• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع ملفات خاصة / العيد سنن وآداب / خطب


علامة باركود

خطبة عيد الفطر المبارك 1447: الفرار إلى الله تعالى

خطبة عيد الفطر المبارك 1447: الفرار إلى الله تعالى
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


تاريخ الإضافة: 18/3/2026 ميلادي - 29/9/1447 هجري

الزيارات: 959

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة عيد الفطر المبارك 1447

(الفرار إلى الله تعالى)

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعِزِّ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَالْمُلْكِ الَّذِي لَا يُضَامُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْفَضْلِ وَالْمَنِّ وَالْإِنْعَامِ.

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، وَأَعَانَنَا عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى؛ فَإِنَّكُمْ صُمْتُمْ وَقُمْتُمْ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ، وَكُنْتُمْ مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ بِهِدَايَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَوْفِيقِهِ، وَقَدِ ارْتَجَزَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ وَقَالَ: «وَاللَّهِ ‌لَوْلَا ‌اللَّهُ ‌مَا ‌اهْتَدَيْنَا... وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا»، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِدِينِهِ، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ الثَّبَاتَ عَلَيْهِ إِلَى الْمَمَاتِ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ تَقَاصَرَتِ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِ عَظَمَتِهِ، وَشَهِدَتِ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَدَلَّتْ أَفْعَالُهُ عَلَى حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَكُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ خَاضِعٌ لِتَدْبِيرِهِ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ؛ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ نَجَّاهُ، وَمَنِ اسْتَنْصَرَ بِهِ نَصَرَهُ، وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِهِ أَعَاذَهُ، وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ آوَاهُ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: كُلُّ مَنْ خَافَ شَيْئًا فَرَّ مِنْهُ، إِلَّا مَنْ خَافَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَفِرُّ مِنْهُ إِلَيْهِ؛ فَهُوَ الْمَفَرُّ لِلْعَبْدِ فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، وَهُوَ الْمَفَرُّ لِلْعَبْدِ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ. فَالْفِرَارُ إِلَيْهِ نَجَاةٌ وَسَعَادَةٌ، وَالْفِرَارُ مِنْهُ هَلَاكٌ وَشِقْوَةٌ. يَفِرُّ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْجُحُودِ وَالتَّكْذِيبِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، وَيَفِرُّونَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَمِنَ الْبِدْعَةِ إِلَى السُّنَّةِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَعِبَادَتِهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لَقَدْ فَرَّ أَهْلُ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْمَعَاصِي مِنْ شِقْوَتِهِمْ وَضِيقِهِمْ إِلَى الْخُمُورِ وَالْمُسْكِرَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ لِتُخَفِّفَ عَنْهُمْ؛ فَمَا زَادَتْهُمْ إِلَّا تَعَاسَةً وَضِيقًا، وَلَا فِرَارَ لَهُمْ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَفِرُّوا -أَيُّهَا الصَّائِمُونَ- مِمَّا سِوَى اللَّهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فِرُّوا مِنْ أَنْفُسِكُمُ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَاللَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِكُمْ؛ ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 50].

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

وَفِي سِيَرِ الْفَارِّينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَفَاضِلِ الْبَشَرِ أَبْلَغُ مُعْتَبَرٍ: فَرَّ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ شِرْكِ قَوْمِهِ؛ ﴿ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: 26]، وَحِينَ أَرَادُوا الْكَيْدَ بِهِ فَرَّ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الصَّافَّاتِ: 99]، وَفَرَّ أَيُّوبُ فِي مَرَضِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 83]، وَفَرَّ يُونُسُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ مِنْ كُرْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يُنْجِيهِ مِنْهَا غَيْرُهُ؛ ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 87]؛ فَشُفِيَ أَيُّوبُ، وَنُجِّيَ يُونُسُ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِذَا فَرَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَالدُّعَاءِ؛ ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 88]، وَكَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفِرُّ مِنْ كُلِّ كَرْبٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى صِلَةٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَبِالدُّعَاءِ مُسْتَغِيثًا بِاللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ [الْأَنْفَالِ: 9]، وَفَرَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حِينَ اخْتَارَ لِقَاءَهُ سُبْحَانَهُ وَقَالَ: «فِي ‌الرَّفِيقِ ‌الْأَعْلَى» فَقَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ. وَفِي آخِرِ الْأَدْعِيَةِ قُبَيْلَ النَّوْمِ يُعْلِنُ الْمُؤْمِنُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِرَارَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حِينَ يَقُولُ: «‌لَا ‌مَلْجَأَ ‌وَلَا ‌مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ».

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

وَحِينَ تُلْقِي الْحُرُوبُ بِكَلْكَلِهَا، وَيَشْتَدُّ ضِرَامُهَا، وَلَا يُرَى أُفُقٌ لِنِهَايَتِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا مَفَرَّ لِلْعِبَادِ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَالدُّعَاءِ. وَحِينَ تَتَنَاوَشُ النَّاسَ فِتَنٌ عَمْيَاءُ دَهْمَاءُ، وَتُحِيطُ بِهِمْ مِحَنٌ بَكْمَاءُ صَمَّاءُ؛ فَلَا مَفَرَّ لَهُمْ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَحِينَ يَخَافُ النَّاسُ عَلَى أَمْنِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ حَالَ اضْطِرَابِ الْعَالَمِ سِيَاسِيًّا وَعَسْكَرِيًّا وَاقْتِصَادِيًّا؛ فَلَا مَفَرَّ لَهُمْ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَانُ الْخَائِفِينَ، وَمُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ، وَالْعَاصِمُ مِنَ الْفِتَنِ، وَالْحَافِظُ فِي الْمِحَنِ. وَأَمَّا الْبَشَرُ فَمَهْمَا كَانَتْ كَثْرَتُهُمْ، وَمَهْمَا عَظُمَ جَمْعُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ قُوَّتُهُمْ، وَعَلَتْ مَنْزِلَتُهُمْ؛ فَإِنَّهُ لَا أَمْرَ لَهُمْ؛ ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 128]، ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 154]، ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 17]، فَفِرُّوا إِلَى الْعَظِيمِ الْقَدِيرِ مِمَّا تَخَافُونَ وَتَحْذَرُونَ، وَعَلِّقُوا بِهِ قُلُوبَكُمْ، وَاصْدُقُوا فِي التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَلَا يَهُولُكُمْ أَمْرُ الْبَشَرِ مَهْمَا تَسَلَّحُوا وَتَقَدَّمُوا؛ فَإِنَّهُمْ أَضْعَفُ مِمَّا تَظُنُّونَ؛ ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 175].

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


وَفِي عَالَمٍ يَمُوجُ بِأَحْدَاثٍ كُبْرَى، تَتَغَيَّرُ فِيهَا مَوَازِينُ الْقُوَى، وَتَتَبَدَّلُ وَلَاءَاتُ الدُّوَلِ؛ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ تَدْبِيرَ الْكَوْنِ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَاضِعٌ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ؛ فَبِقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ كَتَبَ هَزِيمَةَ قُوًى مُحَارِبَةٍ مَا ظَنَّ النَّاسُ وَقْتَهَا أَنْ تُهْزَمَ، وَأَسْقَطَ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ أَفْرَادًا وَدُوَلًا تَمْتَلِكُ أَذْرِعَةً إِعْلَامِيَّةً ضَخْمَةً تُزَوِّرُ بِهَا الْحَقَائِقَ، وَتُرَوِّجُ بِهَا الْأَكَاذِيبَ، ثُمَّ فُضِحَتْ فَكَانَ الْإِعْلَامُ وَبَالًا عَلَيْهَا فِي نَشْرِ فَضَائِحِهَا، وَهَذَا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكِيدَ بِالْكَائِدِينَ، وَيَمْكُرَ بِالْمَاكِرِينَ؛ ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾[الْأَنْفَالِ: 30]،﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ [الطَّارِقِ: 15-17]، وَإِلَّا فَمَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ أَفْرَادًا وَدُوَلًا كَادَتْ لِلْإِسْلَامِ وَحَارَبَتْهُ سَقَطَتْ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ بِتَتَابُعِ فَضَائِحِهَا أَمَامَ الْعَالَمِينَ؛ فَاللَّهُمَّ اسْتُرْنَا وَلَا تَفْضَحْنَا فِي خَلْقِكَ.

 

وَلْنَعْلَمْ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: لَقَدْ تَحَالَفَ أَهْلُ الْبَاطِلِ لِوَأْدِ الْإِسْلَامِ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَأَرْجَفَ الْمُنَافِقُونَ وَحَرَّضُوا، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَتَهُمُ الْكَيْدُ لِبَعْضِهِمْ، وَنَشْرُ فَضَائِحِهِمْ، وَتَصَدُّعُ تَحَالُفِهِمْ، وَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَبَعْدُ. لَقَدِ اسْتَقْوَوْا بِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى دِينِ اللَّهِ فَخُذِلُوا، وَكَادُوا لِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَدْبَرُوا، وَكَذَبُوا عَلَى الْأَبْرِيَاءِ فَفُضِحُوا، وَعَسَى أَنْ تَكُونَ بِدَايَاتِ قَطْعِ دَابِرِ أَعْدَاءِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 111]، وَاللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَدَاوِمُوا عَلَى عِبَادَتِهِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ فَارَقَكُمْ شَهْرُ التَّقْوَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ يُتَّقَى فِي كُلِّ حِينٍ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَ رَمَضَانَ، وَمِنْ ذَلِكَ صِيَامُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ؛ فَمَنْ صَامَهَا مَعَ رَمَضَانَ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَمُرُّ هَذَا الْعِيدُ وَالْعَالَمُ يَضْطَرِبُ بِالْحُرُوبِ. حُرُوبٌ عَبَثِيَّةٌ لِلْهَيْمَنَةِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى حِسَابِ دِمَاءِ الْبَشَرِ وَآلَامِهِمْ، وَتَرْمِيلِ نِسَائِهِمْ، وَتَيْتِيمِ أَطْفَالِهِمْ. عَالَمٌ مُتَوَحِّشٌ لَا يَعْرِفُ إِلَّا مَبْدَأَ الْقُوَّةِ، وَالْقَوَانِينُ الَّتِي سَنَّهَا الْأَقْوِيَاءُ وَفَرَضُوهَا عَلَى الْعَالَمِ هُمْ مَنْ يَنْتَهِكُهَا. وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ هَذَا الظُّلْمُ الْعَظِيمُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى عِبَادِهِ، وَتَوَعَّدَ الظَّالِمِينَ بِالْأَخْذِ وَالْقَصْمِ؛ وَلَكِنَّهَا سُنَّتُهُ تَعَالَى فِي الْإِمْلَاءِ لِلظَّالِمِ، وَامْتِحَانِ الْمَظْلُومِ، وَتَسْلِيطِ الظَّالِمِينَ عَلَى الظَّالِمِينَ؛ لِيَؤُولَ ذَلِكَ إِلَى عُلُوِّ الْحَقِّ وَزُهُوقِ الْبَاطِلِ، بَعْدَ غَرْبَلَةِ النَّاسِ وَتَمْحِيصِهِمْ.

 

اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ: لَا شَيْءَ يُثَبِّتُ الْقُلُوبَ فِي حَالِ الْحُرُوبِ وَالْخَوْفِ إِلَّا الْفِرَارُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ؛ وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ ‌كَهِجْرَةٍ ‌إِلَيَّ»؛ فَأَكْثِرْنَ يَا إِمَاءَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْعَصِيبَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَمَنْ كَانَتْ مُتَسَاهِلَةً فِي حِجَابِهَا وَحِشْمَتِهَا فَلْتَفِرَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ؛ فَإِنَّهُ لَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، وَلَا حَافِظَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا مُنْجِيَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اسْتَحْضِرُوا فِي عِيدِكُمْ مَنْ أُصِيبُوا فِي هَذِهِ الْحُرُوبِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ تَعَالَى إِذْ عَافَاكُمْ، وَسَلَّمَ بِلَادَكُمْ، وَجَمَعَ شَمْلَكُمْ، وَسَلُوهُ دَوَامَ الْعَافِيَةِ، وَالْإِعَانَةَ عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ.

 

أَعَادَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالْعِزِّ وَالتَّمْكِينِ، وَتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • رمضان
  • العيد سنن وآداب
  • شهر شعبان بين ...
  • ملف الحج
  • محمد صلى الله عليه ...
  • الإسراء والمعراج
  • في الاحتفال بأعياد ...
  • العطلة وأيام ...
  • المرأة في الإسلام
  • الإنترنت (سلبيات ...
  • كورونا وفقه الأوبئة
  • الرقية الشرعية
  • قضايا التنصير في ...
  • في الاحتفال بالمولد ...
  • رأس السنة الهجرية
  • الكوارث والزلازل ...
  • في يوم عاشوراء
  • مكافحة التدخين ...
  • زواج المسيار ...
  • العولمة
  • التلفاز وخطره
  • قضية حرق المصحف
  • مأساة المسلمين في ...
  • ملف الصومال
  • نصرة أم المؤمنين ...
  • رأس السنة الميلادية
  • العصبية القبلية
  • كرة القدم في
  • مسلمو بورما ...
  • ملف الاستشراق
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة