• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ ابراهيم الحقيلالشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل شعار موقع الشيخ ابراهيم الحقيل
شبكة الألوكة / موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية


علامة باركود

الأحاديث الطوال (24) بدء النفاق في الأمة

الأحاديث الطوال (24) بدء النفاق في الأمة
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


تاريخ الإضافة: 28/10/2026 ميلادي - 18/5/1448 هجري

الزيارات: 88

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الأحاديث الطوال (24)

بدء النفاق في الأمة


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَلَا أَمْنَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 82]، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ أَنَارَ الطَّرِيقَ لِلسَّائِرِينَ، وَأَقَامَ حُجَّتَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ إِمَامُ الْمُرْسَلِينَ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَقِيمُوا لَهُ دِينَكُمْ، وَأَسْلِمُوا لَهُ وُجُوهَكُمْ؛ فَفِي ذَلِكَ فَوْزُكُمْ وَسَعَادَتُكُمْ؛ ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 112].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: النِّفَاقُ أَرْذَلُ الْخِصَالِ، وَأَخَسُّ الْأَوْصَافِ، وَقَدْ عَانَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ خِيَانَاتِ الْمُنَافِقِينَ طَوَالَ تَارِيخِهِمْ، وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ الْإِسْلَامِ، وَدَلِيلٌ عَلَى قُوَّتِهِ؛ إِذْ لَا يَكْثُرُ النِّفَاقُ إِلَّا حَيْثُ يَقْوَى الدِّينُ. وَفِيهِ فَضْلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يُجَاهِدُونَ النِّفَاقَ وَالْمُنَافِقِينَ، مَعَ جِهَادِهِمْ لِلْكُفْرِ وَالْكَافِرِينَ وَاحْتِسَابِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْمُنْكَرَاتِ؛ فَتَعْظُمُ أُجُورُهُمْ، وَتُرْفَعُ دَرَجَاتُهُمْ، وَيَسْبِقُونَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ؛ ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 110].

 

وَهَذَا حَدِيثٌ طَوِيلٌ عَظِيمٌ فِيهِ بَدْءُ ظُهُورِ النِّفَاقِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَرْوِيهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَيُخْبِرُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ، لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ -يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ- قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ وَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 186] الْآيَةَ. وَقَالَ: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 109]، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهَا مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ وَسَادَةِ قُرَيْشٍ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ، مَعَهُمْ أُسَارَى مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفَّارِ، وَسَادَةِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.

 

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَهُ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ...» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَحَدِيثُ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَدْءَ النِّفَاقِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ إِذْ قَالَ ابْنُ سَلُولَ: «هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ، فَبَايِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا»، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، وَأَبْطَنُوا الْكُفْرَ، وَانْتَقَلُوا مِنَ الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْعَدَاوَةِ الْبَاطِنَةِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُظْهِرُونَ عَدَاءَهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

وَالْمُتَتَبِّعُ لِظَاهِرَةِ النِّفَاقِ فِي تَارِيخِ الْأَدْيَانِ يَجِدُ أَنَّ النِّفَاقَ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ كَانَ شَأْنًا فَرْدِيًّا لِتَمَايُزِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْكُفَّارِ، وَضَعْفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهُ نِفَاقُ امْرَأَتَيْ نُوحٍ وَلُوطٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. لَكِنَّهُ فِي أُمَّةِ الْإِسْلَامِ كَانَ ظَاهِرَةً جَمَاعِيَّةً سَبَبُهَا مَشْرُوعِيَّةُ الْجِهَادِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَمَّا قَوِيَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ هَزِيمَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْرٍ لَمْ يَجِدْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ بُدًّا مِنْ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِبْطَانِ الْكُفْرِ، وَالْكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الِانْسِحَابِ فِي أُحُدٍ، وَمُظَاهَرَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْخَنْدَقِ، وَاخْتِرَاعِ الْإِفْكِ، وَإِثَارَةِ النَّعَرَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَالتَّخْذِيلِ وَالْإِرْجَافِ فِي تَبُوكَ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْفُو عَنْهُمْ؛ وَلِذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ: «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَأَوَّلُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى أَذِنَ لَهُ فِيهِمْ». قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: «يَعْنَى: أَذِنَ لَهُ فِي قِتَالِهِمْ وَالشِّدَّةِ عَلَيْهِمْ، وَآيَاتُ الشِّدَّةِ وَالْقِتَالِ نَاسِخَةٌ لِآيَاتِ الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ».

 

وَالْكَفُّ عَنْهُمْ جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الْأَحْزَابِ: 48]، ثُمَّ نَزَلَ الْإِغْرَاءُ بِهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا* مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 60-62]، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: «فَلَمَّا تُوُعِّدُوا بِالْقَتْلِ إِذَا أَظْهَرُوا النِّفَاقَ كَتَمُوهُ». وَقَالَ أَيْضًا: «فَانْتَهَوْا عَنْ إِظْهَارِ النِّفَاقِ وَانْقَمَعُوا».

 

نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنَ النِّفَاقِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَنَا وَأَحْبَابَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَنْ يَكْفِيَ الْمُؤْمِنِينَ شَرَّ الْمُنَافِقِينَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَذًى شَدِيدًا، وَيَكِيدُونَ بِهِمْ كَيْدًا عَظِيمًا، وَيُحِيكُونَ الْمُؤَامَرَاتِ ضِدَّهُمْ، وَيُظَاهِرُونَ أَعْدَاءَهُمْ عَلَيْهِمْ، فَبَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ كَيْدَ الْمُنَافِقِينَ لَنْ يَضُرَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامَ الْمُؤْمِنُونَ يَتَحَلَّوْنَ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 120]، وَهِيَ بِشَارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَكَيْدُ الْمُنَافِقِينَ مَهْمَا عَظُمَ فَهُوَ إِلَى سُفُولٍ وَإِدْبَارٍ وَاضْمِحْلَالٍ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ حَاوَلُوا قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَحَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مِنْ شَرِّهِمْ. وَحَاوَلُوا الْوَقِيعَةَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُفَرِّقُوهُمْ، وَظَاهَرُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ يُرِيدُونَ اسْتِئْصَالَهُمْ، فَمَا كَانَ لَهُمْ مَا أَرَادُوا، وَخَذَلُوا وَأَرْجَفُوا فِي غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِضْعَافِ مَعْنَوِيَّاتِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهَزِيمَتِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَمَسَّكُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا تَارِيخُ النِّفَاقِ وَالْمُنَافِقِينَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ خِلَالَ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ؛ فَإِنَّهُمْ كَادُوا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمَالَؤُوا أَعْدَاءَهُمْ، وَأَسْقَطُوا دُوَلَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ عَجَزُوا عَنْ إِسْقَاطِ الْإِسْلَامِ، وَعَنْ خَلْعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِينِهِمْ، رَغْمَ الْجُهُودِ الْجَبَّارَةِ الَّتِي بَذَلُوهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَالْإِسْلَامُ تَمْتَدُّ رُقْعَتُهُ عَلَى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ، وَلَنْ يَضُرُّوا الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا مَا دَامَ الْمُؤْمِنُونَ يَتَحَلَّوْنَ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى.

 

وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَوَاتِ مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ النِّفَاقِ؛ فَالَّذِي حَمَلَ ابْنَ سَلُولَ عَلَى النِّفَاقِ هُوَ أَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ تَتْوِيجَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَلِكًا، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ هِجْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمُبَايَعَةُ الْأَنْصَارِ لَهُ؛ فَحَمَلَهَا فِي قَلْبِهِ، وَرَامَ الْكَيْدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

 

وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَرْفُضُونَ شَرِيعَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَكِيدُونَ بِحَمَلَتِهَا؛ لِأَنَّهَا تَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ شَهَوَاتِهِمْ، وَلَنْ يَنَالُوا مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا. وَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَحْذَرَ مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَجُرُّهُ إِلَى النِّفَاقِ بِكَرَاهِيَةِ الشَّرِيعَةِ وَمُحَارَبَتِهَا لِأَجْلِ شَهَوَاتِهِ، وَهَذَا مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ؛ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [مُحَمَّدٍ: 9].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • مقالات
  • بحوث ودراسات
  • كتب
  • خطب منبرية
  • مواد مترجمة
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة