

[21] معاني القرآن للأخفش 2/ 347، والقراءات السبع لابن مجاهد ص 328، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 418-419.

[22] معاني القرآن 2/  136.

[23] الكشاف 2/  707.

[24] معاني القرآن وإعرابه 3/ 273.

[25] البيان في غريب إعراب القرآن 2/ 102.

[26] التبيان في إعراب القرآن 2/  840.

[27] معاني القرآن للفراء2/  145، وجامع البيان 15/  248، ومعاني القرآن وإعرابه 3/ 288، وإعراب القرآن للنحاس 1/  276، ومشكل إعراب القرآن 1/  441، والكشاف 2/  723، والبيان في غريب إعراب القرآن 2/  108.

[28] معاني القران للفراء 2/  187، ومعاني القرآن وإعرابه 3/  369.

[29] إعراب القرآن للنحاس 2/ 350-351، ومشكل إعراب القرآن 2/ 470، والتبيان في إعراب القرآن 2/ 898.

[30] معاني القرآن 2/ 377، وما عملت أيديهم: قراءة حمزة والكسائي وعاصم؛ معجم القراءات 5/ 207.

[31] جامع البيان 23/  4.

[32] معاني القرآن وإعرابه 4/ 286.

[33] إعراب القرآن 2/ 720.

[34] مشكل إعراب القرآن 2/  603.

[35] الكشاف 4/ 15، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 571.

[36] أبَرَ النخل إبرًا وإبارًا وإبارة: أصلحه ولقَّحه، المعجم الوسيط 1/ 2.

[37] معاني القرآن 3/  56.

[38] جامع البيان26/  28.

[39] معاني القرآن 1/  112.

[40] تفسير القرآن لابن كثير 4/ 62.

[41] معاني القرآن وإعرابه 4/  446، والبرهان في علوم القرآن 3/  76، ومشكل إعراب القرآن 2/  668.

[42] الكشاف 4/  308-309.

[43] ديوان المتنبي، شرح الواحدي ص333، وشرح البرقوقي 1/  285.

[44] التبيان في إعراب القرآن 2/  1158.

[45] شرح الرضي 4/ 434.

[46] الكشاف 4/  308-309.

[47] البرهان في علوم القرآن 4/  401، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/ 290، ومعترك الأقران في إعجاز القرآن للسيوطي 2/ 553.

[48] معاني القرآن وإعرابه 2/  303، والكشاف 2/  78، والأمالي الشجرية 1/ 47، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/  349، ومغني اللبيب 1/ 250.

[49] ارتشاف الضرَب من لسان العرب 2/ 438.

[50] معاني القرآن وإعرابه للزجاج 1/ 414.

[51] معاني القرآن للأخفش 2/ 93-94، والبغداديات ص281-283، والكشاف 2/ 590-591، والأمالي الشجرية 2/ 239، والبيان في غريب إعراب القرآن 1/ 92، 2/ 72-73.

[52] مشكل إعراب القرآن 2/ 615-616.

[53] الكشاف 4/ 51-52، وبدائع الفوائد 1/ 148-149.

[54] معاني القرآن 2/ 234، وينظر جامع البيان 18/ 19، والكشاف 3/ 186.

[55] إعراب القرآن 2/ 417، ومشكل إعراب القرآن 2/ 500.

[56] الأمالي الشجرية 1/ 75، 2/ 235، وشرح المفصل لابن يعيش 2/ 152، وتسهيل الفوائد ص 35، وشرح الرضي 3/ 40، ومغني اللبيب 2/ 566.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة