• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / ملف الحج / عشر ذي الحجة
علامة باركود

خطبة: العمل الصالح

خطبة: العمل الصالح
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 3/9/2026 ميلادي - 22/3/1448 هجري

الزيارات: 360

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: العمل الصالح


أيها المؤمنون عباد الله، حديثنا في هذه الخطبة عن مفهوم العمل الصالح، فقد ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في أكثر من خمسين آية وقرنه الله بالإيمان في كثير من هذه الآيات، وذلك دليل على أهميته في هذا الدين، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [البقرة: 277]، وتكرر هذا الربط في آيات كثيرة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن العمل الصالح هو الإيمان، وأن ذكر العمل الصالح بعد الإيمان إنما هو من ذكر الخاص بعد العام لمزيد عناية به، ولا شك أن هناك ترابطًا كبيرًا بين الإيمان الذي هو عمل القلب، وبين العمل الصالح الذي هو عمل الجوارح، وأنه لا فائدة من إيمان بدون عمل صالح، ولا فائدة من عمل صالح بدون إيمان في القلب، وخاصة فيما يتعلق بالعبادات والعقائد من جهة، وفيما يتعلق بالأجر والثواب في الآخرة من جهة أخرى؛ فإن الكافر الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر قد يعمل شيئًا من الصالحات بالمفهوم العام، ولكنه لا يستفيد منها في الآخرة؛ لأنه لم يأتِ بالإيمان الذي هو شرط في قبول العمل الصالح؛ ولذلك يقول الله عنهم: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ [النور: 39]، فهذا المثل ضربه الله للكافر الذي يعمل خيرًا في الدنيا بدون إيمان، كحال ذلك الرجل العطشان الذي يمشي في الصحراء فيرى نهاية نظره سرابًا يظنه ماء، فيظل يمشي وراءه ليجده ويشرب منه، ثم إذا وصل إلى قريب منه لم يجد ماء وإنما كان ذلك خيالًا. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، وقال في آية أخرى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ﴾ [إبراهيم: 18]؛ فإذن لا فائدة من أي عمل صالح في الآخرة ما لم يكن الإنسان مؤمنًا بالله واليوم الآخر في الدنيا، كذلك لا يقبل من الإنسان الإيمان المجرد من العمل الصالح، وهذا حال بعض الناس اليوم ممن ينتسبون إلى الإسلام، وينطق بالشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جوارحهم لا تسارع إلى العمل الصالح، فلا يوجد عندهم صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا فعل للخيرات ولا ترك للمنكرات، فهل يكفيهم النطق باللسان بالشهادتين دون عمل بالجوارح والأركان؟ الجواب: لا يكفي ذلك؛ ولذلك ربط الله تعالى بين الإيمان وهو أعمال القلب، وبين العمل الصالح وهو أعمال الجوارح، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 277]، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [يونس: 9]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [هود: 23]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ [الكهف: 107].

 

وتكرر ذلك في أكثر من خمسين موضعًا في القرآن الكريم، يربط الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح؛ مما يدلنا على أن العمل الصالح قرين الإيمان، وأن الإيمان قرين العمل الصالح، وأنه لا بد منهما معًا للنجاة والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة.

 

وإذا كان العمل الصالح بهذه المكانة فما مفهومه؟ بعض الناس يظن أن الأعمال الصالحة مقصورة على العبادات فقط، صحيح أن العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج وقراءة قرآن وذكر من أعظم الأعمال الصالحة، وهي فرائض الإسلام وشرائعه الظاهرة، لكن هذا لا يعني أن العمل الصالح محصور فيها؛ فالعمل الصالح أشمل من ذلك، فالعمل الصالح يشمل كل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، سواء كانت أعمالًا دينية أو أعمالًا دنيوية، خاصة أو عامة تنفع الناس والمجتمع، فهذا كله من العمل الصالح، وحين انحصر مفهوم العمل الصالح عند المسلمين في العبادات تخلَّفوا وتأخَّروا في عمارة الأرض بما ينفع البشرية.

 

أيها المؤمنون، ولكي يتَّضِح مفهوم العمل الصالح أكثر نقف مع حديث يشرح لنا صورة من صور العمل الصالح المتنوِّع الذي يشمل عمل الدنيا والآخرة، أعمال الدين وأعمال الدنيا، ويشمل الأعمال القاصرة التعبُّدية والأعمال المتعدية النافعة للبشرية؛ جاء في الحديث أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((أحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تُدخِلُه على مسلم، أو تكشف عنه كُرْبةً، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي في حاجته أحبُّ إليَّ مِن أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا))- أي في مسجد المدينة- ((ومن كفَّ غضبَه ستر اللهُ عورتَه، ومَن كَظَمَ غيظَه ولو شاءَ أن يمضيَه أمْضاهُ ملأ اللهُ قلبَه رجاءً يومَ القيامة، ومَن مَشى معَ أخيه في حاجةٍ حتَّى تتهيَّأ له ثبت الله قدمَه يومَ تزولُ الأقدامُ))؛ [رواه الطبراني]. انظروا إلى هذا الحديث العظيم، إنه يحدثنا عن مفهوم إضافي للأعمال الصالحة؛ صحيح أن الصلاة عمل صالح، والصوم عمل صالح، والحج عمل صالح، وقراءة القرآن عمل صالح، ولكن انظر إلى هذه الأنواع من الأعمال الصالحة التي نغفل عنها وهي ما يتعلق بنفع الخلق، فأحبُّ الناس إلى الله أنفعُهم للناس؛ ذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى يجازي العبد من جنس عمله، ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]، فمَن أحسنَ إلى الخلقِ أحسَنَ اللهُ إليه، فإذا أخذنا بهذا المفهوم وتربَّيْنا عليه ومارَسْناه في حياتنا اليومية، وتحوَّل تفكيرُنا إلى كيف نُقدِّم المنفعة للخلق، وكيف نخدم الناس، وكيف نحسن إلى الناس، فسيعيش المجتمع وفقًا لهذا المفهوم مجتمعًا صالحًا مترابطًا متعاونًا بعيدًا عن القتل والنهب والسلب والاختلاف وسائر المشكلات، بل سيعيش الناس إخوةً متحابِّين لا يحتاجون إلى شرطة ولا إلى محاكم، تفصل بينهم؛ لأن كل واحد منهم يسعى في منفعة غيره، كما كان الحال في بداية الخلافة الراشدة، فقد ولي أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب حاكمًا وقاضيًا للمدينة ليتحاكم الناس عنده ويفصل بينهم في المنازعات، فمكث عمر شهورًا ما أتى إليه أحد، ولا طلب منه أحد أن يحل له مشكلة مع غيره، فرجع عمرُ إلى أبي بكر الصِّدِّيق وقال له: "أعطيتني وظيفة لا يحتاجها الناس، فلم يختلف أحد، ولم يشكُ إليَّ أحَد". لماذا؟ لأن القوم آنذاك هم تلاميذ وتربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ربَّاهم على المفهوم العام للعمل الصالح، فليس العمل الصالح ركعات وسجدات وأذكار- وهذه لا شكَّ من الأعمال الصالحة- لكن الصلاح الحقيقي هو الذي يظهر على شخصية المسلم وتعامُلِه في جميع أحواله، فيعيش رجلًا مؤمنًا صالحًا لا يُؤذي أحدًا.

 

أيها المؤمنون عباد الله، والعمل الصالح إن كان يتعَلَّق بالعبادات الدينية فلا بد له من شرطين ليقبل عند الله؛ الأول: أن تعمله خالصًا لوجه الله لا رياء ولا سمعة، والثاني: أن تتبع فيه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو المبلغ للشرع عن الله، ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ [الأحزاب: 21]. فهذان شرطان رئيسيان في أي عمل تريد أن تتعبَّد لله به؛ فتسأل نفسك قبل أي عمل تقوم به: هل هو خالص لوجه الله أم من أجل الرياء والسمعة؟ والثاني: هل هذا العمل فعَلَه رسولُ الله، أو أمر به أم لا؟ لأن الله لا يقبل من العبادات إلا ما جاء في كتابه أو في سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ((من عمل عملًا ليس عليه أمْرُنا فهو رَدٌّ))؛ [صحيح مسلم]؛ أي: مردودٌ على صاحبِه لا يُقبَل.

 

أما إن كان العمل في المعاملات أو المباحات أو الأعمال الدُّنيويَّة، فيكفي أنه لا يخالف الإسلام ويكون فيه نَفْعُ الخلق، وأن تنوي به وجه الله؛ فإنْ نويت به وجه الله تحوَّل إلى عبادة حتى ولو كان عادةً؛ فتأكل، وتشرب، وتنام، وتسافر، وتزرع، وتصنع، وتُتاجِر، فهذه كلها أفعال دنيوية عادية يفعلها الناس المؤمن والكافر، لكن المؤمن إذا نوى بها أن تكون من أجل الله، وأن ينفع بها خلق الله تتحوَّل إلى عبادات ويُؤجَر العبد عليها كما يُؤجَر على الصلاة والصوم والحجِّ، وتخيَّلوا معي لو أن الزارع وهو يزرع أرْضَه ينوي بها أن تكون هذه الزراعة لمنفعة الخلق، والصانع يفعل كذلك، والتاجر يفعل كذلك، فهؤلاء سيكونون عبادًا في أماكن أعمالهم ممثل ذلك الشخص الذي يتعبَّد لله في المسجد بالصلاة النافلة، وإذا نوَوْا هذه النية فقطعًا لن يغشوا ولن يخدعوا ولن يمكروا ولن يرابوا ولن يكذبوا ولن يزوروا، بل سيجعلون أعمالهم كلها صدقًا ونقاءً وفي منفعة الخلق، فيُبارك لهم الله في أرزاقِهم وينتفع الخلق منهم ويعيش الناس في إخاءٍ ومحبَّةٍ ووُدٍّ، ولا يحتاجون إلى من يفصل بينهم القضايا، ولا يحل لهم المشكلات.

 

فهذا مفهوم العمل الصالح في الإسلام الذي يعطي الله به أجرًا لمن يعمر الأرض ويخلص في ذلك لله، أو يسهر في مختبره ليكتشف مرضًا من الأمراض ليحذر منه المسلمين، مثل ما يعطي ذلك الساجد الراكع في محرابه يصلي لله نافلة سواء بسواء، لكن من يفهم هذا من المسلمين، لقد حصرنا العبادة في الصلاة والصوم والوضوء والطهارة وقراءة القرآن ونحوها، وأراد أعداء الإسلام منا ذلك بل شجَّعونا على مفهوم أن الإسلام في المسجد، نعم المسجد أحد مواقع العبادة التي هي صلة بين العبد وربِّه، ولكن العبادة في الإسلام أشمل من ذلك تعبد الله في مختبرك، وفي متجرك، وفي مزرعتك، وفي مصنعك، وفي عيادتك، وفي سائر أماكن العمل، بشرط أن تنوي النية الصالحة، بعملك، وأن تنفع به الخَلْق وتُشارك في عمارة الأرض لكي تعيش البشريَّة في وُدٍّ وإخاءٍ وسلامٍ وخيرٍ.

 

ومن قِيَم العمل الصالح أن يكون مستمرًّا دائمًا، لا تفعل خيرًا مرة ثم تنقطع، ولا تكن صادقًا في تجارتك مرة واحدة ثم تترك؛ بل استمرَّ على الصِّدْق والنقاء، وهكذا في جميع أعمالك وأشغالك، قال صلى الله عليه وسلم: ((أحَبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإنْ قَلَّ))؛ [صحيح البخاري]. وهذا يشمل كل عمل صالح بمفهومه العام.

 

كما يجب أن يفهم الناس أن الله سبحانه وتعالى جعل العمل الصالح متنوعًا؛ لأن طبيعة البشر تملُّ مِن العمل الواحد، فجعل العمل الصالح متنوعًا وجعله مراتبَ، وكلُّ إنسانٍ يأخُذُ بحسب جهده ومرتبته وبحسب رغبته؛ جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها قولُ لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعْبةٌ من الإيمان))؛ [صحيح مسلم].

 

فلو نظرت شعب الايمان لوجدتها ثلاثًا وسبعين عملًا من الأعمال الصالحة، منها ما يتعَلَّق باللسان، ومنها ما يتعَلَّق بالقلب، ومنها ما يتعَلَّق بالجوارح، وكلها ضمن العمل الصالح، وأعلاها لا إله إلا الله؛ وهو التوحيد والإيمان، وأقَلُّها رتبةً إماطةُ الأذى عن الطريق، نعم إماطةُ الأذى عن الطريق عملٌ صالحٌ، ومن شعب الإيمان.

 

وتخيَّل معي لو فهم المسلمون المصلون الصائمون أن إماطةَ الأذى عن الطريق عبادةٌ، فهل ستجدون هذه القمائم والزبائل المتراكمة في الشوارع وفي الحارات وفي الأزِقَّة؟ وهل يحتاج الناس إلى صندوق النظافة وإلى عُمَّال النظافة؟! وحين كان هذا المفهوم للعمل الصالح موجودًا عند الناس قديمًا فقد كانوا يتسابقون إلى تنظيف الشوارع والأماكن المساجد، وفي الحديث: ((عرضت عليَّ أعمال أُمَّتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق))؛ [صحيح مسلم].

 

أيها المؤمنون، وقولُوا مثل ذلك في باب التجارة والصناعة والزراعة والاختراعات، لكن المجتمع المسلم تخلف وصار في آخر الدول صناعةً وزراعةً وإنتاجًا؛ لأنهم حصروا العمل الصالح في جوانب معينة من العبادات، وكسلوا عن عمارة الأرض واستخراج خباياها، بينما الكُفَّار انتبهوا لسُنَن الله في ذلك، فاجتهدوا واخترعوا وأنتجوا وشجَّعوا على ذلك، فحصل لهم ما تشاهدونه من الحضارة المادية، رغم أنهم فقراء في الحضارة الأخلاقية، وحضارة القيم، لكنهم أخذوا بجزء من مفهوم العمل الصالح وهو عمارة الأرض، أما المسلمون فغفلوا عن هذا وعاشوا في تخَلُّف عن عمارة الأرض، وفي نفس الوقت أيضًا عاشوا في بِدَعٍ وخُرافاتٍ وخزعبلات في باب العبادات، فجَمَعُوا بين ضعف التديُّن الصحيح وضعف الإنتاج المفيد لهم.

 

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خيرُ الزاد، وهي خيرُ اللباس، كما قال: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون، إننا سنستقبل بعد أيام قليلة أيامًا هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق، وهي عشر ذي الحجة، وقد جاء في فضلها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام))- يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء))؛ [صحيح البخاري].

 

والمقصود بالعمل الصالح المفهوم العام له الذي ذكرناه في الخطبة الأولى. وهذه الأيام مِنَّة من الله سبحانه وتعالى منَّ بها على هذه الأمة؛ لأن الله يكرم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهي أكرم الأمم على الله، فيجعل لهم مواسم للطاعات بين كل حين وآخر، فشهر رمضان موسم والعشر الأواخر منه موسم آخر، وشهر ذي الحجة موسم، وهو محل لأداء فريضة من فرائض الله، وهو الحجُّ إلى بيت الله الحرام، ولأن كل الناس لن يحجُّوا، فقد أعطاهم موسمًا يستطيعون أن يشاركوا فيه في العمل الصالح واكتساب الخير، فأعطاهم هذه العشر وهي عشر فاضلة، أقسم الله تعالى فيها أو بها في القرآن فقال: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1-2]، وهي العشر التي أتمها الله سبحانه وتعالى لموسى في مقابلته لربِّه: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ﴾ [الأعراف: 142]- شهر ذي القعدة- ﴿ وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ ﴾ - عشر ذي الحجة- فتلقى موسى من ربه الوحي وكتب له التوراة في جبل الطور المبارك وختمها بهذه العشر المباركة. فهذه العشر المباركة موسم لاكتساب الأعمال الصالحة، والعمل الصالح فيها مضاعف أجره ومحبوب إلى الله وهو متنوع؛ فمنه ما يتعلق بالعبادات، ومنه ما يتعلق بالمعاملات، ومنه ما يتعلق بالذكر بالقلب والجوارح، ومنه ما يتعلق بعمارة الدنيا، ومنفعة البشرية، فقط انووا النية الصالحة مع كل عمل مباح، وستجدون أجرًا عظيمًا عند الله وخاصة في هذه الأيام.

 

ومن يصوم في هذه العشر، فليصم التسع من ذي الحجة؛ لأن يوم النَّحْر لا يجوز صومه، والصوم عمل صالح، ومثله الصدقة وقراءة القرآن وإتقانه والذكر والتسبيح وتقديم الخير إلى الناس ومنفعتهم والإحسان إليهم عمل صالح، والعفو عن الناس عمل صالح؛ فمن لا يملك شيئًا يتصَدَّق به، فليتصَدَّق بعرضه عمَّن أساء إليه، فإنَّ الله يضاعف أجره، والإصلاح بين الناس عمل صالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل صالح، وإماطة الأذى عن الطريق عمل صالح، والصدق في البيع والشراء من الأعمال الصالحة. وتحذير الناس من الغش والخداع كل ذلك من الأعمال صالحة، فلا تحرموا أنفسكم في هذه الأيام من العمل الصالح، وتختم هذه الأيام بيوم النحر وهو يوم العيد الذي يفرح فيه الناس؛ لأنهم أتمُّوا موسم الخير بأعمال صالحة، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]. فينبغي على المسلم أن يتفرغ في هذه الأيام للتزود من الأعمال الصالحة، والأصل في المسلم أنه يعمل الصالحات طول العام ولكن ما دامت هذه فرصة وفيها العمل مضاعف ومحبوب إلى الله، فلنكثر من الأعمال الصالحة، ولنحرص على ألَّا تضيع علينا باللهو واللعب والقيل والقال، فضلًا عن أن نضيعها في المحرمات والمنكرات وفعل القبائح والرذائل، والعياذ بالله.

 

أيها المؤمنون، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد مَنَّ على بعض عباده أن يذهبوا إلى حج بيت الله الحرام، فيعودوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، فلا تحزن أيها المسلم الفقير ولا تقنط ولا تشعر بالغبن، فقد أعطاك هذه العشر لتنافس الحجاج بالأعمال الصالحة فيها وأنت في دارك بصيام يوم عرفة، وبالذكر، وقراءة القرآن، والصدقة، وتطهير النفس وتزكيتها بالعبادات المتنوعة وبإذن الله سبحانه وتعالى يكتب الله لك في صحائف حسناتك أجورًا كثيرةً، وهذا من فضل الله وكرمه على عباده المؤمنين أنْ نوَّعَ لهم العبادات، فمن لم يقدر على نوع قدر على نوع آخر حتى لا يشعر بالغبن، وهذا من رحمته وفضله، فما ينبغي للمسلم أن يُضيِّع هذا الموسم وهذه الفرصة، وعليه أن يستغلها بالعمل الصالح بمفهومه العام والشامل.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لاستغلال هذه الأيام في طاعته والقرب منه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الوصية بـ (المداومة على العمل الصالح)
  • من أسباب صلاح القلوب (1) المداومة على العمل الصالح (خطبة)
  • الذكر بالعمل الصالح (خطبة)
  • الدعوة إلى العمل الصالح (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • العمل الصالح: أهميته وثمراته، خاصة أيام العشر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فقه العمل الصالح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ادعوا الله بصالح أعمالكم وأخلصها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التوسل إلى الله بصالح الأعمال (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فلتغتنم الثواب والأجر بالأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بادروا إلى الأعمال الصالحة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كنوز من الأعمال الصالحة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الأعمال الصالحة وثمراتها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العمل بعد موسم عشر ذي الحجة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجزاء من جنس العمل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/3/1448هـ - الساعة: 14:33
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب