• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / قضية حرق المصحف
علامة باركود

خطبة: عظمة القرآن وتعظيمه

خطبة: عظمة القرآن وتعظيمه
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 27/8/2026 ميلادي - 15/3/1448 هجري

الزيارات: 233

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: عظمة القرآن وتعظيمه

 

أيها المؤمنون، حديثنا في هذا اليوم عن عظمة القرآن وتعظيمه، هذا الكتاب الذي اختصَّ الله به هذه الأمة، وأنزله على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم وجعله مهيمنًا على ما قبله من الكُتُب السماويَّة، وناسخًا لها، ولو تتبَّعْنا حديث القرآن عن القرآن، لوجدناه حديثًا عظيمًا شاملًا، حتى قد أُلِّفت فيه الكتب والرسائل؛ مما يدلنا على عظمة هذا القرآن، ويكفينا دلالة على عظمته أنه كلام الله، وصفة من صفاته منه بدأ، وإليه يعود، ولو استشعرنا عظمة الله تعالى في قلوبنا؛ لعظمنا القرآن الكريم في نفوسنا، فلا أفضل من كلام الله، ولا أجلَّ منه على الإطلاق، ولا يوجد في كلام الخلق مثل كلام الخالق سبحانه، قال بعض السلف: "فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الخالق على الخلق".

 

ومن مظاهر عظمة هذا الكتاب كثرةُ أسمائه التي سمَّاه الله بها، وكثرةُ صفاته التي وُصِف بها، ومن المعلوم في بلاغة العرب أن الاسم إذا كثرت أسماؤه وصفاته دلَّ على عظمته، فربُّنا سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى، وفي الحديث: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة))؛ [رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة].

 

ولو تتَبَّعْنا آيات القرآن التي تتحدَّث عن أسماء وصفات القرآن لو طال بنا الحديث، ولكن نأخذ منه نماذجَ، فقد سمَّاه الله الفرقان، وسمَّاه كتابًا، وسمَّاه ذِكْرًا، ووصفَه بالشفاء، ووصفه بالبلاغ المبين، ووصفه بالهُدى، وبأنَّه مبارك وغيرها من الصفات، كل ذلك ليلفت انتباه الخلق إلى عظمة هذا الكتاب العظيم.

 

ومن عظمة القرآن الكريم التنويه بشأنه في القرآن الكريم، فقد مدَحَه الله تعالى وبيَّن أنَّه تولَّى حفظَه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وبيَّن أنه مهيمن وناسِخ للكتب السماوية التي قبله، وبيَّن أنَّه محكم، وأنَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وبيَّن سبحانه وتعالى أن لا اختلاف فيه ولا تناقض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، وبيَّن أنه لا مُبَدِّلَ لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدًا. وبيَّن أنه شفاءٌ للصدور وشفاءٌ للأمراض الحسِّيَّة والمعنويَّة ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ [الإسراء: 82]، فهو رحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا. وهو مبارك فيه البركة، وهي كثرة الخير على من تبرَّك به، مَنْ قرأه، مَن حَفِظَه، مَن استشفى به، مَن عظَّمَه وعَمِلَ بأحكامِهِ.

 

ومن مظاهر عظمة القرآن في القرآن أن الله أقسم به، فأقسم به في ثلاث سور؛ قال الله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: 1-2]، وقال سبحانه: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1]، وقال سبحانه: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1]، والله تعالى لا يقسم إلا بما هو عظيم عنده، وأقسم عليه بآيات معظمة عند الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: 11-14]؛ أي: القرآن. وقال سبحانه: ﴿حم * وَالكِتَابِ المُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: 1-3]، وقال سبحانه: ﴿حم * وَالكِتَابِ المُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 1-3]. وأقسم بقسم هو أشمل قسم في القرآن، قال سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: 38-40].

 

وهذا القسم في تعظيم شأن القرآن، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ* وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ فهذا القسم يشمل كل المخلوقات المرئية وغير المرئية، وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: 40-43]، وغيرها من الآيات التي تُبيِّن عظمة هذا القرآن من خلال القسم به أو عليه.

 

ومن عظمته أن الله سبحانه وتعالى أنزله في أفضل الأوقات، على أفضل الرُّسُل، على أفضل الأُمَم، وجعله أفضلَ الكُتُب، وأنزله في أفضل البقاع، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] فهو أعظم الشهور، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] وهي أعظم الليالي، وأنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أعظم وأفضل الرُّسُل عند الله، وكذلك أنزله في بلده الحرام مكة وهي أفضل البقاع إلى الله وأحبُّها إليه، وجعله خاتم الكتب السماوية، وأنزله على خاتم الأمم وخير الأمم كما قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، وهذا كله يدلُّنا على عظمة القرآن.

 

ومَن عظمة القرآن الكريم أن الله تحدَّى الخلق أجمعين أن يأتوا بمثله، فلما عجزوا خفَّف عليهم التحدِّي وطلبَ منهم أن يأتوا بعشر سُوَر مثله، فلما عجزوا طلب منهم أن يأتوا بسورة واحدة فلم يستطيعوا، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 38]. وتعرفون أن بعض السور قصيرةٌ لا تتجاوز ثلاث آيات مثل سورة الكوثر، ولكنهم عجَزُوا عن ذلك وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، فأنَّى لهم أن يأتوا بمثل كلام الله أو بشيء من مثله؟! فدَلَّ ذلك على عظمته، وما زال هذا التحدِّي مستمرًّا حتى الآن لجميع الخلق؛ ولذلك من يقرؤه من الفصحاء والبلغاء العقلاء يعلم أنه كلام الله، وأنه ليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الخَلْق.

 

ومن عظمته تأثُّر النفوس به عند الاستماع إليه؛ فكل مَن استَمَع القرآن بقلبٍ حاضرٍ وأُذُنٍ واعيةٍ تأثَّرَ به، مسلمًا كان أو كافرًا، فقط أحضِر قلبك وأرْخِ سَمْعَك واستمع إلى كلام الله العظيم الكريم المبارك بإنصاتٍ وستجد أن نفسك ستتأثَّر به، فقد تأثَّر به أهل الكتاب من اليهود والنصارى حين استمعوا إليه بقلوبهم كما ذكر الله سبحانه وتعالى بعضًا من حالهم، فقال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 83]، هؤلاء بعض علماء أهل الكتاب، وقال عن غيرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: 107]؛ أي: من قبل القرآن، سواء كانوا من اليهود والنصارى أو غيرهم، ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107-109]، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم سورة النجم جوار البيت الحرام في مكة واستمع المشركون لها، فلما انتهى من قراءتها سجد فسجد المشركون كُلُّهم معه، وما ذلك إلا مِن عظمة القرآن وتأثيره في نفوسهم، وقد حاولت قريش أن تمنع الرجال والنساء والأطفال من الاستماع إلى القرآن؛ لأنه كما يزعمون أنه يفتنهم، والحقيقة أنه يؤثِّر في نفوسهم، بل كانوا يمنعون الزائر للحرم من الاستماع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وما قصة الطفيل بن عمرو الدَّوْسي عنكم ببعيد، فقد جاء معتمرًا، فوقف له بعض أهل مكة في الطريق وقالوا له: يوجد ساحر عنده كلام يفتن به الخلق وحذَّروه منه، قال: فلما خوَّفوني منه وضعتُ في أذني الكُرْسُف- يعني القُطْن- حتى لا أسمع، وبينما أنا أطوف حول البيت وإذا به- أي محمد صلى الله عليه وسلم- يصلي ويتلو، قال: فأبَى الله إلا أن يسمعني شيئًا مما يقرأ، فنزعت القطن من أُذُني فاستمعت، ثم قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

 

ومن عظمته أنه يؤثر في الجن كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29].

 

فتأثير القرآن عظيم، وإلى اليوم ما زال القرآن يؤثر في كل مَن سَمِعَه من مسلم أو كافر، بل ذهب بعض الباحثين إلى أن القرآن يؤثر حتى في الجماد والأشجار. وقد عمل أحد الباحثين في مصر بحثًا ميدانيًّا على زراعة بعض الأشجار والثمار، فوضع بستانين مغلقين محميين؛ أحدهما كان يشغل له مسجلًا يتلو القرآن صباحًا ومساءً، والآخر كان يشغل فيه مسجلًا فيه أغانٍ وكلام للبشر، وبعد فترة من الزمان اكتشف أن البستان الذي كان يقرأ فيه القرآن ثماره أنضج، وطعمه ألذ، وليس فيه فساد، بخلاف البستان الآخر، فخرج من هذه التجربة العملية البحثية إلى أن للقرآن تأثيرًا حتى على الأشجار والجمادات.

 

ولو استمع إليه كثير من الغربين الكفار بعقولهم وقلوبهم ما كان أمامهم إلا الإيمان لتأثيره عليهم، والحمد لله نسمع بين الحين والآخر عن مئات من العلماء والباحثين من الكفار من يعلن الإسلام؛ لأنهم اكتشفوا عظمة القرآن الكريم وتأثروا به.

 

أيها المؤمنون، والحديث عن عظمة القرآن يطول، وحسبنا أن نستشعر هذه العظمة في نفوسنا نحن المسلمين، ويستشعره العرب الذين نزل بلغتهم ونتدبَّره كأُمَّة رفعها الله بهذا الكتاب العظيم إلى مصاف خير الأمم ونمتثل آثاره في واقعنا كما قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23].

 

أيها المؤمنون، هذا هو القرآن العظيم وهذه هي عظمته ومكانته، فهل عظمنا القرآن في نفوسنا وقلوبنا كما عظَّمه الله؟!، فمن مظاهر تعظيم القرآن عند المسلمين أن يتلقوه بالإيمان والقبول، وألَّا يردوا شيئًا من أحكامه، وأن يحذروا من الاستهزاء به أو الانتقاص له، وأن يعتقدوا أنه جامع شامل لجميع جوانب حياتهم، صالح لكل زمان ومكان، وأن يحذروا من هجره؛ سواء كان هجر التلاوة، أو هجر العمل، أو هجر التحاكُم إليه، وأن يجتهدوا في تلاوته وتعَلُّمه والعمل به، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121].

 

ومن مظاهر تعظيم القرآن أن ترضى الأمة المسلمة بالكتاب الكريم والقرآن العظيم حاكمًا عليها فلا تتحاكم إلى غيره، وأن يسعوا في نشره وتعليمه، وأن يهتموا بقراءته وتدبُّره، وأن يجتهدوا في فهمه والعمل به، وتشجيع المعلمين والمحفِّظين والطلاب الذين يتعلَّمُونه، وأن يسعوا في دعم حلقات التحفيظ ومدارس القرآن وألَّا يضيقوا عليها تحت أي مبرر. فليس من تعظيم القرآن التضييق على مدارس القرآن أو حلقات القرآن أو مراكز القرآن، وليس من تعظيم للقرآن أن تكون مساهمًا في تنفير الناس عن حفظ القرآن باشتراط الشروط التي ما أنزل الله بها من سلطان، وليس من تعظيم القرآن أن يضيق على أهله فلا يدعمون ولا يشجعون إلا بالقليل، بينما نرى أنَّ كثيرًا من أموال المسلمين تذهب في تشجيع التافهين، والمشاريع الفاسدة والمفسدة للبلاد والعباد.

 

والواجب على أُمَّة القرآن أن تسعى في تشجيع القرآن، وأن يكون تعليم وتعلُّم القرآن عملًا شعبويًّا ليس أمامه أي عراقيل؛ بل على الجميع أن يسعى في تعليمه ودعم من يُعلِّمه وينشره، ويسعى كل واحد منا إلى أن يجعل القرآن نموذجًا لحياته فيكون قرآنًا يمشي على الأرض.

 

أيها المؤمنون، يا أمة القرآن عظِّمُوا القرآن في نفوسكم حتى تكونوا مُعَظَّمين عند الله، فإن الله يرفع بالقران أقوامًا ويضع به آخرين ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]. وما أهان الله الأمة إلا بعد أن تخلَّت عن القرآن، فإذا أردنا أن يرفعنا الله فلنعد إلى القرآن، ونعمل به وندافع عنه ونكون عونًا لمن يحفظ القرآن ويُعلِّمه وينشره.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله. أيها الأحباب الكرام، تلكم هي بعض مظاهر عظمة القرآن وبعض مظاهر تعظيمه عند المسلمين.

 

أما الحديث عن أعداء القرآن من اليهود والنصارى والحاقدين من أعداء البشرية أجمعين فالحديث عنه طويل، فإن أعداء الإسلام منذ أن بزغت شمسُه ونزل القرآن على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يدعوا الحرب عليه ولم يتركوها، بل تفنَّنُوا في محاربته كثيرًا؛ ابتداء بكُفَّار قريش، ثم المنافقون في المدينة، ثم اليهود والنصارى، ثم الصليبيون والصهاينة، ثم الملاحدة وعبدة البقر والبوذيون وسائر مِلَل الكفر، كلهم اجتمعوا على محاربة القرآن.

 

فلماذا يحاربون القرآن؟

لما سبق ذكره من عظمته عند الله، ولأثره في الخلق ولفضحه للباطل وإزهاقه، فلا تستغربوا أن تسمعوا بين الحين والآخر من الحاقدين وأعداء الملَّة والدِّين بأنهم أحرقوا المصحف في بلد كذا، أو مزَّقوه في دولة كذا، أو سبُّوا الرسول، أو سبُّوا الله، أو أهانوا دين الإسلام، أو هدموا المساجد، أو منعوا الأذان، أو فعلوا ما فعلوا؛ من أفعال وإهانة لشعائر الله، فهذا شأنهم؛ لأنَّهم أعداء الملَّة والدِّين، ولن يتركوا حربهم على الإسلام والمسلمين حتى تنتهي الحياة، فإن الحق والباطل في صراع دائم، ولقد تعدَّدت وسائل الكفار في محاربة الإسلام ولكنهم ركَّزوا حربهم على القرآن، لماذا؟ لأن القرآن دستور هذه الأمة، وهو الذي أخرجها من الظلمات إلى النور، فالحفاظ عليه والعمل به يعني أن الأمة ستستمر حيَّةً قادرةً على البقاء والدفاع والمواصلة في البناء، أما إذا أُبْعِد القرآن من حياة المسلمين فإن الأمة ستهلك بسهولة، فإهانة الكُفَّار للقرآن ليست غريبة، ولا جديدة إنما الغريب والجديد أن يحارب القرآن من ينتسب إلى أمة الإسلام، ويهجر القرآن مَن يَدَّعي حماية القرآن، ويحارب القرآن من ينتسب إلى أمة القرآن! بل إنَّ الكفار حين يحاربون القرآن يستدلون بفعل بعض المسلمين أنفسهم! فالمشكلة أن أمة الإسلام قصرت في تعظيم كتابها ولم تعتنِ به، فأعطت للكفار مبررًا لاحتقاره، وحرقه، وأذية حملته.

 

فالسويد مثلًا في الأسبوع الماضي صرحت بحرق نسخة من القرآن وبررت ذلك بأن ذلك من لوازم الحرية والديمقراطية، فلماذا لا يصرحون بحرق نسخة من الإنجيل- ولماذا لم يسمح بسبِّ مَلِكِهم، أو التحقير لدستورهم تحت ذلك المبرر، مع أننا لا نرى جواز حرق أي شيء مقدس عند أمة من الأمم حتى لا يؤدي ذلك إلى مفاسد كبرى- مما يدل على كذبهم واستخدامهم الحرية لإهانة مقدسات المسلمين فقط.

 

ولو علم الكُفَّار أن المسلمين لن يسكتوا على إهانة مُقدَّساتهم لما فعلوا ذلك، فإنهم يحترمون الهندوس والبوذيين، ويحترمون الصليب، ويحترمون سائر المقدسات التي ترمز إلى أديان عند الآخرين، حفاظًا على مشاعرهم وخوفًا من ردَّة فعلهم، ولكنهم لا يحترمون ديانة ولا مقدسات المسلمين؛ لأن المسلمين أهانوا أنفسهم، بعدم اهتمامهم بالإسلام والقرآن في ديارهم، ومَن أَمِن العقوبة أساء الأدب.

 

وما تفعله بعض الدول وبعض الشعوب من الغضب والشجب لإهانة القرآن، هذا شيء طيب، ولا بأس أن تغضب للقرآن فتخرج مظاهرات ومسيرات تنديدًا بذلك، ولكن هذا وحده لا يكفي، لا بد من عمل مؤثر في الواقع؛ فهلَّا قطعتم العلاقات الدبلوماسية مع تلك الدول التي احتقروا القرآن أو أساءوا إلى الإسلام؟ أما مجرد المظاهرات والصياح والشجب فقد شبع العالم كله من شجب العرب واجتماعاتهم وجلساتهم ومؤتمراتهم حول القدس من زمان حتى صار الناس يقولون عنهم إذا اجتمعوا: "شنشنة نعرفها من أخزم"!

 

كما أن وصول هؤلاء الكفار الحقراء المجرمين إلى مرحلة حرق القرآن عِيانًا بيانًا، هو دليل على إفلاسهم، وأنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا الحجة بالحجة، ولا الدليل بالدليل، فذهبوا إلى إحراق الأوراق، مع أن إحراق أوراق المصحف يحزننا ويؤلمنا؛ لأنه امتهان لمقدَّساتنا، إلا أن القرآن سيبقى محفوظًا معظمًا في قلوب المؤمنين، وسيأتي اليوم الذي يظهر فيه جيل القرآن الكريم وإن إحراق نسخ من القرآن اليوم سيكون وسيلة لاستنهاض همم الشعوب المسلمة، ووسيلة لإعادتهم للدفاع عن دينهم وإحياء المسؤولية والعزة والكرامة في نفوسهم، ولسان حالهم يقول: إن أحرقوا نُسَخًا منه فعندنا آلاف الحفاظ ممن يحفظ القرآن في صدورهم.

 

أيها المسلمون، علينا أن نُحيي القرآن في نفوسنا، وفي معاملاتنا، وفي سائر أحوالنا، فهذا أعظم ردٍّ عليهم، ونرد على من أحرق أوراقًا من القرآن، بإيجاد نماذج من أناس يحفظون القرآن، ويعملون بالقرآن، ويتحاكمون إلى القرآن، ويدافعون عن القرآن، وسينتصر أهل القرآن على من عاداهم بإذن الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9].

 

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيَّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • عظمة القرآن (خطبة)
  • عظمة القرآن وتعظيمه (خطبة)
  • عظمة القرآن الكريم (خطبة)
  • عظمة القرآن تدل على عظمة الرحمن (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • خطبة جمعة (أعظم الكرامة لزوم الاستقامة)(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • يومي عرفة والنحر، أعظم أيام الله (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أعظم الحسرات فقد محبة الله تعالى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم بيوت الله وآداب قاصديها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم الأشهر الحرم ووقفات مع شهر ذي القعدة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم للشعائر: دروس وعبر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: تعظيم الأشهر الحرم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم المساجد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعظيم الأشهر الحرم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ثمرات تعظيم الله تعالى (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق
  • أطفال قرية ميدوفيتس يختمون القرآن الكريم للمرة الأولى
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 14/3/1448هـ - الساعة: 13:23
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب