• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / في يوم عاشوراء
علامة باركود

دروس عاشوراء والتغيير المنشود (خطبة)

دروس عاشوراء والتغيير المنشود (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 22/6/2026 ميلادي - 6/1/1448 هجري

الزيارات: 349

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

دروس عاشوراء والتغيير المنشود

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله..

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1].

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:70].

 

أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرُّ الأمور محدثاتها، وكلُّ محدثة بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار..

 

معاشر المؤمنين الكرام: عامٌ هجريٌّ جديدٌ أقبلَ علينا، نسأل الله أن يجعلهُ عامُ خيرٍ وبركة، وعام نصرٍ وعزة، وعام صلاحٍ لأحوالنا وأحوالِ المسلمين جميعاً..

 

وما من عامٍ يُقبلُ إلا ويحملُ في طيّاته عِبرةً للمتفكرين، وتذكرةً للمؤمنين، ورسالةً للمعتبرين، عبرةً وتذكرةً ورسالةً أنَّ الزمانَ يمضي ولا يتوقف، وأنَّ العُمرَ في تناقصٍ مُستمر، وأنَّ الأجلَ يتقارب.. وأنَّ كلّ يومٍ تغرب شمسه، تُطوي معهُ صفحةٌ من كتابنا، مملؤةٌ بما قدمنا من حسناتٍ وسيئات.. فليسأل كل منا نفسه، أيُّ كتابٍ تريدُ أن يُعرضَ عنك؟.

 

فالحق تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ، كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء:13].. وقال تعالى: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون ﴾ [الجاثية:29]..

 

احبتي الكرام: ما من عاقلٍ إلا وهو يسعى جاداً للتغيير نحو الأفضل.. ولأن يُحسِّن من أحواله ويصلحها.. لكن الكثيرَ من الناس يُعاني من بعض المعوقات، ومن بعض الأفكارِ السلبية، والقناعاتِ المثبطة، والخمولِ النفسي، والعزيمةِ الباردة، والعجز والكسلِ عن الطاعات، والإسرافِ في المباحات، وإدمان بعض المخالفات، وشيءٌ من ذنوب الخلوات، وقلةِ الإمكانيات.. وغيرها من المعيقات والمثبطات..

 

فالعجزُ والكسلُ من أبرز الاسباب لسوء الأحوال، ولعدم التّحسُّنِ والتطور.. ولهذا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر التعوذ منهما.. ففي صحيح البخاري ومسلم، أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان كثيراً ما يدعو فيقول: "اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجزِ والكَسَلِ، والجُبنِ والبُخلِ، وضَلَعِ الدَّينِ وغَلَبةِ الرِّجالِ".. وهو ما عبر عنه المتنبي ببيت من أجمل أبيات الحكمة، إذ يقول: ولم أرَ في عيوب الناس عيباً.. كعجز القادرين على التمام.. والمعني: أن أكبر عيبٍ في نظر الشاعر هو العجز وضعفُ الهمة.. فمع أن الكثيرين يملكون القدرة والاستطاعة ليكونوا في حال أفضل وأكمل، إلا أن العجز والكسل، وضعفَ الهمة وبلادة الطبع حرمتهم من ذلك.. ففي الحديث الصحيح: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا".. في الحديث الآخر، قال صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس، الصحة والفراغ".. فالمغبون حقاً من رضي بالدون وهو قادرٌ على المعالي.. وتأمل جيداً في وصية الحبيب صلى الله عليه وسلم القائل: «احرِصْ على ما ينفعُك، واستعن بالله ولا تعجز».. وفي الأثر المشهور: الكيِّس ُمَن دانَ نفسَه وعمِل لما بعد الموتِ والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هَواها وتمنَّى على اللهِ الأمانيَّ.. وللإمام الشافعي رحمة بيتين من أجمل ما قيل في هذا المعنى: بقدرِ الكدِّ تُكتسبُ المعالي.. ومن طلبَ العلا سهرَ الليالي.. ومن رامَ العلا من غير كدٍّ.. أضاع العمرَ في طلبِ المُحالِ.. وقال آخر:.. قد هياؤك لأمر لو فطنت له.. فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل.. وقال ابنُ الجَوزيِّ: (اعلَمْ أنَّك في مَيدانِ سِباقٍ، وأن الأوقاتُ تُنتَهبُ، فلا تَخلُدْ إلى كسَلٍ؛ فما فاتَ مَن فاتَ إلَّا بالكَسَلِ، ولا نال مَن نال إلَّا بالجِدِّ والعَزمِ، وإنَّ الهمَّةَ لتَغلي في القُلوبِ غَلَيانَ ما في القُدورِ)..

 

والشاهد أيها الكرام: أنَّ الهمَّةَ هي طريقُ القمَّةِ، وهي طليعةُ الأعمالِ وبدايتُها، وهي الباعثُ عليها والمحركُ لها.. والناسُ إنما يتفاوتونَ بتفاوتِ هِممِهم وعزائِمهم، فمتى صلُحت همَّةُ المرءِ وعزيمتهُ، صلُحَ لهُ ما وراءَ ذلك من الأعمال، وزادَ حظُّهُ من المعالي والخيرات، وكُلَّما عظُمتْ الِهمَّةُ، وقويتْ العزِيمةُ، اقتربَ الانسانُ من النجاح أكثر.. وحقَّق ما يصبو إليه من أهدافٍ ساميةٍ وغايات نبيلة.

 

ثم إنّ التغييرَ المنشود، لا يَشترطُ أن تكون أفضلَ من غيرك، بقدر ما يشترطُ أن تكون أفضلَ مما أنت عليه الآن.. ولاشك أنّ ديننا العظيم، ومنهجهُ التربويِّ القويم، قد قرّر قاعدةَ التغيير، وجعلها مبنيةً على مدى قُدرة الأفرادِ على تغييرهِم لأنفسِهِم، وهو ما يُشيرُ إليه قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد:11].. فتغيير ما بالأنفُس من أفكارٍ ومفاهيم، وميولٍ وقناعات، وعاداتٍ متأصلة، وسلوكيات ثابتة، حَسنةً كانت أو سيئة.. كلُّ ذلك أمرٌ وكلَهُ الله تعالى للبشر ومكنهم منه، تأمل: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس:7].. فالله جلَّ وعلا قد جعل مسألة التغيير للأفضل أو للأسوأ بيد الإنسان، وضمن حدودِ اختيارهِ وقراره، وجزءٌ من ابتلاءه واختباره.. قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [الملك:2].

 

ومفتاح التغيير الحقيقي هو: الإرادة الداخلية.. فالتغيير الإيجابي لا يأتي من الخارج، بل يبدأ من الداخل، وهذا ما قرره ربُنا الحكيم في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد:11].. في صحيح مسلم: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ".

 

فليكن عامك الجديد عامُ إحسانٍ وتحسينٍ في كل شيء: في عباداتك، في تعاملاتك وعلاقاتك، في نيتك وابتسامتك وفي سائر كلامك، في حُبك للآخرين ما تُحبه لنفسك، في كظمك للغيظ وعفوك عن الناس، في تطويرك لنفسك، وارتقاءك بفكرك.. في صدقك مع نفسك ومع من حولك، في برّك بوالديك، وإحسانك لأهلك وجيرانك.. في شأنك كله.. والأمر لا يتطلب تدريباً شاقاً، ولا علماً خاصاً، ولا ثمناً باهظاً، الأمر فقط أن تضع لك هدفاً سامياً، أن تقول لنفس: (لا بد أن أُحسِن من نفسي وأطورها).. ثم تُلِحُ على نفسك بالتنفيذ المستمر.. وأقول مرة أخرى: الأمر لا يتطلب تدريباً شاقاً، ولا علماً خاصاً، ولا ثمناً باهظاً، الأمر ببساطة شديدة: أن تسأل نفسك سؤالاً جاداً، في كل عملٍ تقوم به: (كيف أقوم بهذا العمل بشكلٍ أفضل).

 

يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، في حديث رواه البخاري ومسلم: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذا قَتَلتُم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذَبَحتُم فأحسِنوا الذَّبحة وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه، وليُرحْ ذبيحتَه".. فإذا كان المسلم مأمور بالإحسان حتى في ذبح الحيوان، فغيره من باب أولى.. وفي محكم التنزيل: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم:31].. وفي الآية الأخرى: ﴿ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين ﴾ [البقرة:195].

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء:66].

 

أقول ما تسمعون..

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى..

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب ﴾ [الزمر:18]..

 

معاشر المؤمنين الكرام: تَدُورُ الدُّنْيَا بدورتها، وَتمضِي الأَيامُ بسرعتها، ليحلَّ علينا من جديد، شهرُ اللهِ المـحرَّمٍ، ويحلُّ معهُ ذكرى يوم عاشوراء، يومٌ عظيمٌ مجيدٌ، من أيام اللهِ المباركة، يومٌ ظهرَ فيه الحقُّ عزيزاً، وزهقَ الباطلُ ذليلاً.. يومٌ انتقمَ اللهُ فيه من الظالمين، وانتصرَ للمظلومين، يومٌ نجى الله فيه كليمهُ موسى عليه السلامُ ومن معهُ من المؤمنين، وأهلكَ الطاغيةَ فرعونَ ومن معهُ من الظالمين.. وإنَّ في قصةِ موسى وفرعونَ لعبراً وذكرى، ودروساً كُبرى، فلقد تكرَّرت قِصةِ مُوسى في القرآن أكثر من عشرين مرة.. وما ذلك إلا ليستَلهِم المؤمنونَ مِنها العبرَ البليغة، والدُّروس المهمَّة، فهيَ قِصةٌ جمعت بين أحوالِ الطُغاةِ المفسِدِينَ، وبينَ أحوالِ المؤمنينَ المضطَهدِينَ، وبينت مآلَ كُلِّ طرفٍ من الطرفين، تأملوا: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [القصص:4].. وإنها لقصةٌ مَليئةٌ بالفَوائِدِ والعِبرِ، والدروس والعِظاتِ والدُّررِ.. ومن أبرز فَوائِدِ هذه القِصةِ العَظِيمةِ: أنَّ القُرآنِ الكريم، دستورٌ ومنهج حياة.. مليء بالمواعظ والدروس البليغة.. فيَنبغِي للمُسلمِ أنَّ يتأمل آياته وأن يتدبَّرها، وأنَّ يعتبِر ويتَّعِظَ بها، ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾.. ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب ﴾ [ص:29].. ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف:111].. وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ [الإحزاب:62]..

 

ومِنْ أَقوى دُرُوسِ وفوائدِ هذه القصةِ العظيمة: تَحريمُ الظُّلْمِ بكلِّ صُورهِ وأشكالِهِ، وبيانِ شُؤمِهِ وسُوءِ مآلِهِ.. ففي صحيح مُسلمٌ حديثٌ قدسيٌ مهيب، قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا).. وفي الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلومِ؛ فإنَّها تُحْمَلُ على الغَمامِ، يقولُ اللهُ: وعزَّتي وجَلالِي لأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بعدَ حِينٍ".. ومن أعظم فوائدِ هذه القصةِ البليغة: أنَّ الله تبارك وتعالى إذا أراد شيئًا، هيأ لهُ أسبابًا عجيبةً لطيفة، مُقدماتُها لا تُوحي بنتائِجها.. فهذا الطاغية فرعونُ، طغى وتكبر وتمادا وتجبَّرَ، وأفسد في الأرض فأكثر، ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص:4]، وما زال هذا الطاغيةُ في غيِّه يتمادى حتى قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات:24]، ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ [القصص:39].. كُلُّ هذا وربُنا العظيمُ القديرُ سُبحانهُ يُملي لهذا الطاغية ويُمهِلُه، ويُهيئُ لهُ أسبابَ هلاكِهِ ويستدرجُه، في الحديثِ الصحيح: "إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذهُ لم يُفلتهُ"، وقد أملى اللهُ لهذا الطاغيةِ أربعينَ سنة، حتى إذا بلغ طُغيانُه المدى، جاءهُ بَأْسُ اللهُ الذي لَا يُرَدُّ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾ [النازعات:25].. أخذه اللهُ وجنوده أَخْذًا وَبِيلًا، وأغرقه وجنودهُ جميعاً، وجعلهم عبرةً للعالمين، ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص:40]..

 

ومن فوائدِ هذه القِصةِ العظِيمة: أنَّها تُعلمُنا أن نتفاءلَ ونستبشر، وأن لا نيأسَ ولا نبأس، فما من ضيقٍ إلا وبعدهُ فرج، وما من بلاءٍ إلا وبعدهُ عافية، وإن مع العُسر يسراً، إنَّ مع العسر يسراً.. تأمل قوله جل وعلا: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف:110]، فمهما تمدَّدَ الباطلُ وانتفش، ومهما علا الطغيانُ وبطش، فالحقُّ أعلا وأقوى، والعاقبة للتقوى، قال جل وعلا: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم:47].. وفي الحديث الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم: (ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، إلا أدخَله الله هذا الدين بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ، وذُلًّا يُذِلُّ الله به الكفر).. فلا يأس إذن ولا قنوط.. فالقوةُ للهِ جميعاً، والعزةُ للهِ ولرسولهِ وللمؤمنين حقاً ويقيناً، والعاقبة للمتقين، ونصر الله قادمٌ ولو بعد ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف:21]..

 

ثم اعلموا يا عباد الله: أنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا شَهْرٌ فَاضِلٌ، قَدْ عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَجَعَلَهُ أَحَدُ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الْحُرُمِ ذَاتِ الْقَدْرِ الْمُنِيفِ، وَأَضَافَهُ لِنَفْسِهِ إِضَافَةَ تَكْرِيمٍ وَتَشْرِيفٍ، وقَدْ سُنَّ لنا الْإِكْثَارَ مِنْ الصِيَامَ فيه؛ ففي صحيح مسلم، قَالَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ».. وفي صحيحِ مُسلمٍ أيضاً أنَّ رسولَ ‏اللهِ صلى الله عليه وسلم: صامَ يومَ عاشوراء، وأمرَ بصيامه، ولما قيلَ له يا رسول الله: إنه يومٌ تعظمهُ ‏اليهود والنصارى، قال: (فإذا كان العام المقبل إن شاء ‏الله، صمنا اليوم التاسع).. فصوموا يا عباد الله يومَ عاشوراء، واعلموا أنَّ لهُ فضلاً عظيمًا، وأجراً كبيراً.. ففي الحديث الصحيحِ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "صيامُ يومِ عاشوراءَ، إنِّي أحتَسِبُ على اللَّهِ أن يُكَفِّرَ السَّنةَ الَّتي قبلَهُ".. فهي فرصةٌ عظيمةٌ من فُرصِ الخيرِ، فأحسنوا استغلالها.. ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾ [الأنبياء:94]..

 

يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • يوم عاشوراء من صحيح الكتب الستة
  • فضل صيام يوم عاشوراء
  • عاشوراء: فضل ودروس (خطبة)
  • عاشوراء والسنن الإلهية في صراع الحق والباطل

مختارات من الشبكة

  • وقفات ودروس من سورة آل عمران (9)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • غزوة مؤتة.. دروس وعبر في عصرنا الحاضر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من دروس تحويل القبلة: جبر خاطر نبي الأمة صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أصحاب الأخدود من قصص القرآن والسنة: دروس وعبر (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • موقف حصل لي أيام الشباب: فيه دروس وعبر!(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • دروس من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للتوحيد عشر سنين(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • من دروس تحويل القبلة.. سمعنا وأطعنا(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • دروس وقيم وعظات من سورة الحجرات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دروس من قصة أيوب عليه السلام(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • قصة مؤمن آل فرعون: دروس وعبر (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • فتح باب المشاركة في الدورات الصيفية الإسلامية للشباب في بلغاريا
  • تركازي تتزين بمسجد جديد بعد سنوات
  • التحضير لبناء مسجد جديد في لونغ آيلاند
  • مسجد بضواحي شيكاغو يستقبل الزوار للتعرف على الإسلام
  • مسجد ينظم حوارات مفتوحة للتعريف بالإسلام في شوارع بيرو
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 5/1/1448هـ - الساعة: 16:14
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب