• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / خطب رمضان والصيام
علامة باركود

خطبة: بركات الصيام وخصائصه وبعض مسائله

خطبة: بركات الصيام وخصائصه وبعض مسائله
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/8/2026 ميلادي - 5/3/1448 هجري

الزيارات: 276

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: بركات الصيام وخصائصه وبعض مسائله


أيها المسلمون عباد الله، لقد أنعم الله علينا بشهرٍ مبارك تُفْتَحُ فيه أبوابُ الخيرات، ويُقبِل فيه عباد الله على الطاعات والقُربات، ومن بركات هذا الشهر الكريم أن الله سبحانه وتعالى جعله ميقاتًا لتوبة التائبين وهداية المُنحرفين، فكم من تائبٍ أقبل على الله في هذا الشهر العظيم، ورجع إلى ربه ومولاه، وكم من ضالٍّ عرَفَ الطريق وسار إلى الهداية في هذا الشهر الكريم.

 

نعم أيها المؤمنون، شهرُ رمضان يُجمعُ فيه بين سببَين من أسبابِ المغفرة: الصيام، والقيام، قال صلى الله عليه وسلم: ((من صامَ رمضان إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه))؛ [رواه البخاري ومسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من قامَ رمضان إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

ومن بركات هذا الشهر العظيم أن الله جعله أيضًا ميقاتًا لتلاوة كتابه، فكم من أُناسٍ يُقبِلون على الله في قراءة القرآن ومُدارسته في هذا الشهر وقد كانوا طوال العام بعيدين أو مشغولين عنه بأمورٍ أخرى، ولا شك أن تدبُّر القرآن وتلاوتَه وقراءتَه ومُدارستَه والعناية به في هذا الشهر الكريم من بركات شهر رمضان، ولكم أن تتخيَّلوا كم هي الختمات التي تُختَم في هذا الشهر من قِبل القُرَّاء الذين ينكبُّون على قراءة القرآن في هذا الشهر العظيم.

 

يجتمعُ في هذا الشهر الكريم قراءة القرآن مع الصيام، وهما الشفيعان للعبد يوم القيامة، فقد ثبَتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الصيامُ والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، يقولُ الصيامُ: أي رب، منعتُه الطعامَ والشرابَ في النهار، فشفِّعْني فيه، ويقولُ القرآن: منعتُه النومَ والراحةَ في الليل فشَفِّعْني فيه، قال: فيشفعان))؛ [رواه أحمد].

 

ومن بركاتِ هذا الشهر الكريم أن تتحقَّق فيه أنواعُ الصبرِ الثلاثة: صبر على طاعةِ الله، وصبر عن معاصِي الله، وصبر على أقدارِ الله جل وعلا، فالصائم يصبر على طاعةِ الله في إتمام الصوم، ويصبر عن المعاصِي والمُنكرات حين يمنعُ نفسَهُ عما حرَّم الله عليه، ويصبر على الابتلاءات، حين يشعُرُ بالجوعِ والعطشِ.

 

فهذه العبادة العظيمة في هذا الشهر الكريم تُعلِّمُ الإنسان الصبر والتحمُّل، والإخلاص لله سبحانه وتعالى؛ ولذلك اختصَّ الله جلَّ وعلا هذه العبادة التي تُسمَّى عبادةَ الصبر؛ وهي الصيام، بأن يُوفِّي صاحبَها أجرَه بغير حسابٍ، كما قال: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

 

وفي شهر رمضان تتغيرُ الأحوال والأنفس ويبتدئ الإنسان يشعُرُ بضرورةِ تغييرِ حالِه إلى الأفضل ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، يشعُرُ بالانضِباط في إفطارِه وسحورِه، يشعُرُ بأنه مُحتاجٌ إلى الذِّكر والتسبيحِ وقراءةِ القرآن، يشعُرُ أنه مُحتاجٌ إلى المُحافظة على الصلاة جماعة وفي المساجد مع عموم المسلمين، يشعُرُ أن أخلاقَه وسُلوكَه بدأَت تتهذَّب؛ لأنَّ الشيطان قد ضُيِّقَتْ عليه مجاري حركتِه في جسمِ هذا الإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدم))؛ [رواه البخاري ومسلم]. وحين تُضيَّقُ مجاري الشيطان في جسدِ هذا الإنسان يشعُرُ بشيءٍ من الإقبال على الله والعودة إليه، وتتحسَّن أخلاقُه، وتنضبِط سلوكياته، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان صومُ يومِ أحدِكم فلا يرفُثُ ولا يصخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو شتَمَه فليقُل إني صائم))؛ [رواه البخاري ومسلم]، والصوم يساعد على هذه التربية السلوكية الانضِباطية لجوارِح الإنسان في هذا الشهر الكريم، وهذا من بركاتِه.

 

ومن بركاتِه إقبالُ النفوس على الطاعات، ومغفرة الذنوب، ومُضاعفة الأجور والحسنات، وقد اختصَّ الله سبحانه وتعالى هذا الشهر بمجموعةٍ من الخصائص؛ منها أن الله سبحانه وتعالى جعله ميقاتًا لنزول الوحي، وقد جاء في مجموعةٍ من الآثار أن جميع الكتب السماوية نزلت في رمضان، ولكن الله سبحانه وتعالى ختمَ هذه الكتب بأعظمها وأفضلها؛ وهو القرآن الكريم، وهو الكتاب المُهيمن على سائر الكتب السماوية، وكان أول نزوله في شهر رمضان، وفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، فقد نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوائل آيات الوحي؛ وهي قوله: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، وذلك دليل على مكانة هذا الشهر واختصاصه، واصطفاء الله سبحانه وتعالى له.

 

فقد بثَّ الله نوره على الأرض في هذا الشهر الكريم، وأنزل فيه هدايته إلى الخلق، تنبيهًا لهم على هذا الموسم العظيم ليقبلوا فيه على الله، فهو موسم البحث عن النور والهداية في لحظات ودقائق وساعات هذا الشهر الكريم.

 

ومن بركات الصيام أنَّ الله اختصَّ له دون سائر الأعمال، مع أن العبد يعبد الله، فيُصلِّي لله، ويُزكِّي لله، ويحج لله، ويفعل سائر الطاعات والعبادات لله، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به))؛ [رواه البخاري ومسلم]، وهذا يعني أن للصوم مزية عند الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك اختصَّه بنسبته إليه: ((إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))، وذلك أن الصائم يظهر منه الإخلاص لله سبحانه وتعالى، بينما باقي العبادات ممكن أن تصلِّي أمام الناس رياءً، وممكن أن تقرأ القرآن رياءً، وممكن أن تنفِق وتتصَدَّق رياءً، وممكن أن تحُجَّ وتطوف رياءً، أما الصوم فلا تستطيع أن تُفطِر إلا في مكانٍ خفيٍّ لا يراك الناس، ومن أجل ذلك اختصَّ الله هذا العمل له؛ لأن الصائم يُراقِبُ الله في السرِّ والعَلَن، فبإمكانه أن يفطُر في مكانٍ خفي لا يراه أحد ويخرج إلى الناس ويدَّعي أنه صائم؛ لهذا كان الصوم له مزية بكثرة الإخلاص والمراقبة لله سبحانه وتعالى.

 

ومن خصائص الشهر الكريم، أن الله جمع فيه عددًا كبيرًا من العبادات قلَّ أنْ تجتمع في غيره؛ ففيه الصيام والصلاة والقيام والدعاء وتلاوة القرآن والبرُّ والإحسان، فيعملُ المُسلمون فيه هذه العبادات بنفوسٍ مُقبِلة على الله، وقد هيَّأ لهم الأجواء، فأغلق أبوابَ النيران، وفتح أبوابَ الجنة، وصَفَّد المردَة من الشياطين الذين يؤذون الخلق، ويُنادي فيه كل يومٍ مُنادٍ: ((يا باغي الخير أقبِل، ويا باغي الشر أقصِر))؛ [رواه الترمذي وابن ماجه]، فتُقبِل النفوس فيه على الله سبحانه وتعالى.

 

ومن خصائص هذا الشهر العظيم أن الله سبحانه وتعالى جعَلَه محطةً لتكفير الذنوب والخطايا، فقال صلى الله عليه وسلم: ((رمضان إلى رمضان مُكفِّرات لما بينهن إذا اجتُنِبَت الكبائر))؛ [رواه مسلم]، وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((جاءني جبريل فقال: قل آمين، قال: فقلتُ آمين، ثم قال: من أدرك شهر رمضان فخرج عنه شهر رمضان ولم يُغفَر له، فأبعده الله عن الجنة وأوقعه في النار، قال: فقل آمين، قال: فقلتُ آمين))؛ [رواه ابن حبان والطبراني].

 

فشهر رمضان محطةٌ للمغفرة، والمخذول من خذله الله سبحانه وتعالى فضيَّع هذه الفرصة، ثلاثون يومًا من حياتك فيها فرصة للتوبة إلى الله فيغفر لك الذنوب السابقة، وتفتح فيه صفحة جديدة مع الله سبحانه وتعالى بالعبادة والطاعة والاستقامة، فإذا ذهبت هذه الفرصة وخرج الشهر ولم يُغفَر للإنسان فيه دلَّ ذلك على أنه مخذول، وأنه قد أبعده الله عن الخير وهيَّأ نفسه للشرِّ، فالواجب على المسلم أن يستغلَّ هذه الفرصة ولا يُضيِّعها، وأن يكون أحذق من التاجر الذي يبحث عن مواسم التجارة والأرباح ليخرج رابحًا من تجارته فيها، فأي ربحٍ أعظم من أن تربح الجنة وأن تُزحزَح من النار؟!

 

أيها المؤمنون عباد الله، ومن خصائص هذا الشهر أيضًا أن الله جعل فيه عُتقاء من النار، وذلك في كل ليلة، فمن لم يتهيأ له أن يُعتق في ليلةٍ من لياليه، فليبحث عن ليلةٍ أخرى، وهكذا يستمر في التعرض لنفحات الله ورحماته طيلة ليالي الشهر الكريم، لعل الله أن ينظر إليه نظرة رحمة فيعتق رقبته من النار.

 

أيها المؤمنون عباد الله، كما أن هذا الشهر العظيم مدرسة متكاملة لتربية النفوس وتهيئتها لتخرج منها وقد تعرَّضت لنفحات الله ومغفرته ورحمته، فتخرج في عداد المؤمنين المتقين، وهذا هو الهدف والغاية والحكمة من فرضية الصوم، كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، فالتقوى هي الهدف والغاية من الصوم، ولا يمكن للمسلم أن يُحقِّق هذه الغاية وهذا الهدف من صومه إلا بأن يؤدي الصوم بأحكامه وشروطه وواجباته وسُنَنه، وأن يبتعد عن كل ما يخدشه ويبطله.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من عباده المتقين، وأستغفرُ الله لي ولكم فاستغفِروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدوانَ إلا على الظالمين المُجرمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين.

 

عباد الله، أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله؛ فإن التقوى هي خيرُ الزَّاد، كما قال: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون، الصيام جُنَّة يُستجنُّ بها من النار، وحتى يكون جُنَّة لصاحبِه فيخرُج منه في عِداد المتقين يجب عليه أن يُلِمَّ بالأحكام العامة للصيام، وأن يؤدِّي الصوم كما أمره الله؛ ذلك لأن بعض الناس يصومون بجهل، وربما وقعوا في بعض المُفطرات، وارتكبوا بعض المكرُهات، وربما شدَّد أحدهم على نفسه في شيءٍ من المُباحات التي لا تضرُّ الصوم ولا تؤثر عليه، فكان لا بد لكل مسلمٍ أن يتعلم ما تصلُح به عبادتُه، فإذا جاء وقتُ الصيام تعلَّم أحكام الصيام، وإذا جاء وقتُ الحج تعلَّم أحكام الحج، وهكذا، ودينُ الله يُسْرٌ فتَعَلَّمْه، ولا تعبد الله على جهل، فإن الذي يعبدُ الله على جهل لا يستشعر قيمةَ العبادة ولا يتلذَّد بثمارها العظيمة.

 

ومن أحكام الصيام التي لا بد أن نُذكِّر الناس بها أن يعرف المسلم ما هي المُفطرات فيجتنِبها؛ فالصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المُفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع نيةٍ صالحةٍ صادقةٍ لله جل وعلا، فهذان شرطان رئيسيان في صحة الصوم: الإمساك عن المُفطرات في حدود وقت الصوم؛ وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع النية الصادقة في الصوم بأن يكون صومًا تعبُّديًّا لله، قال صلى الله عليه وسلم: ((من صامَ رمضان إيمَانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبِه))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

والذين يجِبُ عليهم الصيام هم كلُّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ على الصوم مُقيم، ويُضافُ إليه في حقِّ النساء أن تكون طاهرةً من الحيض والنفاس؛ فالكافر لا يصح صومه إلا أن يؤمن، والطفل غير المُميز الذي لا يدري ما الصوم لا يصح صومه، والحائض والنفساء يحرُمُ عليهما الصوم حالَ الحيض والنفاس، ولو صامتا أثِمتا ولا يصلحُ صومهما.

 

وهناك أشخاصٌ يُرخَّص لهم بالفطر وهم: المريض الذي يزداد مرضُه بالصوم، فله أن يفطر ويقضِي، والمُسافر الذي يشُقُّ عليه الصيام في السفر فيفطر ويقضِي، والمرأة المُرضِع أو الحامل إذا شقَّ عليها الصوم تفطر وتقضِي، وكبيرُ السنِّ الذي لا يستطيع أن يصوم لكبر سِنِّه، أو المريض الذي مرضُه مُزمِن لا يستطيع أن يمتنِع عن الطعام والشراب، فهؤلاء يسقطُ عنهم الصوم ويُطْعِمُون عن كل يومٍ مسكينًا.

 

ومن الأحكام المُهمَّة أيضًا أن يتعرَّف على المُفطرات التي تُفطر الصائم؛ وهي: الأكل والشربُ عمدًا، والقيءُ عمدًا، ونزول دم الحيض والنفاس، فلو حاضَت المرأة قبل المغرب بخمس دقائق بطل صومُ ذلك اليوم وتقضيه مرةً أخرى بعد رمضان، وكذلك يبطل الصومُ بالاستِمناء وهو إخراج المنيِّ بأي وسيلة غير الجِماع سواءً كان باليد أو بالتفكُّر والمُداعبة، ونحوها.

 

ومن وقع في المفطرات عمدًا يلزمه التوبة والاستغفار؛ لأنه انتهك حُرْمة الشهر، ويلزمه القضاء يومًا مكانه بعد رمضان.

 

ومن المفطرات الجِماع في نهار رمضان، فلو جامَعَ الرجل زوجته، فقد وقع في ذنب عظيم يُوجِبُ بطلان الصوم، وعليه القضاء والكفارة المُغلَّظة وهي: عِتقُ رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه؛ أي: إن الله ضاعف عليه العقوبة ستين مرة، فمن أفطر يومًا بجِماع، عليه أن يصوم ستين يومًا متتابعة، فلو أفطر يومًا واحدًا بينهما بدون عذر يعود من البداية، فإن لم يستطع الصوم لزمه أن يُكفِّر عن هذا الذنب بإطعام ستين مسكينًا، يُطعِم كل مسكين وجبة حتى يشبَع، أو يخرج نصف صاع من البُرِّ أو الأرز عن كل مسكين لأسرة فقيرة؛ وهو ما يقارب (75) كيلوجرامًا، وتلزمه كذلك التوبة والاستِغفار من هذا الذنب.

 

فإن كانت المرأة مُطاوِعة لزوجها وراضية بهذا الفعل معه في نهار رمضان فحُكْم الكفارة والتوبة والقضاء عليها مثل ما على زوجها، وإن غصبَها وأكرهَها وظلت تدفعُه ولم تقبل منه هذا الفعل فلا شيء عليها، وصَوْمُها صحيح؛ لأن المُكرَه لا شيء عليه.

 

وهناك أمور لا تُفسِد الصوم وهي مُباحة للصائم وإن كان الأولى له أن يبتعد عنها، ومن ذلك:

أن يُصبح الصائم جُنُبًا، ويؤذن للفجر وهو لم يغتسل، فجائزٌ له أن يُتمَّ صومه ويغتسل بعد أذان الفجر، ومن نامَ في النهار ثم احتلم وخرج منه المني في احتلامه، فإن صومه صحيح، ويجب عليه الغُسْل.

 

ويجوز للإنسان أن يستخدم بعض الأشياء في نهار رمضان وهو صائم للحاجة والضرورة ولا تُفسِد عليه الصوم، ومنها:

استخدام التحاميل والحُقَن غير المغذية، واستخدام قطرة العين وقطرة الأذن، ولو احتاج إلى قلع سِنِّه لا بأس ولكن مع الحذر ألَّا يبتلع شيئًا مما يصل إلى حلقه، ومن وجد نُخامة في حلقه فلا يتكلَّف في إخراجها ولو بلعها وهي في الحلق لا يضر، وكذلك من احتاج إلى الأقراص التي توضع تحت اللسان وهي علاج للذبحة الصدرية، فيجوز له أن يستخدمها وهو صائم، ولكن شريطة ألَّا يبتلع الريق الذي حولها، ويجوز له أن يستخدم المراهم الجلدية؛ فإنها لا تؤثر على الصائم، ويجوز له كحل العين ولو وجد طعمه في الحلق؛ فهذا كله لا يؤثر.

 

وكذلك يجوز لمن يطبخ الطعام أن يَتَذَوَّقه لينظر في مِلْحه، ثم يلزمه أن يبصق ما تذَوَّقه ولا يبلعه، ومن احتاج إلى بخَّاخ الأكسجين للربو والكتمة فلا بأس بذلك، والأفضل أن يؤخره إلى الليل.

 

ومن أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر ولا شيء عليه، قال صلى الله عليه وسلم: ((من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتِمَّ صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه))؛ [رواه البخاري ومسلم]، ولكن يجب عليه أن يتوقف حين يذكر ويخرج ما بقي من فمه، وكذلك ينبغي على من حوله أن ينبهه ولا يتركه.

 

وكذلك لو قبَّل الرجل زوجته وخرج منه المذي، فإن هذا لا يفطر الصائم ولكنه يجرح الصوم، والقبلة للصائم جائزة بشرط ألَّا تُحرِك شهوته، والأفضل للشاب والشابة اللذين تؤثر فيهما أن يبتعد كل منهما عن الآخر في نهار رمضان.

 

وكذلك بلع الريق يجوز للصائم؛ وإنما يكره للصائم أن يجمع ريقه ثم يبلعه.

 

وكذلك الرُّعاف لا يفطر به الصائم، وكذلك أخذ شيء من عينات الدم للتحليل، وإنما الذي يكره للصائم هو التبرُّع بالدم بكمية كبيرة أو الحجامة على الراجح من أقوال أهل العلم.

 

أما مستحبات هذه العبادة العظيمة فهي كثيرة، ولكن نشير إلى بعضها حتى يكتمل لنا مفهوم الصوم الذي يخرج به الإنسان في عداد المتقين، فمن ذلك:

السحور وتأخيره، فإنه من مستحبات الصوم، وينبغي للمسلم أن يستغل هذا الوقت في الاستغفار والدعاء كما قال: ﴿ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 18].

 

ومن مستحبات الصوم تعجيل الفطر، إذا تأكد من الغروب ولو عن طريق التوقيت والتقاويم أو التطبيقات الفلكية، وأن يفطر على رطب، فإن لم يجد فثمرات، فإن لم يجد فعلى ماء، ولا ينسى الدعاء؛ فإن الدعاء في هذا الوقت مستجاب للصائم.

 

ويستحب للصائم أن يتصَدَّق بما تيَسَّر له في كل يوم خلال هذا الشهر الكريم، وإن لم يستطع أن يتصدَّق بمال فليتصَدَّق بشيء من عرضه ويسامح من آذاه، فإن هذه من الصدقات، ويستحب له ختم القرآن في هذا الشهر، ومدارسته، وقراءته حتى يجتمع القرآن والصيام فيشفعان له يوم القيامة.

 

ومن المستحبات في هذا الشهر الاعتكاف، وهو أن يعتكف الصائم المسلم العشر الأواخر من رمضان، وأن يجتهد فيها في العبادة، وأن يوقظ أهله، وأن يشد مئزره، ومن المستحبات صلاة التراويح والقيام، وأن يصلي مع الإمام حتى ينصرف حتى يكتب له قيام ليلة.

 

وينبغي للصائم مع هذا كله أن يحافظ على صومه فلا يخدشه بسَبٍّ ولا لَعْن ولا شتم ولا غير ذلك مما يخدش الصوم، بل يحفظ لسانه وجوارحه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المقبولين في هذا الشهر الكريم.

 

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: العناية بمحكمات الشريعة
  • خطبة: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}
  • خطبة: رفع المعنويات وقت الشدائد
  • خطبة: الفساد في الأرض
  • خطبة: الصدق وأهميته

مختارات من الشبكة

  • نهاية رمضان، وماذا يجب أن نتعلمه من مدرسة الصيام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مرحبا شهر الصيام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نفحات القبول وطريق الفلاح في شهر الصيام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رحمة الله ويسر الدين في الصيام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • موعظة الانتصاف وبشرى أهل الصيام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: مفطرات الصيام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • غزوة بدر الكبرى، وبعض الدروس المستفادة منها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شهر الجود وبعض أحكامه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رمضان والصيام والإمساك عن الآثام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية
  • أكثر من 100 شخص يتعرفون على الإسلام خلال يوم المسجد المفتوح في ميلفيل
  • اختتام منافسات قرآنية متميزة في بنغلاديش بمشاركة 3000 متسابق

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 5/3/1448هـ - الساعة: 14:28
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب