• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع ملفات خاصة / رمضان / خطب رمضان والصيام


علامة باركود

استقبال رمضان بين الشوق والحرمان (خطبة)

استقبال رمضان بين الشوق والحرمان (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد


تاريخ الإضافة: 16/2/2026 ميلادي - 28/8/1447 هجري

الزيارات: 2018

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

استقبال رمضان بين الشوق والحرمان

 

الحمد لله يمنُّ على عباده بمواسم الخيرات، ليغفر لهم بذلك الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، وليضاعف لهم به الأجور، ويرفع الدرجات، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واسع العطايا، وجزيل الهبات، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، أفضل المخلوقات، أتقى الناس لربه وأخشاهم له في جميع الحالات، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


أهمية الحديث عن استقبال رمضان:

معاشر المسلمين، أيام قلائل وتهل علينا أعظم نفحات الدهر والزمان، والرحمة والغفران، وتكتمل- بإذن الله-تعالى - دورة الفلك، ويشرف على الدنيا هلال رمضان المبارك، الذي تهفو إليه نفوس المؤمنين، وتتطلع شوقًا لبلوغه؛ لتنتظم في مدرسته التي تفتح أبوابها كل عام، فتستقبل أفواج الصائمين والصائمات في كل أرجاء المعمورة، فمع ضجيج الحياة، وزحام الدنيا، مع النزوات العابرة، والشهوات العارمة، والفتن المتلاطمة، والحياة المتسارعة، والحروب المدمرة، ومع الفقر والجوع وغلاء الأسعار وجور السلطان وتقلب الزمان على أصحابه، تأتي مدرسة رمضان، لتعيد للقلوب صفاءها، وللنفوس إشراقها، وللضمائر نقاءها، فيجول رمضان في أرجاء النفس؛ ليغرس بذور الخير والصلاح والإصلاح، ومن حرم خيره فهو محروم غاية الحرمان.

 

القرآن والسنة يحدثاننا عن رمضان:

أيها المسلمون، لقد تحدَّث القرآن والسنة عن رمضان بآيات عظيمة وأحاديث كريمة تدل على عظم شهر رمضان، وأنه من أفضل شهور العام؛ لما فيه من الخير العظيم، وأن الله خصَّه من دون الشهور بنزول القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]، أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في رمضان، في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان: 3]، ونزل على رسول الله في رمضان في ليلة القدر؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1]، وفرض الله صيام شهر رمضان على الأمة لشرف نزول القرآن فيه؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، فالصيام والقرآن هما الشفيعان القرينان، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامَةِ، يقولُ الصيامُ: أي ربِّ، إِنَّي منعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ فشفِّعْنِي فيه، يقولُ القرآنُ: ربِّ، منعتُهُ النومَ بالليلِ فشفعني فيه، فيَشْفَعانِ))؛ صحيح الجامع.


وبيَّن الله الغاية الكبرى لصيام شهر رمضان أنها تحقيق التقوى؛ قال الله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، وبيَّن القرآن المدى الزمني للصيام أنه شهر رمضان، وهو ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 184]، وبيَّن القرآن أن صوم رمضان فرض لمن شهد الشهر وهو صحيح مقيم غير مسافر؛ قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185].

 

وفي السُّنَّة النبوية أن شهر رمضان من الشهور التي فيها يكون الأجر تامًّا غير منقوص، وإن كان الشهر تسعًا وعشرين يومًا، فعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شَهرا عيدٍ لا ينقصانِ: رمضانُ وذو الحِجَّةِ))؛ رواه البخاري ومسلم.


رمضان شهر تشتاق النفوس إليه:

أيها المسلمون، يحل شهر رمضان المبارك بعد أيام ضيفًا على أمة الإسلام في أصقاع المعمورة، فرمضان إذا أقبل، أشرقت أنواره، وارتفع مناره، وتنسمت النفوس الطيبة عبق أزهاره، إذا أقبل رمضان يحمل البشرى للصائمين، والأمل للقائمين، والرفعة للقارئين، والمضاعفة للمتصدِّقين، والعفو والمغفرة للتائبين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صامَ رمضانَ وقامَهُ إيمانًا واحتسابًا غفرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ))؛ صحيح ابن ماجه.


إذا أقبل رمضان نزلت فيه البركات، وحمل معه النفحات، نفحات ننجو بها من شقاء الدنيا وتعاسة الآخرة، فعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((افْعَلوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وتَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من عبادِهِ، وسَلوا اللهَ أنْ يَسْتُرَ عَوْراتِكُمْ، وأنْ يُؤَمِّنَ رَوْعاتِكُمْ))؛ (حسن السلسلة الصَّحِيحَة للألباني)).


وشهر رمضان من أعظم مواسم نفحات ربنا سبحانه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((أتاكم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّةِ، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ))؛ رواه النسائي وصححه الألباني.


وإذا أقبل رمضان تغيَّر معه الكون كله؛ تُصفَّد الشياطين، وتُفتَح أبواب الجنة، تُفتَح فيه أبواب السماء، وتتنزَّل الملائكة في ليلة القدر، وتكثر الملائكة، ويُقام التهجد والاعتكاف والقرآن، كل ذلك له؛ لأن شهر رمضان أقبل فهو موسم مبارك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ))؛ البخاري ومسلم.


والصيام عد من أعظم أبواب الخير؛ لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: قالَ: ألا أدلُّكَ علَى أبوابِ الخيرِ؟ الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقةُ تطفئُ الخطيئةَ، كَما يطفئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجلِ في جوفِ اللَّيلِ، ثمَّ تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16].. حتَّى بَلغَ: ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17])).


أيها الأحبة، فإذا كان الشوق لرمضان عظيمًا؛ لما يحمل فيه من الخير العميم، كان دليلًا على عظم الإيمان في النفوس، وترقُّب المؤمن للحظات اللقاء بالضيف القادم هو في حد ذاته أجرٌ ومثوبة، فليكن رمضان المبارك خطوة نحو التغيير إلى الأفضل لنؤكد حقيقة دين الإسلام أنه عقيدة من أجلها أرسلت الرسل، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وعبادات وأحكام ومعاملات، فالعبادات في الإسلام ليست طقوسًا ومظاهرَ جوفاءَ دون تأثير وأثر؛ بل لها مقاصدها وغاياتها وحكمها حين يسبقها دومًا النية الصادقة والإخلاص في الأعمال والأقوال لله عز وجل، فتثير العبادات في القلب الرغبة والحب والإقبال على الطاعات وموائد الخير والأعمال الصالحة، خصوصًا في مواسم العبادات العظيمة مثل شهر رمضان، لينبثق عنها في واقع الحياة ممارسات وسلوك تصلح به الحياة، ويعم الخير والإحسان، فتجد أن عبادة الوضوء للطهارة؛ قال الله تعالى: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ [المائدة: 6]، والصلاة لدفع الفحشاء والمنكر، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، والصيام لتحقيق التقوى؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ ﴾ [البقرة: 183]، وغيرها من العبادات، ويكون المعنى الحقيقي للعبادة أنها جامعة لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهي تتضمن غاية الخضوع والحب لله تعالى، وميدانها الحياة كلها تقام في كل ساحات الحياة في المسجد والمنزل، في المعمل والمشفى، في المزارع والمحاكم، في المدرسة والجامعة والملعب. وغيرها، فمؤانسة الزوجة والإحسان إليها عبادة ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، وطاعة الزوج وبره عبادة ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 34]، وتربية الأبناء عبادة ﴿ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: 6]، والوفاء بالعقود في معاملاتنا الحياتية عبادة ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، والحشمة والعفة عبادة ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾ [الأحزاب: 33]، والعدل في الحكم عبادة ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: 58]، ودعوة الخلق إلى الله عبادة ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ [النحل: 125]، ودراستك في المدرسة أو الجامعة أو الجامع أو المنزل عبادة ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، وسعيك في الأرض للعمل وتحصيل المال الحلال عبادة ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ﴾ [الملك: 15]، والصبر على الشدائد عبادة ﴿ اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾ [آل عمران: 200]، والصلاة والزكاة عبادة ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، والصيام عبادة ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ ﴾ [البقرة: 183]، والحج عبادة ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97]، وتلاوة القرآن الكريم من أجلِّ الطاعات وأعظم العبادات التي يمكن للمسلم أن يتقرَّب بها إلى الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلً ﴾ [المزمل: 4]، وتكون عبادة قراءة القرآن أفضل وأشرف في شهر أنزل فيه القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]، فإذا عاش المسلم رمضان بهذه العبادات وهذه النيات جعل حياته كلها عبادة، وأزمنته كلها عبادة، وفي كل مكان حلَّ به يقيم عبادة، يتقرب بها إلى الله تعالى، ويحقق المعنى العظيم للعبادة ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].

 

رمضان بين الغفلة والحرمان:

أيها المسلمون، إن الحياة فرصة، والفرص متجددة، وهي لا تُحصى، متنوعة الأشكال، وحاضرة في كل مكان، بعضها تغير مسار حياة، وبعضها لا تتكرر، والتسويف يضيِّع الفرص، فتتزاحم الأعباء، وتتأخر الأعمال، ويتشتَّت الفكر، فلا يبصر الفرص، ولا ينجز العمل، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من القوة ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد)، والفرص يقتلها التردد، الذي يفوت الفوز، ويبقى المرء في مكانه والركب يسير؛ قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]، ومن سوَّف وتردَّد أصيب بالغفلة، ومن أُصيب بالغفلة، فوَّت الفرص، وأهدر النعم، وقتل الوقت بالبطالة، ثم تحسَّر في وقت لا تنفع فيه الحسرات؛ قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم: 39]، ثم تكون الندامة الكبرى حين يسألون ويطلبون فرصة أخرى يقولون: ﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ [المؤمنون: 106، 107]، فيقول الله لهم: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ [المؤمنون: 108]، وأشد الحمق التغافل عن مواسم الطاعات، وأعظم الغبن تفويت مواطن القربات، ورغم أنف عبد أدرك رمضان ولم يغفر له، وخاب من فوت بركات الصيام في اللغو والرفث، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ورَغِمَ أنفُ رجلٍ دخلَ علَيهِ رمضانُ ثمَّ انسلخَ قبلَ أن يُغفَرَ لَهُ))؛ (صحيح الترمذي).


فإذا استحكمت الغفلة على الإنسان أصيب بالحرمان وإن من الحرمان أن يجعل الإنسانُ من أيَّام رمضان ولياليه كسائر أيام العام ولياليه، لا يُغيِّرُ من حياته شيئًا، ولا يتقرَّبُ إلى الله بقُربةٍ، ولا يعزمُ على قراءة قُرآنٍ، ولا يُرى في صلاة تراويح، ولا حتى مع الصائمين، ألا فليكن رمضان هذا العام موعد صدق مع الله، وعهدًا جديدًا مع النفس، وخطوة ثابتة في درب المتقين؛ فإن الخاسر حقًّا من أدرك رمضان ثم انقضى، ولم يُبدِّل فيه قلبًا، ولم يُصلح فيه حالًا، ولم يُكتب في ديوان العتقاء، والله يدعوه ليتوب عليه ويغفر له ويكرمه ويفتح له باب التوبة، يجعل له فرصًا، ليُخفِّف عن نفسه الأحمال، ويعيد لنفسه راحتَها وأمْنَها واستقرارَها، تأمَّل قول الله جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 27، 28].

 

كيف نستقبل شهر رمضان ونعيشه؟

أيها المسلمون، بعد أقل من أسبوع، سنستقبل ضيفًا وزائرًا عزيزًا كريمًا على الأمة الإسلامية قاطبة، هذا الزائر الخفيف الظل، الفائض الخيرات، وهذا الضيف الذي تتنزَّل معه البركات، وتفيض فيه الرحمات، جعله الله محطة عظيمة في حياة الفرد المسلم، يراجع فيها عمله، ويحاسب نفسه، فيقوم الاعوجاج، ويصلح الخطأ، فالله قد جعل لعباده مناسبات للتقييم والتقويم، مناسبات يومية وأسبوعية وسنوية، فالصلوات الخمس، مدرسة نقيم فيها عملنا اليومي، وصلاة الجمعة مدرسة نقيم فيها عملنا الأسبوعي، ورمضان مدرسة نقيم فيه عملنا السنوي، فكيف نستقبله ونعيشه؟

 

1- النية الخالصة: من التأهب لرمضان وحسن الاستعداد له: أن تعقد العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجر السيئات، وعلى بذل المجهود واستفراغ كل الوسع في استغلال كل لحظة فيه في رضا الله سبحانه.

 

2- التوبة الصادقة: وهي واجبة في كل وقت ومن كل ذنب، ولكنها في موسم الطاعة أوجب، قال الله تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31].

 

3- معرفة شرف الزمان: فالوقت هو الحياة، وهو رأس مالك الذي تتاجر فيه مع الله، وتطلب به السعادة، وكل جزء يفوت من هذا الوقت خاليًا من العمل الصالح، يفوت على العبد من السعادة بقدره؛ قال ابن الجوزي: (ينبغي للإنسان أن يعرف شرف وقيمة وقته فلا يضيع فيه لحظة في غير قربة).


4- تعلم أحكام فقه الصيام: حتى يتم الإنسان صيامه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه فيسحتق بذلك تحصيل الأجر والثواب وتحصيل الثمرة المرجوَّة والدرَّة الغالية؛ وهي التقوى.

 

5- المحافظة على القيام: وهي سُنَّة عظيمة ولذة عجيبة، وجنة للمؤمنين في هذه الحياة ومدرسة تتربَّى فيها النفوس، وتزكى فيها القلوب، وتهذب فيها الأخلاق.

 

6- أن نعيش مع القرآن تلاوةً وحفظًا وتدبرًا: فرمضان شهر القرآن، فللقرآن في رمضان مزية خاصة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدارس القرآن مع سيدنا جبريل في رمضان كما في حديث ابن عباس، وذلك كل ليلة، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل في قيامه جدًّا كما في حديث حذيفة.

 

7ـ المسابقة والجدية: وهي أصل في العبادة كما في كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]، وقال سبحانه: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21].

 

8- أن تجعل لك في كل سهم نصيب: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا، قَالَ: ((نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))؛ متفق عليه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • رمضان
  • العيد سنن وآداب
  • شهر شعبان بين ...
  • ملف الحج
  • محمد صلى الله عليه ...
  • الإسراء والمعراج
  • في الاحتفال بأعياد ...
  • العطلة وأيام ...
  • المرأة في الإسلام
  • الإنترنت (سلبيات ...
  • كورونا وفقه الأوبئة
  • الرقية الشرعية
  • قضايا التنصير في ...
  • في الاحتفال بالمولد ...
  • رأس السنة الهجرية
  • الكوارث والزلازل ...
  • في يوم عاشوراء
  • مكافحة التدخين ...
  • زواج المسيار ...
  • العولمة
  • التلفاز وخطره
  • قضية حرق المصحف
  • مأساة المسلمين في ...
  • ملف الصومال
  • نصرة أم المؤمنين ...
  • رأس السنة الميلادية
  • العصبية القبلية
  • كرة القدم في
  • مسلمو بورما ...
  • ملف الاستشراق
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة