• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: بركات الصيام وخصائصه وبعض مسائله
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    زينوا العلم بالعمل قبل أن تسلبوه أو يرتحل
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    واقع الدعوة الآن {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ...
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    تحريم سب نساء النبي صلى الله عليه وسلم
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    عاقبة البغي ونقض العهود (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    اسما الله الحيي الستير: تأملات عقدية في الأسماء ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    فصول في ظلال السيرة النبوية (2): المولد والمنشأ
    أ. د. علي حسن الروبي
  •  
    لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    حسن الخاتمة (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    الاحتفال بالمولد النبوي وعمرة المولد بدعتان ...
    الداعية عبدالعزيز بن صالح الكنهل
  •  
    شكوى الجمل (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    باب في فضل الصحابة رضي الله عنهم
    د. خالد النجار
  •  
    التغافل من سمات الملتزمين الأفاضل
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    تخريج حديث: أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ (1)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    الاستعراض ودوره في الإعداد الجهادي
    أ. د. محمد عبدالحليم بيشي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة
علامة باركود

أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها (خطبة)

أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 3/8/2026 ميلادي - 20/2/1448 هجري

الزيارات: 1979

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ؛ خَلَقَ فَأَتْقَنَ خَلْقَهُ، وَشَرَعَ فَأَحْكَمَ شَرْعَهُ؛ ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النَّمْل: 88]، ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ [الْبَقَرَةِ: 138]، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَاجْتَبَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ لِلْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَكَانَ عَمَلُهُمْ مَبْرُورًا، وَسَعْيُهُمْ مَشْكُورًا، وَجَزَاؤُهُمْ مَوْفُورًا، وَضَلَّ عَنْ هُدَاهُ أَهْلُ الشَّقَاءِ فَكَانُوا قَوْمًا بُورًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اصْطَفَاهُ رَبُّهُ سُبْحَانَهُ وَاجْتَبَاهُ، وَاخْتَارَ لَهُ أَفَاضِلَ الْأُمَّةِ فَكَانُوا لَهُ أَصْحَابًا، وَخَيْرَ النِّسَاءِ فَكُنَّ لَهُ أَزْوَاجًا، وَكُنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ أُمَّهَاتٍ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاسْتَقِيمُوا عَلَى أَمْرِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ، وَالْزَمُوا هَدْيَ النَّبِيِّ وَالصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَأَسِّيًا فَلْيَتَأَسَّ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمَهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنَهَا حَالًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ».


عِبَادَ اللهِ، ((أَئِمَّةُ الهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، ((أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا))، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.


عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: أُمُّ سَلَمَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا أُمُّ سَلَمَة!

ثَانِيًا: وَمَضَاتٌ فِي حَيَاةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا!

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ تُنْسَى أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا؟!

 

أَيُّهَا السَّادَةُ: بدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا.


يَحْفَلُ التَّارِيخُ الْإِسْلَامِيُّ وَالسِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ بِشَخْصِيَّاتٍ عَظِيمَةٍ، سَطَّرَتْ بِسِيرَتِهَا أَجْمَلَ السِّيَرِ، وَسَجَّلَتْ بِمَوَاقِفِهَا أَنْبَلَ الْمَوَاقِفِ، حَادِيهَا فِيهَا قُوَّةُ الْإِيمَانِ، وَجَلَالَةُ الْيَقِينِ، وَعَزْمٌ مَكِينٌ، وَجَلَدُ الْمُتَّقِينَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْعِظَامِ يَرْوِي لَنَا تَارِيخُنَا الْمُشْرِقُ سِيرَةَ صَحَابِيَّةٍ فَاضِلَةٍ، عُرِفَتْ بِرَجَاحَةِ عَقْلِهَا، وَقُوَّةِ عَزْمِهَا، وَسَدَادِ رَأْيِهَا، وَثَبَاتِهَا عَلَى دِينِهَا، ضَحَّتْ بِأَرْضِهَا وَدَارِهَا، فَنَالَتْ شَرَفَ هِجْرَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ؛ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ وَهِجْرَةِ الْمَدِينَةِ، إِنَّهَا إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَزَوْجُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ حُقُوقٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ مِنْ تَوْقِيرِهِنَّ وَمَحَبَّتِهِنَّ وَالتَّرَضِّي عَنْهُنَّ، وَمَعْرِفَةِ سِيَرِهِنَّ وَأَخْبَارِهِنَّ وَفِقْهِهِنَّ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ النِّسَاءِ لَمْ يَصِلْنَا إِلَّا عَنْ طَرِيقِهِنَّ.


أَوَّلًا: أُمُّ سَلَمَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا أُمُّ سَلَمَةَ!

أَيُّهَا السَّادَةُ، أَلْصَقُ الصَّحَابَةِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوْجَاتُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ؛ فَإِنَّهُنَّ الْمُلَازِمَاتُ لِبَيْتِهِ، الْمُطَّلِعَاتُ عَلَى أَسْرَارِ حَيَاتِهِ، الْعَالِمَاتُ بِهَدْيِهِ مَعَ أَهْلِهِ، الْقَانِعَاتُ بِقِلَّةِ زَادِهِ، الْمُخْتَارَاتُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، الْمُضَحِّيَاتُ فِي سَبِيلِ دَعْوَتِهِ، الرَّاضِيَاتُ الْمَرْضِيَّاتُ عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الْأَحْزَاب: 33]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «نَزَلَتْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً».


وَمِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّةُ الْقُرَشِيَّةُ، مِنْ بَيْتِ عِزٍّ وَشَرَفٍ وَنَسَبٍ وَكَرَمٍ؛ وَكَانَ أَبُوهَا أَبُو أُمَيَّةَ يُلَقَّبُ بِـ "زَادِ الرَّكْبِ"؛ لِأَنَّهُ إِذَا سَافَرَ مَعَهُ أَحَدٌ تَحَمَّلَ زَادَهُ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مَنْ رَافَقَهُ فِي السَّفَرِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ وِجْهَتَهُ، كَثُرُوا أَوْ قَلُّوا، وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْكَرَمِ.

 

وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ابْنُ عَمِّهَا، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَزَوْجُهَا أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَمِّهَا، وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ أَخًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَهُوَ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَجُرِحَ فِيهَا، وَثَارَ عَلَيْهِ جُرْحُهُ بَعْدَ قِيَادَتِهِ لِسَرِيَّةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ. فَالشَّرَفُ يُحِيطُ بِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَ.

 

وَلَقَدْ كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ أَرْجَحِ النِّسَاءِ عَقْلًا، وَأَكْمَلِهِنَّ دِينًا وَخُلُقًا، تَزَوَّجَتْ مِنِ ابْنِ عَمِّهَا عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالٍ الْمَخْزُومِيِّ، الْمَعْرُوفِ بِأَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَدْ كَانَا مِنْ أَوَائِلِ النَّاسِ إِسْلَامًا، فَلَمَّا شَاعَ إِسْلَامُهُمَا هَاجَتْ قُرَيْشٌ وَمَاجَتْ، وَجَعَلَتْ تَصُبُّ عَلَيْهِمَا مِنْ نَكَالِهَا مَا يُزَلْزِلُ الصُّخُورَ، رَجَاءَ رُؤْيَتِهِمَا يَرْتَدَّانِ عَنِ الدِّينِ الْحَنِيفِ، فَمَا زَادَهُمَا ذَلِكَ إِلَّا جَلَدًا وَثَبَاتًا، حَتَّى قَرَّرَا الْفِرَارَ بِدِينِهِمَا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ.

 

وَيُذْكَرُ أَنَّ زَوْجَهَا أَسْلَمَ بَعْدَ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ أَسْلَمُوا قَبْلَهُ، وَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَذَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَّةَ هَاجَرَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهِيَ الَّتِي رَوَتْ حَدِيثَ مُقَامِهِمْ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ، النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ لَا نُؤْذَى، وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ...»، وَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمَّنَهُمْ، وَرَفَضَ تَسْلِيمَهُمْ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ. وَلَمَّا سَمِعَ الزَّوْجَانِ بِبَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى رَجَعَا مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَاشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمَا، وَعَزَمَا عَلَى الْهِجْرَةِ، وَأُصِيبَتْ هَذِهِ الْأُسْرَةُ الْمُؤْمِنَةُ بِمُصِيبَةٍ عَظِيمَةٍ؛ وَهِيَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا عَامًا كَامِلًا، وَذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ الْأَذَى الَّذِي لَحِقَهَا؛ حَتَّى تَيَسَّرَتِ الْهِجْرَةُ لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَتَحْكِي أُمُّ سَلَمَةَ قِصَّةَ ذَلِكَ فَتَقُولُ: «لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَحلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتَنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ هَذِهِ؟ عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ. قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إِذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا. قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بُنَيَّ سَلِمَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَفُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطَحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي حَتَّى أُمْسِيَ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلَا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ، فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكِ إِنْ شِئْتِ. قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إِلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي. قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَتَبَلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدُمَ عَلَى زَوْجِي، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لِي: إِلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَوَمَا مَعَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا اللَّهُ وَبُنَيَّ هَذَا. قَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ مَتْرَكٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي، فَوَاللَّهِ مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ قَطُّ أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إِذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطَّ عَنْهُ، ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنِّي إِلَى شَجَرَةٍ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ، قَامَ إِلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَلَهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ، حَتَّى يَنْزِلَ بِي. فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءَ، قَالَ: زَوْجُكِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ- وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ. فَكَانَتْ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ».

 

وَاجْتَمَعَتِ الْأُسْرَةُ الْمُؤْمِنَةُ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ أَلَمِ الْفِرَاقِ، وَلَرُبَّمَا أَحَسَّتْ هَذِهِ الْأُسْرَةُ الْمُؤْمِنَةُ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ لَنْ يَدُومَ طَوِيلًا فَالدُّنْيَا دَارُ ابْتِلَاءٍ، وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حِوَارٌ جَرَى بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِأَبِي سَلَمَةَ: «بَلَغَنِي أَنَّهُ لَيْسَ امْرَأَةٌ يَمُوتُ زَوْجُهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ لَمْ تَزَوَّجْ بَعْدَهُ إِلَّا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَنَّةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ وَبَقِيَ الرَّجُلُ بَعْدَهَا. فَتَعَالَ أُعَاهِدْكَ أَلَّا تَزَوَّجَ بَعْدِي وَلَا أَتَزَوَّجَ بَعْدَكَ. قَالَ: أَتُطِيعِينِي؟ قُلْتُ: مَا اسْتَأْمَرْتُكَ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيعَكَ. قَالَ: فَإِذَا مُتُّ فَتَزَوَّجِي. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدِي رَجُلًا خَيْرًا مِنِّي لَا يُحْزِنُهَا وَلَا يُؤْذِيهَا. فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: مَنْ هَذَا الْفَتَى الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِي مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَلَبِثْتُ مَا لَبِثْتُ، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، فَذَكَرَ الْخِطْبَةَ إِلَى ابْنِ أَخِيهَا، أَوْ إِلَى ابْنِهَا وَإِلَى وَلِيِّهَا. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أَرُدُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ أَوْ أَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ بِعِيَالِي. قُلْتُ: ثُمَّ جَاءَ الْغَدَ فَذَكَرَ الْخِطْبَةَ فَقُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا: إِنْ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَوِّجْ. فَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا».

 

غَارَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْهَا لِجَمَالِهَا؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: «لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ حَزِنْتُ حُزْنًا شَدِيدًا لِمَا ذَكَرُوا لَنَا مِنْ جَمَالِهَا. قَالَتْ: فَتَلَطَّفْتُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا، فَرَأَيْتُهَا وَاللَّهِ أَضْعَافَ مَا وُصِفَتْ لِي فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ. قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ. وَكَانَتَا يَدًا وَاحِدَةً. فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ إِنْ هَذِهِ إِلَّا الْغَيْرَةُ. مَا هِيَ كَمَا يَقُولُونَ. فَتَلَطَّفَتْ لَهَا حَفْصَةُ حَتَّى رَأَتْهَا فَقَالَتْ: قَدْ رَأَيْتُهَا، وَلَا وَاللَّهِ مَا هِيَ كَمَا تَقُولِينَ وَلَا قَرِيبٌ، وَإِنَّهَا لَجَمِيلَةٌ. قَالَتْ: فَرَأَيْتُهَا بَعْدُ فَكَانَتْ لَعَمْرِي كَمَا قَالَتْ حَفْصَةُ، وَلَكِنِّي كُنْتُ غَيْرَى»؛ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ.

 

وَانْقَسَمَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قِسْمَيْنِ عَلَى عَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْغَيْرَةِ وَالتَّحَزُّبِ، فَعَائِشَةُ تَقُودُ قِسْمًا، وَتَقُودُ الْآخَرَ أُمُّ سَلَمَةَ، وَيَقَعُ بَيْنَهُمَا مَا يَقَعُ بَيْنَ الضَّرَائِرِ مِنَ الْغَيْرَةِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ وَقَّافَاتٍ عِنْدَ الشَّرْعِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ حِزْبَيْنِ، فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الْآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخَّرَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، بَعَثَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً، فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا، فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا، فَقُلْنَ لَهَا، فَكَلِّمِيهِ، قَالَتْ: فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا أَيْضًا، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا، فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا، فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ، فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ؛ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ...»؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

فَكَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَرِيعَةَ الْأَوْبَةِ وَالتَّوْبَةِ، رَغْمَ شِدَّةِ غَيْرَتِهَا، وَعَظِيمِ مَا يَقَعُ بَيْنَ الضَّرَائِرِ. فَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَزَوْجِهَا وَأَرْضَاهُمَا، وَرَضِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ فِي دَارِ النَّعِيمِ.


ثَانِيًا: وَمَضَاتٌ فِي حَيَاةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا!

أَيُّهَا السَّادَةُ، امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِالْمَنَاقِبِ الْجَلِيلَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْكَثِيرَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَلِي: أَنَّهَا مِنَ السَّابِقَاتِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمِنْ أَوَائِلِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمُهَاجِرَاتِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَالْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَانَتْ مِنَ الَّذِينَ امْتَدَحَهُمُ اللَّهُ مِنَ السَّابِقِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، وَأَخْبَرَ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ، وَوَعَدَهُمْ بِجَنَّتِهِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].


وَمِمَّا حَازَتْهُ مِنَ الْفَضَائِلِ أَنَّهَا إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّاتِي فُضِّلْنَ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي التَّقْوَى وَالْمَنْزِلَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ [الأحزاب: 32]، كَمَا أَنَّهَا زَوْجُ النَّبِيِّ الْأَمِينِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 53]، يَقُولُ السَّعْدِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «فَإِنَّهُنَّ زَوْجَاتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَلِذَلِكَ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ زَوْجَاتِهِ بَعْدَهُ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ».


وَقَدْ كَانَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَخْتَلِفُ عَنْ بَاقِي نِسَاءِ النَّبِيِّ؛ فَقَدِ انْتُزِعَ مِنْ صَدْرِهَا الْغَيْرَةُ؛ حَيْثُ اعْتَرَفَتْ لِلنَّبِيِّ بِغَيْرَتِهَا، وَذَلِكَ عِنْدَ خِطْبَتِهِ لَهَا، فَدَعَا لَهَا النَّبِيُّ بِذَهَابِ الْغَيْرَةِ مِنْ نَفْسِهَا؛ (ابْنُ كَثِيرٍ: السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ 3 /175).


وَقَدْ كَانَتْ لِلسَّيِّدَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَكَانَتُهَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَعَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَجَعَلَ حَسَنًا فِي شِقٍّ، وَحُسَيْنًا فِي شِقٍّ، وَفَاطِمَةَ فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». وَأَنَا وَأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جَالِسَتَانِ، فَبَكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ؟» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَصَصْتَهُمْ وَتَرَكْتَنِي وَابْنَتِي. قَالَ: «أَنْتِ وَابْنَتُكِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ».


وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِهِ كَانَ يَبْتَدِئُ بِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، يَبْدَأُ بِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَكْبَرُهُنَّ، وَكَانَ يَخْتِمُ بِي؛ (الطَّبَرَانِيُّ: الْمُعْجَمُ الْكَبِيرُ: 18 /19).


وَمِنْ مَنَاقِبِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً فَقِيهَةً حَافِظَةً؛ فَقَدْ رَوَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَمِائَةً وَثَمَانِينَ حَدِيثًا، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا.


لَقَدْ ضَرَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ لِلْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ الْمُجَاهِدَةِ الْمُرَبِّيَةِ الْعَابِدَةِ، فَتَعَالَوْا بِنَا نَتَأَمَّلْ بَعْضَ مَوَاقِفِهَا الْعَظِيمَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الَّتِي تَدُلُّ عَلَى رَجَاحَةِ عَقْلِهَا وَحِكْمَتِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: مَا أَشَارَتْ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَشْكُو مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَدْ أَمَرَهُمْ بِنَحْرِ الْهَدْيِ وَالْحَلْقِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، حَتَّى كَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ»؛ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا». قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَإِشَارَتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ تَدُلُّ عَلَى وُفُورِ عَقْلِهَا، وَصَوَابِ رَأْيِهَا.


وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَوِيَّةَ الْحُجَّةِ، لَا تَكَادُ تُغْلَبُ فِي الْمُجَادَلَةِ، وَإِنَّهَا لَغَلَبَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قُوَّتِهِ، وَذَلِكَ حِينَ هَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ لَمَّا غَضِبَ عَلَيْهِنَّ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ وَوَعَظَهَا وَأَغْلَظَ الْقَوْلَ عَلَيْهَا، يَقُولُ عُمَرُ: «ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا، فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجِهِ، فَأَخَذَتْنِي- وَاللَّهِ- أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا»؛ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.


وَمِنْ مَوَاقِفِهَا الْعَظِيمَةِ الَّتِي سَطَّرَهَا التَّارِيخُ: مَوْقِفُهَا يَوْمَ مَعْرَكَةِ الْجَمَلِ، لَمَّا أَتَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ أَرَادَتِ الْخُرُوجَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَقَالَتْ لَهَا: «إِنَّكِ سُدَّةٌ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَأُمَّتِهِ، وَحِجَابُكِ مَضْرُوبٌ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنُ ذَيْلَكِ فَلَا تَنْدَحِيهِ- تُوَسِّعِيهِ- مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ»، فَقَدْ حَثَّتْهَا عَلَى الْبَقَاءِ وَعَدَمِ الْخُرُوجِ إِلَى الْبَصْرَةِ.


وَمِنْ مَوَاقِفِهَا: نُصْحُهَا وَتَوْجِيهُهَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ: «مَالِي أَرَى رَعِيَّتَكَ عَنْكَ نَافِرِينَ، وَمِنْ جَنَاحِكَ نَاقِرِينَ؛ لَا تُعَفِّ طَرِيقًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحَبَهَا، وَلَا تَقْتَدِحْ بِزَنْدٍ كَانَ أَكْبَاهُ، وَتَوَخَّ حَيْثُ تَوَخَّى صَاحِبَاكَ-أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ- فَإِنَّهُمَا ثَكَمَا الْأَمْرَ ثَكْمًا، وَلَمْ يَظْلِمَا، هَذَا حَقُّ أُمُومَتِي أَقْضِيهِ إِلَيْكَ، وَإِنَّ عَلَيْكَ حَقَّ الطَّاعَةِ»، فَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قُلْتِ فَوَعَيْتُ، وَأَوْصَيْتِ فَقَبِلْتُ».


فَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أُمِّنَا أُمِّ سَلَمَةَ وَأَرْضَاهَا، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ وَمُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.


وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...


الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.


ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ تُنْسَى أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا؟!

أَيُّهَا السَّادَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَقِيهَةً عَالِمَةً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَسْأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا قَالَتْ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَنَا لَا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ؟ قَالَتْ: فَلَمْ يَرُعْنِي مِنْهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا وَنِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: وَأَنَا أُسَرِّحُ شَعْرِي، فَلَفَفْتُ شَعْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى حُجْرَةٍ مِنْ حُجَرِ بَيْتِي، فَجَعَلْتُ سَمْعِي عِنْدَ الْجَرِيدِ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]»؛ رَوَاهُ أَحْمَدُ.


وَإِنَّ الْمَقَامَ لَا يَسَعُ لِذِكْرِ الْمَزِيدِ مِنْ سِيرَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَمَوَاقِفِهَا الْخَالِدَةِ، لَكِنَّنَا نَخْتِمُ سِيرَتَهَا بِذِكْرِ مَوْعِدِ فِرَاقِهَا، وَرَحِيلِهَا إِلَى بَارِيهَا وَجِوَارِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ تُوُفِّيَتْ فِي عَهْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَلَهَا مِنَ الْعُمُرِ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ عَامًا، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا، وَجَعَلَ الْفِرْدَوْسَ مُسْتَقَرَّهَا وَمَأْوَاهَا.


فَلَقَدْ كَانَ فِي سِيرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِثَالٌ يُحْتَذَى بِهِ فِي التَّضْحِيَةِ، وَالْحِكْمَةِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَسَدَادِ الْقَوْلِ، وَالْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ، وَالصَّلَاحِ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا.


ظَهَرَ فِي سِيرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَظِيمُ التَّضْحِيَةِ الَّتِي بَذَلَتْهَا فِي سَبِيلِ إِيمَانِهَا؛ إِذْ هَاجَرَتِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَابْنِهَا، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى شَتَاتَهُمْ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمَا هِيَ إِلَّا بِضْعُ سَنَوَاتٍ حَتَّى أُصِيبَتْ فِي زَوْجِهَا، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ وَيُحِبُّهَا، وَكَانَ نِعْمَ الرَّجُلُ حِينَ أَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بَعْدَهُ، وَدَعَا لَهَا أَنْ تُرْزَقَ خَيْرًا مِنْهُ؛ لِتُرْزَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَكُونَ أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ. فَعَوَّضَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِصَبْرِهَا وَيَقِينِهَا وَثَبَاتِهَا عَلَى إِيمَانِهَا خَيْرًا مِمَّا كَانَتْ تَأْمُلُ وَتَرْجُو. وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ مَا يَرْجُو وَيَتَمَنَّى. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَبَاتُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى إِيمَانِهَا رَغْمَ الصِّعَابِ، وَصَبْرُهَا مَعَ عَظِيمِ الْمُصَابِ؛ مِثَالًا يُنْقَلُ لِلنِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ؛ لِيَعْلَمْنَ أَنَّ مِنْ أَسْلَافِهِنَّ عَظِيمَاتٍ صَبَرْنَ فَظَفِرْنَ، وَكُنَّ أَعْلَامًا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، تَتَنَاقَلُ سِيَرَهُنَّ الْأَجْيَالُ الْمُتَعَاقِبَةُ. وَيَنْبَغِي لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْمُرَبِّيَاتِ أَنْ يُرَبِّينَ بَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سِيَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَسْتَقِينَ مِنْ حَيَاتِهِنَّ الْعِبَرَ وَالدُّرُوسَ، وَمَا أَكْثَرَهَا لِمَنْ قَرَأَهَا وَتَأَمَّلَهَا! فَأَوْلَى بِأَهْلِ الْإِيمَانِ أَنْ يَقْرَءُوا سِيَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ تَقْرَأَهَا النِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ، وَأَنْ يُرَبِّينَ عَلَيْهَا بَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَبْقَى نَفْعُهُ، وَلَا يَنْقَطِعُ خَيْرُهُ، وَهُنَّ الْقُدْوَةُ لِنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا اخْتَارَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى نِسَاءً لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْأُمَّةِ؛ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الْأَحْزَاب: 33]، وَنِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخَصِّ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَسِيَرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالْمُطَالَعَةِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ سِيَرِ أَرَاذِلِ النِّسَاءِ مِمَّنْ لَا وَزْنَ لَهُنَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ تَمَرُّدِهِنَّ عَلَى شَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَرَفْضِهِنَّ أَحْكَامَ دِينِهِ الَّتِي ارْتَضَاهَا لِعِبَادِهِ، وَكَمْ مِنْ فَتَاةٍ ضَاعَتْ حَيَاتُهَا فِي مُتَابَعَةِ الْمَشْهُورَاتِ! وَكَمْ مِنْ فَتَاةٍ أَمْضَتْ عُمْرَهَا فِي قِرَاءَةِ رِوَايَاتٍ لَا تَنْفَعُ! وَالْإِنْسَانُ مَسْئُولٌ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ؛ ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾ [النجم: 39 - 42].


اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • أم سلمة رضي الله عنها
  • قصة أم سلمة
  • من مائدة الصحابة: أم سلمة رضي الله عنها

مختارات من الشبكة

  • أمهات المؤمنين رضي الله عنهن (10) أم سلمة رضي الله عنها في بيت النبوة(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • حديث: إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • من الكبائر الشائعة: (8) غصب الأرض ولو شبرا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حديث: إسلام غيلان بن سلمه وله عشر نسوة(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)
  • خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أمنا أم المؤمنين الطاهرة عائشة رضي الله عنها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ومضات نبوية: "أنتم شهداء الله في أرضه"!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أم المؤمنين عائشة الفقيهة العالمة (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية
  • أكثر من 100 شخص يتعرفون على الإسلام خلال يوم المسجد المفتوح في ميلفيل
  • اختتام منافسات قرآنية متميزة في بنغلاديش بمشاركة 3000 متسابق
  • أكثر من 400 طالب يشاركون في مسابقة المعلومات الإسلامية بأستراليا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 4/3/1448هـ - الساعة: 15:44
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب