• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الدكتور صغير بن محمد الصغيرد. صغير بن محمد الصغير الدكتور صغير بن محمد الصغير عليه وسلم
شبكة الألوكة / موقع د. صغير بن محمد الصغير / خطب مكتوبة
لمراسلة الدكتور صغير الصغير


علامة باركود

خطبة: من أحكام الجمعة

خطبة: من أحكام الجمعة
د. صغير بن محمد الصغير


تاريخ الإضافة: 19/7/2026 ميلادي - 3/2/1448 هجري

الزيارات: 285

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

من أحكام الجمعة


الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم يقوم الأشهاد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فإن تقوى الله خير زادٍ ليوم المعاد، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197] ولنعلم أن من أعظم دلائل التقوى تعظيم شعائر الله، والمسارعة إلى طاعته، والمنافسة في مواسم الخير، فإن الله سبحانه يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] ويقول جل وعلا: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: 21] ويقول سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].

 

أيها الإخوة: إن من أعظم شعائر الإسلام التي شرع الله فيها المبادرة والمسابقة: خطبة وصلاة الجمعة في يوم الجمعة، ولقد سميت سورة في القرآن بها.

 

وفي آخر سورة الجمعة تحدث الله جل وعلا عن آداب وأحكام صلاة الجمعة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9] الخ الآيات..

 

وسمي يوم الجمعة بهذا الاسم لاجتماع الناس فيه للصلاة. وقيل: إن أول من سماه بهذا الاسم هو كعب بن لؤي بن غالب[1].

 

وأول صلاة جمعة في الإسلام كانت في المدينة، وجمعها أسعد بن زرارة [2] أو مصعب بن عمير [3]، بينما أول صلاة جمعة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت عند قدومه المدينة.

 

يَقُولُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: "(فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) أَيِ: اقْصِدُوا وَاعْمَدُوا وَاهْتَمُّوا فِي مَسِيرِكُمْ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هَاهُنَا الْمَشْيُ السَّرِيعُ، وَإِنَّمَا هُوَ الِاهْتِمَامُ بِهَا" الخ [4]


والجمعة تطبيق عملي على توطيد الصلات بين المسلمين مما يؤلف قلوبهم ويدعم وحدة الأمة الإسلامية، والجمعة فرض عين، قَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالسَّعْيِ إليها؛ وَهِيَ مِنْ آكَدِ فُرُوضِ الإِسْلَامِ، وَأَعْظَمِ مَجَامِعِ المُسْلِمِينَ، وَأَسْبَابِ المَحَبَّةِ بَيْنَهُمْ.

 

يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»[5]


وفي هذا الحديث تبشير من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته؛ بأن الله يكفر الصغائر من السيئات بالقليل من الأعمال الصالحات؛ التي منها المداومة على صلاة الجمعة.

 

وَيَنْبَغِي لِمَنْ وَجَبَ عَلَيهِ حُضُورُ الجُمُعَةِ: أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ ويبتعد عن الروائح المؤذية للملائكة والمصلين، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا؛ وَيَذْهَبَ مَشْيًا وَيَدْنُو مِنَ الإِمَامِ، وَيَسْتَمِعَ وَيُنْصِتَ؛ لِمَا فِي هَذَا كُلِّهِ مِنَ الأُجُورِ العَظِيمَةِ وَالثَّوَابِ الجَزِيلِ.

 

يَقُولُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ؛ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» رواه البخاري[6].

 

وَيَقُولُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَـأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَت الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»[7] [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

 

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تَقْعُدُ الملائِكَةُ علَى أبوابِ المساجِدِ يومَ الجمعةِ، فيكتُبُونَ الأوَّلَ والثاني، والثالِثَ، حتى إذا خرجَ الإمامُ، رفَعَتِ الصُّحُفَ»[8].

 

والتبكير إلى الصلاة يوم الجمعة من السنن العظيمة التي قصَّر فيها كثير منا، ولعل فيما تقدم من الأحاديث الواردة في فضل التبكير ما يقوِّي العزائم، ويَشحذ الهِممَ للمسارعة إلى هذا الفضل؛ قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].

 

والتبكير يبدأ من أول النهار كما هو قول جماهير العلماء، كالشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم رحمهم الله: أن الساعات الخمس تبدأ من أول النهار بعد طلوع الشمس،[9] بل قال الشافعي: "ولو بكّر بعد الفجر قبل طلوع الشمس فهو حسن"[10].

 

وكان كثير من الصالحين -رحمهم الله- يعظمون يوم الجمعة، ويحرصون على التبكير إليها، وإدراك الصفوف الأولى، واغتنام الساعات قبل الخطبة بالذكر، وقراءة القرآن، والدعاء. ولا يزال هذا الباب من أبواب التنافس في الخيرات مفتوحًا، وكلما سبق العبد إلى بيت الله كان ذلك أدل على تعظيمه لشعائر الله، وصدق رغبته فيما عنده. ولقد رؤي بعضهم يلزم الجامع من أول النهار إلى دخول الخطيب وبعضهم يختم القران في هذه الساعات.

 

ومما ورد في السنّة: مشروعية المواظبة على قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير.[11]

 

قال الإمام ابن باز في فتاواه: "جاء في قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أحاديث لا تخلو من ضعف، لكن ذكر بعض أهل العلم أنه يشد بعضها بعضًا وتصلح للاحتجاج، وثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه كان يفعل ذلك، فالعمل بذلك حسن؛ تأسيًا بالصحابي الجليل رضي الله عنه، وعملًا بالأحاديث المشار إليها؛ لأنه يشد بعضها بعضًا، ويؤيدها عمل الصحابي المذكور".[12]

 

وَمِنْ أحكام وآداب الجمعة: أَنَّ مَنْ دَخَلَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ؛ لَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَينِ تَحِيَّةً لِلْمَسْجِدِ؛ وَيُوجِزُ فِيهِمَا.

 

فَإِنْ دَخَلَ أَثْنَاءَ الأَذَانِ؛ فَيَقُولُ الشَّيْخُ ابنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ: "الأَفْضَلُ أَنَّهُ يُجِيبُ المُؤَذِّنَ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَينِ وَهُوَ يُؤَذِّنُ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَالحَمْــدُ لِلَّهِ."[13]


و لَا يَجُوزُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ؛ فَقَدْ: (جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» [14] [رواه أبو داود وقال الألباني صحيح]

 

ولَيْسَ لَهَا سُنَّةٌ قَبْلِيَّةٌ رَاتِبَةٌ؛ بَلْ يَتَنَفَّلُ بِمَا شَاءَ حَتَّى يَدْخُلَ الإِمَامُ، أَمَّا السُّنَّةُ الرَّاتِبَةُ بَعْدَهَا: فَإِنْ صَلَّاهَا فِي المَسْجِدِ صَلَاهَا أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّاهَا فِي البَيْتِ صَلَّاهَا رَكْعَتَينِ؛ وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيهِ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ، وَهُوَ مَا أَفْتَتْ بِهِ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ.[15]


و لَا يَجُوزُ الكَلَامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ»[16] [متفق عليه]

 

وَلَا يَجُوزُ التَّشَاغُلُ عَنِ الخُطْبَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا»[17] وَقَدْ كَانَ المَسْجِدُ يُفْرَشُ بِالحَصَى الصِّغَارِ؛ فَمَنْ تَشَاغَلَ بِهِ فَقَدْ لَغَا، يَقُولُ الشَّيْخُ ابنُ عُثَيمِينَ رَحِمَهُ اللهُ: "يَعْنِي يُحْرَمُ ثَوَابَ الجُمُعَةِ الَّتِي فُضِّلَتْ بِهَا هَذِهِ الأُمَّةُ عَنْ غَيْرِهَا"[18].

 

وأعظم إثما مَنْ يَعْبَثُ بِجَوَّالِهِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ.. نسأل الله الالتزام بالسنّة والتوفيق في القول والعمل.


أقول قولي هذا وأستغفر الله


الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله خير ما ادّخره العبد ليوم لقائه، واعلموا أن من أعظم علامات تعظيم الله تعظيم شعائره، والمسارعة إلى طاعته، واغتنام مواسم فضله، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70].

 

في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان الأذان للجمعة واحداً، ثم أضاف عثمان بن عفان أذاناً إضافياً بسبب كثرة الناس[19].

 

ولنعلم أنه يحُرم البيع بعد نداء الجمعة باعتباره ملهياً عن ذكر الله. قال ابن قدامة في "المغني": "والنداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النداء عَقِيْب جلوس الإمام على المنبر، فتعلق الحكم به دون غيره. ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده" اهـ[20]. ولقد لوحظ كثير من الباعة عند أبواب الجوامع يبيعون بعد النداء الثاني وأيضا يؤذون المصلين في الدخول والخروج هداهم الله.. وعلى من رام البركة في بيعه وشراءه ألا يفعل هذا وأن يلزم الحكم الشرعي..

 

قال البقاعي رحمه الله: "(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ) أي:" وقع الفراغ منها ﴿ فانتشروا ﴾ أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض، لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم...وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش ﴿ من فضل الله ﴾"[21].

 

أيها الأحبة: خصَّ الله يوم الجمعة بفضائل عظيمة، ومن أجلِّها تلك الساعة المباركة التي لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله شيئًا، إلا أعطاه إياه»، وأشار بيده يقللها[22]؛ إشارة إلى قصرها وخفائها، ليجتهد المؤمن في اغتنامها.

 

وقد اختلف العلماء في تعيين هذه الساعة على أقوال كثيرة، ذكر الحافظ ابن حجر أنها بلغت أكثر من أربعين قولًا [23]، إلا أن أصحها قولان:

القول الأول: أنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة.

 

واستدل أصحاب هذا القول بحديث أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» رواه مسلم.[24] وهذا مذهب جماعة من أهل العلم، ورجحه الإمام النووي، ورأى أن الحديث صريح في ذلك[25].

 

القول الثاني: أنها آخر ساعة بعد العصر إلى غروب الشمس.

 

واستدل أصحاب هذا القول بأحاديث عدة، منها حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله فيها شيئًا إلا آتاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر»، رواه أبو داود والنسائي وصححه جماعة من أهل العلم[26].

 

وروي هذا المعنى عن عدد من الصحابة، منهم: عبد الله بن سلام، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس رضي الله عنهم، وكان عبد الله بن سلام يقول: إنها آخر ساعة من يوم الجمعة[27].

 

والراجح –والله أعلم– أن ساعة الإجابة هي آخر ساعة بعد العصر إلى غروب الشمس؛ لأن الأحاديث الواردة فيها أكثر، وآثار الصحابة تؤيدها، ولأنها موضع اجتماع القلب وانكساره عند انقضاء اليوم.

 

وهذا هو الذي رجحه جماعة من المحققين؛ منهم الإمام أحمد في أشهر الروايتين عنه، والإمام ابن القيم، والحافظ ابن حجر، والإمام الشوكاني، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله جميعًا[28].

 

ولا تعارض بين هذين القولين من جهة العمل؛ فإن المؤمن يستطيع أن يغتنم الموضعين جميعًا، فيدعو ربه أثناء حضوره الجمعة، ولا سيما في حال جلوس الإمام وما بعد الصلاة، ثم يخص آخر ساعة بعد العصر بالإلحاح في الدعاء، رجاء أن يوافق ساعة الإجابة.

 

ومن جميل حكمة الله تعالى أنه أخفى هذه الساعة كما أخفى ليلة القدر، والاسم الأعظم، ليجتهد العباد في الإكثار من الدعاء، ولا يقتصروا على وقت بعينه. فالسعيد من عمر يوم الجمعة بالطاعة: يبكر إلى المسجد، ويكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرأ سورة الكهف، ويلزم الذكر والدعاء، ويختم يومه بالإلحاح على الله في آخر ساعة قبل غروب الشمس، طمعًا في فضله، ورجاءً لإجابة دعائه.

 

عباد الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].



[1] انظر: تفسير القرطبي (18/ 98)، وكذلك: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (2/ 353)، وكذلك: الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لأبي القاسم السهيلي (1/ 432).

[2] أخرجه أبو داود في سننه (1069) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه: «أن أسعد بن زرارة أول من جمع بهم في هزمة النبيت من حرة بني بياضة...».

[3] انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (3/ 88)، وسنن الدارقطني (2/ 6). وقد جمع الحافظ ابن حجر بينهما بقوله: «إن أسعد كان أمير ذلك الموضع... ومصعباً كان الإمام لأنه كان الأقرأ»، انظر: فتح الباري (2/ 356).

[4] انظر: تفسير القرآن العظيم (8/ 120).

[5] أخرجه مسلم (233).

[6] أخرجه البخاري (883).

[7] أخرجه البخاري (881)، وأخرجه مسلم (850).

[8] برقم: (22261)، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (7728). وقال الإمام الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه أحمد والطبراني في الكبير بنحوه ورجال أحمد ثقات"، وجوّد إسناده الإمام المنذري في "الترغيب والترهيب"، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (711)، وفي "صحيح الجامع" (3352).

[9] انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي، (4/ 540)، وكذلك: فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب الحنبلي (8/ 125).

[10] الأم (1/ 224).

[11] أخرجه الحاكم في المستدرك (3392)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (5996)، وقد صححه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" رقم (626)، وفي "صحيح الجامع الصغير" رقم (6470).

[12] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جمع وإشراف: محمد بن سعد الشويعر، (12/ 415). (والفتوى منشورة أيضاً في الموقع الرسمي لسماحته تحت عنوان: حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة).

[13] فتاوى نور على الدرب، ابن باز (13/ 305).

[14] أخرجه الإمام أبي داود (1118)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (1061) وصححه، ووافقه الإمام الذهبي وكذا صححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (1024).

[15] انظر: مجموع الفتاوى (24/ 188)، وكذلك: زاد المعاد (1/ 425).

[16] أخرجه البخاري (934)، وأخرجه مسلم (851).

[17] جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم (857).

[18] شرح رياض الصالحين (2/ 180).

[19] أصله مروي عن السائب بن يزيد فيما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (912).

[20] المغني (2/ 220).

[21] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (20/ 67).

[22] متفق عليه، أخرجه البخاري (935)، ومسلم (852).

[23] انظر: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (2/ 416).

[24] أخرجه مسلم (853).

[25] انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (6/ 140).

[26] هذا الأثر أخرجه أبو داود (1048)، وأخرجه النسائي (1389)، وأخرجه الحاكم (1032) وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، وفي (صحيح الجامع) برقم: (8190).

[27] أخرجه الإمام مالك في "الموطأ (326)، وأخرجه أبو داود في (1046)، وأخرجه الترمذي (491)، وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح". وقد صحح إسناده الحافظ ابن حجر في (الفتح) (2/ 420).

[28] انظر: زاد المعاد لابن القيم (1/ 384)، وفتح الباري لابن حجر (2/ 421) حيث مال إلى ترجيحها بعد استعراض الأقوال، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني (3/ 274)، وانظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز (12/ 401)، ومجموع فتاوى ورسائل العثيمين (16/ 97).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • كتب وبحوث
  • مقالات
  • خطب مكتوبة
  • صوتيات
  • الاستشارات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة