• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رمضان / خطب رمضان والصيام
علامة باركود

مرحبا شهر الصيام (خطبة)

مرحبا شهر الصيام (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 27/2/2026 ميلادي - 10/9/1447 هجري

الزيارات: 2029

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مرحبًا شهر الصيام

 

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين به، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه، ولا مُناوِئ له في علو شأنه، العظيم الذي تصاغر لعظمته العُظماء من أهل الأرضين والسماء، فكل عزيز تحت عزه ذليلٌ، وكل غني تحت غناه فقير.

 

هو الملك الذي عنت الوجوه له
وذلت عنده الأربابُ
متفرِّد بالملك والسلطان قد
خسِر الذين تجاذَبوه وخابوا
دَعْهم وزعمَ الخلد يوم غرورهم
فسيعلمون غدًا مَن الكذابُ

 

وأشهد أن نبينا وعظيمنا ومُخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن ربه محمدٌ رسول الله، أشهد بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة.

 

تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يَزيغ عنها إلا هالك، ولا يتمسك بها إلا كلٌّ منيب سالك، فصلوات ربي وتسليماته عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن دعا بدعوته وسار على طريقته، واستنَّ بسنته الى يوم الدين.

 

أيها المؤمنون، اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ عياذًا بالله من ذلك.

 

أُوصيكم ونفسي بتقوى الله، وصية الله للأولين والآخرين، ووصيته للناس أجمعين إلى يوم الدين، فقد قال عزَّ من قائل ولم يزل قائلًا عليمًا، وآمرًا حكيمًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:

فأيها المؤمنون، روى الإمام البزار في مسنده وابن حبان في صحيحه، وصحَّحه العلامة الألباني أيضًا - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ارْتَقى النبيُّ صلى الله عليه وسلم على المنبر درجةً، فقال: آمين، ثم ارتقى الثانيةَ، فقال: آمين، ثم ارتقى الثالثةَ، فقال: آمين، ثم استوى فجلس، فقال أصحابُه: على ما أمَّنْتَ؟ قال: أتاني جبريلُ فقال: رَغِمَ أنفُ امرئٍ ذُكِرْتَ عنده، فلم يُصَلِّ عليك، فقلتُ آمين، فقال: رَغِمَ أنفُ امرئٍ أدرك أبوَيه فلم يَدخُلِ الجنة، فقلتُ: آمين، فقال: رَغِمَ أنفُ امرئٍ أدرك رمضانَ فلم يُغْفَرْ له، فقلتُ، آمِين".

 

أيها المؤمنون، المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها في هذه الأيام، يعيشون أجواءَ شهر رمضان، هذا الشهر المبارك الذي طال غيابه عنهم أكثرَ من أحد عشر شهرًا، إنهم يعيشونه، إنه شهر تأتي معه الخيرات والبركات، ويمحو الله به عن المسلمين الخطايا والسيئات، كيف لا يفرح المسلمون بشهر رمضان وهو الشهر الوحيد الذي ذكره الله تعالى في كتابه الكريم، واختصَّه بإنزال أعظم كتبه وهو القرآن الكريم، وقد فرض الله فيه على المسلمين صيامه، وسنَّ لهم رسوله صلى الله عليه وسلم قيامه؛ قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].

 

ولعِظم هذا الشهر فقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبشِّر أمته بقدومه؛ رَوَى الإمامُ أَحْمَد في مسندهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ".

 

أيها المؤمنون، الناس عند قدوم رمضان أصناف عديدة وأشكال متباينة؛ فمن الناس من لا يُرَحِّبُ برمضان، ولا يَرْغبُ في شهر الرحمة والغفران، يَعتبرُ مَجيءَ هذا الشهر عبئًا ثقيلًا عليه، يتمنى زواله، فلا يرى فيه إلا حرمانه من مشتهياته من الطعام والشراب، ويرى في رمضان أنه يَزجُرُه عن المعاصي والسيئات والآثام، وهو يكره رمضان؛ لأن رمضان يُلزمُه بطاعات وآداب لم يَألفها ولم يتعوَّدْ عليها من قبلُ، فهؤلاء يدخل عليهم رمضان، ثم يخرج دون أن يترك فيهم أثرًا، أو يُحْدِث لهم ذكرًا.

 

ومِن الناس مَن لا يَعرف مِن رمضان إلا أنه شهر الطعام والشراب وصُنوف المطاعِم، وأشكال المشارب، يقضي نهاره نائمًا، ويقطع ليله هائمًا، والله تعالى إنما جعل شهر رمضان لتغذية الأرواح والقلوب بالإيمان والتقوى، وهذا الصنف من الناس جعلوا شهر رمضان لتغذية البطون والأحشاء، وهذا الصنف ما عرَف المعنى الحقيقي الذي من أجله أوجبَ الله على المسلمين صيام رمضان.

 

أيها المؤمنون، مِن الناس مَن عرَف حقيقة شهر رمضان، وعلِم قدرَه ومكانته عند الله، فهو يَفرح بقدومه؛ ليغتنمه في طاعة الله ومرضاته، ويحمدون الله تعالى أن بلَّغهم شهر رمضان، ومد في أعمارهم؛ ليشهدوا مواسم الخيرات، ويعلم أنه لو اجتهد في ذلك ربما بلغ جنة الله ورحمته، وهذا الصنف من الناس هم الفائزون في رمضان، فهم يَستقبلون رمضان على أنه شهر لتقوية الإيمان والتقوى، وتهذيب الخلق وتقوية الإرادة، فهم يَجدون في نهار رمضان لذة الصائمين، ويَجدون في لياليه لذة القائمين، هذا الصنف من الناس هم الذين تُفتح لهم أبواب الجنان في رمضان، وتغلق عنهم أبواب النيران، وهم الذين يَنسلخ عنهم رمضان وقد غُفرت ذنوبهم، ومُحِيَتْ سيئاتهم، وطهُرَتْ قلوبهم، وتجدَّدت بقوة الإيمان عزائمهم.

 

أيها المؤمنون، إن بلوغ شهر رمضان نعمة عظيمة من الله تعالى على العبد؛ لأن الله تعالى قد بلغه شهر رمضان، بينما هناك آخرون قد حُرموا من هذه النعمة، فقد جاءهم الموت قبل أن يدركوا هذا الموسم العظيم، أما أنت فقد مدَّ الله تعالى في عمرك، ومتَّعك بالصحة والعافية، وبلغك شهر رمضان، شهر مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات، وربما كان إدراكك لشهر رمضان، واجتهادك فيه، قد يكون من أسباب سبقك لغيرك في دخول الجنة، ورفع درجاتك فيها.

 

تأمل معي هذه القصة العجيبة؛ روى الإمام أحمد وابن ماجه وصحَّحه الألباني من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلين قدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفي، يقول طلحة: فرأيت في المنام كأني عند باب الجنة، وإذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة، فأذِن للذي توفي الآخر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إليَّ، فقال: ارجع؛ فإنك لم يأنِ لك بعد، فأصبح طلحة يحدث برؤياه الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثوه الحديث، فقال: من أي ذلك تعجبون؟ فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان وصامه؟ قالوا: بلى، قال: وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض".

 

فبلوغ رمضان نعمة عظيمة، تُرفع لك فيه الدرجات وتُضاعف لك الحسنات، وتزيد من رصيدك، بلوغ رمضان فضلٌ كبير من الله تعالى، فببلوغك رمضان، وصيامك وقيامك فيه، قد تسبق الشهداء في دخول الجنة من الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى ولم يدركوا رمضان..

 

أيها المؤمنون، حينَما يستقبِل المسلم موسمًا يرجو غنيمَتَه، فإنه يجب عليه ابتداءً تفقُّدُ نفسِه ومراجعةُ عملِه؛ حتى لا يتلبَّس بشيءٍ من الحوائِلِ والموانِعِ التي تحول بينَه وبين قبولِ العمَل، أو تُلحِق النقصَ فيه، فعلى الصائم أن يجتنب الذنوبِ والمعاصي في أيام وليالي شهر رمضان، وليحذر من ظلم الناس وأخذ حقوقهم، حتى ينال ما في شهر رمضان من الفضائل؛ قال ابن رجب رحمه الله: "واعلَم أنه لا يتم التقربُ إلى الله بتركِ هذه الشهواتِ المباحَة أصلًا في غيرِ حالِ الصيام، إلاَّ بعد التقرُّب إليه بتركِ ما حرَّم الله في كلِّ حالٍ؛ كالكذب والظلمِ، والعدوان على الناس في دمائِهم وأموالهم وأعراضهم.

 

أيها المؤمنون، نَستقبل رمضان بالتوبة النصوح، وترك المحرمات، والعودة إلى رب البريات، فأي خسارة يَخسَرُها المرء الذي دخل عليه رمضان، ثم خرج ولم يَزدَد فيه حسنة، ولم يتقرب فيه من الله درجة؟ ولنستقبل شهرَ رمضان بالعودة الصادقة إلى الله تعالى بالاجتهادِ في الطاعات والحِرْص على القرُبات، مع هجْر المنكرات، وترك الصغائر والموبقات، استقبلوا رمضان بتهيئة النفوس وتطهيرها من الضغائن والأحقاد التي خَلخلت القرى، وأنهكت القوى، ومَزقت المسلمين شرَّ مُمزق، فالذي يطل عليه رمضان عاقًّا لوالديه، قاطعًا لأرحامه، هاجرًا لإخوانه، أفعاله قطيعة، ودَوْرُه في المجتمع النميمة، هيهات هيهات أن يستفيد من رمضان؛ قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 1].

 

استقبلوا رمضان بقلوب رحيمة، ونفوس طيبة سخية كريمة، فرمضان شهر الخير والبر والنماء، شهر الجود والكرم والعطاء، فلا تَنسَوا إخوانكم الفقراء والمساكين، والأرامل والمعوزين، والأيتام والمحتاجين، فمنهم مَن تَمُرُّ عليه الليالي لا يجد لُقمة يُفطِرُ عليها، أو شربة يُمْسِك بها، وأنتم تتقلبون في نِعَم وخيرات، وعَطايَا وهِبات، فأرُوا الله مِن أنفسِكم خيرًا، آتُوهم من مال الله الذي آتاكم، ولا تبخلوا، فإنه من يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء.

 

أيها المؤمنون، تحلَّوْا بأخلاق الصائمين في هذا الشهر، من انتهاكِ حرمتِه، وتدنيس شرفِه، وانتقاصِ مكانتِه، يقول رسول الهدى كما في صحيح البخاري: "من لم يَدَع قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابه".

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي كان بعباده رحيمًا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يتذكَّر أو أراد شكورًا، والصلاة والسلام على البشير النذير محمد صلى الله وسلم، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه؛ أما بعد:

 

فأيها المؤمنون، أول ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصيام قبل فرض رمضان - هو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد ظل النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر شهرًا يصوم منها ثلاثة أيام، بالإضافة صوم عاشوراء، ففي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ لاَ يَصُومُهُ".


ولما كان الصيام عبادة شاقة على النفوس، فقد تأخر فريضته إلى السنة الثانية بعد الهجرة، قال ابن القيم في زاد المعاد: "ولَما كان فطمُ النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخَّر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لَما توطَّنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألِفت أوامر القرآن، فنُقلت إليه بالتدريج، وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات".

 

ولم يُفرض صيام شهر رمضان على درجة واحدة، بل مرَّ فرض صيام شهر رمضان بثلاث مراحل، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "أحيل الصيام ثلاثة أحوال"؛ (رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني)، وتفصيل هذه الأحوال الثلاث على النحو التالي:

المرحلة الأولى: التخيير بين صيام شهر رمضان، أو دفع فدية مكان كل يوم يفطر فيه يطعم مسكينًا؛ قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184]، ويُقصد بـ "يطيقونه" في هذه المرحلة: أي يقدر على الصيام ولم يصُم؛ قال سَلَمَةَ بنِ الأكْوعِ رضي الله عنه: "لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا"؛ (رواه البخاري)، يقصد بالآية التي بعدها: قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185].

 

المرحلة الثانية: وجوب الصيام على المسلم البالغ العاقل الصحيح المقيم، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس، كان للصائم أن يأكل ويشرب ما لم ينَم، فإن نام حَرُم عليه الطعام والشراب والجماع إلى غروب شمس اليوم التالي، وكان في هذه المرحلة حرج شديد على المسلمين؛ روى الإمام البخاري في صحيحة عن البراء رضي الله عنه قال: "كان أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان يعمل في النخيل بالنهار، وكان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: "أعندك طعام؟"، قالت: "لا، ولكن أنطلق فأطلُب لك"، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: "خيبة لك"، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فنزلت هذه الآية: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187]، ففرِحوا لما أحل الله لهم ما كان محرَّمًا.

 

وفي البخاري أيضًا عن البراء قال: "لَما نزل صوم رمضان كانوا لا يَقرَبون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 187].

 

المرحلة الثالثة: وجوب صوم شهر رمضان على الحالة التي نحن علينا الآن، والحديث السابق للبراء بن عازب رضي الله عنه يشير إلى هذه المرحلة، ويقول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، وقال أيضًا: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187]، وبقي تحت التَّخيير الذين لا يُطيقون صيامه، أو يُطيقونه مع شدَّة وضرر، كالرجل الكبير في السن أو المرأة، فعن عبد الله بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّه لَما قرأ قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، قال رضي الله عنه: "لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَان مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا"؛ (رواه البخاري)، ويقصد بـ"يطيقونه" في هذه المرحلة: أي يشق عليهم.

 

أيها المؤمنون، فرض الله تعالى​ لصيام من أجل تحقيق التقوى فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، فالله تعالى​​​​ لم يفرض علينا الصيام لنجوع، ولا لنعطش، ولا لنتعب، وإنما لنزداد إيمانًا وتقوى، لتتربى نفوسنا، وتصلح قلوبنا، وتسكن جوارحنا، فالحذر الحذر من لصوص رمضان؛ كالسهر أمام البرامج والمسلسلات، أو إضاعة الأوقات في مجالس الغيبة والنميمة، أو مصاحبة الكسالى والبطالين، فإنهم يسرقون منا الحسنات، ويجرُّونا للمعاصي والسيئات، ويَسرقون منا روحانية الشهر الكريم، ويضيِّعون علينا فرص الأجر والثواب، ويضيعون أجر الصيام بالمنكرات، وفي الحديث الصحيح: "من لم يدع قول الزور، والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

 

أيها المؤمنون، اغتنموا شهر رمضان بالطاعات التي تقرِّبكم إلى الله تعالى، واياكم والتفريط في مواسم الطاعات، فتندموا يوم العرض على الله في يوم الحسرات، اللهم أعنا في شهر رمضان على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، إنك أرحم الراحمين.

 

هذا وصلُّوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، فقد أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

ﺍﻟﻠﻬﻢ ﺻﻞ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﺑﺎﺭﻙ ﻋﻠﻰ ﻧﺒﻴﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، ﻭﺍﺭﺽ ﺍﻟﻠﻬﻢ ﻋﻦ ﺧﻠﻔﺎﺋﻪ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ، ﻭﻣﻦ ﺗﺒﻌﻬﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﻋﻨﺎ ﻣﻌﻬﻢ ﺑﻤﻨﻚ ﻭﺭﺣﻤﺘﻚ ﻳﺎ ﺃﺭﺣﻢ الراحمين.

 

اللهم اغفِر لنا ذنوبَنا وكفِّر عنا سيئاتنا، وتوفَّنا مع الأبرار، اللهم إنا نسألُك من مُوجِبات رحمتِك ومن عزائِم مغفرتِك، والسلامةَ من كل إثم، والغنيمةَ من كل بِر، والفوزَ بالجنة والنجاةَ من النار. اللهم إنا نسألُك إيمانًا كاملًا ويقينًا صادقًا، ورزقًا واسعًا حلالًا طيِّبًا، وعملًا صالحًا متقبَّلًا.

 

اللهم يا واصِلَ المُنقَطِعين أوصِلنا إليك، اللهم يا واصِلَ المُنقَطِعين أوصلنا إليك.

 

اللهم هَبْ لنا عملًا صالحًا نتقرَّبُ به إليك، اللهم نوِّر قلوبنا بنور الإيمان، وأعنا على نفوسنا والشيطان، وأيِسه منا كما أيَسته من رحمتك يا رحمن.

 

اللهم خفِّف عنا الأوزار، وارزُقنا عيشة الأبرار، واصرِف عنا شرَّ الأشرار، وأعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا من النار برحمتك يا كريم يا غفار.

 

اللهم أَنجِ المُستضعَفين من المؤمنين في غزة وفلسطين، اللهم كُن معهم ناصِرًا ومُعينًا ومُؤيِّدًا وحافِظًا يا رب العالمين، اللهم وحِّد صفَّهم، واجمَع كلمتَهم، وسدِّد رميَهم، وأشبِع جائِعَهم، واشفِ جريحَهم ومرضَاهم، وانصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم يا ذا الجلال والإكرام،

 

اللهم عليك بأعدائهم وأعداء المسلمين، فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم احصِهم عددًا واقتُلهم بددًا، ولا تُغادِر منهم أحدًا، أرِنا فيهم يومًا أسودَ كيوم عادٍ وثمود والأحزاب، ربنا آتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنا عذابَ النار، وصلِّ اللهم وسلِّم على سيدنا محمد.

 

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]؛ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نِعَمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • شهر الصيام
  • صحتك في شهر الصيام
  • شهر الصيام
  • الإعلام في شهر الصيام
  • كيف نربي أنفسنا في شهر الصيام؟
  • في ختام شهر الصيام

مختارات من الشبكة

  • مرحبا بشهر القرآن(مقالة - ملفات خاصة)
  • شهر رمضان شهر مبارك وشهر عظيم(مقالة - ملفات خاصة)
  • شهر رمضان شهر الصبر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • في رحاب شهر الخيرات(مقالة - ملفات خاصة)
  • وأقبل شهر رمضان شهر القرآن(مقالة - ملفات خاصة)
  • نفحات القبول وطريق الفلاح في شهر الصيام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل صيام شهر المحرم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضل شهر رمضان في القرآن والسنة: رمضان شهر الرحمة والغفران والعتق من النار(مقالة - ملفات خاصة)
  • استقبلوا شهر رمضان بالصلح مع الله(مقالة - ملفات خاصة)
  • خطبة: تنبيه القلوب والأذهان إلى فضائل شهر رمضان(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مشروع إنساني يدمج المكفوفين في برامج تعليمية وتأهيلية خلال رمضان
  • أكاديميون من روسيا وتتارستان يناقشون أحكام الصيام في ندوة علمية
  • مجالس قرآنية يومية لتعزيز الوعي الديني للمسلمين في أمريكا اللاتينية خلال شهر رمضان
  • برامج دينية وخيرية ومبادرات تطوعية تميز رمضان بمنطقة مترو ديترويت
  • كيغالي تشهد حفلا ضخما لتخريج 70 ألف حافظ وحافظة لكتاب الله
  • أكثر من 400 امرأة يشاركن في لقاء نسائي تمهيدي لرمضان بكرواتيا
  • استعدادات رمضانية تنطلق بندوة شبابية في أوسلو
  • مبادرة رمضانية في ميشيغان لإطعام الأسر المحتاجة

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 9/9/1447هـ - الساعة: 8:41
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب