• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / محمد صلى الله عليه وسلم / خطب منبرية
علامة باركود

معجزات نبوية (خطبة)

معجزات نبوية (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/10/2026 ميلادي - 7/5/1448 هجري

الزيارات: 104

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

معجزات نبوية


الخطبة الأولى

الْحَمْدُ للهِ، نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى الله عليه وسلم.

 

قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، اعْلَمُوا أَنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَمِنَ النَّارِ، أَمَّا بَعْدُ:

أيها المؤمنون، روى الإمام أحمد في مسنده، والتِّرْمذي في سُنَنه، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ ثُمَّ خَاطَبَهُ فَقَالَ: أَلَا تَتَّقِي اللهَ؟ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللهُ إِلَيَّ؟ فَصَاحَ الرَّاعِي: يَا عَجَبِي! ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي بِكَلَامِ الْإِنْسِ! فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ. فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَزَوَى غَنَمَهُ إِلَى زَاوِيَةٍ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلرَّاعِي: أَخْبِرْهُمْ. فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ».

 

أيها المؤمنون، في صحراء قاحلة، وبين غنم يرعاها رجل من العرب، وقع ما لا يقع في حساب البشر؛ عدا الذئب على شاة فأخذها، فتَبِعه الراعي وانتزعها من بين فكَّيْه. فما كان من الذئب إلا أن جلس على ذنبه، والتفت إلى الرجل، ونطق بكلام يسمعه ويفهمه؛ قال له: «أَلَا تَتَّقِي اللهَ؟ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللهُ إِلَيَّ؟»؛ فوقف الرجل مدهوشًا، وقال: «وَا عَجَبَاهُ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ!»؛ فقال الذئب كلمة تكتب بماء الذهب قائلًا: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ»؛ فانطلق الرجل إلى المدينة، إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقصَّ عليه القصة، فتبَسَّم النبي وصَدَّقه، فأسلم الرجل وحَسُن إسلامه.

 

وشاهدنا من هذه القصة قول الذئب: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ»، فقد أنطق الله الذئب لا ليسمعنا عجبًا، ولكن ليشهد شهادة حق. شهادة لا يقولها إلا من ألهمه الله، لم يقل للأعرابي "آمن" فقط، بل دَلَّه على البرهان؛ دَلَّه على العلامة التي لا تكون إلا لنبيٍّ مُرْسل من السماء، وهي إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأمور غيب الماضي الذي أطلعه الله عليه.

 

أيها المؤمنون، إن من أعظم دلائل نبوَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أجرى على لسانه أخبار الأُمَم السابقة، وهي قصص طُوِيَتْ في بطون التاريخ قبل آلاف السنين، لا يعلمها إلا من حضرها، أو قرأها في كتاب، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان أُميًّا، ما قرأ كتابًا، وما خطَّه بيمينه، وما جلس إلى مُعَلِّم، وقد شهد الله له بأُمِّيَّتِه، فقال: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 48].

 

فمن أين له هذا العلم؟ من أين له أخبار أُمَم بادَتْ وعظام نخرت؟ لا شكَّ أن العلم بأخبار قصص تلك الأُمَم إنما جاءه من عند الله تعالى الذي يعلم غيب الماضي؛ قال الله له: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا ﴾ [هود: 49]، وقال تعالى: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3].

 

فكان القرآنُ معجزةً ناطقةً؛ لأنه أخبر بأخبار الأُمَم السابقة، وجاءت أخبارُه موافقةً لما عند أهل الكِتاب، بل وصحَّح ما حرَّفَه أهلُ الكِتاب من تلك القصص، ويُبيِّن ما أُبْهِم منها، ويخبر بما استتر، والعقل لا يملك أمام هذا إلا التسليم؛ لأن الكذَّاب قد يكذب في الحاضر، وقد يتكهَّن في المستقبل، ولكن هيهات أن يأتي بتفاصيلَ دقيقةٍ عن ماضٍ سحيق لم يشهده ولم يقرأه.

 

أيها المؤمنون، إن إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأمور غيب الماضي من أعظم البراهين الدالَّة على نبوَّته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يحضر تلك الحوادث، ولكن الله الذي أحاط بكل شيء علمًا أوحى إليه، فكان إخباره بها دليلًا قاطعًا على أنه رسول من عند الله؛ قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26-27].

 

والله تعالى في كثير من تلك الحوادث والأخبار يقول لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾، وفي هذه الخطبة سنذكر ثلاثة نماذج من أخبار الغيب التي أطْلَع اللهُ عليها نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وهي من الأدلة الدالَّة على نبوَّته ورسالته.

 

النموذج الأول: كفالة مريم عليها السلام؛ فقد كانت امرأةُ عمران امرأةً صالحةً، تنظر إلى المسجد الأقصى في شوق، وتدعو: اللهم إني نذرتُ لك ما في بطني مُحرَّرًا، خادمًا لبيت المقدس. فلما وضعت كانت المفاجأة، أنها وضعت أنثى، وهي لن تكون قادرةً على القيام بخدمة المسجد الأقصى كالذَّكَر؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ [آل عمران: 36].

 

فاختصم علماء بني إسرائيل: من يكفل هذه المباركة؟ فاقترعوا فيما بينهم: فألقوا أقلامَهم في النَّهْر، فأيهم يطلع سهمه معه هو من سيكفل مريم، فطلع السهم لزكريا عليه السلام فكانت في كفالته، وقد وصف الله هذه الحادثة في قوله تعالى لنبيِّه: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: 44].

 

فمن أخبر محمدًا بهذه القرعة؟ بهذا الاختصام؟ بهذا التفصيل؟ ولم يكن في ذلك الزمان، ولم يقرأ في كُتِبِهم، ولكن الله أخبره فجاء مطابقًا تمامًا لما عندهم. أفليس هذا وَحْيًا؟ أفليس هذا دليلَ نبوَّة؟

 

أيها المؤمنون، أما النموذج الثاني من نماذج اطِّلاع الله تعالى لنبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم على أمور غيب الماضي فهو مناجاة موسى ربَّه في جبل الطور؛ فلما سار موسى عليه السلام بأهله عائدًا مِن مَدْيَن إلى مصر، إذا به يرى نارًا من بعيد. فقال لأهله: امكثوا، ومضى ليأتي بخبر تلك النار، فلما وصل الوادي المقدس ناداه ربُّه: ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ [طه: 12].

 

فكَلَّمه اللهُ تكليمًا، واصطفاه، وأعطاه الرسالة، وقد أطْلَع الله نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وما كان حاضرًا وقت حدوث هذه الحادثة؛ وقال الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص: 46]، وقال تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [القصص: 44].

 

فلم يكن نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم حاضرًا ذلك النداء، ولم يشهد ذلك المشهد، ومع ذلك أخبر بتلك الأحداث كما وقعت، فمَن قصَّ عليه ذلك الحادث بتفاصيله؟ إنه الله الذي أوحى إلى موسى، هو نفسه الذي أوحى إليك، فدلَّ ذلك على أنك رسولُ اللهِ حقًّا.

 

أيها المؤمنون، أما النموذج الثالث من نماذج إطْلاع الله تعالى لنبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم على أمور غيب الماضي فقصة يوسف عليه السلام مع إخوته؛ فقد حسده إخوته، فأجمعوا أمرهم وتآمروا عليه، وألقوه في الجُبِّ، وقد أطْلَع اللهُ نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم على ذلك، وهو لم يحضر تلك المؤامرة على يوسف عليه السلام؛ قال الله تعالى لنبيِّه: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ [يوسف: 102]، وقال له: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3]؛ أي: كنت غافلًا يا محمد عن هذه القصة، فلا أنت ولا قومك كنتم تعلمونها. فمن الذي قصَّها عليك بهذا الإحكام وهذه الدقة التي طابقت ما عند أهل الكتاب؟ إنه الله. فهذا برهان أن القرآن من عند الله، وأنك رسول الله.

 

أيها المؤمنون، بعد أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم من الأعرابي قصته مع الذئب أقسم النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ»، إنَّه قسم يهز القلب، كلمات نبويَّة قليلة، جمعت بين غيب بعيد، وعلم حديث، وواقع نعيشه اليوم، وفي هذا الجزء من الحديث كأنه وصف دقيق لعصرنا، عصر الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعصر التقنية وأجهزة المراقبة، واليوم نرى تحقُّق صورًا من ذلك بأُمِّ أعيُنِنا، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا القسم ثلاث آيات ستكون قبل قيام الساعة:

الآية الأولى: تكليم السباع للإنس؛ قال النووي: "هذا من خوارق العادات التي تكون في آخر الزمان، فيُنْطِق اللهُ السباعَ فتُكلِّم الناس كلامًا حقيقيًّا"، وقال ابن حجر: "هو من معجزات آخر الزمان التي يخرق الله فيها العادة"، فالله الذي سينطق السباع في آخر الزمان قادر على أن يجعل الإنسان اليوم يفهم شيئًا من "لغة الحيوان"، فقد تطوَّرت العلوم وتوصَّل الباحثون لبرامج تُحلِّل أصوات أسماك الدلافين والحيتان والكلاب، وتُعَلِّم بعض القِرَدة لُغةَ الإشارة، فهذا كله لا يبلغ نطق السباع في آخر الزمان الذي أخبر عنه النبي، ولكنه يذكرنا بعظمة قدرة الله، وأنه إذا شاء أنطق من يشاء.

 

أيها المؤمنون، أما الآية الثانية: فهي «أَنْ يُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ»؛ قال ابن حجر: "عَذَبة السوط: طَرَفُه. وشِراك النَّعْل: السير الذي يكون على ظهر القدم. والمعنى أن الجمادات تنطق"، وقال القرطبي: "يخبره متاعه بما فعل في بيته"، ولعل أقرب صورة لنا اليوم ما نشهده من "الجمادات الناطقة" بتقنية هذا العصر؛ فـ "عَذَبة السَّوْط": يشبهها الهاتف الذكي الذي لا يُفارِق يدَ صاحبَه. يتكلَّم، ويرد، ويترجم، ويذكرك بمواعيدك، ويخبرك بالأخبار. جماد ينطق بأمر الله، و"شِراك النَّعْل": يشبهها الساعة الذكية التي تلبس في المعصم كالسَّيْر. تخبرك بنبضك، وضغطك، وسُكَّرك، وخطواتك.

 

واليوم هناك جمادات كثيرة تتكلم فأصبحنا نسمع بالسيارات الذكية ذاتية القيادة: تُكلِّمك وتُنَبِّه صاحبها وتقول له: "انتبه هناك قادم من اليمين"، أو تقول له: لقد تجاوزت السرعة المطلوبة، وأمامك منعطف خطير، وأصبحنا نسمع عن الثلاجات الذكية والتي تخبر صاحبها بحال الأطعمة فيها، فإذا فتحها صاحبها تقول له: الحليب سينتهي، والخضار سيتلف.

 

أيها المؤمنون، أما الآية الثالثة: فهي أن يخبر الرجل فخذه بما أحدث أهله بعده، وهذه من أشد الآيات وأعجبها؛ قال الإمام النووي: "فيه أن الله تعالى ينطق الجمادات والأعضاء فيشهد بعضها على بعض، وهذا من قدرته"، وقال الحافظ ابن حجر: "يكلمه فخذه؛ أي: يُنطِقها الله فتخبره بما وقع من أهله في غيبته، وهذا من خوارق العادات في آخر الزمان"، ويشهد لهذا قول الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65]، وقوله: ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [فصلت: 21].

 

فإذا كان الله سيجعل الفخذ واليد والجلد ينطق ويتكلم يوم القيامة، فكيف بنا في زماننا هذا، الزمن الذي اشتهر أهله بالتسجيل؟، فكاميرات المراقبة التي اخترعها الإنسان، وركبها في كل شارع، في كل بيت تصورك وأنت لا تدري، فتخبرك بما حصل في بيتك وفي مكان عملك، وإن لم تكن موجودًا فيه، وهناك ما يسمى بالبصمة الوراثية لـ DNA، فشعرة واحدة منك تفضحك بعد 20 سنة، ولعل جهاز الهاتف الذي يحمله الإنسان في جيبه وفوق فخذه يشهد عليه بكل مكالمة ورسالة وموقع زاره، وكل ذلك يذكرنا بقوله: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].

 

أيها المؤمنون، هذه الآيات تذكرنا بقرب الساعة، وبقدرة الله، وبأننا محاسبون، فليحذر العبد من معصية ربِّه وترك طاعته، فوالله إن كل صغيرة وكبيرة مسجلة، وستنطق بها الجوارح يوم العرض على الله.

 

فاللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، قلت ما قد سمعتم فاستغفروا الله، يا لفوز المستغفرين!

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وجعل معجزاته باقية تتجدَّد، وآياته ظاهرة تشهد، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، نبي آخر الزمان، وخاتم الأنبياء والمرسلين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أيها المؤمنون، الله تعالى هو الذي أطلع نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم على غيب الماضي والحاضر، والمستقبل، وكل ذلك لتكون من الأدلة الدالَّة على أنه نبي من عند الله تعالى، وقد استدلَّ بذلك بعض المنصفين من أهل الكتاب، فأسلموا، فهذا عبدالله بن سلام من كبار أحبار يهود المدينة. وكان من المنتظرين لبعثة "النبي الأُمِّي" المذكور في التوراة؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ [الأعراف: 157].

 

فتأكد اسمه صلى الله عليه وسلم، وتحقق من صفاته، وعرَف هجرته من مكة إلى المدينة، وسمع أيضًا أخبار النبي بأمور غيبية لا يعلمها إلا بوحي، من قصص الأمم السابقة، وأنباء من كانوا قبلنا، فزاد يقينه بأن نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو نبي آخر الزمان، وبقيت عنده بعض الأسئلة تنتظر الإجابة من فم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا، كان ابن سلام فيمن استقبله، فسمعه يخطب، قائلًا: «أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»، فما إن رأى وجهه قال: "علمت أن وجهه ليس بوجه كذَّاب"؛ رواه الترمذي بسند صحيح.

 

أيها المؤمنون، لما استقر مقام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ذهب إليه عبدالله بن سلام يسأله عن ثلاث أسئلة لا يعلم إجابتهن إلا نبي مرسل من عند الله تعالى، روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: بلغ عبدالله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأتاه فقال: يا رسول الله، إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ ومن أين يشبه الولدُ أباه وأُمَّه؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: فَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْمَشْرِقِ فَتَحْشُرُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ» «وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ» «وَأَمَّا الشَّبَهُ: فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ».

 

قال عبدالله بن سلام: "يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فسلهم عني"، فسألهم النبي: «أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ فِيكُمْ؟» قالوا: "عالمنا وابن عالمنا"، قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟» قالوا: "أعاذه الله"، فخرج وأعلن إسلامه، فقالوا: "شرُّنا وابن شرِّنا".

 

فنزل قول الله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ [الأحقاف: 10]، ونزل: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ [الأحقاف: 10]، ونزل: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾ [الرعد: 43].

 

ولنا مع قصة عبدالله بن سلام رضي الله عنه ثلاث وقفات مع أمور الغيب التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم.

 

أيها المؤمنون، ولنا مع قصة إسلام الحبر عبدالله بن سلام رضي الله عنه ثلاث وقفات عند ثلاثة غيوب عظيمة أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سبيل لبشر أن يعلمها إلا بوحي من الله.

 

الوقفة الأولى: نارٌ تخرج من قعر عدن:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ»؛ هذه رواية متفق عليها في البخاري ومسلم، وانفرد الإمام مسلم برواية أخرى حدد فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه النار تخرج من اليمن، فروى مسلم عن حذيفة بن أسيد قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة فقال: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها... «وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ»؛ وفي رواية الإمام أحمد بسند حسن، حدد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه النار ستخرج من عدن، فقال صلى الله عليه وسلم: «نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَرَحَّلُ النَّاسَ».

 

ولا تعارض بين الأحاديث؛ لأن رواية المشرق مجملة، وروايتَي اليمن وعدن مفصلتان لها، فعدن من اليمن، واليمن يقع جنوب شرق المدينة المنورة، وهو في جهة المشرق بالنسبة لمن كان في المدينة، وهذا من إعجاز التحديد النبوي الدقيق.

 

أيها المؤمنون، اليوم صُور الأقمار الصناعية من وكالات الفضاء العالمية، والمسوحات الجيولوجية تنطق بما نطق به الوحي. فالمدينة القديمة في عدن "كريتر" تقع على فوهة بركان خامد عملاق، قطرها أكثر من 10 كم، وصفها علماءُ الجيولوجيا بأنها من أضخم الفوهات في الجزيرة العربية، وخليج عدن وباب المندب يقعان عند التقاء ثلاث صفائح تكتونية عظيمة. وتقارير المسوحات الجيولوجية وصور الأقمار الصناعية تؤكد أن البحر الأحمر وخليج عدن لا يزالان يتوسَّعان بمعدل سنوي، وأن الصهارة البركانية قريبة جدًّا من القشرة الأرضية هناك. والمنطقة مصنفة ضمن أخطر مناطق الصدوع في العالم.

 

أيها المؤمنون، قبل 1400 سنة لم يكن هناك قمر صناعي يُصوِّر الأرض من أعلى، ولم يكن هناك علم جيولوجيا يكشف ما في باطن الأرض، فمن الذي أخبر نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن في "قعر عدن" نارًا مستودعة ستخرج في آخر الزمان، وتسوق البشر إلى أرض المحشر؟ إنه الله العالم بكل الغيوب القائل: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 26]، والقائل: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [فصلت: 53].

 

أيها المؤمنون، أما الوقفة الثانية: فمع أول طعام أهل الجنة.

 

قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ»؛ زيادة كبد الحوت هي القطعة المنفردة الزائدة المتدلية في كبد الحوت، وهي أطيبُ وألذُّ وأغلى ما فيه، كان الملوك قديمًا يختصون بها لأنفسهم. فاختارها الله لأهل الجنة تكريمًا وتشريفًا في أول ضيافتهم.

 

أيها المؤمنون، ومرَّت القرون، حتى جاء أهل عصرنا، ففتحوا كتب الطب، واستخرجوا "زيت كبد الحوت"، فماذا وجدوا؟ وجدوا فيه كنزًا سمَّاه الأطباء "غذاء المناعة والعظام":

ففيه فيتامين A: لغذاء البصر وتقوية الجلد والمناعة، وسماه القدماء "فيتامين النظر".

 

وفيه فيتامين D: الذي لا غنى عنه للعظام والأسنان، ويمتص الكالسيوم، ونقصه يسبب الكساح والوهن.

 

وفيه أوميغا 3: دهون نافعة تقوي القلب والمخ والأعصاب، وتطرد الالتهابات من الجسد. وكان الناس قديمًا يشربونه للوقاية من الأمراض، ويصفونه للأطفال لتقوية أبدانهم. فاختار الله لأهل الجنة أول طعام يجمع بين اللذَّة التي تسرُّ، والفائدة التي تُقوِّي.

 

أيها المؤمنون، فمن الذي أخبر النبيَّ الأُمِّيَّ صلى الله عليه وسلم قبل 1400 سنة أن "كبد الحوت" فيه هذه الفوائد؟ قبل أن تخترع المعامل الطبية، وقبل أن تستخرج الفيتامينات، وقبل أن يعرف البشر شيئًا عن الأوميغا 3؟ إنه الله الحكيم الخبير: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]. هو الذي خلق الحوت وخلق كبده، وهو الذي خلق أبدان أهل الجنة، فاختار لها أنسب الطعام، ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3-4].

 

أيها المؤمنون، أما الوقفة الثالثة: فتتعلق بشبه الولد بأبيه أو أمه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ إِلَيْهِ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَ إِلَيْهَا»، إنها كلمات موجزة خرجت من فَمِ نبيٍّ أُمِّيٍّ في صحراء الجزيرة، لكنها اليوم تدرس في كتب الأجِنَّة وعلم الوراثة.

 

أيها المؤمنون، إن السبق في الحديث له معنيان، المعنى الظاهر الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم فهو سبق إنزال الماء، وهذا هو المعنى القريب المتبادر من اللفظ، ففهم الصحابة أن من سبق منه الماء في وقت الجِماع كان الشبه له، وهذا فهم صحيح تشهد له اللغة والفطرة، وهو السبق الزمني.

 

وهناك سبق آخر كشفه الله لأهل عصرنا، وهو سبق الصفات السائدة. فالسبق في لغة العرب لا يعني التقدُّم في الزمن فقط، بل يعني الغلبة والعلو أيضًا، فالعرب تقول: سابق فلان فلانًا؛ أي: غلبه، فالغلبة في لغة العرب هي ثمرة السبق ونهايته، فمن سبق غلب، ومن غلب فقد سبق.

 

فكلمة «سَبَقَ» في الحديث النبوي كلمة جامعة شملت السبقين معًا: سبقًا زمنيًّا في الإنزال، وسبقًا وصفيًّا في غلبة الجينات.

 

وقد يحدث سبق في الإنزال، وسبق في الصفات، ولا يحصل الشبه لأحدهما؛ لأن ذلك لا يكون إلا بأمر الله، فالسبق سبب، والشبه خلق، والخالق هو الله وحده. فكم من أب سبق ماؤه وغلبت جيناته ثم لم يشبهه ولده؛ لأن الله هو المصور في الأرحام كيف يشاء؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: 6].

 

أيها المؤمنون، أما معنى نزع الولد إلى أبيه؛ أي: ذهب شبهه إليه، فأخذ ملامحه ولونه وصورته. ونزع إلى أُمِّه كذلك. فهو حديث عن الشبه في الخِلْقة، ولا علاقة لهذا الحديث بالذكورة والأنوثة، فإن تحديد الذكورة والأنوثة له حديث آخر يتعَلَّق بعلوِّ الماء لا بسبقه، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وصححه الألباني عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللهِ»، ومعنى العلوِّ هنا؛ أي: الغلبة والكثرة والقوة. فإذا غلب ماء الرجل وعلا وكثر كان المولود ذكرًا بإذن الله، وإذا غلب ماء المرأة وعلا كان أنثى بإذن الله.

 

فتأملوا كيف فرق النبي صلى الله عليه وسلم بدقة عجيبة بين لفظين: فجعل السبق للشبه، وجعل العلو للذكورة والأنوثة، وكلا الأمرين لا يقع إلا بقوله: «بِإِذْنِ اللهِ».

 

فمن الذي علم هذا النبي الأمي قبل 14 قرنًا أن في ماء الرجل وماء المرأة أسرارًا تتصارع، منها ما يُحدِّد الشبه، ومنها ما يحدد الجنس، قبل أن يكتشف المجهر والكروموسومات والـ DNA؟ إنه الله الذي قال: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3-4]، وصدق الله: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت: 53].

 

أيها المؤمنون، بعد أن سمعتم كيف نطق الذئب فشهد للنبي بالرسالة والنبوَّة، وكيف أسلم الحبر فأذعن، وكيف قصَّ الله على نبيِّه أخبار من كانوا قبله، فجاء بها كما كانت، وبعد ذلك قد يقول قائل: ما واجبنا تجاه نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟ نقول: هناك واجبات كثيرة ومنها:

أولًا: أن نتعلم دلائل نبوَّته، ونقرأ سيرته ومعجزاته، فالعلم يثبت اليقين في زمن الشبهات.

 

ثانيًا: أن نتمثل أخلاقه: «أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ»، فهذا هو التبليغ العملي الذي يفتح القلوب.

 

ثالثًا: تعريف العالم بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم، فالعالم اليوم أحوج ما يكون إلى رسالة هذا النبي صلى الله عليه وسلم، نبي آخر الزمان، ورحمة للعالمين. ومن أخصر الطرق للتعريف به: نشر معجزاته ودلائل نبوَّته.

 

اللهم إنا نشهد أنك أرسلت محمدًا بالحق، وأيَّدته بالآيات، وجعلت سُنَّته برهانًا على نبوَّته، اللهم اجعلنا من المصدِّقين بكتابك، المتبعين لنبيِّك، الشاهدين له بالبلاغ، واجعلنا يوم القيامة من أهل شفاعته.

 

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَعَاكُمُ اللهُ- عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللهِ؛ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

 

وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ.

 

اللَّهُمَّ بَارِكْ لِمَنْ حَضَرَ مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ فِي عِلْمِهِ وَعُمُرِهِ وَعَمَلِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي بَدَنِهِ وَصِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي مَالِهِ وَرِزْقِهِ، وَاجْعَلْهُ يَا رَبَّنَا مُبَارَكًا مُوَفَّقًا مُسَدَّدًا أَيْنَمَا حَلَّ أَوِ ارْتَحَلَ.

 

اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

 

رَبَّنَا إِنَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللهُ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • رفقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة (خطبة)
  • رمضان ونعيم الجنة (خطبة)
  • مع الحجاج في ثواب الحج (خطبة)
  • الحقوق الزوجية (خطبة)
  • الطلاق: أسبابه وعلاجه (خطبة)
  • لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • الموازنة بين معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزات موسى عليه السلام الحسية(مقالة - ملفات خاصة)
  • الموازنة بين معجزة موسى في انفلاق البحر ومعجزة النبي في انشقاق القمر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بعض معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أربعون حديثا في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الموازنة بين معجزة إلقاء الخليل عليه السلام في النار وما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم مقابل ذلك(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ثمار علم البلاغة وفوائده(مقالة - حضارة الكلمة)
  • لهذا صدقناه! (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • القرآن الكريم المعجزة الخالدة الباقية(مقالة - حضارة الكلمة)
  • دلالات تربوية على سورة القمر: أين تكمن معجزة الإسلام؟(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التفرد البيولوجي للإنسان: معجزة في الخلق(مقالة - ثقافة ومعرفة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 6/5/1448هـ - الساعة: 8:37
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب