• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الشيخ ابراهيم الحقيلالشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل شعار موقع الشيخ ابراهيم الحقيل
شبكة الألوكة / موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية


علامة باركود

القلب بين الصفا والاسفنجة (خطبة)

القلب بين الصفا والاسفنجة (خطبة)
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


تاريخ الإضافة: 8/4/2026 ميلادي - 20/10/1447 هجري

الزيارات: 90

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

القلب بين الصفا والاسفنجة


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ، الْبَرِّ الرَّحِيمِ؛ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ، وَهَدَاهُمْ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ؛ فَعَاشُوا فِي الدُّنْيَا سُعَدَاءَ، وَيُجْزَوْنَ فِي الْآخِرَةِ أَوْفَى الْجَزَاءِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَكَفَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ صَالِحًا أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَصَاهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ بِعَدْلِهِ، ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الْكَهْفِ: 49]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ؛ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيُصْلِحَ بِهِ قُلُوبَ النَّاسِ؛ فَيُزِيلَ شِرْكَهَا وَمَعْصِيَتَهَا، وَيُذْهِبَ غَفْلَتَهَا وَجَهْلَهَا، وَيُلَيِّنُ قَسْوَتَهَا وَشِدَّتَهَا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَسْلِمُوا لَهُ وُجُوهَكُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 112].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: صَلَاحُ حَالِ الْعَبْدِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ مُرْتَهَنٌ بِصَلَاحِ قَلْبِهِ، وَالْقَلْبُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَيَكُونُ قَلْبًا سَلِيمًا مِنَ الشِّرْكِ وَالْهَوَى وَالْحَسَدِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «...أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَالْقَلْبُ يَتَشَرَّبُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَحَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَحَسَنٍ وَقَبِيحٍ؛ وَالْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ هِيَ مَنَافِذُ لِلْقَلْبِ؛ وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْتَحَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلْبَهُ لِكُلِّ مَا يَنْفَعُهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَةِ؛ حَتَّى يَتَشَرَّبَهَا الْقَلْبُ فَيَمْتَلِئَ بِهَا، وَيَنْضَحَ بِهَا، وَيَكُونَ قَلْبًا مُنْشَرِحًا فَرِحًا سَعِيدًا بِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَنْ يُغْلِقَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَبَاطِلٍ؛ لِئَلَّا يَتَشَرَّبَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ بِهِ.

 

إِنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِقَلْبِهِ فَيَجْعَلَهُ مُتَشَرِّبًا لِلْخَيْرِ وَالْحَقِّ وَالنَّفْعِ، مُصْمَتًا كَالْحَصَاةِ الْمَلْسَاءِ أَمَامَ الشَّرِّ وَالْبَاطِلِ وَالضُّرِّ، فَيَمُرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَقِرُّ بِهِ، كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ عَلَى الْحَصَاةِ الْمَلْسَاءِ فَيَنْحَدِرُ عَنْهَا وَلَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تَتَشَرَّبُ الْقُلُوبُ الْفِتَنَ، وَأَثَرَهَا عَلَى الْعَبْدِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

وَالْفِتَنُ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ تَشْمَلُ فِتَنَ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ وَالشِّرْكِ وَالشَّكِّ وَالْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُرْخِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ لَهَا نَفَذَتْ إِلَى الْقَلْبِ فَأَفْسَدَتْهُ، فَإِذَا أَنْكَرَهَا وَصَارَ صَفَاةً أَمَامَهَا مَرَّتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَسْتَقِرَّ فِيهِ. فَإِنْ أُشْرِبَهَا فَسَدَ بِهَا الْقَلْبُ وَتَغَيَّرَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَانْتَقَلَ بِسَبَبِهَا مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ الْيَقِينِ إِلَى الشَّكِّ، أَوْ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ، أَوْ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ. وَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَقَلْبِهِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّ الشُّبَهَ خَطَّافَةُ الْقُلُوبِ، وَقَدْ عَاشَ قَوْمٌ فِي الْإِيمَانِ دَهْرًا ثُمَّ نُكِسَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْجُحُودِ وَمُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ نَاسًا تَفَيَّئُوا ظِلَالَ السُّنَّةِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى الْبِدْعَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ أَرْخَوْا أَسْمَاعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ لِدُعَاةِ الْهَوَى وَالْفِتْنَةِ. وَإِنَّ أُنَاسًا اسْتَهَانُوا بِالنَّظَرِ الْحَرَامِ إِلَى النِّسَاءِ أَوِ الِاسْتِمَاعِ لِلْمَعَازِفِ وَالْقِيَانِ فَأُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّهَا فَزَاحَمَتْ فِيهِ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ، وَلَوَّثَتْهُ بِأَوْضَارِ الْعِصْيَانِ، حَتَّى أَنْكَرُوا صَلَاتَهُمْ وَقِرَاءَتَهُمْ لِلْقُرْآنِ وَذِكْرَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَصَارَتْ صُوَرُ النِّسَاءِ لَا تُفَارِقُهُمْ حَتَّى فِي صَلَوَاتِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَهَكَذَا تَكُونُ الْقُلُوبُ إِذَا أُشْرِبَتِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةَ.

 

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ يَحْكِي قِصَّةً لَهُ مَعَ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: «قَالَ لِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ جَعَلْتُ أُورِدُ عَلَيْهِ إِيرَادًا بَعْدَ إِيرَادٍ: لَا تَجْعَلْ قَلْبَكَ لِلْإِيرَادَاتِ وَالشُّبُهَاتِ مِثْلَ السِّفِنْجَةِ، فَيَتَشَرَّبُهَا، فَلَا يَنْضَحُ إِلَّا بِهَا، وَلَكِنِ اجْعَلْهُ كَالزُّجَاجَةِ الْمُصْمَتَةِ، تَمُرُّ الشُّبُهَاتُ بِظَاهِرِهَا وَلَا تَسْتَقِرُّ فِيهَا؛ فَيَرَاهَا بِصَفَائِهِ، وَيَدْفَعُهَا بِصَلَابَتِهِ، وَإِلَّا فَإِذَا أَشْرَبْتَ قَلْبَكَ كُلَّ شُبْهَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا، صَارَ مَقَرًّا لِلشُّبُهَاتِ، أَوْ كَمَا قَالَ. فَمَا أَعْلَمُ أَنِّي انْتَفَعْتُ بِوَصِيَّةٍ فِي دَفْعِ الشُّبُهَاتِ كَانْتِفَاعِي بِذَلِكَ».

 

وَمِنْ عَلَامَاتِ الْقَلْبِ الْمُتَشَرِّبِ لِلْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ وَالْفَسَادِ اخْتِلَالُ مِعْيَارِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ فِي قَلْبِهِ، فَتَنْقَلِبُ عِنْدَهُ الْمَوَازِينُ، وَتَنْتَكِسُ فِي نَفْسِهِ الْمَفَاهِيمُ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». فَمَا يَكُونُ حَرَامًا عِنْدَهُ بِالْأَمْسِ يَكُونُ الْيَوْمَ حَلَالًا، وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا الْيَوْمَ يَتَحَوَّلُ غَدًا إِلَى مُسْتَحَبٍّ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ رُبَّمَا بِدْعَةٍ، فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ، وَفَصْمِ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً. وَهِيَ تَغَيُّرَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ أُشْرِبَ الْهَوَى وَالْفِتْنَةَ، فَلَا يَأْبَهُ بِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ يَبْحَثُ فِيهِمَا عَمَّا يُسْنِدُ هَوَاهُ الَّذِي أُشْرِبَهُ، وَلَوْ كَانَ بَعِيدَ الْمَنْزِعِ، وَيَتْرُكُ الْأَدِلَّةَ الْوَاضِحَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوَافِقُ هَوَاهُ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ أَمْ لَا فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَلَالًا، أَوْ يَرَى حَلَالًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ» رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

 

إِنَّ الْقَلْبَ مَحَلُّ الْحُبِّ وَالْكُرْهِ، وَالْوَلَاءِ وَالْعَدَاءِ، وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ؛ وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَنِيَ عِنَايَةً فَائِقَةً بِمَا يَتَلَقَّاهُ قَلْبُهُ، وَبِمَا يَصْدُرُ عَنْ قَلْبِهِ. فَلَا يَتَلَقَّى إِلَّا الْإِيمَانَ وَمَعَانِيَهُ وَأَجْزَاءَهُ وَمَا يُنَمِّيهِ فِي الْقَلْبِ، وَيُجَانِبُ مَا يُفْسِدُ الْقَلْبَ مِنْ أَنْوَاعِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ. وَلَا يَصْدُرُ مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى؛ مِنْ حُبِّهِ، وَتَعْظِيمِهِ، وَرَجَائِهِ، وَخَوْفِهِ، وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَبُغْضِ مَا يَبْغَضُهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي، وَمَوَالَاةِ أَوْلِيَائِهِ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ وَبُغْضِهِمْ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ: «يَا كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ... أُفٍّ لِحَامِلِ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ؟ إِنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ. مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ».

 

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ قُلُوبَنَا مِنَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، وَأَنْ يَمْلَأَهَا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[الْبَقَرَةِ: 281].


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: قُلُوبُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيِّنَةٌ فِي تَلَقِّي كُلِّ خَيْرٍ، تَتَشَرَّبُهُ حَتَّى تَمْتَلِئَ بِهِ، فَتَزْدَادُ صَلَاحًا وَاسْتِقَامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الْأَنْفَالِ: 2]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرَّعْدِ: 28]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزُّمَرِ: 23]. وَهَذِهِ الْقُلُوبُ اللَّيِّنَةُ تَنْقَلِبُ إِلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ إِذَا أُلْقِيَ إِلَيْهَا فِتَنُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَأَنْوَاعُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تُصْبِحُ كَالصَّفَا فَلَا تَضُرُّهَا فِتْنَةٌ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبُ الْمَفْتُونِينَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ مُصْمَتَةٌ أَمَامَ كُلِّ خَيْرٍ فَلَا تَتَلَقَّاهُ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِهِمْ: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 179]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ [الْأَنْعَامِ: 25]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ [الْكَهْفِ: 57]. وَفِي الْمُقَابِلِ فَإِنَّهَا قُلُوبٌ إِسْفَنْجِيَّةٌ فِي الشَّرِّ، فَتَتَلَقَّى كُلَّ فِتْنَةٍ حَتَّى تَتَشَرَّبَ بِهَا؛ كَمَا أُشْرِبَ كُفَّارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَحَبَّةَ الشِّرْكِ ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 93]، أَيْ: أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّ عِبَادَتِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 165]، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقُلُوبَ الْمَفْتُونَةَ تَتَشَرَّبُ الْفِتَنَ حَتَّى تَسْوَدَّ بِهَا وَتَنْقَلِبَ عَلَى أَصْحَابِهَا. وَهِيَ فِتَنُ الْكُفْرِ أَوِ النِّفَاقِ أَوِ الْبِدَعِ أَوِ الْمَعَاصِي. وَإِذَا عَرَفَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ سَعَى فِي أَنْ يَتَلَقَّى قَلْبُهُ كُلَّ خَيْرٍ، وَيُجَنِّبَهُ كُلَّ شَرٍّ، فَإِذَا سَمِعَ شَرًّا أَوْ رَآهُ أَوْ قَرَأَهُ أَنْكَرَهُ وَجَانَبَهُ؛ حِفْظًا لِقَلْبِهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالِانْقِلَابِ؛ ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الْحَجِّ: 46].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • مقالات
  • بحوث ودراسات
  • كتب
  • خطب منبرية
  • مواد مترجمة
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة