• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع حضارة الكلمة / أدبنا / المرأة الأديبة / كاتبات الألوكة


علامة باركود

سفر بلا عودة.. وانتظار لم يتحقق

سفر بلا عودة.. وانتظار لم يتحقق
د. ثمينة خانم


تاريخ الإضافة: 20/7/2026 ميلادي - 4/2/1448 هجري

الزيارات: 692

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سفرٌ بلا عودةٍ.. وانتظارٌ لم يتحقَّق

 

قبل ستِّ سنواتٍ غربتْ شمسُ اليوم التاسع من شهر يونيو، وغربتْ لغروبها شمسُ بيتٍ من البيوت؛ ففقدتْ أسرةٌ- في لمح البصر- عمادًا كانت تستند إليه، وشجرةً وارفةً كانت تعيشُ في ظلِّها الظليل، بعيدةً عن كل ما يُكدِّر صفوَ الحياة ويُعكِّر هناءَها، هأنذا أكتب هذه السطور في اليوم الأول من شهر يونيو عام ألفين وستة وعشرين، وبعد أسبوع واحد ستحِلُّ الذكرى السنوية السادسة لرحيله عن عالمنا الفاني. ورغم مضيِّ هذه السنين، لم يعتدِ القلبُ ولا الذهنُ على غيابِه الأبديِّ عنا، رغم إيماننا التامِّ وتسليمِنا لِسُنَّة اللهِ تعالى في كونه، كما في الآيات المحكمات: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾[آل عمران: 185]، و﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26-27]، و﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾[النحل: 61].

 

لكن، ماذا نفعل بقلبٍ لا يرتضي تأويلًا ولا يقبلُ تبريرًا أمام هذا المصاب الجليل والفقد الجسيم؟ إنَّ حثَّ النفس على التمسُّك بزمام الصبر في مواجهة مثل هذه الرزايا ليس بالأمر الهيِّن، لقد غاب عن العيون لكنه مقيمٌ في الرُّوحِ بكاملِ حضوره؛ مُمتدٌّ فينا كعروق الشجر، ونابِضٌ في قلوبنا كأنفاس الحياة التي لا تنقطع؛ ففي بعض الأحيان يُخيَّلُ إلينا أنه في أحد أسفاره كالمعتاد، وسوف يعودُ إلينا آجلًا أو عاجلًا، وفي أيِّ ساعةٍ من ساعات الليل المتأخرة أو في بواكير النهار سيكون على مدخل البيت، وسيُنادي بصوته الهادئ الرزين: "يا خطابُ.. يا أمينةُ، افتحوا البابَ".. لقد ظلتِ الآذانُ فترةً في انتظار ذلك النداء ذي النبرة الممزوجة بالهدوء والوقار، لكنَّها لا تسمعُه.. وكيف تسمعُه؟ وهو هذه المرةَ مُغادرٌ في سفرٍ يختلفُ عن كلِّ أسفاره السابقة اختلافَ المشرق عن المغرب؛ فليس هو في مهمةٍ أكاديميةٍ، ولا في زيارةٍ شخصيةٍ لقريته الحبيبة للقاءٍ دافئٍ بوالديه الكريمينِ، بل خطَّت ملامحَ هذا السفر يدُ القضاء، فلا رجعة منه ولا عودة.

 

كان الفقيد الغالي- بمقتضى ارتباطاته الأكاديمية وأداء مسؤولياته الشخصية- يُكثِر من الأسفار؛ فحينًا تجده يغادر إلى مدينةٍ من المدن الهندية أو خارجها؛ للمشاركة في ندوةٍ أو مؤتمرٍ علميٍّ، أو لإجراء المقابلات الشفوية لطلبة الماجستير والدكتوراه بوصفِه خبيرًا في التخصص، تلبيةً لدعوات الجامعات الهندية المختلفة من أقصى البلاد إلى أقصاها. وأحيانًا أخرى تستعدُّ نفسُه للسفر إلى قريتِه لزيارة أبَوَيْه الكريمين؛ فكان من عادته- بل من مبادئ حياته الراسخة- أن يزورهما كل ثلاثة أشهر بانتظام، ولو كانت زيارةً قصيرةً لا تستغرق أحيانًا إلا أسبوعًا واحدًا، مراعاةً لمسؤولياته الوظيفية، ولم يكن يرضى أن تمرَّ أكثر من ثلاثة أشهر دون أن يُقِرَّ أعينهما بزيارته مهما بلغتْ مشاغلُ الحياة.

 

وبعد وفاة والده الكريم استمرَّ في عادته، فكان يزور والدته الحنون كلَّ ثلاثة أشهر، حتى انتقلت هي الأخرى إلى جوار ربِّها في فبراير 2020م - رحمها الله رحمةً واسعةً وأسكنها فسيح جناته- ومضى على رحيلِها ثلاثة أشهر كاملة، وفي الشهر الرابع غادرَ ابنهما هذا للقائهما؛ كأنه لم يرتضِ أن يغيِّر عادته معهما حتى بعد رحيلهما عن هذه الدار الفانية، وكأنَّ لسان حاله يقولُ: إنْ تعذَّرتِ الزيارة في ديار الفناء، فلتكُنْ في دار البقاء. فَاللَّهُمَّ اجعل لقاءهم في الجَنَّةِ أجمل وأبهى، واجمعهم في مستقر رحمتك ضاحِكين مُسْتبشرين.

 

والجديرُ بالذكر أن شدَّ الرِّحال إلى القرية وقضاء وقته فيها في كَنَف والديه كان أحبَّ إليه من كلِّ الأشغال والأعمال، وكانت تلك الوجهة أحبَّ إلى قلبه من أيِّ بقعةٍ على الأرض؛ لأنَّها حضنتْ روحين طاهرتين، ويصدق فيه قول أمير الشعراء: "ونازَعَتْني إليه في الخُلْد نَفْسي"، وكان يُخطِّط لزياراته لهما بدقة متناهية لسنة كاملة، منتزعًا الفرصةَ من بين تراكم الارتباطات الأكاديمية والوظيفية، مُحدِّدًا اليومَ والتاريخَ والمناسبةَ، وكان يُمازِحه أصدقاؤه بقولهم: "إنَّهُ يحمل فِي جيبه تَذْكِرةً ثانيةً للسفر إليهما حتى قبل السفر بالتَّذْكِرة الأولى". كما لا نبالغ إن قلنا: إنَّ قريتَه كانت تتربَّعُ في سُوَيْداء قلبه؛ فقد كان يحملُ رؤيةً لرفاهيتها وازدهارها اجتماعيًّا وتعليميًّا ودينيًّا، ولم يزلْ يُخطِّط لها المشاريع الخيرية والتعليمية المختلفة حتى آخر أنفاسِ حياته؛ بما فيها بناء المساجد وإصلاح شؤونها، وتأمين أراضي المقابر وحفظها، وفتح الكتاتيب للتعليم الديني لأطفال القرية بنين وبنات، وما إلى ذلك، وإنَّ ما نهضَ به مِن مشاريعَ ومبادراتٍ قيِّمةٍ لأجل قريته الحبيبة- وحيدًا منفردًا- قد عجزتْ عنها الجماعاتُ من بعده.

 

وكيف لا تكون قريتُه هذه مَحطَّ اهتمامه ومركزَ تفكيره؟ وهي مسقطُ رأسِه وموطِنُ آبائه وأجداده، حيث تسكن عائلته وأقرباؤه منذ القدم. وإذا رأيتَه في قريته بين أهلها حسبتَه شخصًا بسيطًا لا فرق بينه وبينهم في المأكل أو الملبس، ولن يخطر ببالِك أنه أحدُ كبارِ أساتذة اللغة العربية في الهند، ممن يشغلون كرسيَّ الأستاذية في إحدى جامعاتها المركزية بالعاصمة، وصاحبُ المؤلفات القيِّمة في مجال تخصُّصه. نعم، هكذا كانت أخلاقُه؛ لا تشوبها شائبةُ كِبْرٍ أو رياءٍ، فكانت البساطة والحلم والتواضع من مكوِّنات شخصيته الفذَّة.

 

رَحِمَه اللهُ رحمةً واسعةً، وغفر له زلَّاته، وتقَبَّل حسناته، وجعل كلَّ جهوده ومساعيه الحميدة التي بذلها للنهوض بقريته الحبيبة دينيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا في ميزان حسناته يوم يقوم الناس لربِّ العالمين.

 

وفي أمثالِهِ قال الشاعر:

وَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ
وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • اللغة .. والقلم
  • أدبنا
  • من روائع الماضي
  • روافد
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة