• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ ابراهيم الحقيلالشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل شعار موقع الشيخ ابراهيم الحقيل
شبكة الألوكة / موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية


علامة باركود

من سنن الله تعالى في خلقه (12) {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}

من سنن الله تعالى في خلقه (12) {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


تاريخ الإضافة: 5/8/2026 ميلادي - 20/2/1448 هجري

الزيارات: 86

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من سنن الله تعالى في خلقه (12)

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ، اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؛ لَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ شَيْءٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يُقْضَى فِي الْخَلْقِ شَأْنٌ إِلَّا بِأَمْرِهِ. خَلَقَ الْخَلْقَ فَدَبَّرَهُمْ، وَابْتَلَى الْعِبَادَ فَهَدَاهُمْ. نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، فَالْعِبَادُ فِي رَحْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَادِيًا وَمُعَلِّمًا؛ فَغَيَّرَ بِهِ حَالَ الْبَشَرِ، وَقَلَبَ بِهِ أَوْضَاعَ الْعَرَبِ، حَتَّى صَارُوا سَادَةَ النَّاسِ، وَكَانُوا قَبْلَهُ مِنْ هَمَلِ الْأُمَمِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاتَّبِعُوا أَمْرَهُ وَلَا تَعْصُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِهِ وَلَا تُفْلِتُوهُ، وَاعْتَصِمُوا بِدِينِهِ وَلَا تُفَرِّقُوهُ ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشُّورَى: 13].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْإِيمَانِ الْعِنَايَةُ بِسُنَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ؛ لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ لَا تَتَبَدَّلُ، وَمَاضِيَةٌ لَا تَتَخَلَّفُ، وَمُتَكَرِّرَةٌ فِي الْبَشَرِ ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فَاطِرٍ: 43].

 

وَمِنْ أَهَمِّ السُّنَنِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي الْبَشَرِ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُمُ الْعِلْمُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي أَفْرَادِهِمْ وَجَمَاعَاتِهِمْ: سُنَّةُ التَّغْيِيرِ، وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهَا آيَاتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرَّعْدِ: 11]، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَهِيَ سُنَّةٌ تَشْمَلُ كُلَّ قَوْمٍ، وَتَشْمَلُ كُلَّ تَغْيِيرٍ. وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ فِي تَغَيُّرِ النَّاسِ، وَانْتِقَالِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى الشَّرِّ، وَمِنْ شُكْرِ النِّعَمِ إِلَى كُفْرِهَا، وَمِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى مَعْصِيَتِهِ، فَإِذَا تَغَيَّرُوا غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَهُمْ مِنَ النِّعَمِ إِلَى النِّقَمِ، وَمِنَ الْعِزِّ إِلَى الذُّلِّ، وَمِنَ الْعَطَاءِ إِلَى الْحِرْمَانِ، وَلَا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الْأَنْفَالِ: 53].

 

وَالْآيَتَانِ الْوَارِدَتَانِ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ تَدُلَّانِ عَلَى تَغْيِيرَيْنِ، تَغْيِيرٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَغْيِيرٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَأَنَّ التَّغْيِيرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مُرْتَهَنٌ بِتَغْيِيرِ الْبَشَرِ؛ فَإِذَا غَيَّرَ الْبَشَرُ مِنْ حَالِهِمْ غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ. وَتَغْيِيرُ الْبَشَرِ قَدْ يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ إِلَى الْخَيْرِ؛ كَالِانْتِقَالِ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، أَوْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ مِنَ الْبِدْعَةِ إِلَى السُّنَّةِ، أَوْ مِنْ كُفْرِ النِّعَمِ إِلَى شُكْرِهَا، فَإِذَا فَعَلَ الْبَشَرُ ذَلِكَ غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَهُمْ مِنَ اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ إِلَى رَفْعِهَا، كَمَا حَصَلَ لِقَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [يُونُسَ: 98].

 

وَيَتَغَيَّرُ حَالُ النَّاسِ مِنَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَالْفَقْرِ إِلَى الْعِزِّ وَالرِّفْعَةِ وَالْغِنَى؛ كَمَا وَقَعَ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ فَإِنَّهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَانُوا فُقَرَاءَ مُسْتَضْعَفِينَ فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَهُمْ بِالْإِيمَانِ حَتَّى سَادُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَجُلِبَتْ لَهُمْ خَيْرَاتُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُذَكِّرًا إِيَّاهُمْ بِتَغَيُّرِ حَالِهِمْ: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الْأَنْفَالِ: 26].

 

وَيَتَغَيَّرُ حَالُ النَّاسِ مِنْ حَبْسِ الْقَطْرِ، وَجَدْبِ الْأَرْضِ؛ إِلَى السُّقْيَا وَتَدَفُّقِ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ؛ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْقُرَى الْمُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 96]، وَأَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ* وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 65-66]؛ أَيْ: كَثُرَتْ ثِمَارُهُمْ فَتَدَلَّتْ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَكَثُرَتْ زُرُوعُهُمْ فَكَانَتْ تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى سَبَبٌ لِتَغَيُّرِ حَالِ النَّاسِ، وَكَثْرَةِ الْأَرْزَاقِ وَالْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ. وَدَلَّ عَلَى تَغْيِيرِ حَالِ النَّاسِ مِنَ الْمَنْعِ وَالْحِرْمَانِ إِلَى الْعَطَاءِ وَتَتَابُعِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَتَى مَا غَيَّرُوا مِنْ حَالِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الْجِنِّ: 16]، أَيْ: مَاءً كَثِيرًا، فَتَنْبُتُ بِهِ زُرُوعُهُمْ، وَتُرْوَى بِهِ أَرْضُهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ.

 

كَمَا أَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الْبَشَرِ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، أَوْ مِنْ شُكْرِ النِّعَمِ إِلَى كُفْرِهَا؛ سَبَبٌ لِتَغْيِيرِ حَالِهِمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْخَيْرَاتِ إِلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، وَهِيَ سُنَّةٌ جَارِيَةٌ فِي الْبَشَرِ طَوَالَ تَارِيخِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 6]، وَوَقَعَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ لِقَوْمِ سَبَأٍ، وَقَصَّ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرَهُمْ فِي الْقُرْآنِ لِأَخْذِ الْعِظَةِ وَالْعِبْرَةِ ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ* فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سَبَأٍ: 15-17].

 

وَكَمَا وَقَعَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّهَا أَصَابَتْ أَفْرَادًا مِنْهُمْ؛ كَصَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا* وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ [الْكَهْفِ: 35-36]، فَلَمَّا تَغَيَّرَ غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا* وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴾ [الْكَهْفِ: 42-43]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

 

فَمَنْ فَهِمَ هَذِهِ السُّنَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ، وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا، وَسَارَ عَلَى وَفْقِهَا، فَغَيَّرَ حَالَهُ مِنَ الشَّرِّ إِلَى الْخَيْرِ غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَهُ مِنَ الْأَسْوَأِ إِلَى الْأَحْسَنِ، سَوَاءٌ كَانَ فَرْدًا، أَمْ جَمَاعَةً، أَمْ أُمَّةً. وَمَنْ عَارَضَ هَذِهِ السُّنَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ فَانْتَقَلَ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى الشَّرِّ، أَوْ لَمْ يَشْكُرْ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُغَيِّرُ عَلَيْهِ؛ فَتُسْلَبُ مِنْهُ النِّعَمُ، وَتَحِلُّ بِهِ النِّقَمُ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرَّعْدِ: 11].

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: التَّغْيِيرُ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ فِي الْبَشَرِ، وَهِيَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ إِذَا فَقِهُوا هَذِهِ السُّنَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ، وَأَحْسَنُوا التَّعَامُلَ مَعَهَا. وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُغَيِّرُ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ إِذَا هُمْ غَيَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَأَخَذُوا بِأَسْبَابِ الرِّزْقِ وَالْعِزِّ وَالنَّصْرِ؛ فَكَذَلِكَ يُغَيِّرُ سُبْحَانَهُ أَحْوَالَ الْعِبَادِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَهِيَ الْأَعْظَمُ وَالْأَهَمُّ وَالْأَبْقَى أَثَرًا؛ فَمَنْ كَانَ مُتَكَاسِلًا عَنِ الطَّاعَاتِ، مُتَثَاقِلًا فِي أَدَائِهَا ثُمَّ غَيَّرَ مِنْ حَالِهِ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُغَيِّرُ حَالَهُ فَيَمْنَحُهُ نَشَاطًا فِيهَا، وَرَاحَةً بِهَا، فَيَجِدُ لَذَّتَهَا وَحَلَاوَتَهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا»، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا غَيَّرَ مِنْ نَفْسِهِ فَوَاظَبَ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَهُ فَرَزَقَهُ لَذَّةَ قِيَامِ اللَّيْلِ. وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيٌّ: «كَابَدْتُ قِيَامَ اللَّيْلِ عِشْرِينَ سَنَةً وَتَنَعَّمْتُ بِهِ عِشْرِينَ سَنَةً أُخْرَى»، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَمَنْ كَانَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَغَيَّرَ حَالَهُ فَتَرَكَهَا، وَصَدَقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَوْبَتِهِ؛ غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّهَا إِلَى بُغْضِهَا، وَحُبِّ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ.

 

وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ؛ فَإِذَا غَيَّرَ الْعَبْدُ حَالَهُ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَأَصَرَّ عَلَيْهَا؛ غَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَخَذَلَهُ، فَجَاهَرَ بِهَا، أَوْ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، أَوِ اسْتَحَلَّهَا، حَتَّى يَكُونَ حَرْبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَشَرِيعَتِهِ. وَهَذَا يُفَسِّرُ حَالَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاكِصِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، الْمُبَدِّلِينَ لِدِينِهِمْ؛ فَإِنَّ بِدَايَةَ شُؤْمِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَلَمْ يَعْتَنُوا بِصَلَاحِ قُلُوبِهِمْ، وَغَيَّرُوا حَالَهُمْ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى الْإِسَاءَةِ فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَسَلَبَهُمْ نِعْمَةَ الْهِدَايَةِ ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ [الْبَقَرَةِ: 10]، ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ [التَّوْبَةِ: 67]، ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصَّفِّ: 5]. فَمَنْ فَهِمَ سُنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّغْيِيرِ غَيَّرَ حَالَهُ مِنَ الْأَسْوَأِ إِلَى الْأَحْسَنِ؛ لِيَحْظَى بِكَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَغْيِيرِ حَالِهِ إِلَى الْأَحْسَنِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرَّعْدِ: 11].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • مقالات
  • بحوث ودراسات
  • كتب
  • خطب منبرية
  • مواد مترجمة
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة