• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الدكتور صغير بن محمد الصغيرد. صغير بن محمد الصغير الدكتور صغير بن محمد الصغير عليه وسلم
شبكة الألوكة / موقع د. صغير بن محمد الصغير / خطب مكتوبة
لمراسلة الدكتور صغير الصغير


Tweets by d_sogher
علامة باركود

خطبة الاصطفاء (2)

خطبة الاصطفاء (2)
د. صغير بن محمد الصغير


تاريخ الإضافة: 11/5/2026 ميلادي - 24/11/1447 هجري

الزيارات: 71

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة الاصطفاء (2)

 

الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[1].


أما بعد:

سُنَّةُ الاصطفاءِ من أعظم السُّنن الإلهيّة التي تتجلّى فيها حكمةُ الله البالغة، وعلمه المحيط، وتدبيره الدقيق لخلقه؛ إذ يختار سبحانه من خلقه ما يشاء، ويُفَضِّل بعضَه على بعض، لا عبثًا، بل لحِكَمٍ عظيمةٍ يعلمها ويُظهر بعضها لعباده، ويُخفي كثيرًا منها رحمةً بهم وابتلاءً لهم. قال تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾[2]، فجمع بين الخلق والاختيار، ليدلّ على أن الاختيار مبنيٌّ على علمٍ تامٍّ وحكمةٍ مطلقة، وأن التسليم له من كمال العبودية، وأن العبد كلما ازداد فقهًا بهذه السنّة ازداد تعظيمًا لربّه، ورضًا بحكمه، وانكسارًا بين يديه.

 

وهنا يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- مبيناً سرّ هذا الاصطفاء: "وهو سبحانه يختار من كل جنس أطيبه وأفضله، فإنه سبحانه طَيِّبٌ لا يحب إلا طيباً، ولا يقبل من العمل والكلام إلا الطيب، فالطيب من كل شيء هو مختارُه تعالى"[3].

 

ومن تأمّل أحوال الخلق رأى آثار هذا الاصطفاء واضحةً جليّة؛ فقد اصطفى الله من البشر صفوةً حملوا رسالته وبلّغوا وحيه، قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾[4]، ثم بلغ الاصطفاء كماله في خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه ربّه: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾[5]، فكان هذا الاصطفاء تشريفًا عظيمًا، لكنه -في الوقت نفسه- تكليفٌ جسيم، وابتلاءٌ عظيم، ولذلك كان الأنبياء أشدّ الناس بلاءً، لأنهم حُمّلوا أمانة الهداية، فاجتمع لهم شرف المقام وثقل التكليف.

 

وكما اصطفى الله من الأشخاص، اصطفى من الأماكن، فجعل لبعض البقاع مزيد شرفٍ وحرمة، وأودع فيها من البركة ما ليس في غيرها؛ فأشرف البقاع على الإطلاق المسجد الحرام، الذي جعله الله قبلةً للناس وأُمًّا للقرى، تضاعف فيه الحسنات، وتُغفر فيه الزلات، وتخشع فيه القلوب، وتذوب فيه الفوارق، ويليه المسجد النبوي، موطن الهجرة ومهبط السكينة، ثم المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومَسْجِدِ الأَقْصَى»[6]، فكان هذا الاصطفاء للأماكن بابًا لتعظيم شعائر الله، وربط القلوب بمواطن الوحي.

 

وكذلك اصطفى الله الأزمنة، فجعل بعضها مواسم للخير والبركة، يفيض فيها فضله، وتتضاعف فيها الأجور؛ فرمضان سيّد الشهور، وفيه نزل القرآن، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ويوم الجمعة خير أيام الأسبوع، والعشر الأوائل من ذي الحجة أحب الأيام إلى الله عملًا، ومن جملة ذلك الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله، فقال: ﴿ إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾[7]، ثم قال سبحانه: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾، فدلّ ذلك على عِظَم شأنها، وأن المعصية فيها أشدّ إثمًا، والطاعة فيها أعظم أجرًا، وقد بين قتادة -رحمه الله- هذا المعنى بقوله: "إن الظلم في الأشهر الحرم أعظمُ خطيئةً ووِزراً من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً، ولكن الله يُعظِّم من أمره ما يشاء"[8].


فهذه الأشهر هي مواسم لتعظيم الله، ومواطن لمراقبته، وأزمنة يتأكّد فيها الكفّ عن الظلم، ومجاهدة النفس، والإقبال على الطاعة. ومن فَقِه هذه الحرمة، لم يتعامل مع هذه الأشهر كغيرها، بل عظّمها في قلبه، وظهر أثر ذلك على جوارحه، فزاد فيها من الخير، وحذر فيها من الشر، واستشعر أنه يعيش زمنًا اختاره الله وشرّفه.

 

ومن بين هذه الأشهر الحُرُم يأتي ذو القعدة، هذا الشهر الذي يُعدّ زمن تهيئةٍ وإعداد، إذ هو من أشهر الحج، وفيه يبدأ القاصدون شدّ الرحال إلى المسجد الحرام ثم عشر ذي الحجة، فكأنّها مقدّمة ربانية لموسم القرب الأعظم، وميدان تزكية قبل بلوغ ذروة المواسم حج بيت الله، حيث تجتمع فضائل الزمان والمكان والعمل في أعظم صورها.

 

وإذا كان الاصطفاء فعلًا إلهيًّا محضًا، يختار الله به ما يشاء، فإن التوفيق هو سرّ الانتفاع بهذا الاصطفاء، وهو العناية الربانية التي تجعل العبد يدرك مواطن الفضل ويغتنمها، ويُقبل على الطاعة بقلبٍ حيّ، ونفسٍ منيبة؛ فقد يعيش الإنسان في زمنٍ فاضل، أو يقيم في مكانٍ مبارك، ولكنه محرومٌ من التوفيق، فلا ينتفع، ولا يرتقي، بينما يُوفَّق آخر في لحظةٍ يسيرة، أو عملٍ قليل، فيبلغ به درجاتٍ عالية. فالاصطفاء بابٌ مفتوح، والتوفيق هو الدخول منه، والفرق بينهما أن الاصطفاء اختيار، والتوفيق عناية، وأن الاصطفاء يُظهِر فضل الله، والتوفيق يُظهِر رحمة الله بالعبد، ولذلك كان من أعظم الدعاء سؤال التوفيق، لأنه مفتاح كل خير.

 

وصَدَق الإمام ابن القيم -رحمه الله- حين لخص حقيقة التوفيق بقوله: "أجمع العارفون بالله أن التوفيق هو ألا يَكِلَك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يُخَلِّيَ بينك وبين نفسك"[9].


ولإدراك هذا التوفيق ونيله وسائلُ جليلة دلّ عليها الشرع، من أعظمها الإخلاص لله تعالى، فإن العمل لا يرفع ولا يزكو إلا إذا كان خالصًا لوجهه، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[10]، فالإخلاص روح الأعمال وسرّ قبولها. ومن وسائل التوفيق المبادرة إلى الخير وعدم التسويف، فإن القلوب إذا فُتحت لها أبواب الطاعة فبادرت ثبتت، وإذا سوّفت أُغلقت، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾[11]، فالمبادرة علامة حياة القلب. ومن أعظمها كذلك متابعة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، فإن الهداية كل الهداية في اتباع سنّته، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾[12]، فمن وافق عمله هدي النبي كان أقرب إلى القبول والتوفيق. ولا يتم ذلك إلا بكثرة الدعاء والافتقار إلى الله، إذ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»[13]، فالدعاء مفتاح التوفيق، وسلاح المؤمن في طلبه.

 

ومن هنا، فإن تعظيم الأشهر الحرم ليس مجرد معرفةٍ علمية، بل هو عمل قلبي وسلوكي، يورث المبادرة إلى الطاعات، والمسارعة إلى مواسم الخير، ويقود العبد إلى اغتنام أعظم هذه المواسم، وهو الحج إلى بيت الله الحرام؛ قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾[14]، فالحج فريضة العمر، وموسم الاصطفاء الأعظم، يجتمع فيه شرف الزمان والمكان والعمل، ومن استطاع إليه سبيلًا وجب عليه أن يبادر ولا يسوّف، فإن الأعمار محدودة، والقدرة قد تزول، والفرص قد لا تتكرر، فكم من مؤمّلٍ أخّر فحُرم، وكم من قادرٍ سوّف فلم يُمهل، والسعيد من اغتنم نداء الله حين يُفتح له بابه.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

أخي الكريم: إذا تأمّلت حالك علمتَ أن أعظم اصطفاءٍ نلته أن اختارك الله مسلمًا موحّدًا، فهداك لما ضلّ عنه كثيرٌ من الخلق، وشرح صدرك للإيمان، فذلك فضلٌ ليس بعده فضل، ومنّةٌ تستوجب دوام الحمد والشكر. ثم لم يقف الاصطفاء عند أصل الهداية، بل امتدّ ليشملك بتوفيقٍ خاص، فاختارك للمسارعة إلى الصلاة، وللتبكير إلى الجمعة، وللمحافظة على الفرائض، والبذل في الصدقات، فهذه ليست أعمالًا تقع اتفاقًا، بل هي دلائل عنايةٍ من الله بك، واختيارٍ لك لتكون من أهل طاعته. فاحمده على هذا الاصطفاء الظاهر والباطن، واشكره شكرًا يليق بعظيم نعمته، وازدد إقبالًا عليه، فإن من شكر النعمة ثباتُها وزيادتُها، ومن أعرض عنها خشي أن يُحرمها.

 

إن سنة الاصطفاء ليست قضيةً تُدرَس فحسب، بل هي نورٌ يُهتدى به، ومنهجٌ يُسلك، تُعلّم العبد أن يعظّم ما عظّمه الله، وأن يطلب الفضل من أبوابه، وأن يسأل التوفيق قبل كل شيء؛ فربّ زمانٍ مصطفى لا ينفع بلا توفيق، وربّ عملٍ يسير يرفعه التوفيق إلى أعلى الدرجات، فإذا اجتمع للعبد إدراك مواطن الاصطفاء، وحسن التوفيق فيها، فُتحت له أبواب القرب، وسار في طريق المصطفين الأخيار، ونال من فضل الله ما لا يخطر له على بال.

 

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً



[1] [الأحزاب: 70-71].

[2] [القصص: 68].

[3] زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 43).

[4] [آل عمران: 33].

[5] [الأنعام: 124].

[6] متفق عليه، أخرجه البخاري (1189)، ومسلم (1397)، من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما بألفاظ متقاربة.

[7] [التوبة: 36].

[8] انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، عند تفسيره لآية سورة التوبة (آية 36).

[9] الفوائد (ص: 127).

[10] [البينة: 5].

[11] [البقرة: 148].

[12] [النور: 54].

[13] أخرجه الترمذي (2140)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (12128) من حديث أنس رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.

[14] [آل عمران: 97].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • كتب وبحوث
  • مقالات
  • خطب مكتوبة
  • صوتيات
  • الاستشارات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة