• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  موقع الدكتور صغير بن محمد الصغيرد. صغير بن محمد الصغير الدكتور صغير بن محمد الصغير عليه وسلم
شبكة الألوكة / موقع د. صغير بن محمد الصغير / خطب مكتوبة
لمراسلة الدكتور صغير الصغير


Tweets by d_sogher
علامة باركود

ذكريات شموع الروضة (11) أبو علي محمد بن عبدالله الفداغي رحمه الله - خطبة: فقد المحسنين..

ذكريات شموع الروضة (11) أبو علي محمد بن عبدالله الفداغي رحمه الله - خطبة: فقد المحسنين..
د. صغير بن محمد الصغير


تاريخ الإضافة: 28/1/2026 ميلادي - 10/8/1447 هجري

الزيارات: 67

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ذكريات شموع الروضة (11)

أبو علي محمد بن عبدالله الفداغي رحمه الله

خطبة: فقد المحسنين..

 

الحمد لله الذي جعل الموت حقًا مقضيًا، والحياة متاعًا مطويًا، كتب -سبحانه- الفناء على خلقه أجمعين، فاستأثر برحمته عباده المحسنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الحياة دار ممر لا مستقر، وأن خير الزاد كما أخبر ربنا جل وعز: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

الموتُ حقّ… هو الموت، ما منه ملاذٌ و مهرب، ولا بابٌ يُغلَق في وجهه، ولا قوةٌ ترده، ولا حيلةٌ تؤخّره إذا جاء أجله. ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185] لا يستثني أحدًا، ولا يفرّق بين من عاش طويلًا، ومن لم يُكمِل شبابه، بين من ملك الدنيا ومن لم يملك منها إلا الكفاف.

 

حقيقةٌ تسير إلينا كما نسير إليها، نخطو في طرق الدنيا، وهو يخطو في طرقنا، وقف النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومًا على قبرٍ، فبكى ثم قال: «يا إخواني، لمثل هذا فأعدّوا»[1].

 

الموت حق… ومن لم يجعل له في حياته استعدادًا، جعل له في قبره ندمًا، وفي موقفه حسرة، وفي حسابه شدة.

 

فطوبى لمن جعل الموت بين عينيه، فأحسن العمل، وقصّر الأمل، وأصلح السرّ قبل العلن، حتى إذا جاءه اليقين، جاءه وهو عنه راضٍ، وجاءه وهو إلى ربّه مشتاق.

 

في لحظاتٍ معيّنة من تاريخ الأمم، لا يكون الموتُ حدثًا فرديًّا، بل زلزالًا يهزُّ موازين الرحمة في المجتمع. وحين يُفقد المحسنون، لا يُرفع نعشٌ واحد، بل تُرفع معه مواطنُ من الإحسان، وتُطوى صفحاتٌ كان الله يكتب فيها الفرج على أيدي عباده.

 

إنّ فقدَ المحسن ليس فقدَ جسدٍ غاب، بل فقدُ قلبٍ كان يسع الناس، ويدٍ كانت تمشي في الظلام لتطرق أبواب المحتاجين دون أن تُعرِّف بنفسها، ونفسٍ صدقت مع الله حين سمعت قوله سبحانه: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195]، فلم تطلب بعد محبة الله ثناءً، ولا بعد نظره نظرَ البشر.

 

وما أكثر ما علّمتنا السيرة أنَّ بقاء الأمم لا يُقاس بكثرة الأقوياء فيها، بل بكثرة المحسنين فيها.

 

تأمّلوا أبا بكرٍ -رضي الله عنه- ذلك الشيخ الكبير ضعيف البنية في نظر الناس، القوي في ميزان السماء، الذي كان يخرج بعد الفجر إلى أطراف المدينة يخدم امرأةً عجوزًا عمياء، يكنس بيتها، ويهيّئ طعامها، ثم يعود دون أن يعلم به أحد. فلما علم عمر رضي الله عنه وبكى، قال: «أتعبتَ من بعدك يا أبا بكر».[2]


هكذا يُتعب المحسنُ من بعده؛ لأنه يرفع سقف الإحسان عاليًا، حتى يصعب على اللاحقين أن يبلغوه.

 

وتأمّلوا سيدَ المحسنين صلى الله عليه وسلم، حين جاءه رجلٌ يسأله، فلم يجد عنده شيئًا، فقال: «استقرض لنا شيئًا حتى يأتينا شيء فنقضيه»، فلما قال عمر: ما كلّفك الله ما لا تقدر عليه، غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أنفق يا ابن الخطاب ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا».[3]


هكذا كان الإحسان عنده يقينًا لا حسابًا، وثقةً لا تردّدًا.

 

وحين نفقد المحسنين، فإن أول من يبكيهم ليس أهلهم فقط، بل الأرامل الذين كانوا يجدون فيهم سترًا، والأيتام الذين كانوا يجدون فيهم أبًا ثانيًا، والفقراء الذين كانوا يرون فيهم رحمةً تمشي على قدمين. ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافلُ اليتيم في الجنة كهاتين»[4]، وأيُّ منزلةٍ بعد هذه المنزلة؟ وأيُّ فجيعةٍ أعظم من فقد من كان طريقًا إلى الجنة؟

 

إن المحسنين هم الذين فهموا سرَّ هذه الدنيا، فسمعوا قول الله تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل: 96]، فتركوا ما ينفد، واستثمروا فيما يبقى. وصدقوا وعده حين قال ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ [البقرة: 261]، فلم يقيسوا العطاء بحجم المال، بل بحجم الثواب.

 

ومن أعجب مشاهد السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن رجلٍ من أهل الجنة: «لقد رأيتُه يتقلّب في الجنة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس».[5]


غصنٌ أُزيل من الطريق، فكان مفتاحَ خلود، فكيف بإحسانٍ يُطعم جائعًا، ويكفل يتيمًا، ويفرّج كربة؟

 

وقد جعل الشرع بقاء الأثر بقاءً للأجر، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».[6]


فالمحسن لا تنقطع صحيفته حين يُغلق قبره، بل تظل مفتوحة ما دامت صدقاته تمشي في الأرض، وما دامت دعوات الملهوفين تصعد إلى السماء.

 

ولئن غاب المحسنون عن أعيننا، فإن آثارهم لم تغب عن صحائفهم، ولم تُرفع عن موازينهم، ولم تُمحَ من دعوات المحتاجين. ويكفيهم وعدُ الله الصريح: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [التوبة: 120]، وقوله جلّ شأنه: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60].

 

إن فقدَ المحسنين ليس نهاية الخير، بل انتقالُ الراية، واختبارُ للبقية..

 

إنهم تركوا لنا ميراثًا أوضح من المال: تركوا لنا طريقًا. طريقًا كُتب عليه: هنا مرّ قومٌ آمنوا بالله، فأحسنوا، فرحلوا، وبقي أثرهم شاهدًا أن الإحسان هو العمر الثاني للإنسان.

نسأل الله أن يتغمّد المحسنين برحمته الواسعة، وأن يجعل قبورهم روضاتٍ من رياض الجنة، وأن يُجري ثوابهم ما جرت السماوات والأرض، وأن يخلف على الأمة من يحمل مشعل الإحسان من بعدهم..

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله حمدًا كثيرًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد بشيرًا ونذيرًا، أما بعد:

أيها الإخوة: فاتقوا الله تعالى، واعلموا أن الأيام مطايا تمضي بنا إلى الآخرة، فاستودعوا أيامكم من الأعمال الصالحة، ما يسركم يوم لقائه، وأحسنوا كما أحسن الله إليكم.

 

لقد فقد الحيُّ نموذجًا فريدًا من هؤلاء المحسنين والجيران الصالحين، نحسبه -والله حسيبه- ممن عاش بين الناس خفيَّ الذكر، عظيم الأثر، لا يُرى إلا في مواطن الثناء والجود والكرم. كان قريبًا من القلوب قبل أن يكون قريبًا من البيوت، وساعيًا في الخير قبل أن يكون حاضرًا في المجالس

 

ما كان يُكثر من الكلام، ولكن كانت أفعاله تتكلم عنه، وتدلّ عليه. يشهد له دعاءُ الأرملة، ودمعةُ اليتيم، وارتياحُ الجار، وصمتُ الليالي التي كان يطرق فيها أبواب الخير دون شاهدٍ من الناس.

 

نحسبه كذلك، ولا نزكّي على الله أحدًا، ونرجو أن يكون ممن صدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أهلُ المعروف في الدنيا هم أهلُ المعروف في الآخرة»[7]، وأن يكون قد دخل في وعد الله الكريم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ [الرعد: 29].

 

وإنّا إذ نودّعه اليوم، نواسي أنفسنا بأن من عاش للإحسان لم يمت، بل انتقل من ضيق الذكر في الأرض إلى سعة الذكر في السماء.

 

رحم الله فقيد الحي، وجزاه عن جيرانه وأهل حارته خير الجزاء، وجعل ما قدّم نورًا في قبره، ورفعةً في درجته، وخلفًا صالحًا في ذريته، وكتبنا وإياكم في زمرة المحسنين، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

 

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم



[1] أخرجه ابن ماجه في "سننه" (4195)، وأحمد في "المسند" (18610)، والحاكم في "المستدرك" (7786) وصححه، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" (7844).

[2] انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني (1/48)، وصفة الصفوة، لابن الجوزي (1/256).

[3] أخرجه الترمذي في "الشّمائل المحمدية" (رقم 351)، والبزار في "مسنده" (رقم 2242)، وأبو يعلى (رقم 1018). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/242): "رجاله رجال الصحيح". وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (رقم 2312).

[4] أخرجه البخاري (6005)، والترمذي (رقم 1918)، وأبو داود (رقم 5150).

[5] أخرجه مسلم (2619).

[6] أخرجه مسلم (1631).

[7] أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (223)، والحاكم في "المستدرك" (5212) وصححه، والطبراني في "المعجم الأوسط" (1823)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (رقم 2503).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • كتب وبحوث
  • مقالات
  • خطب مكتوبة
  • صوتيات
  • الاستشارات
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة