• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب موقع الأستاذ الدكتور محمود بن أحمد بن صالح الدوسريد. محمود بن أحمد الدوسري شعار موقع الأستاذ الدكتور محمود بن أحمد بن صالح الدوسري
شبكة الألوكة / موقع د. محمود بن أحمد الدوسري / خطب


علامة باركود

من وسائل الإيضاح في الأمثال النبوية (خطبة)

من وسائل الإيضاح في الأمثال النبوية (خطبة)
د. محمود بن أحمد الدوسري


تاريخ الإضافة: 5/10/2026 ميلادي - 24/4/1448 هجري

الزيارات: 43

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من وسائل الإيضاح في الأمثال النبوية


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ: الْأَمْثَالُ الُوْارِدَةُ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: هِيَ الْجَوَامِعُ مِنَ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ، وَالْعِبَارَاتُ الْوَجِيزَةُ الَّتِي لَمْ يُصَرَّحْ فِيهَا بِلَفْظِ (التَّشْبِيهِ) أَوِ (التَّمْثِيلِ)، وَتَحْمِلُ مَعَانِيَ بَلِيغَةً، وَعَمِيقَةً، تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْثَالِ.

 

وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَمْثَالِ الْمُصَرَّحَةِ: أَنَّ الْأَمْثَالَ الْمُصَرَّحَةَ يُذْكَرُ فِيهَا حَرْفُ التَّشْبِيهِ؛ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ...» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. بَيْنَمَا الْأَمْثَالُ الْوَارِدَةُ تَأْتِي كَجُمْلَةٍ حَكِيمَةٍ، أَوْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ بَلِيغَةٍ.

 

وَعِنْدَ اسْتِقْرَاءِ الْأَمْثَالِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ؛ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْأَمْثَالَ عَلَى نَوْعَيْنِ:

1- الْأَمْثَالُ الْمُصَرَّحَةُ: وَهِيَ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ (الْمَثَلِ)، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى (التَّشْبِيهِ)؛ كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ[1]، أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ[2] لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

 

2- الْأَمْثَالُ الْوَارِدَةُ: وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُصَرَّحْ فِيهَا بِلَفْظِ التَّمْثِيلِ، وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مَعَانٍ رَائِعَةٍ فِي إِيجَازٍ، يَكُونُ لَهَا وَقْعُهَا إِذَا نُقِلَتْ إِلَى مَا يُشَابِهُهَا؛ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» صَحِيحٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يُلْدَغُ[3] الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

 

وَجَاءَتِ الْأَمْثَالُ الْوَارِدَةُ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ بِصُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَفِيهَا أَدَوَاتٌ تَوْضِيحِيَّةٌ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ وَالْبَيَانِ، وَمِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ:

1- ضَرْبُ الْمَثَلِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْأَصَابِعِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. فَأَضَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ هَذَا الْمَثَلِ – فِي تَشْبِيهِ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ بِالْبُنْيَانِ – تَشْبِيكَ الْأَصَابِعِ زِيَادَةً فِي التَّوْضِيحِ وَالْبَيَانِ؛ لِأَهَمِّيَّةِ الْعَلَاقَةِ الْأَخَوِيَّةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَرَابُطِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، وَلَمْ يَأْتِ هَذَا التَّشْبِيكُ عَنْ فَرَاغٍ.

 

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَهَذَا التَّشْبِيكُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ وَفَائِدَةٍ، لَمْ يَكُنْ عَبَثًا؛ فَإِنَّهُ لَمَّا شَبَّهَ شَدَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبُنْيَانِ، كَانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالْقَوْلِ، ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِالْفِعْلِ، فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ؛ لِيَتَأَكَّدَ بِذَلِكَ الْمِثَالُ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ، وَيَزْدَادَ بَيَانًا وَظُهُورًا. وَيُفْهَمُ مِنْ تَشْبِيكِهِ: أَنَّ تَعَاضُدَ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَهُمْ كَتَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ، فَكَمَا أَنَّ أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ مُتَعَدِّدَةٌ فَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَشْخَاصُهُمْ فَهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَتَجْمَعُهُمْ أُخُوَّةُ النَّسَبِ إِلَى آدَمَ وَنُوحٍ، وَأُخُوَّةُ الْإِيمَانِ)[4]. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (يُسْتَفَادُ مِنْهُ: أَنَّ الَّذِي يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ أَقْوَالِهِ يُمَثِّلُهَا بِحَرَكَاتِهِ؛ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ)[5].

 

2- ضَرْبُ الْمَثَلِ بِالْإِشَارَةِ؛ لِبَيَانِ قُرْبِ السَّاعَةِ: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَذِهِ مِنْ هَذِهِ - أَوْ كَهَاتَيْنِ - وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. (فَشَبَّهَ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ - مَعَ مَا انْقَضَى - بِقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى مِنَ التَّفَاوُتِ)[6]. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الْإِشَارَةُ قَدْ تَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَقْوَى مِنَ الْكَلَامِ)[7].

 

3- ضَرْبُ الْمَثَلِ بِالرَّسْمِ التَّوْضِيحِيِّ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْأَجَلَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَبْدِ مِنَ الْأَمَلِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا[8]، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ[9]، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ[10]، وَقَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ[11] مُحِيطٌ بِهِ[12]- أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ[13]، وَهَذِهِ الْخُطُطُ[14] الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ[15]، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا[16]، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا[17]» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَكَانَ بِالرَّسْمِ خَطُّ الْأَجَلِ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ خَطِّ الْأَمَلِ؛ فَالصُّورَةُ بِالرَّسْمِ تَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الذِّهْنِ، وَأَرْسَخَ فِي النَّفْسِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (مَثَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - أَمَلَ ابْنِ آدَمَ، وَأَجَلَهُ، وَأَعْرَاضَ الدُّنْيَا الَّتِي لَا تُفَارِقُهُ بِالْخُطُوطِ، فَجَعَلَ أَجَلَهُ الْخَطَّ الْمُحِيطَ، وَجَعَلَ أَمَلَهُ وَأَعْرَاضَهُ خَارِجَةً مِنْ ذَلِكَ الْخَطِّ، وَمَعْلُومٌ - فِي الْعُقُولِ - أَنَّ ذَلِكَ الْخَطَّ الْمُحِيطَ بِهِ الَّذِي هُوَ أَجَلُهُ؛ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخُطُوطِ الْخَارِجَةِ مِنْهُ)[18].

 

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَالْأَمْثَالُ حِكْمَةُ الْعَرَبِ، بِهَا يَنْكَشِفُ الشَّيْءُ الْخَفِيُّ، فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَمَلَ الْآدَمِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَيْنُهُ إِلَى الْأَمَلِ، وَالْأَجَلُ مُحِيطٌ بِهِ، وَقَدْ أَلْهَاهُ أَمَلُهُ عَنْ أَجَلِهِ)[19].

 

وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ حُسْنُ التَّعْلِيمِ، وَالتَّوَصُّلِ فِي تَفْهِيمِ الْحِكْمَةِ لِمَنْ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا بِضَرْبِ الْمِثَالِ وَالتَّشْكِيلِ، وَهَذَا أَصْلٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الصُّوَرِ مِمَّا يَتَوَصَّلُ الْإِنْسَانُ فِي تَفْهِيمِ النَّاسِ لَهُ بِضَرْبٍ مِنَ الْأَمْثَالِ وَالْأَشْكَالِ)[20].

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنَ الْأَمْثَالِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ:

4- ضَرْبُ الْمَثَلِ بِالرَّسْمِ التَّوْضِيحِيِّ؛ لِبَيَانِ أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ دِينُ اللَّهِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَّ خَطًّا، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَخَطَّ خَطَّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطِّ الْأَوْسَطِ، فَقَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 153]». صَحِيحٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا مِثْلُ سَابِقِهِ فِي ضَرْبِ الْمَثَلِ بِاسْتِخْدَامِ الرَّسْمِ التَّوْضِيحِيِّ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ السَّبِيلَ الْمُسْتَقِيمَ، هُوَ سَبِيلُ اللَّهِ، وَالسُّبُلُ الَّتِي عَلَى جَنْبَيْهِ هِيَ سُبُلُ الشَّيْطَانِ، يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهَا، وَالِابْتِعَادُ عَنْهَا[21].

 

5- ضَرْبُ الْمَثَلِ بِاسْتِخْدَامِ التَّصْوِيرِ؛ بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ إِغَارَةِ خَيْلِ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 214]، صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ» - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ [الْمَسَدِ: 1، 2]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

 

فَفِي الْحَدِيثِ أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْقَوْمِ؛ لِيَصِلَ بِهِمْ إِلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي يُنْكِرُونَهَا، وَهِيَ أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا أَنَّهُ صَادِقٌ - لَوْ أَخْبَرَهُمْ عَنْ إِغَارَةِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ – فَكَذَلِكَ هُوَ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُهُمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ نُفُوسَهُمْ مُعَانِدَةٌ لَا تُرِيدُ الرُّضُوخَ لِلْحَقِّ. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أُسْلُوبُ الْحَدِيثِ يُسَمَّى - فِي عِلْمِ الْبَدِيعِ: بِالْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنْطَقَهُمْ أَوَّلًا بِمَا أَقَرُّوا بِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَلَمَّا اعْتَرَفُوا أَلْزَمَهُمْ بِقَوْلِهِ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ» إِلَخْ؛ أَيْ: إِذَا اعْتَرَفْتُمْ بِصِدْقِي؛ فَاتَّبِعُوا لِمَا أَقُولُ لَكُمْ)[22].

 


[1] أَجَادِبُ: هي صِلَابُ الْأَرْضِ الَّتي تُمْسِك الْمَاءَ فَلَا تَشْرَبُه سَرِيعًا. وَقِيلَ: هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نبَات بِهَا، مأخُوذٌ مِنَ الجَدْب، وَهُوَ القَحْط. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (1/ 242).

[2] قِيعَانٌ: جَمْعُ قَاعٍ، وَهُوَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ الْمَلْسَاءُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ. انظر: فتح الباري، لابن حجر (1/ 177).

[3] اللَّدْغُ: هو العَضُّ والإصابةُ من ذوات السُّموم؛ كالعقرب والحَيَّة. والجُحْرُ: الثُّقْب. والمعنى: أنَّ المؤمن ينبغي أن يكون حَذِراً؛ بحيث لا يُخْدَع من جهةٍ واحدةٍ مرتين. انظر: العين، للفراهيدي؛ غريب الحديث، لأبي عبيدة، (5/ 75)؛ النهاية، (4/ 245).

[4] فتح الباري، لابن رجب (3/ 420).

[5] فتح الباري، لابن حجر (10/ 450).

[6] عمدة القاري، للعيني (5/ 53).

[7] شرح صحيح البخاري، (7/ 460).

[8] خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِيَدِهِ الْمُبَارَكَةِ عَلَى الْأَرْضِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: (الْمُرَادُ بِالْخَطِّ الرَّسْمُ وَالشَّكْلُ).

[9] وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ: أَيْ: خَطَّ خَطًّا آخَرَ فِي الْوَسَطِ، أَيْ: وَسَطِ التَّرْبِيعِ (خَارِجًا مِنْهُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْخَطِّ خَارِجًا مِنْ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُرَبَّعِ.

[10] وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ: (وَخَطَّ خُطُطًا): أَيْ: خُطُوطًا (صِغَارًا): جَمْعُ صَغِيرَةٍ (إِلَى هَذَا) أَيْ: مُتَوَجِّهَةً وَمَائِلَةً وَمُنْتَهِيَةً إِلَى هَذَا الْخَطِّ (الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ) أَيْ: مِنْ جَانِبَيْهِ اللَّذَيْنِ فِي الْوَسَطِ.

[11] وَهَذَا أَجَلُهُ: أي: (وَهَذَا) أَيِ: الْخَطُّ الْمُرَبَّعُ (أَجَلُهُ) أَيْ: مُدَّةُ أَجَلِهِ، وَمُدَّةُ عُمُرِهِ.

[12] مُحِيطٌ بِهِ: أَيْ: مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهِ؛ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ وَالْفِرَارُ مِنْهُ.

[13] وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ: أَيْ: مِنَ الْمُرَبَّعِ (أَمَلُهُ) أَيْ: مَرْجُوُّهُ، وَمَأْمُولٌ لَهُ، الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَمَلَهُ طَوِيلٌ، لَا يَفْرَغُ مِنْهُ، وَأَجَلُهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْهُ.

[14] وَهَذِهِ الْخُطُطُ: أَيِ: الْخُطُوطُ.

[15] الأَعْرَاضُ: هي الْآفَاتُ وَالْعَاهَاتُ وَالْبَلِيَّاتُ؛ مِنَ الْمَرَضِ، وَالْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَغَيْرِهَا، مِمَّا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ، وَهُوَ جَمْعُ عَرَضٍ بِالتَّحْرِيكِ.

[16] فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا: (فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا) أَيْ: أَحَدُ الْأَعْرَاضِ؛ (نَهَشَهُ): أَيْ: أَصَابَهُ وَعَضَّهُ، (هَذَا) أَيْ: عَرَضٌ آخَرُ.

[17] وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا: (وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا) أَيْ: عَرَضٌ آخَرُ؛ (نَهَشَهُ هَذَا) أَيْ: عَرَضٌ آخَرُ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَعَدَمِ انْتِهَاءِ الْأَمَلِ. انظر – فيما مضى من المفردات السابقة: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، (8/ 3297).

[18] شرح صحيح البخاري، (10/ 150).

[19] كشف المشكل من حديث الصحيحين، (1/ 316).

[20] الإفصاح عن معاني الصحاح، (2/ 93).

[21] انظر: شرح حديث "مَثَل الإسلام"، لابن رجب (ص193).

[22] الكاشف عن حقائق السنن، (11/ 3397).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • كتب وبحوث
  • خطب
  • مقالات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة